جلس يانغ تحت شلال المياه الهدّار، مستمدّاً طاقة عنصر الماء. مرّت ستّة أشهر منذ أن استيقظ في جسد نهار. قضى معظم ذلك الوقت منذئذ جالساً تحت دفق شلال سيلفار، متشرّباً أقصى ما يستطيع من طاقة عنصر الماء. أصبحت الخرزة بحالة أفضل من أيّ وقت مضى. كانت الطاقة التي تستهلكها هنا مباشرة من النهر أقوى بأضعاف مضاعفة ممّا يتاح محيطاً في عالم الاستزادة. لم تستغرق الخرزة سوى أسبوع بالكاد لتستعيد حالتها التي كانت عليها قبل دخول يانغ عالم السحاب القرمزي، وظلّت تتحسّن تدريجياً منذ ذلك الحين.
الآن، بدت الشبكة الذهبية في عمق بحر وعيه أسطع وأثخن ممّا كانت قطّ. نبض براعم العالم الثاني بخفقة وإشراقة صحيّتين، وبلغ شريط الحالة ذروته [100% طاقة]. كاد يانغ يذرف الدموع فور بلوغ شريط الحالة ذروته. تذكّر جيداً كيف كان رفع شريط الحالة أشبه بعصر الدم من الحجر في عالم صانعي البطاقات. استغرق عقوداً ليحقق ما أنجزه هنا بسهولة في غضون أسابيع. لقد فضّل حقاً عالم تسخير الماء هذا على عالم صانعي البطاقات.
بعد المرّة الأولى التي امتصّ فيها طاقة الماء، استطاع إدراك فارق في روحه أيضاً، لكنّه عجز عن استيعاب أيّ طاقة إضافية لاستزادة روحه، أو بالأحرى، لم تسمح له الخرزة بالمزيد. راود يانغ شعور بأنّ الأمر يتعلّق باستزادته. شعر بالغضب والإحباط مبدئياً من محاولة الخرزة منعه من تحسين استزادة روحه، ليُدرك لاحقاً أنّ ذلك قد يخلق اختلالاً كارثيّاً بين جسده وروحه متى عاد إلى عالمه.
احتاج إلى نسبة تقارب سبعين وثلاثين بالمئة من طاقة التشـي بين روحه وجسده. إذا تقدّمت استزادة روحه أكثر ممّا ينبغي بينما تخلّف جسده، فسيخلق ذلك مشكلات لا يرغب في خوض غمارها. لقد كان بالفعل مسخاً للطبيعة يضطرّ مرغماً إلى استزادة جسده وروحه، ومؤخراً طاقات شتّى، معاً. إنّ جلب تعقيدات إضافية تتطلب مزيداً من الاهتمام والتعديل على استزادته لَعينُ الحماقة. ساعده قضاء غالب وقته في امتصاص طاقة عنصر الماء على فهم أفضل لكيفية عمل نظام القوة هنا.
عليه وحده تقع كامل نسبة الفضل، إذ لم تكن مساعدة أبناء القبيلة الأخرى تُجددي نفعاً بتاتاً. وفاءً لتعصّبهم، يبدأ كلّ شيء وينتهي بالنسبة إليهم بإرادة سيلفار. امتلكوا فهماً غريزيّاً وهيمنة على الماء يفتقر إليهما يانغ، ورغم ذلك عجزوا عن تقديم الإجابات والتوجيه له بشأن أسئلته التقنية الأكثر تعقيداً.
لكلّ «كيف»
و«لماذا»
إجابة واحدة. لأنّ سيلفار يريد ذلك. بدأ يانغ يمقت العبارة. لكنّه أمضى وقتاً كافياً هنا تحت دفق سيلفار ليجزم بثقة مطلقة أنّه ليس في النهر نفسه أيّ شيء ميتافيزيقيّ أو سماوي بطبعه. امتلك الطاقة ذاتها، أو بالأحرى التشـي، التي يولدها أيّ مسطح مائي طبيعي. لم تكن هناك خطوط طاقة ولا بوابات طاقة لأنّ هؤلاء القوم لم يتطوروا لاستخدامها. لقد كانو على حقّ نوعاً ما حين قالوا إنّهم وُلدوا لأجل سيلفار.
عملت أجسادهم كموصلات طبيعية لطاقة ماء التشـي. لو أخذهم يانغ إلى عالمه، لاستطاعوا تسخير الماء بالسهولة ذاتها التي يفعلونها هنا. بوصفه مستزيداً، كان عليه استخدام قنوات وتقنيات خاصّة لامتصاص التشـي. غياب التوجيهات المحددة عند سارال بدا منطقيّاً فور أن أتقن أساسيات تسخير الماء. كان هؤلاء القوم منسجمين تماماً مع طاقة ماء التشـي حتّى صار الأمر بالنسبة إليهم سهلاً كالتنفس.
كمستزيد في جسده الأصلي، لم يكن قادراً على امتصاص ماء التشـي من أيّ مسطح مائي عشوائيّ ما لم تكن تركيزاته مضاعفة مئات المرات، أو إن امتلك نوعاً من الكنز، أو تقنية عنصرية، أو إلفاً. كان يانغ ورفاقه المستزيدون أشبه بالقشّ؛ قادرين فقط على سحب التشـي عبر قناة ضيقة ودقيقة، بينما كان هؤلاء القوم أشبه بالإسفنج الممتصّ للماء؛ أقل مرونة لكنّهم قادرون على التعامل مع حجم أكبر بسرعة أكبر من دون الحاجة إلى أيّ تقنية أو أداة.
ترافق تسخير الماء مع القدرة على التلاعب بالماء، وعند المستويات المتقدمة، حتّى الماء داخل أجساد الآخرين وجسد المرء نفسه. هذا ما استخدامه رايا لشفائه. هؤلاء القوم، رغم تعصّبهم في عبادتهم لسيلفار، اتّسموا بالسلام الشديد تجاه كلّ شيء. عاشوا، وسخّروا الماء، وشافوا بعضهم بعضاً. قرأ في مكان ما خلال حياته الأولى أنّه إذا أراد المرء قياس مجتمع ما، فعليه أن ينظر إلى كيفية تعامله مع أضعف أفراد مجتمعه، النساء، والأطفال، والمرضى.
وفقاً لهذا المعيار، تفوقت القبيلة. لم تُعتبر النساء ضعيفات هنا لامتلاكهنّ القدرة ذاتها التي يمتلكها أيّ رجل. بينما عومل الأطفال، والشيوخ، والمرضى معاملة حسنة للغاية. اعتنى بعضهم ببعض. ربّوا الأطفال جماعيّاً، وعملوا طوال شبابهم للإسهام في القبيلة، ثمّ تولّى الجيل التالي رعايتهم في شيخوختهم. كانت دورة ناجحة للغاية بالنسبة إليهم. وجد حسنات وسيئات لكلا نظامي القوة، لكنّه ظلّ يفضل عالمه الخاصّ؛
لأنه بغض النظر عن مدى سهولة امتصاص ماء التشـي وتسخيره بالنسبة إلى هؤلاء القوم، فإنّهم عجزوا عن العيش لعمر يضاهي حتى أدنى مستزدي العوالم. بعد أسابيع قليلة من تعلّم أساسيات تسخير الماء، حاول استخدام تقنيات الماء الثلاث التي يعرفها: سقي ندى التشـي، ومطر الينابيع الروحية، وتقنية سقي النسيم العليل، لكنّه أخفق في استخدام أيّ منها. غدت الأختام اليدوية والتفاصيل بلا فائدة من دون القنوات الداخلية التي تطلبتها التقنية.
هنا في هذا العالم، استطيع استخدام الماء لفعل أيّ شيء تقريباً: إقامة جدار من الماء، وجعله يرشّ مئات الأمتار في كلّ الاتجاهات، وكلّ ذلك بمجرد تلويحة من يده وبإرادته وحدها. لا تقنيات محددة مطلوبة. لكن غياب الصنعة السحرية الأكثر تطوراً أزعجه حقاً. كان الأمر أشبه بأنّ كون المرء عنصريّ ماء بدا سهلاً للغاية لهؤلاء القوم لدرجة أنهم لم تكبّدوا عناء الابتكار. لم يكن هناك مسار موازٍ للكيمياء، أو التمائم، أو صقل المصنوعات، أو تشكيلات المصفوفات.
سمع عن قبائل وقرى أخرى تمارس تسخير الماء أيضاً، وودّ يوماً زيارة تلك الأماكن ليرى إن كانت توفّر شيئاً آخر، لكنّه لم ينوي حالياً مغادرة سيلفار إلى أن يصبح خبيراً على الأقل. الآن، وبينما جلس تحت شلال سيلفار، استخدمت الخرزة جسده لامتصاص الطاقة بينما ركّز يانغ نفسه على ممارسة مفهوم تسخير ماء أكثر تقدّماً. كان يحاول خلق نافورة ماء كبيرة ذاتية الاستدامة من بركة الماء.
شيئاً شبيه بما فعلته سارال على كفّها في اليوم الأول الذي ذهب فيه إلى القاعة. استخدمت الرطوبة من جسدها لصنع نافورة صغيرة في يدها حافظت على استمراريتها باستمرار أثناء حديثها إليه وإلى سوم. كان خلق تدفق ماء ذاتي الاستدامة يستمرّ في الحركة بينما تركز على شيء آخر أمراً أشدّ صعوبة. بدا أسهل لـيانغ خلق جدار ماء بطول ثلاثين قدمًا، لكنّه لم يدُم إلا بقدر استمرار تركيزه عليه.
احتاج إلى بقائه على تلك الحال، إلى أن يطلقه بنفسه أو يطلقه أحدهم. في تسخير الماء، لم تكن الهيمنة الحقيقية تحريك محيطات شاسعة، بل جعل العنصر يتحرك بصورة انعكاسية، كأنّه امتداد لأطراف المرء نفسه. يانغ، الذي تلقى تعليماً كمستزيد، واجه صعوبة في هذا الجزء. في تقنيات الاستزادة، وتحديداً تلك التي درسها حتّى الآن، تطلبت جميعها تركيزاً مستمراً لتنفيذها. أما بالنسبة للتأثيرات ذاتية الاستدامة، فقد اعتمدت على المصفوفات والأدوات.
بغض النظر عن كيفيه تسخيره للماء، عجز عن مواصلة التسخير متى فقد تركيزه. كان الماء كعنصر مائعاً بطبعه وفقد شكله فور أن توقف عن تشكيله وتحريكه بنشاط. كان في خضم محاولة الحفاظ على نافورة ماء ذاتية الاستدامة في البركة أمامه حين سمع حركات بين الأشجار واستدار ليجد رايا تخرج من بين الأوراق، وتخطو نحو البركة.
قال: "ناهر. يجب أن تعود الآن. ستحتاج إلى وقت لتستعد؛ سيتبدأ وليمة الحصاف في غضون ساعات قليلة".
آخ، نعم، وليمة الحصاف، ولماذا يحتاج إلى ساعات ليكون مستعداً؟ حسنًا، لأنه أُعلن القائد والكاهن التالي لسيلفار.