داو الخالد العجيب
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 123 – من كان المعتدي؟
بدات كتله المسامير الصدئة التي تقيأها وكأنه أداة اغتيال مميتة. وما إن رأى لي هووانغ ما خرج من جوفه، حتى أدرك على الفور وبشكل غريزي أن هذا هو مصدر تلك "الشوكولاتة" التي تناولها في عالم الهلوسة.
بعد لحظات، رفع ذراعه اليمنى انتبه ألم حاد يلسع كتفه. وعندما تفحص موضع الألم، وجد جرحاً عميقاً بشعاً لدرجة أن العظام البيضاء كانت بارزة من خلاله.
كان هذا هو نفس الموضع الذي ضربته فيه يانغ نانا بحقيبتها قبل قليل!
'لقد حاول أحدهم قتلي وأنا محتجز داخل الهلوسة!' استوعب لي هووانغ الحقيقة الصادمة على الفور.
تحمل الألم وقاوم دوار رأسه، ثم مسح عينيه المحمرتين بالدماء لينظر بهما لما حوله. وفي ظلمات المكان، رأى صفوفاً من أعضاء طائفة أوجينغ يقفون ثابتي الأقدام كأنهم شواهد قبور، يرمقونه بنظراتهم الصامتة.
عند رؤية ذلك، زمجر لي هووانغ بغضب وعصيب، وفتح السجلات الغامضة على الأرض، قطرات الدماء تقطر من شفتيه لتهبط فوق رقاع الخيزران الحمراء.
تشانغ!
في الوقت نفسه، استل لي هووانغ سيفه مشهر نحو أعضاء الطائفة المحيطين به.
زمجر بصوت يملؤه الغيظ: "ما معنى هذا؟! هل هذا هو ما تسمونه التزاماً بالقواعد؟ أم أنكم تعتقدون أنني صيد سهل يمكنكم الاستهانة به؟!"
تردد صداه الغاضب في الكهف المظلم، لكن لم يجبه أحداً. ظلوا واقفين في أماكنهم بلا حركة، يحدقون فيه بعيون مليئة بالفضول والاستهزاء المكتوم.
وبينما كان لي هووانغ على وشك الخوض في معركة حامية والقتال حتى رمقه الأخير، اندفعت يينغزي من بين الحشود محاولةً بكل ما أوتيت من قوة سحبه بعيداً.
قالت يينغزي بنبرة يملؤها الذعر وهي تحاول سحب جسده الملطخ بالدماء بعيداً عن المكان: "سيدي، لنذهب من هنا! لنغادر هذا المكان بسرعة، ولا تنظر إليهم بعد الآن!"
حدق لي هووانغ في يينغزي، وكانت نظراته نحوها حادة وباردة كالتي ألقاها على بقية المسوخ من حوله.
بعد لحظة، أخرج بضع حبوب من دواء تغذية الدم من القرعة المعلقة على خصرها وابتلعها دفعة واحدة.
ثم تجاهل نظرات الجميع في طائفة أوجينغ، وعاد إلى كهفهم يستند على كتف يينغزي.
كان الألم في جسده يتأجج كالنار؛ وكان يعلم أن أحشاءه ومعدته في حالة يرثى لها بعد أن تقيأ تلك المسامير الصدئة. لكن لم يكن أمامه سوى الاستلقاء على السرير، والانتظار حتى تعمل قدرته على الشفاء الذاتي المتسارع للمساعدة في ترميم جسده.
بعد أن استرد بعض هدوئه، تفحص لي هووانغ جسده ليجد أنه لم يصب بإصابات داخلية فحسب، بل كانت هناك جروح قطع منتشرة على جسده في ذات المواضع التي ضربته فيها يانغ نانا بحقيبتها.
عندما رأت يينغزي جراحه، اعتراها شعور بالصراع والتخبط. وبعد تردد قصير، أخرجت كتاباً مغطى بالشمع من طيات رداءها وقالت: "سيدي، دعني أعالجك، لكن عليك أن تتحمل بعض الألم."
وما إن اقتربت منه حتى لوّح لي هووانغ بذراعه اليمنى وضرب الكتاب المغطى بالشمع ليرمي به بعيداً.
سألها لي هووانغ بنبرة صارمة: "كنتِ الوحيدة بجانبي قبل قليل، أخبريني… ما الذي حدث بالضبط؟"
قبضت يينغزي على أطراف رداءها بشدة وهي تصارع الخوف: "أنا… لا أستطيع القول… وإلا سقتلوني…"
في تلك اللحظة، حدق لي هووانغ في رأسها المنحني وأدرك أنه لم يتحقق قط في ملامح وجهها الحقيقي.
أمرها بصوت قاطع: "ارفعي رأسك وانظري إليّ."
انتاب يينغزي التوتر الشديد فور سماع أمره، وازدادت في إخفاء وجهها وتجنب نظراته، خائفة من النظر مباشرة في عيني لي هووانغ.
استمر لي هووانغ في الضغط عليها: "مِمَّ تخافين؟ هل أرسلوكِ إليّ لتكوني عيناً لهم وتتجسسي عليّ؟ هل كان كل ما قلته بالأمس مجرد أكاذيب؟ ما هو هدفكم الحقيقي يا أيها الاوغاد الذين يشوهون انفسهم؟!"
تنفسها بدأ يصبح غير منتظم ومضطرباً كأنها تكبت شيئاً ما: "لا، ليس الأمر كذلك! صدقني، ليس كذلك…"
"إن لم تكوني واحدة منهم، فمن هو الذي هاجمني وأصابني قبل قليل؟! تحدثي! ألم تقولي إنكم تلتزمون بالقواعد دائماً؟ هل هذا الغدر جزء من قواعدكم أيضاً؟ أم أنكم ستموتون إن لم تقترفوا عملاً شريراً؟!"
وصل اضطراب يينغزي وصراعها الداخلي إلى حد أنها أدمت شفتيها من شدة العض عليهما.
وبينما كانت على وشك النطق بشيء ما، طرق أحدهم الباب.
التفت لي هووانغ ويينغزي في الوقت نفسه نحو المصدر. كان يقف عند الباب عضوان من طائفة أوجينغ، أحدهما يرتدي زياً أسود والآخر يرتدي الأبيض، وكان طول كل منهما يتجاوز المترين. وقفا هناك صامتين دون أن ينطقا بكلمة.
عرفت يينغزي فوراً ماذا يعني حضور هذا الثنائي؛ فارتجف جسدها بشدة وبدأت تخطو نحو الخارج بخطى مسلوبة الإرادة.
'ما الذي يحدث؟ ألن يتكلفوا حتى عناء التمويه، ويريدون أعتقالي أو الإمساك بي؟'
أمام هذا الموقف، أغمض لي هووانغ عينيه محاولاً تركيز أنفاسه لشفاء جسده قدر المستطاع؛ فلو تدهورت جراحه أكثر من ذلك، فقد يجبر دان يانغزي على الخروج للسيطرة مرة اخرى.
لكنه في تلك اللحظة، شعر بملمس غريب يداعب جروحه.
فتح عينيه ليرى مانتو قد اقترب منه بخفية وأذنيه متدليتان، يلحس جروح لي هووانغ برفق.
ربت لي هووانغ على رأس الكلب وهمس لنفسه: "مانتو، ما رأيك أن ترافقني في المرة القادمة التي أخرج فيها؟ لا داعي للحراسة في الغرفة بعد الآن، فأنا بحاجة فعالة إلى رفيق يبقى بجانبي."
وفجأة، انكمش جسد مانتو الهزيل وتراجع للوراء وهو ينظر نحو الباب. وعندما رأى أن العتبة خالية، عاد ليلعق جراح لي هووانغ.
غير أن لي هووانغ التقظ ما تنبه له مانتو؛ إذ التقظ حسه السمعي الفائق صوتاً خافتاً بعيداً… صوت امرأة تصرخ بألم مبرح.
كان يعلم أن ذلك الصراخ ينبع من يينغزي؛ فهي التي أُخذت بعيداً قبل لحظات قليلة.
تردد لي هووانغ لبرهة، ثم ألقى برأسه وربت على رأس مانتو بخفه، قبل أن يضغط على أسنانه ويتحمل ألم جراحه لينهض واقفا.
تمتم لنفسه بنبرة خائرة: "مصيبة تلو الأخرى… ألا يمكنني الحصول على قسط من الراحة؟"
ثم بدأ يجر قدميه ببطء متجهاً خارج الكهف نحو مصدر الصراخ.
تعالت الصرخات وازدادت حدة حتى وصل لي هووانغ إلى التجويف الصخري الكبير الذي مر به سابقاً.
وهناك، كانت يينغزي عارية تماماً، وقد غُرز خطافان ضخمان في عظام ترقوتها لتعليقها في أعالي الكهف.
وكان العضوان اللذان يرتديان الأبيض والأسود يدوران حولها، وكل منهما يحمل شفرة رفيعة يقتطعان بها شرائح رقيقة من لحم جسدها.
سووو~
في تلك اللحظة، انطلق أحد أظافر لي هووانغ كالرمح، ليقطع السلاسل التي تُعلق يينغزي، سقطت الفتاة الملطخة بالدماء وصدمت بالأرض بقوة.
تقدم لي هووانغ إلى الأمام ووقف أمامها وغطاها لحجبها عن أنظار الآخرين.
حدق بغضب عارم في شو سان وجسده المحترق، وسأله بصوت يقطر حنقاً: "هل تعتبر طائفة أوجينغ وعودها مجرد هواء؟ هل ما زال الاتفاق بيننا قائماً أم لا؟!"
بدت على شو سان علامات المفاجأة لرؤية لي هووانغ يظهر في هذا المكان، لكن نبرة إجابته حملت التسلية والاستخفاف: "بالتأكيد. ما زلت أحترم طلب الراهبة؛ اتفاقنا لا يزال سارياً، وسنفي بكلمتنا بالطبع."
نهاية الفصل.