انحنى يانغ للرئيس فان شياو وتشينغ آن ثم طار ببساطِفِهِ، ملقياً نظرةً إلى الأسفل ليعثر على مكان آمن للهبوط. وحين ابتعد بما يكفي، التفت ووراءه فرأى فان شياو وتشينغ آن وقد اختفيا. أطلق تنهيدةً طويلةً ومضى قدماً، حريصاً على الطيران متخفياً داخل طبقة الغيوم، ومخترقاً إياها إلى الفضاء المكشوف أحياناً. ودون حواس رئيسه الروحية ليعتمد عليها، اضطر يانغ إلى الاعتماد كلياً على بصره لمسح الأرض؛
لذا لم يكن الطيران فوق السحاب أو داخله وحده خياراً وارداً إن نوى تكوين فكرة صحيحة عن التضاريس. لفت انتباهَهُ جبلٌ في الأفق. فرأى أشخاصاً عديدين يتسلقونه سيراً على الأقدام، دون استعانتهم بأي سيوف طائرة أو أدوات. وهنا ظهر احتمالان: إما أنهم جميعا من ممارسي مرتبة تكثيف تشي وبالتالي يعجزون عن الطيران، أو أن هناك قيداً على الجبل يمنع الاقتراب الجوي. مال نحو الاحتمال الثاني.
وحين اقترب أكثر، رأى الجبل منقسماً بوضوح إلى شطرين في المنتصف كأن سيفاً عملاقاً قطعه بسلاسة في ضربة واحدة. دار حوله وهبط محلقاً على ارتفاع أمتار قليلة فوق الأرض، مختبراً مدى اقترابه أكثر. لاحظه الممارسون الآخرون لكنهم آثروا تجاهله. لابد أنه بالغ في الاقتراب، إذ هبط البساط بغتةً. تراجع فوراً بينما تقيأ دماً. كان هذا مألوفاً. بات يانغ يعرف الآن سبب إصرار هؤلاء الممارسين على الاقتراب قدر الإمكان.
كانت هذه القمة مشبعة بنية السيف. لا عجب أن يانغ كاد يسعل رئتيه. لقد خبر لمحةً بسيطةً منها سلفاً في اختبار قبول طائفة السيف الأزرق، لكن نية السيف هنا تبدو أشد حدة وضراوة بكثير. ولم يكن مستغرباً قطُّ تجاهل الممارسين الآخرين له. فقد كانوا مشغولين للغاية بصقل سيوفهم بحيث لم يلتفتوا إلى أي أحمق ظن أنه قادر على الطيران بالقرب من مكان كهذا. حلق عالياً وتراجع, مسافةً بينه وبين الجبل.
لم يكن هذا المكان يخصه قطعاً. طار مواصلاً طريقه، ملاحظاً ممارساً أو اثنين بين الحين والآخر. سافر معظمهم فرادى أو في جماعات صغيرة، لكنه صادف أحياناً جماعات أكبر تضم خمسة أعضاء أو يزيدون. حرص على البقاء متخفياً، سيما قرب الجماعات الكبيرة. ويا لحسن الحظ، بدا أن جلّهم يسيرون على الأقدام، وهو أمر مفهوم إن غدا الهدف العثور على الكنوز. فنادر وجودها في السماء. وحين ابتعد أكثر، أدرك أن كثيرين من الممارسين يبدو أنهم يشقون طريقهم صوب اتجاه معين.
أسرع الخطى آملأً نيل فرصة قبل تجمّع حشد كبير هناك. ولمّا دنا، أبصر بحيرة حمراء ضخمة. لم تكن بحيرة ذات مياه مشوبة بالحمر بل بدت البحيرة برمّتها مفعمة بالدم. رأى يانغ عشرات الممارسين جلوساً في بحيرة الدم يمارسون التدريب. أراد يانغ النزول واستقصاء ما يجعل تلك البحيرة المروعة مميزة بخلاف الواضح منها، لكنه أحجم. استشعر قوتهم؛ كان أولئك الممارسون جميعه في مرتبة بناء الأساس ولعلهم طاروا إلى هنا متقدمين على ممارسي تكثيف تشي الذين واصلوا طريقهم سيراً.
حلق يانغ إلى الأعلى متأسفاً وانحرف مبتعداً، غير راغب في استجلاب المتاعب بلا مبرر. لابد لي حقاً من تعلم بعض فنون القتال والهروب. فكر بقسوة. لا أريد أن أصل إلى تأسيس داو الجبن، وهو أمر، إن استمر الحال هكذا، غدا احتمالاً واقعياً للغاية. بعد ساعات من الطيران، لاح له طرف غابة مترامية الأطراف على يمينه. مما جعله يتساءل عما إذا كان هناك حيث يصطاد الرؤساء زين هاو ويوان شين وسونغ ويلونغ وحوش النواة الذهبية.
غيّر اتجاهه وطار نحو الحافة وتردد لحظةً فيما إذا كان عليه محاولة العثور عليهم قبل أن يستبعد الفكرة. لو أراد منه الرئيس فان شياو أن يكون مع الآخرين لقال ذلك. كان جلياً أنه ينوي ترك يانغ وحده ليكتسب بعض الخبرة، وكرّه ليانغ أن يخيب الآمال. رغم أنه ترجل قرب الحافة ملاحظاً خلو المكان من حوله. كان رؤساؤه في مرتبة النواة الذهبية فما فوق؛ لكانوا توغلوا أكثر، أما يانغ فيستطيع البقاء قرب الأطراف ويرى ما قد يظفر به.
وحين مشى يانغ بمحاذاة خط الأشجار، اجتاحته موجة حنين. أطلق ابتسامة باهتة مسترجعاً السنين والحياة اللتين قاضاهما في غابة أخرى شبيهة. لقد كان وقتاً مقفراً وعسيراً، وبسيطاً في آن. حين كان يعيشه، بدا جحيماً، لكن الآن مع توفر مسافة كافية من الزمن، غدا قادراً على استرجاعه بولع يشوبه شيء من المرارة. أبقى البساط قريباً تحسباً لأي حاجة لهروب عاجل، واستل إبرتيه حريصاً على إبقائهما محشورين بإحكام بين مفاصل أصابعه، مستعدتين للإطلاق في ومضة.
وفي يده الأخرى، أخرج حزمة تعاويذ. على الأقل أتى الوقت الذي أمضى في صنع التعاويذ أُكُلَه. فقد امتلك مؤونة لا تنفد تقريباً، رغم حاجته الماسة لرفع مراتب تدريبه سريعاً ليتسنى له البدء بصنع تعاويذ أكثر تقدماً. أخرج كذلك دمية الخلد، واصلاً إياها بحسه الروحي ومطلقاً إياها تحت الأرض على مسافة أمتار قليلة أمامه. انقضت ساعات بينما كان يانغ يسير، مكتفياً باستراحة قصيرة واحدة لتناول طعام وماء جثوماً على غصن شجرة ثخين، مفكراً فيما إذا كان عليه محاولة التوغل أكثر أو الاكتفاء بترك الغابة واستكشاف مكان آخر، حين توقف مفاجئاً بإحساسه بدمية الخلد وهي ترتج متراجعةً من شيء تحت الأرض.
بدا كأنه أفعى أو جذر، يمتد ليطال الخلد، شبيهاً بالجذور المنتشرة عبر أرضية الغابة، بيد أن هذا كان يتحرك بنشاط محاولاً إيقاع دمية الخلد في شركه. يانغ، غير الراغب في خسارتها، استعاها فوراً موجهاً إياها لتتفادى وتقوم بالتفافات وانعطافات لتحفر طريق خروجها من الأرض. استغرق الأمر دقائق متوترة حتى انفك الخلد أخيراً من الأرض ليقبض عليه يانغ بيده مدخلاً إياه على عجل في خاتم تخزينه.
تراجع خطواتٍ عدة ونظر إلى الفجوة التي قفز الخلد خارجاً منها فأبصر دودة – كلا، بدا وكأنه جذر يبرز من تلقاء نفسه. تحرك بمرونة كأنه أفعى وبدا ناظراً إلى يانغ بفضول. استدعى يانغ البساط مقرباً إياه، بحيث كاد يلتصق بظهره، مستعداً للفرار في ثانية إن قرر ذلك الشيء الانقضاض عليه. أحس يانغ برغبته في قرص نفسه ليتأكد ألا يهذي حين رآه يميل رأسه نحوه بفضول حقاً. لقد استعادت الخرزة حالتها السابقة، ذكر نفسه.
لذا لو كان مميتاً لتم تحذيره سواناً. خطا خطوة مترددة اقترب فيها، ثم أخرى. انطلق نحوه كالسهم، ملتفاً حول ذراعيه وجذعه وساقيه وعاصراً إياه حتى سقط أرضاً عاجزاً عن تحريك أي شيء سوى فمه. أدرك أنه لم يكن لا حبلاً ولا جذراً. لقد كان حقاً نوعاً من الحبال. أطلق تكشيرة مخترطاً إياها بإعادة الإبر والتعاويذ إلى خاتم تخزينه بسرعة، رافضاً مجازفة كشف أي من أوراقه الرابحة قبل أوان الضربة.
استلقى على الأرض مترقباً من سيأتي أو ماذا سيظهر. لم ينتظر طويلاً، إذ سرعان ما أحاط به أربعة ممارسين في مرتبة بناء الأساس، رجلان وامرأتان، جميعهم يرتدون أردية بيضاء ناصعة مع أردية داخلية ذهبية. بدوا أثرياء إلى حد ما مما استطاعه تبيّنه من سيوفهم وأدواتهم. لماذ يهاجمونني؟ فكر يانغ بمرارة. مقارنةً بهم، كنت صعلوكاً. نظر في عيني من كانت الأقرب إليه. انحنت الممارِسة ونظرت إليه بلا مبالاة باردة.
"أيها الصغير، لا تلمنا. لُم حظك."
لم يسع يانغ سوى الإيماء موافقاً بينما لعن كل مَلِك وُجد من هذا العالم إلى الأرض.