داو عابر العوالم الفصل 7 — البقاء

اقرأ داو عابر العوالم الفصل 7 — البقاء باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظ يانغ منكمشاً على أرضية الكهف الصغير المحاط بالتراب والعظام الصغيرة. تورّمت عيناه من البكاء ولا يزال جسده يرتجف بخفة من أحداث الليلة السابقة ومن رؤية الجد تشين وهو يموت. استيقظ لكنه ضمّ نفسه أكثر على هيئة كرة وشعر بألم الجوع الملتوي في معدته. أراد للحظة واحدة أن يبقى منكمشاً على تلك الهيئة حتى يموت جوعاً لأن ذلك بدا أسهل الآن من حياة تقاسى فيها ألم فقدان الجد.

شعر الطفل بداخله أن العالم قد انتهى بموت الجد. لكن عقله الراشد قاوم. تذكّر كل شيء منذ ولادته. تذكّر كيف اعتنى به الجد. ربما آواه الجد شفقة في البداية لكنه أحب يانغ أكثر من حياته نفسها. وقف الجد منذ يوم ولادته بينه وبين كل ما يوذيه؛ الطقس والجوع وسخرية القرويين الآخرين من افتقاره للنسب. أدرك وهو يرقد هناك على أرضية الكهف الصغير أنه لم يشعر بالحزن قط في هذه الحياة حتى الليلة السابقة.

لقد أحبّه الجد كثيراً لدرجة أن فقدان ذلك الحب بدا كفقدان إحدى حواسه. كان الغياب ماديّاً وملموساً، وجعاً أجوف في صدره جعل التنفس صعباً. أحبّني الجد كثيراً. سيزعجه أن يراني هكذا، فكر يانغ وهو يتماسك ويجلس ماسحاً الدموع التي بدأت تنهمر من جديد. سيصنع شيئاً لنفسه. سيعيش ويجعل الجد فخوراً به. لم يدرِ يانغ إلى أي مدى ركض داخل الغابة. لم يذهبا قط هو والجد عميقاً في الغابة.

توغلا بشكل أقل عمقاً من باقي القرويين لأن يانغ كان أصغر من أن يتحمل وكان الجد أسنّ من ذلك. ذهبا في الغالب لجمع الجذور والخوتف والقطف من الثمار البرية. لم يحصلا على اللحم قط لعدم قدرة أي منهما على الصيد بمفرده أو المساهمة في فريق صيد ولم يمتلك أي منهما ما يدفع به أو يقايض به من يصيد. كانت قريتهم قريبة من غابة وبعيدة عن أي مدينة كبيرة أو بلدة. تبعد أقرب بلدة أو مدينة يعرفها بضع أسابيع من السفر وما عرف ذلك إلا لأن قافلتي تجار تمران هناك مرة في كل عام.

على أي حال لم يستطع العودة إلى القرية. سيُقتل على يد الأشخاص أنفسهم الذين قتلوا الجد. لم يسكن القرية سوى فقراء يعيشون في أكواخ وكما اعتاد القرويون القول لم يكن سوى الجد غبياً بالقدر الكافي ليأوي عبئاً صغيراً مثله. كان الجد طاعناً في السن لدرجة لم توقع معها بقاءه طويلاً بما يكفي ليقطف ثمار تربية يانغ. لم يصدق أحد قدرته على العيش طويلاً ليعتني به يانغ في شيخوخته إذ تجازوز سن الشيخوخة بالفعل حين آوى يانغ.

لم يتوقع ذلك الجد نفسه. نجا الجد بقوة الإرادة وحدها وعزيمته على رؤية يانغ يبلغ سن الرشد ليتمكن من الاعتماد على نفسه. لكن أولئك المسوخ سلبوه حتى ذلك. علم يانغ أنه كان فتى مدينياً في حياته السابقة ولا خبرة لديه في البقاء بالبرية في كلتا الحياة. لكنه حاز بعض المعرفة التي قدمها له الجد والتي قد تفيده. عاش الجد حياته كلها في تلك القرية واعتاد الذهاب إلى الغابة للصيد أو نصب الفخاخ للحيوانات حين كان أصغر سناً.

قد يفيده بعض تلك الدروس والقصص الآن. امتلك مأوى في الوقت الحالي لكنه احتاج للوصول إلى الماء والطعام ليتمكن من النجاة. استنفد طاقته كلها الليلة السابقة لذا وجب عليه العثور على طعام وماء قريباً ويُفضّل أن يكون ذلك قبل حلول الظلام. رأى الضوء يتسلل عبر مدخل الكهف فزحف إلى الخارج ليلقي نظرة. بدا الوقت بعد العصر. تفصل ساعات قليلة الشمس عن الغروب من جديد. قرر يانغ البحث عن الماء أولاً لكونه أولوية أكبر بكثير من الطعام.

يستطيع الإنسان البقاء أسابيع بلا طعام ولكنه لا يصمد سوى أيام بلا ماء. تذكر ذلك من... مكان ما. حياته السابقة ربما رغم ضبابية الذكريات المحددة. تواجد في الجزء الكثيف من الغابة وصعب عليه المشي لعدم كونها منطقة يقصدها البشر بانتظام. اصطدم باستمرار بفروع رفيعة وشجيرات كبيرة وخدشته حين اضطر لدفعها. علقت ثيابه الممزقة بالفعل بالأشواك وانضمت خدوش جديدة إلى تلك التي أصيب بها الليلة السابقة.

امتلك ذاكرة جيدة وهي ميزة منحته إياها إعادة التجسد لذا حرص على حفظ موقع الكهف ليتسنى له العودة قبل حلول الظلام. انقسم عقله أثناء مسيره بين حفظ الطريق الذي سلكه والترقب الدائم للأخطار والبحث عن طعام يأكله أو مصدر ماء. ضربته فكرة أثناء شقه لشجيرة كثيفة على غير العادة. حتى لو عثر على الماء فلم يملك شيئاً يحتفظ به فيه. إن نوى البقاء في الغابة في المستقبل المنظور احتاج إلى ما يفوق بكثير مجرد معرفة مكان وجود الماء.

احتاج إلى أوعية وأدوات ووسيلة لحفظ الموارد. لكن تلك مشاكل تؤجل لوقت لاحق. أراد العثور على الماء الآن. سمع نقيق ضفدع بغتة وقرر تتبع اتجاه الصوت. اقترب فسمع المزيد من أصوات الحياة، ضفادع أخرى وحشرات تئز وأصواتاً خافتة تشير إلى وجود ماء قريب. وجد ينبوعاً صديراً ينبثق من الأرض، ماءً صافياً يفور بين الصخور ويكون بركة صغيرة قبل أن يتسرب بين الأشجار. سقط يانغ على ركبتيه قرب الحافة فور رؤيته للماء وجمع كفيه بيأس ليشرب.

كان الماء بارداً وصافياً فشرب حتى شعرت معدته بامتلاء مزعج. غسل وجهه وذراعيه كذلك بعد أن روي غليله وأطلق زفيراً حاداً حين لسع الماء الخدوش التي تغطي جسده. جلس قرب الماء وتأمل وضعه بعناية أكبر. اقترب الينبوع بما يكفي ليتمكن من مجيئه من الكهف لشرب الماء يومياً. لكنه احتاج للعثور على مصدر ماء أكبر في نهاية المطاف. كان هذا الينبوع ضئيلاً وقد يجف أو تدنسه الحيوانات. تطلب الأمر خيارات أكثر.

وقف يانغ وبدأ المشي في اتجاه مختلف باحثاً عن شيء يأكله. وجد شجيرة تحمل توتاً لكنه لم يتعرف عليها ولم يبلغ به اليأس حد المجازفة بتسميم نفسه بعد. الماء أساسي للبقاء لكن الإنسان يستطيع البقاء لبضع أسابيع بلا طعام. سيكون الأمر مؤلماً لكنه ممكن. أما أكل الشيء الخاطئ فقد يقتله في ساعات أو أيام. بحث حوله لفترة أطول لكنه عجز عن تمييز أي شيء قابل للأكل على يقين. عرضت الغابة حياة نباتية وفيرة لكن بلا الجد ليدله على الآمن لم يستطع يانغ المجازفة.

قرر العودة إلى الجدول ثم الكهف إذ اقترب كثيراً من حلول الظلام. شرب من الينبوع مرة أخرى وملأ معدته بأكبر قدر يستطيع حمله ثم عكف راجعاً إلى الكهف بالدرب نفسه الذي سلكه. أخذ يجمع أثناء مسيره أي أغصان جافة صادفها. كانت تلك مهمة يمكنه إدارتها على الأقل. أراه الجد كيف يميز الخشب الجاف القابل للاشتعال عن الخشب الأخضر الذي يصنع دخاناً فحسب. بدا الدرس عديم الفائدة وقتها؛ فقد امتلكا وقوداً قليلاً لنارهما لدرجة أحرقا معها أي شيء عثرا عليه لكن يانغ امتّن الآن لكل قطرة معرفة شاركها الجد.

بلغ الكهف تماماً مع حلول الظلام وبقي القليل من الضوء. كان القمر قد أطلع بالفعل مورداً قدراً من الإنارة. حمل حزمة معتبرة من الأغصان عند وصوله وكانت ذراعاه تؤلمانه وممتلئتين. لم يستطع إدخالها كلها إلى الكهف دفعة واحدة فتطلب الأمر عدة رحلات لنقل كل شيء للداخل. تعذر تركها بالخارج خشية المطر أو ندى الصباح الذي يبللها. لن يحترق الخشب المبلل وقد تكون النار هي الفارق بين الموت والحياة هنا.

دخل يانغ كهفه واستلقى على ظهره بعد أن سند الأغصان الجافة إلى أحد الجدران. أراد محاولة إشعال نار ولكنه بلغ من التعب مبلغه ولم يعتاد جسده الطفولي على عمل كهذا. تألمت عضلاته بطرق لم يعهدها من قبل. حتى في أصعب الأيام مع الجد لم يجهد نفسه هكذا. ضرب الحزن من جديد لعدم قيامه بشيء. لكنه لم يدعه يستهلكه. فكر عوضاً عن ذلك في الذكريات السعيدة مع الجد والطريقة التي يهمهم بها الجد أثناء عمله ودفء يد الجد وهي تمسك بيده وطريقة الجد الصبورة في الإجابة عن أسئلته التي لا تنتهي.

أنا حي بسببك، فكر يانغ بينما جذبه النوم نحو الأعماق. سأستمر في العيش. أعدك بذلك. استغرق في النوم ودموعه تجف على وجنتيه مرهقاً ولكنه حَيّ.