"من أنت؟ وماذا تريد؟"
هتف لي سان بجسد متصلب، مستعداً للقتال أو الفرار برفقة يانغ.
قاطعه يانغ على عجل: "لي سان، اهدأ. أنا أعرفه".
التفت لي سان نحو يانغ بحيرة: "ماذا؟ منذ متى؟"
أجاب يانغ: "إنه الرسام".
اتسعت عينا لي سان، ونظر إلى تشنغ مو بذهول: "الرسام؟"
قال تشنغ مو بلهجة متعالية وهو يلوح بيده في الهواء بحركة مسترخية: "أجل، أنا الرسام".
فجأة، ظهر قارب يطفو على ارتفاع قدم عن الأرض وسط الزقاق.
أمر تشنغ مو: "اصعدا".
تمتم لي سان بكلمات غير مفهومة، وحاول يانغ إقناعه بالصعود، لكن تشنغ مو نقر بإصبعه، فجُذب الاثنان نحو القارب بانسيابية، كأنهما وقعا في تيار جارف، دون أدنى قدرة على المقاومة. ارتفعت قدماهما عن الأرض، وتحرك جسداهما رغم إرادتهما. هبطا في القارب. تشبث يانغ بالحافة، وكاد لي سان يسقط. بدا القارب مصنوعاً من مادة شبه شفافة بلون أزرق فاتح، تشبه الكوارتز أو نوعاً من الحجر. تملك الذهول لي سان ويانغ.
وأدرك يانغ أنه عثر على شيء يفوق كل ما كان يبحث عنه، ويتجاوز كل ما عرف بوجوده. كان سيشعر برعب لا يوصف لولا أن غرائزه كانت تضطرب بحماس لم يعهده من قبل. حتى لو حاول يانغ رفض الرحيل، لأجبرته غرائزه على المضي قدماً. صعد تشنغ مو خلفهما دون أدنى جهد، كأنه يخطو على الهواء الذي طوعه لإرادته. وما إن استقر في القارب حتى تبدلت ثيابه؛ من ثياب تليق بمدينة الشمس إلى أخرى تخطف الأبصار.
بدلاً من قميصه الرمادي وسرواله، ارتدى الآن رداءً أزرق داكناً يلامس الأرض، تظهر من تحت ياقته طبقات من أردية أخرى. استطال شعره حتى جاوز خصره، ورفعه تاج فضي في عقصة علوية. بدا وكأنه صغر عشر سنوات في ثوانٍ. لو لم يشاهد يانغ هذا التحول، لما عرفه حتى لو تأمل وجهه، رغم بحثه عنه لأسابيع. كانت ملامحه هي نفسها، لكن شيئاً ما فيها تغير. بريق غامض في عينيه، وبشرة صافية على نحو غير طبيعي، ملساء وموحدة اللون.
أدرك يانغ أن أحداً لا يملك بشرة كهذه. حتى في عالمه السابق، كان الناس ينفقون ثرواتهم، ويحتاجون إلى مستحضرات التجميل والفلاتر ليحققوا عُشر هذا التأثير. كان شعره لامعاً عاكساً للضوء. قد يبدو رجلاً، لكن بخلاف ظهوره المفاجئ وما رآه يانغ من سحر، كانت هيئته وحدها تميزه عن البشر العاديين. كادت عينا لي سان تخرجان من محجريهما، ولم يمنعه من القفز خارج القارب سوى يد يانغ التي كانت تقبض على ذراعه.
سأل لي سان: "ما أنت؟"
أجاب: "أنا رسام".
رد لي سان مشيراً إلى القارب وهيئة تشنغ مو: "الرسامون لا يفعلون هذا".
قال تشنغ مو: "ألا يفعلون؟ أظن أن الرسام لا يصور العالم، بل يستحضره إلى الوجود".
التفت تشنغ مو إلى الأمام، فارتفع القارب بسرعة. صعدوا في ثوانٍ حتى صاروا فوق مدينة الشمس. فُغر فم لي سان، وذهل يانغ أيضاً. من هذا العلو، بدت الأسوار الضخمة ضئيلة، والشوارع كخطوط مرسومة في التراب، والناس كالنمل. واصلوا الصعود حتى بلغوا الغيوم، فغابت الأرض تماماً عن الأنظار. أدرك يانغ أن عليهم الشعور بهبوب الرياح القوية في هذا الارتفاع، لكن شيئاً لم يحدث. كان القارب يتمتع باستقرار مذهل، فلم يتأثروا بسرعته أو انحرافاته.
بعد بلوغ ارتفاع محدد، بدأ القارب يتسارع، حتى عجز يانغ ولي سان عن استيعاب ما يريانه؛ كانت السرعة تفوق قدرة عقولهما على المعالجة. كان الأمر فوق الاحتمال. جلس الاثنان في القارب، لا بسبب السرعة، بل لأن رأسيهما آلمهما من محاولة فهم ما يريانه.
أمال تشنغ مو رأسه قليلاً نحوهما وقال: "أغمضا أعينكما".
أغمض يانغ ولي سان أعينهما فوراً، وتمسك كل منهما بيد الآخر طلباً للطمأنينة. عرف يانغ أن لي سان يخاطر كثيراً بوضع ثقته فيه. بعد موت الجد، لم يظن يانغ أنه سيمتلك عائلة يوماً، لكن قرية يونشي كانت غاية ما لم يجرؤ على التمني به. ولي سان هو الأخ الذي لم يظن يانغ أنه يستحقه. لا يعرف يانغ ما فعله ليستحق شخصاً كهذا، لكنه قطع على نفسه عهداً ألا يندم لي سان يوماً على مؤاخاته.
لا يعرف يانغ كم استغرقت الرحلة. شعر بتباطؤ القارب، ففتح عيناً واحدة. كانت هناك جبال صخرية، جبل ضخم أحمر اللون، خالٍ من أي خضرة. أخبر يانغ لي سان أن يفتح عينيه، فذهل لي سان من المنظر. لقد ابتعدوا كثيراً عن مدينة الشمس؛ فهذه الجبال لا توجد في تلك الأنحاء. لم يرَ لي سان شيئاً كهذا قط، لكن يانغ رأى جبالاً تشبهها في حياته السابقة. مع اقترابهم، هبط القارب حتى صار على ارتفاع قدم عن الأرض.
قفز يانغ ولي سان قبل أن يضطر تشنغ مو لسحبهما، فقد كرها الشعور بفقدان السيطرة. نظر تشنغ مو إليهما بتسلٍّ دون أن ينبس ببنت شفة. اختفى القارب بلمحة من يده كما ظهر. قادهما تشنغ مو إلى فوهة كهف يمتد في العمق. رفض تشنغ مو الإجابة عن أي سؤال، فالتزم يانغ ولي سان الصمت، يتبادلان النظرات، فكلاهما لا يرغب في إغضاب رجل كتشنغ مو. بعد سيرهما ساعات، وصلا إلى كهف مظلم واسع. كان العثور على الطريق صعباً، وكاد يانغ ولي سان يسقطان لولا سحر تشنغ مو الذي حال دون ارتطامهما بالأرض.
واصلا السير في الظلام.
أرشدهما تشنغ مو إلى مساحة مفتوحة وقال: "لا تتحركا".
كانوا يقفون على مسافة قريبة من بعضهم. بسط تشنغ مو ذراعيه، فنثر حجارة متوهجة أضاءت الكهف والتصقت بالأرض. بفضل ضوء الحجارة، رأى يانغ نقوشاً معقدة على الأرض، تحيط بها ثلاثة عشر عموداً مرتبة في دائرة. تسرّب ضوء الحجارة إلى النقوش، فأضاءت كلها، ثم صعد الضوء إلى الأعمدة التي جمعته في قممها. فجأة، أطلقت الأعمدة الثلاثة عشر شعاعاً نحو مركز الدائرة، حيث يقفون. تلاقت الأشعة فوقهم، وتوسع الضوء الأبيض ليشكل أسطوانة عمودية.
أطلق لي سان صرخة مكتومة. وقف تشنغ مو بلا حراك، لكن يانغ كان ينظر إلى كل شيء بشوق لم يعرفه من قبل. تألقت عيناه بأكثر من مجرد الضوء المحيط. كان ينظر إلى كل نقش مضيء بنهم، ولم يرفع عينيه عنه، كأنه يحاول حفر كل تفصيلة في ذاكرته. رأى عمود الضوء يخترق جسده وجسدي لي سان وتشنغ مو، دون أن يشعر بأي ألم. فجأة، عجز يانغ عن سماع أو الشعور بوجود تشنغ مو أو لي سان. صار وحيداً وسط ومضات من ألوان شتى، كأن اللون الأبيض يتشظى إلى كل ظل ممكن.
وفي هذا المكان، ارتسمت ابتسامة على وجه يانغ. فقد أيقن أنه ربما عثر على شيء أسمى من طريق الفنون القتالية الذي كان يبحث عنه.