التفت يانغ فجأة نحو الصوت. تحرك جسده قبل أن يدرك عقله ما يجري. كان الصوت ينبعث من النافذة. كان تشنغ مو يتكئ على إطار النافذة. مسترخياً. عفوياً. كأن الظهور المفاجئ في غرف الطابق الثاني هو أمر طبيعي في هذا العالم. اعتدل يانغ في جلسته فوراً. هبطت يده نحو خنجره. لكن شيئاً ما جعله يتردد. غريزة أخبرته أن تشنغ مو لن يرتجف، حتى لو وضع الخنجر على حنجرته. لن يرف له جفن. بدا تشنغ مو مختلفاً عما كان عليه في تلك الليلة قبل ثلاثة أسابيع.
الوجه هو الوجه. الملامح المنهكة هي ذاتها. ومع ذلك، ثمة خلل ما في حضوره. بدا أكثر إشراقاً. أخف. كانت حركاته انسيابية بطريقة تبدو غير طبيعية. كأنه يطفو خلال أدائه للحركات لا يتحرك فعلياً. كأن الجاذبية تؤثر عليه بشكل يختلف عن سائر البشر.
سأل يانغ بصوت خافت: "كيف دخلت؟ لم تكن هنا قبل قليل".
اكتفى تشنغ مو بابتسامة. ظل يرمقه بتلك العينين العارفتين. تجاهل سؤال يانغ تماماً.
سأل تشنغ مو بدلاً من ذلك وهو ينظر إلى اللوحة: "ما الذي تراه في هذه؟".
التفت يانغ إلى اللوحة. ثم عاد بنظره إلى تشنغ مو.
"ألا تراه بنفسك؟ ماذا فعلت بي؟ لتجعلني مأسوراً هكذا باللوحة؟".
ضحك تشنغ مو وسأل: "مأسوراً، تقول؟".
كان صوته صادقاً. يشي بالتسلية. نظر إليه تشنغ مو وتغيرت تعابيره إلى الجدية.
"لم أفعل شيئاً. كل ما يحدث بينك وبين اللوحة يخصكما وحدكما".
تساءل يانغ بحدة: "ماذا يعني هذا؟".
"ما تريد أنت أن يعنيه".
انطبقت فكّا يانغ على بعضهما. استشاط غضباً من تلك الإجابات الدائرية. نظر تشنغ مو مباشرة في عيني يانغ.
"هل تعلم أن كل لوحة تظهر شيئاً مختلفاً لكل إنسان؟ لأن كل نظرة تختلف عن الأخرى. إذا كانت هذه اللوحة قد أسرتك، فهذا لا يعني أنني سحرتها أو أن هناك خطباً ما فيها. بل يعود الأمر إلى كيف تنظر إليها. وما تراه فيها".
كرر يانغ ببطء: "كيف أنظر إليها".
قال تشنغ مو بهدوء: "لكل لوحة ألف معنى. ولا ينتمي أي منها للرسام".
صمت يانغ عند ذلك. كان يستوعب الكلمات.
ثم سأل: "ما الذي تفعله هنا؟ كيف وصلت إلى هنا؟".
سكت. تداحمت عليه الأسئلة حتى غصّ بها.
ابتسم تشنغ مو: "اسأل. لماذا توقفت؟ اطرح كل ما يدور في ذهنك دفعة واحدة. قد أجيبك".
تنفس يانغ بعمق. ثم نطق بالكلمات التي كان يرفض قولها.
"ما أنت؟".
ابتسم تشنغ مو: "ما الذي تظنني؟".
رفض يانغ الإجابة. رفض أن ينطق بأي أفكار مستحيلة.
قال تشنغ مو بنبرة تقريرية: "عيناك تريان أكثر مما يرى الآخرون. لا أعلم ما السر الذي تخفيه ولا أهتم حقاً. لكنه بالتأكيد سر بصير لأنك رأيت شيئاً في لوحتي. وبما أنك تبصر بالفعل، لِمَ لا أمنحك فرصة لترى المزيد؟".
اعتدل في وقفته المسترخية على النافذة.
"تعال معي ولن تندم".
انتفضت غرائز يانغ الداخلية. كان شعوراً فجائياً. حاداً. أيقن يانغ فجأة أنه يريد الذهاب مع هذا الرجل. بل يحتاج للذهاب. لكن الحذر ظل يكبح جماحه.
سأل يانغ: "إلى أين؟".
رفض تشنغ مو الإجابة.
اكتفى بالقول: "يمكنك المجيء معي أو البقاء. لن أجبرك".
"كيف أعرف أنك لن تؤذيني؟".
قال تشنغ مو بجدية: "أعطيك كلمتي أنني لن أؤذيك. لكن لا أضمن ألا تلاقي حتفك حيث سنذهب. ذلك يعتمد عليك".
خفق قلب يانغ.
"هل يمكن لأخي المجيء؟".
ارتفع حاجبا تشنغ مو قليلاً: "أخوك؟".
قال يانغ بحزم: "نعم. لن أذهب بدونه".
وأيقن يانغ في قرارة نفسه أن هذا حقيقي. لن يتخلى عن لي سان. حتى من أجل فرصة قد تكون أفضل ما حدث له في حياته. حتى من أجل إجابات حول الطريق المجهول أمامه. كان لي سان يقف بجانبه. غادر بيته معه. دعمه خلال هوسه باللوحة. عمل نوبات إضافية دون تذمر. أخذ أيام إجازة ليرافق يانغ أثناء بحثه. ولن يرد يانغ ذلك الوفاء بالخذلان.
سأل تشنغ مو بنظرات ثاقبة: "هل أنت متأكد؟ ماذا لو رفضت؟".
واجه يانغ عينيه: "حينها سأضطر للرفض أنا أيضاً".
تأمله تشنغ مو للحظة طويلة.
ثم ابتسم: "أنت وفيّ حقاً".
وقبل أن يرد يانغ، تابع تشنغ مو: "حسناً. سآخذكما كليكما. لكن بعد هذا، ما ستصنعه بهذه الفرصة يعتمد عليك وعلى أخيك. لا أستطيع أن أمنحك سوى هذه الفرصة. لا أكثر".
قال يانغ: "أفهم ذلك".
وجهه تشنغ مو قائلاً: "إذن اجمع كل ما لا تريد تركه خلفك".
تحرك يانغ بسرعة. كان أول ما التقطه هو اللوحة. لفها بعناية في القماش. ثم جمعا ما ادخراه من عملات. كانت الصرة ثقيلة بعد أشهر من التوفير الحذر. ملابسهما الأفضل. المقتنيات القليلة التي جمعاها خلال إقامتهما في مدينة الشمس. حُزم كل شيء في حقيبتين. كل ما يملكان في هذا العالم.
قال يانغ: "علينا الذهاب إلى منطقة المستودعات لنأخذ أخي. سيكون في عمله هناك الآن".
أومأ تشنغ مو: "قد الطريق".
غادرا النزل. يانغ في المقدمة. وتشنغ مو يتبعه. لاحظ يانغ شيئاً غريباً أثناء مرورهما بين حشود المساء. كان الناس يبتعدون عن تشنغ مو. حتى في الشوارع المزدحمة التي كان يضطر يانغ فيها لشق طريقه دفعاً، كانت الحشود تتنحى للرسام. كأن حاجزاً غير مرئي يحيط به. بدا الأمر وكأنهم لا يرون تشنغ مو حتى. لكن شيئاً لاواعياً جعلهم يتجنبونه. يتنحون جانباً دون أن يعرفوا السبب. وصلا إلى منطقة المستودعات.
لمح أحد زملاء لي سان يانغ. لوّح له.
"يانغ! ماذا تفعل هنا؟ نوبة لي سان لن تنتهي قبل ساعات".
سأل يانغ بنبرة ملحة: "أين هو؟ الأمر طارئ".
تغيرت تعابير الحارس: "سأحضره".
نادى إلى داخل المستودع. بعد لحظات، خرج لي سان راكضاً. ألقى نظرة واحدة على يانغ وهو يحمل أمتعتهما. اعتلت الصدمة وجهه.
"يانغ؟ ماذا يحدث؟".
اكتفى يانغ بالقول: "لي سان، نحن راحلون. الآن. خذ كل ما لا يمكنك تركه خلفك".
"عن أي شيء تتحدث؟".
بدا لي سان مشوشاً. قلقاً. لم يلحظ حتى تشنغ مو الذي يقف على بعد خطوات خلف يانغ.
أخيراً قال يانغ ببساطة: "لي سان. ثق بي. تعال معي".
هدأ لي سان. نظر عميقاً في وجه يانغ. يقرأ شيئاً في ملامحه. في وقفته. ثم التفت إلى زملائه الحراس.
"يا إخوة، أنا راحل الآن. أخي يحتاجني. آمل أن نلتقي مجدداً في المستقبل".
خطى بجانب يانغ. مستعداً لاتباعه أينما ذهبا. ناول يانغ الحقيبة التي جهزها لأغراض لي سان. أخذها لي سان دون سؤال. سارا معاً. تشنغ مو الآن في المقدمة. يانغ في الوسط. ولي سان خلفه. تبع يانغ تشنغ مو عبر الشوارع. ثم عبر أزقة جانبية. ثم إلى زقاق يضيق مع كل خطوة. وصلا إلى طريق مسدود. جدار يسد الطريق.
سأل لي سان: "يانغ، إلى أين نحن ذاهبون؟ ما الذي يوجد في هذا الزقاق؟".
التفت يانغ نحوه.
وضع يده على كتفه: "ثق بي، حسناً؟".
وفجأة تجمد لي سان. اتسعت عيناه. ينظر خلف يانغ. اندفع لي سان إلى الوراء. ساحباً يانغ خلفه. متخذاً بوضعية جسده موقفاً دفاعياً. كان تشنغ مو قد ظهر في مجال رؤية لي سان. مرئياً للمرة الأولى.