استرجع يانغ ذلك اليوم الذي تلا إفصاحه لآل لي عن رغبته في الرحيل. عن نيته تقصّي أخبار فناني القتال في بلدة غوانشي.
كان لي سان قد أخذ يلحّ على العم لي فور استيقاظه، وقد علا صوته بالحماس والعزم: "يا أبي، أريد الذهاب أيضاً! أريد أن أتعلم لأصبح بقوة يانغ! أرجوك دعني أذهب معه!"
تبادل الأخ الأكبر والأوسط النظرات، موقنين أن العم لي لن يسمح لولده الأصغر بالرحيل أبداً. كان لي سان بالكاد في الرابعة عشرة. لا يزال طفلاً في كثير من الوجوه. مدلل العائلة. لكن العم لي خيّب ظنونهما.
قال العم لي بحزم، ووجهه المكتسي بآثار الزمن لا يظهر أدنى تردد: "إن كنت سأدعم يانغ، فبالطبع سأدعم قرار لي سان. إن أراد البحث عن مستقبل خارج القرية، فله دعمي الكامل".
نظر إلى كل واحد من أبنائه، وتعبيرات وجهه تفيض بالدفء والمودة: "إنه ابني. بالطبع سأدعم أبنائي إن رغبوا في شيء لا يخالف الأخلاق. سأدعمهم دائماً. الأربعة جميعاً".
أثقلت هذه الكلمات صدر يانغ. الأربعة جميعاً. لقد تبنّاه العم لي كواحد من أبنائه بلا تحفظ. غمرت السعادة لي سان. عانق أباه وشكره مراراً وتكراراً. بدى على الأخوين الأكبر والأوسط الذهول، ثم الاستسلام، وأخيراً الدعم، مدركين منطق أبيهم حتى وإن آلمهم فراق أخيهم الأصغر. في النهاية، سمح هذا ليانغ ولي سان بمغادرة قرية يونشي سيراً على الأقدام معاً. بدأت رحلتهما بعبور البراري، مقتفيين الاتجاه الذي أشار إليه الشيخ تشينغشان.
غرباً. نحو حيث يُفترض أن تقع بلدة غوانشي. لم يلقيا الطريق إلا بعد أسبوع من المسير. طريق حقيقي. تراب مدكوك صلب بفعل سنوات من عجلات العربات وخطى المارة. لم يكن معتنىً به، لكنه من صنع البشر بلا شك. كاد يانغ يبكي من فرط الارتياح. الطريق يعني الحضارة. يعني أنهما يسيران في الاتجاه الصحيح، وأنهما ليسا تائهين تماماً في القفار. سارا من الفجر حتى أواخر النهار، يستريحان ليلاً تحت الأشجار أو في العراء.
ويغادران فور بزوغ الشمس كل صباح. كانت هذه أول رحلة حقيقية للي سان. لقد نشأ مدللاً مقارنة بنشأة يانغ القاسية في الغابة. كانت القرية عالمه بأسره. لم يسبق له أن سار لساعات طوال يوماً بعد يوم. كانت البثور تعذبه. فرغم عمله في الحقول، لم يعتد لي سان السير لساعات طويلة بحمل ثقيل. تورمت قدماه بألم. أضناه ثقل الحمولة، وارتجفت ساقاه من الإعياء كل مساء. لكنه لم يشتكِ. ولا مرة. لاحظ يانغ الألم.
رأى كيف يعرج لي سان قليلاً بحلول الظهيرة، وكيف يقطب وجهه ألماً حين يخلع حذاءه ليلاً.
عرض يانغ عليه يوماً أن يستريحا: "يمكننا البقاء هنا غداً. لتستعيد عافيتك".
رفض لي سان فوراً، ووجهه الصغير يعلوه الإصرار: "هل كنت ستتوقف يوماً كاملاً لو لم أكن معك؟"
تردد يانغ، ثم اعترف: "لا".
قال لي سان بحزم: "إذن لن أتوقف أنا أيضاً. سأعتاد الأمر. أريد مرافقتك ورؤية ما في الخارج. لا أن أكون عائقاً لك".
كانت عيناه تشعان عزماً رغم الألم الظاهر: "سأتعلم السير في الطريق مثلك. لا تقلق".
انتفخ صدر يانغ مودةً واحتراماً: "أوافقك. لكن أخبرني إن كان الأمر فوق طاقتك. ليس علينا التعجل. يمكنك التعلم ببطء. لا عيب في الاستراحة عند الحاجة".
أومأ لي سان، لكن تعبيرات وجهه أوحت بأنه لن يطلب الراحة إلا للضرورة القصوى. وافق يانغ ظاهرياً، لكنه حرص على تعديل إيقاع سيرهما من ذلك الحين. كانت قوة يانغ معززة بنوى الوحوش، ولم يكن يدرك تماماً ما يمكن لصبي عادي أن يقطعه من مسافة. مضى على وجودهما في الطريق ثلاثة أيام حين التقيا قافلة تجار صغيرة. خمس عربات تجرها الثيران. نحو اثني عشر شخصاً في المجموع. كانوا في طريقهم من بلدة غوانشي إلى بلدة أخرى.
كان اللقاء مباركاً. مباركاً للغاية. فبعد الحديث مع التجار، اكتشف يانغ ولي سان أنهما يسيران في الاتجاه الخطأ. مبتعدين عن وجهتهما بدلاً من الاقتراب منها. شكر يانغ رئيس التجار.
رجلاً ممتلئ الجسم ذو وجه ودود ضحك لخطئهما: "من السهل أن تضل الطريق هنا. العلامات ليست واضحة. لستما أول من يسلك الطريق المعاكس".
قضيا الليلة مع القافلة. تشاركا النار والطعام. كان التجار ودودين. فضوليين بشأن شابين يسافران بمفردهما. أخبرهم يانغ بنسخة مبسطة. البحث عن فرص في بلدة غوانشي. أومأ التجار متفهمين. فالجميع يبحث عن فرص في مكان ما، ساعين لتحسين أحوالهم. افترقا في الصباح التالي. اضطر يانغ ولي سان للعودة أدراجهما يومين وتغيير اتجاههما تماماً. ورغم الاضطرار للرجوع، كانا في مزاج جيد. حتى يانغ شعر بخفة لم يعهدها منذ سنوات.
كانت تجربته الأولى في السفر مع رفيق. والفرق كان جلياً. لطالما اعتبر يانغ الرحلات واجباً عليه. شيئاً عليه احتماله. في الغابة، كان السفر من أجل البقاء. العثور على ماء. العثور على مأوى أفضل. العثور على وحوش للصيد. لم تكن الرحلة تهمّ. بل الغاية فقط. الوجهة. لكن هذه المرة، ولأول مرة، استمتع يانغ بالرحلة أيضاً. لم يعتد يانغ كثرة الكلام. جعلته سنوات العزلة يجد الحديث غريباً وشاقاً، لكنه اعتاد ثرثرة لي سان خلال وقتهما في قرية يونشي.
كان لي سان ودوداً. يملأ الصمت بشكل طبيعي. يتحدث عن القرية. عن الذكريات. عن أحلامه وآماله. يطرح على يانغ الأسئلة ويشارك ملاحظاته عن المشاهد الطبيعية. مر الوقت سريعاً مع ثرثرة لي سان. بالكاد لاحظ يانغ المسافات. كان التجار الذين التقوهما قد أخبروهما بأنه من غير المرجح أن يواجها قطاع طرق في الطريق إلى بلدة غوانشي.
أوضح التاجر: "نادراً ما يستخدم الناس هذا المسار. لن يضيع أي لص وقته في مراقبة طريق كهذا. لا توجد حركة مرور كافية لتستحق العناء".
كما أوضح أن بلدة غوانشي بلدة حدودية. عند حافة المملكة.
"إن أردت التوغل في المملكة، فعليك الذهاب في اتجاه معاكس تماماً لما جئت منه. غوانشي هي أبعد نقطة يمكنك الوصول إليها بينما لا تزال في الأراضي المتحضرة".
بينما كانا يمضيان في طريقهما، استرجع يانغ ذكريات الأعوام القليلة التي تلت رحيل جده، وتأمل في حاله التي آل إليها خلال سنوات العزلة تلك. أدرك حقيقة مؤلمة، شيئاً طالما تجنب الاعتراف به. لقد توقف يانغ عن الحياة منذ فراره إلى الغابة. ففي سعيه للبقاء، وهربه من الحزن والخطر، صار متبلد الشعور، فارغاً من الداخل. أدرك حين عاش لأشهر في قرية يونشي مع عائلة لي كم فقد من روحه، وكم من ذاته دفن ليواجه أحزانه.
لقد كبت مشاعره في أعماق سحيقة كي ينجو، حتى غدا لا يشعر بشيء، يكتفي بأداء ما يجب أداؤه، جاعلاً البقاء غايته الوحيدة. مات جده فداءً له، لكن جده ما كان ليرضى له تلك الحياة، بل كان ليتمنى له السعادة، وكان ليفطر قلبه لو رأى القشرة الهشة التي صار إليها يانغ بعد تلك السنين في الغابة. كانت المرة الأولى التي استشعر فيها يانغ عاطفة قوية غير الخوف والرغبة في البقاء هي حين قتل قتلة جده.
وحتى حينها، قمع تلك المشاعر فوراً، ومضى في طريقه، وواصل النجاة. لكن العيش مع عائلة لي، وما غمروه به من قبول ومحبة ورعاية، أعاد إليه القدرة على الشعور، فتشقق ذلك التبلد وتداعى. وفي يوم من الأيام، بينما كانت العائلة في الحقول وكان يانغ يكنس البيت، انكسر شيء ما بداخله فجأة. سقط يانغ على الأرض، انهار تماماً، وأخذ يبكي بحرقة. بكى كطفل صغير، ضاماً ذراعيه حول جسده بقوة، يحاول تماسك أطرافه.
شعر يانغ لو أنه لم يمسك جسده، لانشطر صدره، ولتدفقت كل المشاعر التي كبتها لسنوات لتغمر كل شيء، لتغرقه هو نفسه. لو رآه أحد حينها لظنه طفلاً؛ فقد كان ينوح، ويهتز جيئة وذهاباً، ويشهق لالتقاط أنفاسه بين نوبات البكاء. لم يكن يانغ يعلم حينها أن لي سان كان موجوداً. فقد تسلل لي سان من الحقول وعاد مبكراً لسبب ما. لا بد أنه ذُهل حين وجد يانغ على تلك الحال، منطوياً على الأرض، ينتحب بلا توقف.
لكن لي سان لم يتردد، ولم يطرح أسئلة، ولم يطلق أحكاماً. سارع إلى يانغ فوراً، جثا على ركبتيه بجانبه، وأحاطه بذراعيه بقوة، وبدأ يهدهده جيئة وذهاباً.