داو عابر العوالم الفصل 204 — المختَار

اقرأ داو عابر العوالم الفصل 204 — المختَار باللغة العربية على مانجا تايم.

تفتّت ذهولُه واستعاد كاملَ وعيه، وداهمه رعبٌ هائل من أن يكون قد غَرّق سارال وصوم وهو مسحورٌ بنشوة القوة. تجمّد في مكانه حين امتدّ بصره نحو الضفة. رأى جَمعاً راكعاً على حافة الماء. يرمقونه جميعاً كأنهم شهدوا عودة المسيح شخصياً. أطلق زفيراً ممزقاً ومستريحاً ما إن وقعت عيناه على سارال وصوم، سليمتين معالَجتين لكنهما تركعان للأسف على ضفة النهر أيضاً. بحسب تعابير وجوههم، لا يبدو أنهم يحسبونه وحشاً، لكن التأليه لم يكن خياراً مثالياً هو الآخر، وإنْ كان أهونَ من أن يطاردوه لأنه جفّف نهرَهم الصغير الحبيب؛

وهو ما لم يفعله قط، كما تأكد حين التفت ووجد النهر يتدفق تماماً كما كان قبل أن تضع الحبيبة مخالبها القذرة فيه. نهض ومشى نحو سارال، متسائلاً عن المبرر الذي سيختلقه ليُبدد هذه الفكرة الجامحة التي كوّرها هؤلاء البشر عنه. اقترب أكثر، ولاحظ سارال وبعض الناس ينهضون، وتركت سارال صوم لتقدم نحوه بضع خطوات مترددة تقطع بها نصف المسافة.

همست: "ناهار".

وتمعّنت في تفاصيله.

"ناهار".

انحبس نَفْسها، واحتدم اضطرابُ عينيها وهي تمسك بكتفيه وتحدق فيه، وإن بدا بصرها كأنه يخترقه لا يراه.

"لقد جُريتَ للاختيار. لقد اختارك سيلفار".

"سارال. أأنت بخير؟ لم أُؤذِكِ أنتِ أو صوم، أليس كذلك؟"

سأل يانغ والتفت إلى الفتاة، بينما واظبت سارال على ترديد كلامها.

انتفضت صوم التي ما زالت واسعة العينين لتقف سريعاً وأومأت: "أنا بخير! سارال جذبتني إلى الخارج حين جاء سيلفار ليحتضنك".

"يحتضنني؟"

ابتسم يانغ بجهامة لكنه لم يُنكِر. التعامل مع المتعصبين الدينيين ليس طرفة؛ فهم قادرون على عقلنة أي شيء وكل شيء. هزّ رأسه وقرّر أن يتماشى مع الأمر. وفّر عليه هذا على الأقل عناء اختلاق الأعذار بلا توقف لتصرفاته الغريبة الظاهرة. لكن ميل هؤلاء البشر إلى نسبة كل شذوذ إلى إرادة سيلفار ظلّ مصدر قلق ومتاعب محتملة. أرادوا معجزات وأنبياء في الوقت الحالي، غير أن تقلب المزاج يوماً ما لن يمنع هؤلاء البشر من رؤية هذه الأحداث ذاتها بمنظور شرير وإعلانها ضلالاً أو إثماً.

للمرء أن يضع خططاً وحسابات لبشر تقودهم العواطف أو المنطق أو الجشع، لكن الإيمان الأعمى وحشٌ من نوع آخر. بدا أن سارال استعادت صوابها أخيراً إذ كفّت عن ترديد تلك التفاهات، وصمتت وهي ترمق يانغ بإجلال.

"ما رأيتُ سيلفار يفعله هكذا قط. لابد أن سيلفار قد اختارك لغاية عظيمة".

"سيقودنا إلى العظمة".

جاء صوت شخص من الخلف. رأى يانغ شاباً ينظر إليه بتفانٍ.

"لقد تطهّر ناهار! لهذا محا سيلفار ذكرياته".

"عليه أن يتفرّغ لسيلفار".

"أترى سيلفار يرغب في ضمه؟"

كاد يانغ يرتجف عند الأخيرة. كان عليه ضبط الأمور لئلا يشرع هؤلاء البشر في الاعتقاد بطريقة ما بوجوب إعادته إلى حضن سيلفار نهائياً.

"شعرتُ بسيلفار حين باركني".

تحدث يانغ بنبرة بالغة الجدية. رفع بصره إلى عيني سارال، حريصاً على أن يبدو متعصباً تائهاً بذهن فارغ.

"عليّ أن أتفرّغ تماماً لسيلفار وأتقن تسلط الماء، كي أخدم إرادته".

"نعم. يجب أن تُطيع سيلفار".

أومأت سارال بحماس قبل أن تفلت كتفي يانغ وتلتفت مجدداً لتحدق بالجمع المحتشد.

"لقد باركنا سيلفار. ناهار مختارُ سيلفار نفسه".

وبذلك ابتعدت عن يانغ خطوات وهوت راكعة لتلصق جبهتها بالأرض. راقب يانغ الأمر برعب بينما اقتدت صوم والآخرون بسارال، ضاغطين بجباههم في التراب. حدق يانغ في الجميع وهو يزن خياراته، مدركاً أن الوضع يفلت من السيطرة بسرعة هائلة.

"انهضوا. لا يجب أن تسجدوا لأحد سوى سيلفار. قد أكون المختار، لكني أبقى خادماً لسيلفار كسواي".

أعلن يانغ، حريصاً على إبداء الحزم رغم أن صوته انطلق كصبيّ لم يبلغ الحلم بعد. أُعجب بأدائه في الواقع. إن لم تفلح فكرة الزراعة هذه، فبإمكاني خوض تجربة التحول إلى زعيم طائفة. ومما أثلج صدره أنهم توقفوا جميعاً عند كلماته ووقفوا، ولم يسع يانغ إلا تقدير حقيقة أنه بغض النظر عن العالم، يمكن للمرء دائماً الاعتماد على المتعصبين دينياً في تنفيذ الأوامر بعمى. اقتربت منه سارال مجدداً وتحدثت بإجلال، خالية من ذلك التلطف والتعالي المعتادين بين طفل وبالغ.

خاطبته سارال الآن كبالغة، كشخص يمتلك سلطة عليها، مما ترك يانغ يشعر بشيء من الكآبة.

"ناهار. كيف لي أن أخدم سيلفار ومختاره؟"

المختار. صار مختاراً الآن. وماذا بعد، رجل بلا أنف يطلق عليه الأنوار بعصا. بمعرفته لحظّه، لن يفاجئه الأمر. مهلاً. سيقبل بركاته أينما وجدت. ألا يُعامل كطفل صغير وأن يمتلك سبباً راسخاً لقدراته سقطع شوطاً طويلاً في مساعدة يانغ على بلوغ غاياته.

"سارال، أنا بحاجة إلى—"

التفت يانغ حوله وصمت حين رأى العيون والأذان المتلهفة تشخص إليه. بدت سارال وكأنها أدركت مأزقه.

"عليكم جميعاً العودة إلى أعمالكم. يجب أن يجد المختار مساحة لتحقيق رغبات سيلفار".

أأختي، أما زلتِ تدعوينني بالمختار؟ هذا مجرد استدعى للقدر ليأتي ويقتلني. بدا أن الحشد تقبل حاجة كاهنتهم والمختار الموقر إلى الخصوصية فأخذوا يتفرقون عائدين باتجاه القرية.

"يا صوم، عليك العودة أيضاً. سأعلمك غداً".

تحدثت سارال إلى صوم التي بدت ظانةً أنها جزء من هذا كله. بدت محبطة لعدم قدرتها على البقاء هنا للتصنت لكنها أومأت بطاعة وتلَت بقية أفراد القبيلة. ما إن انفرد بنفسه حتى شرع يانغ في العمل.

"أحتاج إلى قضاء وقت أطول مع سيلفار حيث تكون مياهه الأقوى".

"حيث يكون سيلفار الأقوى..."

رددت سارال وهي تبدو حاضرة الذهن تماماً الآن بعد أن ملكت شيئاً ملموساً للمساعدة فيه.

قالت وهي تلتفت نحو حيث تُرى قمة الشلال: "ينبغي أن يكون ذلك حيث يتدفق الشلال".

"إذن فهناك يجب أن أكون لألتقي بسيلفار"، قال يانغ بعزم وهو يتتبع نظراتها.

"دعني أخذك إلى هناك".

عرضت سارال، وقبل يانغ بسهولة كافية. كان في الثامنة وبلا زراعة؛ ووجود سارال للتعامل مع أي خطر في الطريق كان فكرة سداد، في رحلته الأولى على الأقل. وحالما يعرف أسهل الطرق وأسلمها، سيستطيع الذهاب بمفرده. قادته سارال إلى أعماق الغابة عبر درب منحدِر باتجاه الشلال الهادر. التفت يانغ حارساً بينما صادفا كائنات صغيرة مختلفة ونباتات لم يسبق له رؤيتها في أي من العوالم التي مرّ بها من قبل.

وبسبب قرب النهر، امتلأت المنطقة بأسرها بخضرة نضرة، وما هي إلا إفلاس حتى تركا الدرب الممهد أيضاً. شعَرَ يانغ بألم خفيف في ساقيه مع ازدياد انحدار الطريق. تبع سارال العازمة وهي تقوده وسط أوراق شجر كثيفة وأغصان متدلية بثقل. تعاظم صوت مياه الشلال الهادرة طرداً كلما اقتربا، حتى غدا الصوتَ الوحيد القابل للسمع عملياً. توقفت سارال، فوقف إلى جوارها، ليُبصرا الحوض الواسع العميق حيث تنهمك المياه بالتحطم قادمة من المنحدرات على ارتفاع مئات الأقدام.

وحدّق يانغ في الرذاذ الهادر مبتسماً. يبدو هذا واعداً.