أنهى يانغ هندامه وتفقد هيئته.
قال: "لنذهب".
تبع أونيب إلى خارج المنزل. كان الليل قد أرخى سدوله، وبدا المحيط الخارجي كأنه انقلب عن هدوئه المعتاد تماماً. تجمع القرويون متبادلين التحايا وفي مرجلة من المرح. عكفت مجموعة منهم على العزف بآلات خشبية تشبه الماي، بينما تمايل الشبان والشابات حولها في حلقة متراقصة. أضاء الليل استعانةً بمصابيح زاهية متدلية من رواق كل بيت وببدر السماء التام. التقط ضوء القمر الحراشف التي غطت أبدان الجميع، مانحة إياهم توهجاً سماوياً.
ظن في البداية أن الحراشف تلمع كالأصداف، لكن طريقة عكسها للضوء اختلفت عن أي صدفة أو لؤلؤ رآه. بدا ضوء القمر كأنه يبعث فيها إشراقاً من باطنها. لاحظ أن نقش حراشفه، وبتفاوت طفيف مع أونيب، جاء أكثر تعقيداً مقارنة بما يرتديه الآخرون. ظهر الأطفال وهم يلعبون وعليها تصاميم صغيرة ملصقة على وجناتهم وحول أعينهم. بدت تلك الرسوم طفولية ولطيفة بطبيعتها. تزيّنت وجناتهم بالزهور والأسماك والشموس، حتى إن إحداهن وضعت حراشف على أنفها لتصنع مثلثاً وثلاثة خطوط تمتد عبر وجنتها محاكية شوارب قطة.
بدا أن الرجال البالغين يكتفون برسوم على صدورهم، مع ظهورها أحياناً على أذرعهم وأكفانهم فحسب. أما الوجوه فكانت حكراً على الأطفال، باعتبارهم الوحيدين الذين خُطّت نقوش الحراشف على وجوههم. وحين سار بجانب أونيب، رأى كثيرين يبتسمون ليانغ بينما أومأ بعضهم برؤوسهم قليلاً تحية له. بادلهم يانغ الابتسامة والإيماء. ومع أن أهل السيلفار لا يكترثون كثيراً بالألقاب والتراتيب، إلا أن تاج المختار الذي فرضه على نفسه بدا مهيمناً على عادتهم في معاملة الجميع بنديّة.
ابتسم وهو يراقب الأطفال متخذين من التسلل خلسة إلى مائدة القرابين للتعرف وسرقة قطعة فاكهة لعبةً لهم. تظاهرت النسوة المسؤولات عن المائدة بعدم رؤيتهم وعمدن إلى النظر في اتجاه آخر متعمّدات إتاحة الفرصة لمن هم أقل دهاءً أيضاً. كان السيلفار شعباً طيباً. لقد حالفه الحظ بجلبه إلى هنا. لاحظ التفات الناس من خلفه فالتفت ليرى ما بدا أنها سارال تشق طريقها نحوه وأونيب. كتم ألمه ممتعضاً حين رآها أو ريثما تبيّن مكان وجهها بالأحرى.
بدت وكأنها طلت وجهها بأكبر قدر ممكن من الحراشف لدرجة تعذر إيجاد مساحة لإضافتها. شعر بحكة في ظهره مجرد النظر إليها. في الوقت ذاته، كان عليه الإقرار بمدى ضبطها لنفسها. لقد سئم بالفعل ذلك الشعور المشدود والخاشن في ظهره، لكن طلاء الوجه بذلك الغراء وتركه ليجف يعد ضرباً من ضروب التعذيب. لو كان مكانه لشرع في تقشير الحراشف أثناء تجواله.
قالت سارال مقتربة: "ناهار. أونيب. هل تترقبان الوليمة؟"
أجاب أونيب ناظراً إلى يانغ: "لا أدري بشأن هذا"، وأردف مطلاً على الوحش الضخم المشوي على السفود: "لكني أتطلع لتذوق لحم ذلك الوحش".
تابعت سارال عيني أونيب: "آه، نعم. لقد بذل بيل وصيادو جهداً شاقاً لاصطياد الأورتان. بل إنهم أحضروا تنوعاً أكبر من الطرائد الصغيرة. قرر أوزيم طهي يخنة منها نظراً لعدم توفر كمية تكفي لشواء ما يكفي للجميع".
قال أونيب قبل أن يلتفت إلى يانغ: "إذاً أتطلع لتجربة ما يطبخه أوزيم".
"ماذا عنك يا صبي ناهار؟ أتشتاق لأكل شيء؟"
رمش يانغ بابتسامة متذبذبة: "لا أذكر أياً من تلك الأطعمة".
لم تكن هذه الأصناف مما تعده القبيلة عادةً. فقد كانت تطبخ وتأكل جماعياً، واقتصر الطعام غالباً على صيد الأسماك الطازج اليومي والأرز إلى جانب ما يعثر عليه جامعو الثمار من فطر بري وفاكهة. لم يكن الأورتان وما جلبته صيد الحقبة الماضية شيئاً أتيحت له فرصة تذوقه طوال الأشهر الستة المنصرمة. حتى إنه لم يكن يعلم بوجود صيادين في القبيلة؛ لم تعانِ القبيلة شحاً في الطعام، لكن ذلك مرده فقط لكونهم مستخدمي ماء وصيد السمك هين كالتنفس بالنسبة لهم.
"حسناً، أعلم أنك اعتدت عشق الأورتان المشوي. وأنا واثقة أنك ستستمتع به".
جف صوته حين أضاف: "إنه ضخم بالقدر الكافي لإطعام القبيلة بأسرها مرتين".
وافق يانغ مجبراً. لقد دهش لكيفية تمكنهم من شواء حيوان بهذا الحجم سليماً. بلغ حجم الكائن عملياً حجم فيل وليد.
قال يانغ بابتسامة: "لا أطيق الانتظار لتجربته".
رغم أنه محاها عن وجهه سريعاً إثر نظرة سارال المستنكرة. بدا أنها ترقى لتوقع هيبة ووقاراً معينين من مختار السيلفار، وحين اصطدمت بالعكس، سبب لها ذلك ارتباكاً. وللحق، ورغم عدم إفصاحها عن ذلك قط، فإن رد فعلها قابله بانزعاج يانغ بدوره، فابتعاد سريعاً لئلا يقضي وقتاً إضافياً تحت مجهر سارال الفاحص. فلتحدق مطولاً من بعيد كما تشاء. سمع أونيب يتبعه والتفت ليجده عابس الوجه، رغم أنه سرعان ما أزال ملامح السخط حين لمح يانغ يتفرس فيه.
لم يفاجأ يانغ. بدا أن أونيب وسارال، اللذين ظهرا بودّ كافٍ عند لقائهما الأول، قد تباعدا بمرور الوقت. اختلف الاثنان حول الطريقة التي يجب معاملة يانغ بها. فحتى قبيل فوضى المختار برمتها، عارض أونيب خوض يانغ لدراسته مبكراً متمنياً إرجاءه لبضعة أعوام. ولم تفعل التوقعات والتقديرات التي أغدقها الآخرون على يانغ سوى سوء حال رأيه. كان يانغ محظوظاً بوجوده. أبقى يانغ مسافة بينه وبين البقية إذ جعل حضوره أفعالهم وأقوالهم أكثر حذراً ووعياً.
أراد لهم الاستمتاع بالليل، وهو ما تعذر إن شعروا بالارتباك حيال وجوده. سار هو وأونيب عند حافة النهر في صمت مريح مستمتعين بجمال الليل ومستنشقين حماس بني عشيرتهم المحتفلين من مسافة آمنة. رفع يانغ بصره فجأة لرؤية توهج وردي طفيف ينتشر في السماء مقترباً. اختلف حقاً عن أي عرض ألعاب نارية رآه قط، ولكن قبل تمكنه من التمعن أكثر، تعالت صرخات الناس وهم يجرون باحثين عن مأوى.
حاول بعضهم جمع الأطفال. أعاد ناظري نحو السماء لتتساقط الألعاب النارية، بدل تمددها في الهواء، مطرا كالمطر وسط احتفالهم. رأى العديد من كرات النار الساقطة تصيب أهلهم، مشعلة النيران فيهم كأنهم غرقوا في سائل مشتعل. شاهد أشخاصاً يستخدمون الماء؛ حاول العديد من مستخدمي الماء الأكبر سناً إخماد الحريق لتغلبهم الكرات الملتهبة المتكاثرة المنفذة نحوهم. شعر بأن أونيب يمسكه دافعاً به للأسفل، مستخدماً جسده لستر ظهر يانغ ورأسه.
صاح يانغ: "أونيب. ما الحدوث؟ من يهاجمنا؟"
فك أسره مسارعاً لرفع جدار مائي لكبح وابل كرات النار التالي. شعر بكامل ثقل جسد أونيب يتهادى عليه. استدار ورفع رأسه ليفلت صرخة ممزقة للفؤاد وهو يرى سهماً نابتاً من محجر عينه. تراجع يانغ للوراء، ممدداً يده نحو جسد أونيب المتهاوي. سقط على ركبتيه في الأرض بجانبه يهزه. عاد إلى الكُخَيّات الصغير. مراقباً بلا حول. راكضاً كجبان إثر سماعه ارتطام الجد بالأرض.
"الجد. لا".
"لا تمت".
كلا. لم يكن هذا الجد.
"أونيب".
"أونيب. أرجوك لا".
رفض أونيب الحراك. رفع بصره فرأى رجالاً بأسلحة مدرعة سوداء يخترقون القرية حاملين سيوفاً وسهاماً مشتعلة مبيدين أهله منهجياً. قاوم أهله حيث استطاعوا لكنهم تفوقوا عليهم عددياً بصورة فادحة. دفع نفسه للأعلى رامياً بنفثات ماء ضد رجال بدوا محاولين تطويق مجموعة من الضعفاء. رأى أحدهم بسيف مرفوع متجهاً نحوه فاستدعى جسماً مائياً لافتاً، ناخباً جر الرجل إلى النهر وإغراقه، ولكن قبل خطوه خطوة أخرى، رآه مشقوقاً رأسياً لنصفين.
راقب مرتاعاً الجانبين يتزحلقان ضد بعضهما بصوت لزج فظيع قبل انفصالهما مع ارتطام الجسد بالأرض. التفت خلفه فرأى سارال واقفة ومستخدمة الماء كشعاع ليزر، قاطعة كل من يقابلها. ابتسم عياناً لرؤية هؤلاء الغزاة يلاقون حتفهم الوحشي. فجأة، ترنحت سارال مطلقة دفعة دم من فمها بملامح مذهولة. حاول يانغ التقدم نحوها وهو يرقبها تسقط على الأرض. لكنه شعر بسهم ملتهب يعبر وجهه، جاشّاً ومحرقاً وجنته.
استدار، مستدعياً فوراً نفاثات ماء ومطلقاً النار على الغزاة، لكن بقوته الحالية، بالكاد تمكن من إلحاق كدمات بالغة بهم، أو ربما كسر بضعة أضلاع هنا وهناك. غير أنه عجز عن استخدام الماء بالخبرة اللازمة لشق رجل لنصفين. استحضر نصف دزينة من سياط الماء الكثيفة مستخدماً إياها لطعن الجميع بعيداً. رأى أحد السياط يلتقط رجلين قُذفا في النهر واستدار نحو اليمين حيث أ— شعر بالاختناق.
أطلق غرغرة دم، محركاً يده نحو حلقه بذهول ليحس بعمود متطاول بارز من جانب عنقه. أصابه سهم في جانب حلقه. هوى على ركبتي، قابضاً على عنقه بينما يراقب بأنفاسه الأخيرة إبادة السيلفار واحتراقهم. سقط على وجهه للأرض، ناظراً لزوج من البوتات يبلغه؛ واختفى أحدهما من الرؤية قبيل شعوره به يهبط منقضياً على رأسه. ثم لا شيء.