وما إن بلع يانغ القرع حتّى شعر بدفء رقيق يزهر في معدته. بدا في البداية مريحاً تقريباً وهو يتسلّل خلاله ببطء على هيئة موجات، ولو لم يكن يعلم تماماً ما هو القرع لظنّ أنه مقوٍ مغذٍّ. لكن للأسف، لم يدم الدفء سوى أنفاس معدودة قبل أن يتصاعد سريعاً، مندفعاً عبر كلّ مسار ووعاء دمويّ حتّى بلغ كل ركن من جسده. تصاعد بسرعة متحولاً إلى حرارة لاذعة بدت كأنها تشويه من الداخل إلى الخارج.
تجمّع العرق على جبهته قبل أن ينحدر بغزارة على وجهه وعنقه، وفي لحظات التصقت ثيابه به مبللة كأنه غرق في مطر جارف. غائم بصره وتعاظم لاهثاً بينما سارع بخلع ثيابه الخارجية مرجحاً أن يمنحه الجلد العاري والهواء الطليق قدراً من الراحة. ارتجفت أصلاعه فجعلا أبسط أفعال فك العقد عسيراً. بالكاد أفلح في رمي الطبقة الأخيرة جانباً تزامناً مع تشنّج جسده واهتزاز عضلاته بعنف. انقباضة تموّجت بوضوح تحت جلده.
التوت كل ألياف عضلية داخله كأنها حية تلتوي وتشد في تموجات. استطاع بحقّ استشعار تحرّكها تحت لحمه. بدا الأمر كأنه يُعصر من الداخل للخارج ومع ذلك استمرّت الحرارة بالصعود حتّى كأن لحمه يُسلق تحت جلده. صرخة خامية ويائسة شقّت طريقها من حلقه لتملأ سكون الغرفة. كان كل تنفّس يعانيه عبئاً يغذي النار المستعرة في أحشائه. بدا كأن عضلاته وشحومه وأوتاره وكل خيط من أنسجته الرابطة تذوب سائلاً.
انهار على الأرض متدحرجاً بهستيريا باحثاً بيأس عن إطفاء نار لا توجد سوى داخل جسده مدركاً عبثية محاولته وعاجزاً في الوقت ذاته عن كبحها. واصل التدحرج على الأرض حتّى غدا ذلك مستحيلاً. عصته عضلاته. بلغت التشنجات من العنف مبلغا جمّد أطرافه مكانها بخشونة قبل أن تخور تماماً فانطوى يانغ في وضعية الجنين مهتزاً بأسره بلا سيطرة. تصاعد الألم متجاوزاً أيّ خبرة سابقة حتّى بقي فمه مفتوحاً في عذاب صامت بينما تحوّل كل تنفّس إلى شهيق ضحل.
ترهّل جلده برخاوة فوق هيكل بدا أجوف كأن العظام وحدها بقيت تحته. كان مفترضاً أن يرديه هذا قتيلاً. لكنه لم يمت. واصل قلبه الخفقان وظلّ عقله واعياً بألم. اشتاق للإغماء. للظلام. لأيّ شيء يمنحه ومضة راحة واحدة. توسل صامتاً كلّ سلف خالد وملك منسي مرّ اسمه يوماً بذهنه. لم يردّ أحد واستمر يحترق. فقد الوقت معناه برمته. ربّما مضت دقائق أو أيام. ثمّ تغير شيء ما. بقي شعور السلق من الداخل لكن شيئاً آخر برز معه.
سرى وخز عميق بدأ من عظامه وامتد متفرعاً عبر كل مسار كأنه جداول ضئيلة لا تعد. تكاثفت ألياف العضلات من العدم ظاهرياً. التف نسيج رابط جديد حول العظام. امتلأ لحمه مجددة وكل طبقة أعادت بناء نفسها وبدت النسخة الجديدة أكثر كثافة وقوة ممّا سبقتها. في الوقت ذاته اتسعت مساراته. استطاع يانغ إدراك الفارق فوراً. تدفق تشي خلالها بيسر غير مألوف كأن عوائق خفية لا تعدّ توقفت عن الوجود ببساطة.
لم يكن الأمر خالياً من الألم. بل بعيداً عن ذلك. بدت كلّ ألياف عضلية جديدة كأنها تتصلب مباشرة من البقايا المذابة داخله. شدت كلّ وتر نفسها في موضعها بإحساس شدّ امتد من عظم لعظم. بدأ الحرّ اللاطاق بالانحسار أخيراً. توقفت التشنجات وهدأ الوخز ببطء حتّى لم يتبق سوى الإنهاك. استلقى يانغ بلا حراك لعدة دقائق طويلة مسشققاً أنفاساً مرتعشة بينما داعب الهواء البارد جلده المبتل بالعرق.
غرس أخيراً يداً مرتعشة على الأرض دافعاً نفسه للاستقامة. ترقب العذاب. ترقب احتجاج كل عضلة عقب ما تحتمله لتوّه. غير أن جسده تحرك بسلاسة مدهشة. لا تيبّس ولا وجع. استجابت عضلاته المعادة بناؤها فوراً لكل أمر فبدت كل حركة مضبوطة بتمامه مستخدمة القوة اللازمة حصراً لا جزءاً إضافياً. بدت أطرافه أخف وأقدر في آن. كانت المعاناة لا تصدق لكن النتائج حاسمة. أفلح في قطع خطوتين نحو السرير ربّما قبل أن يفرض إرهاق عقله سيطرته فهوى على وجهه فوقه واختفى وعيه قبل حتّى أن يفكر بالانتقال لوضعية أكثر راحة.
استيقظ يانغ على ضوء يتسلل عبر النافذة. اعتدل جالساً و مدّ يده لوعاء الماء على الطاولة الجانبية ولاحظ تزامناً ارتدائه طقماً نظيفاً من الثياب. جال بصرة بالغرفة منتبهاً لنظافة الأرضية وغياب ثيابه المبللة بالعرق تماماً. تيقن تماماً من سقوطه على السرير بحالة أسوأ بكثير من هذه. نهض وتحرك بالبحث عن ثيابه المبتلة عاجزاً عن إيجادها. استسلم أخيراً متجهاً نحو الحمام فقضى حاجته واغتسل.
فور انتهائه ارتدى طقماً جديداً من ثيابه بختم التخزين ومشط شعره مكوّناً كعكة يمسكها تاج يشمي. غادر غرفته مترقباً استطلاع الأرجح وما إن تجاوز عتبة الباب حتّى انفتح الباب عن يمينه.
نادى صوت الأخ الأكبر فان شياو: "ادخل إلى الداخل".
اقتحم يانغ الغرفة فوراً ليجدها مطابقة تقريبا لخاصته. كان الأخ الأكبر فان شياو جالساً على طاولة يطالع كتاباً ما. أبقى بصره على كتابه مكتفياً بالإشارة للكرسي المجاور فجلس يانغ في الموضع المحدد.
ألقى الأخ الأكبر كتابه جانباً بعد دقيقة أو دقيقتين ناظراً إليه: "كيف تشعر يا تشن يانغ؟".
قال يانغ: "بخير يا أخ أكبر. كانت العملية مؤلمة لكنني أستطيع استشعار الفارق في مساراتي وجسدي بالفعل".
قال الأخ الأكبر فان شياو متحصّياً إياه: "هذا متوقع. حين تفقدت أمرك باكراً كنت منهاراً على وجهك فوق السرير. نظّفت الغرفة وألبستك طقماً جديداً لترتاح بصورة أري".
تسلّلت حمرة حرّ محرجة لعنق يانغ مدركاً الحالة التي وجده عليها الأخ الأكبر فان شياو. لحسن الحظ لم يعقب الأخ الأكبر فان شياو بأكثر.
عوضاً عن ذلك مدّ يده فوق الطاولة مناولاً يانغ تعويذة: "ابق هذه معك دائماً. إن تفرقنا يوماً وكنت بخطر فاصصفها نصفين وسيتم استدعائي لموقعك".
قست ملامحه في نظرة صارمة: "فقط إن كنت بخطر حقيقي. لن تغادر جانبي في عالم السحاب القرمزي لكن إن تفرّقنا بطريقة ما وأحسست بالخطر قبل بلوغي فاستخدم التعويذة".
تناول يانغ التعويذة.
"شكراً لك يا أخ أكبر. لن أستعملها إلا إن كنت بخطر ووحيداً".
قال الأخ الأكبر فان شياو: "لا حاجة للشكر. بغياب المعلم وإخوتنا الكبار الآخرين يقع اعتناء بك عليّ".
توقف عاقداً حاجبيه قليلاً: "لا سيّما نظراً لصغر سنك".
بنفضة من معصمه تجسد على الطاولة طعام وفير من كعك محشوّ بالبخار ولحوم مجففة وفواكه روحية.
"كل. تترك تنقية قرع الجسد المنصهر وطأة ثقيلة على الجسد. لقد غبت عن الوعي لثلاثة أيام".
ردد يانغ مذهولاً: "ثلاثة أيام؟".
منحه الأخ الأكبر فان شياو نظرة تسلية خافتة: "ثلاثة أيام كاملة. ربّما أعيد بناء جسدك أقوى لكنّ ألماً كهذا يترك وطأته على العقل والجسد معاً. ليس مستغرباً النوم طوال فترة التعافي".
مدّ يانغ يده لأقرب طعام على الطاولة شاعراً بسؤال يطفو: "لا أدرك لِمَ لم أفقد وعيي خلال العملية. حين اعتدت أكل نوى الوحوش بالغابة كنت أغيب دائماً ما إن يشتد الألم".
منحه الأخ الأكبر فان شياو نظرة حملت قدراً طفيفاً من الشفقة: "أيها الأخ الأصغر أنت في المرحلة الرابعة من تكثيف تشي. كلما عمق تمرّسك تعاظمت قدرتك على احتمال الألم. نما عقلك وجسدك بصورة أكبر بكثير ممّا كانا عليه في تلك السنوات المبكرة".
توقف برهة.
"أخشى أنك ستضطر لاختبار كل جرعة متبقية من قرع الجسد المنصهر بوعي كامل".
تجمدت يد يانغ في منتصف الهواء مفقودة شهيتها فجأة.
"تقصد أنني سأضطر لـ..."
رنّت طرقة مدوية! اهتزت السفينة الطائرة برمتها بعنف متوقفة فجأة بصورة كادت تقذف يانغ خارج مقعده. وقبل أن يفقد توازنه انطلقت يد الأخ الأكبر فان شياو عبر الطاولة ملتقطة معصمه ومثبتة إياه بمكانه. لكن الأخ الأكبر فان شياو لم يكن ينظر إليه. استقرت نظراته على الجدار باتجاه المقدمة وبدت ملامحه الهادئة والمتبادلة قبل عشر ثوانٍ خاوية تماماً الآن.