لمس الجلد الجلد فتجمدت الكف تحته. شعر يان بحرارة تنمو تحت صدره وأدرك فورا أنها الخرزة. تركه انقطاع البصر والسمع حسّاسا تجاه كل ومضة إحساس لا يزال جسده قادرا على تسجيلها. شعر بالدفء ينتشر نحو الخارج منزلقا على أضلاعه ونزولا عبر كتفه وطول ذراعه حتى تجمّع عند راحته حيث كانت تضغط على الكف فوق ذراعه. في تلك اللحظة فقط أدرك أن الخرزة كانت تفعل هذه المرة شيئا لم تفعله من قبل.
بدل مساعدة يان كانت تمدّ يديها متجاوزة إياه نحو الأخ الأكبر الممسك بذراعه. كانت غريزة يان الأولى سحب يده إلى الخلف. جعلته سنوات الاعتادة وحفظ وجود الخرزة سراً عن الآخرين رد الفعل هذا جزءا ثابتا من طبيعته. لكن الخرزة لم تتصرف مرة دون سبب أو تقوده نحو الخطأ قط وإن اختارت هذه اللحظة بالذات لتكشف عن نفسها لشخص آخر فمن الواضح أن الموقف كان أكثر خطورة مما ظن يان من قبل.
لم يدر كم استغرق الأمر لكن الكف تحته انقلبت سريعا وأمسكت بيده بقوة جعلت مفاصل أصابعه تتهشم معا. قبل أن يتسنى له حتى الانكماش من القبضة التف ذراع حول خصره وجذبه بوحشية إلى جانب أخيه الأكبر محاصرا ذراعه اليسرى بلا فائدة بينهما في إحكام شديد وقبل أن يستطيع يان المقاومة حتى رُفع عن قدميه بعنف. هوى معدته عندما رُفع جسده عن الأرض وارتد رأسه إلى الوراء على عنقه بقوة كافية لتصيبه بالدوران.
شعر بنفسه يُقذف عبر الهواء بينما كانا يتأرجحان ويقومان بانحرافات حادة دون أي اهتمام براحته. بعد قليل من هذا كان أول ما شعره هو الألم عندما اصطدما بشيء خشن. صخرة ربما حُكْمًا بالطريقة التي صرخ بها كتفه. بدا أنهما صعدا إلى أرضية أرفع أيضا إذ شعر بقدميه تكادان تنزلقان من تحته. لولا أن الذراع المحيطة به انتزعته بعنف في اللحظة الأخيرة لجعلته يندفع إلى الأمام في الفراغ جاعلا إياه يُطلق أجينا لا إراديا.
قبل أن يتمكن من استعادة توازنه أُندفع مجددا نحو اليسار ثم إلى الخلف وشعر بشيء يندفع أمام وجهه بقوة جعلت شعيرات جلده الدقيقة تقف جاعلة إياه يدرك أن شيئا قد حاول لتوّه خلع رأسه وأخطأ بأقل من عرض إصبع. كانا في معركة من أجل الحياة بوضوح. كان أخوه الأكبر مُقادا بلا شيء سوى الخرزة التي تعمل عبر نقطة الاتصال الوحيدة في يد يان يحارب شيئا في هذا المكان ولم يكن يان أكثر من وزن ميت مربوط إلى جانبه.
أراد المساعدة لكنه كان عاجزا تماما عن تقديم أي عون إذ لم يكن قادرا بإمكاناته الحالية حتى على إعداد نفسه للضربة التالية. كانت الدقائق التالية من أسوأ ما مر بيان في حياته. كان مفعما بالأندرينان والتوقع والخوف والرهبة حين جُرّ يمينا ويسارا كدمية على خيط. وهناك أيضا الهدية الإضافية المتمثلة في الشعور بالصدمة التي تهز الأسنان في كل مرة ضرب فيها أخوه الأكبر بسيفه. جعل جسده يسترخي وتوقف عن مقاومة الحركة لأن التوتر جعل الضربات أشد ألما ولم يكن عدم جعل نفسه أصعب في الحمل سوى المساعدة التي يمكنه تقديمها.
ما لبث أن اصطدم به شيء. كان الارتطام قويا لدرجة ظن معها يان للحظة مخيفة أن أضلاعه قد انهارت. لكن قبل أن تهبط الضربة القاضية سُحب إلى الأرض وجُرّ بقوة مرة أخرى إلى اليسار وفي تلك اللحظة أصبحت حركات أخيه الأكبر محمومة وأسرع وأكثر اضطرابا مع ضغط أيٍّ كان ماهاجمهما مستغلا تفوقه. أبقى يان تنفسه منتظما من خلال العناد المطلق حتى كادت كتفه تخلع من مقبسها وضُرب وجهه بقوة على حجر كاف لشق شفته.
وعندها ودون إنذار عاد العالم. صرخت عيناه احتجاجا على العودة المفاجئة لرؤيته. جاء الصوت بعد نصف ثانية صرخة قاسية بدت كأنها تخمش مباشرة أسفل قناة أذنه وفي جمجمته. لم يكن لديه وقت للاستعداد لأي منهما. سحبته كف إلى الأعلى وألقته بدفعة على صدره الذي كان يؤلمه بالفعل. كانت لديه أضلاع مكسورة بالتأكيد. كان لدى يان نفس واحد مرعوب ليتخيل اصطدامه بشيء بسرعة قبل أن يتشكل ضغط ناعم حول جسده ويبطئ سرعته محطّا به بلطف على الأرض.
أطلق يان أجينا وهو يعتدل ممسكا بجانبيه متسائلا عما إذا كان سيضطر إلى التعود على القذف ككرة طالما كان مع إخوته الكبار. رمش بقوة مجبرا عينيه المتألمتين على الانفتاح وأدرك أنه أُلقي إلى قاعدة الجدار البعيد بعيدا عن القتال قدر الإمكان بينما كان إخوته الخسة الكبار يحاربون مخلوقا في وسط القاعة. عندما دقق يان النظر شعر بتشكل الجليد في قاع معدته. بدا للوهلة الأولى كيسارعة بوجه بشري وكانت الفكرة وحدها كفيلة بصعود العصارة الحامضة إلى حلقه.
لكن نظره استوعبه تماما عندها واستقر الرعب الحقيقي داخله. كان مصنوعا من أجساد بشرية عارية حقيقية أكثر من اثنتين منها مشدودة معا في سلسلة مشوهة. ركع كل واحد برأسه مستندا إلى قاعدة عمود فقري الجسد أمامه بشعر متشابك متصلّب بدم قديم أسود. ثُنيت أذرعهم وأيديهم وأجبرت على العمل كأرجل قابضة على وركي الذي أمامها بحيث كان البناء البغيض بأكمله يحبو ويهاجم على العشرات من الأطراف المستعارة دفعة واحدة.
كانت بعض الأجساد طازجة لدرجة أن يان لا يزال بإمكانه تمييز التعبيرات المرتخية والمرعبة المجمدة على وجوهها. بينما تعفنت أخرى متجاوزة التعرف مع تساقط الجلد في شرائط مبللة ممسكة ببعضها بأي سحر خبيث ربما ربطها في هذا الشكل منذ البداية. وكأنوا واعين. كانت هذه الحقيقة هي ما ضاعف رعب يان. بدا أن الرأس الأمامي وحده هو ما يوجه المخلوق لكن مع حدة سمعه متجاوزة صدمة عودته بدأ يلتقط أصواتا أخرى تحت صوت الفولاذ وصرخة الوحشي الخاصة به.
أناين