عاد إليه وعيه ببطء، نبضة بعد نبضة، مثل إنسان يستيقظ من نوم عميق وطويل. أحس بنبض يسري في عروقه قبل أن يستعيد وعيه كاملاً. بدا جسده كله وكأنما بُعث من جديد. تطلب الأمر لحظة ليدرك أن عينيه مغلقتان، وحين فتحهما، أعماه النور. نور نابض. تلفت حوله وأدرك أنه في بحر وعيه بالفعل. كان التوهج أقوى من أن يتحمله وعيه وحده، واحتاج إلى لحظة ليستوعب أي شيء آخر. أدرك أيضاً أن ما كان يفيض بالطاقة لم يكن جسده، بل وعيه أو روحه.
كان جوهره الداخلي يشعر بالتغيير الحاصل لا جسده. كان الضوء المنتشر عبر بحر الوعي نبضات لشبكة غلبت على بحر وعيه منذ زمن بعيد. كان الضوء ينبض في تلك اللحظة عبر الشبكة مثل دم يضخه قلب إنسان حي. التفت لينظر إلى روحه فوجدها لا تزال تتوهج، وتصدر دخاناً خفيفاً وفقاعات مع تفاعله مع مختلف المشاعر ومسارات التفكير. لكن شيئاً ما قد تغير. كانت الملاحظة الأولى لأي تغيير قد حدث عند عودته من عالم صانع البطاقات.
حين امتزجت ومضة ذهبية طفيفة من النسج بروحه. حينها، كان الأمر ضئيلاً لدرجة جعلته بالكاد يرى الفارق ناهيك عن تسميته. لكن الآن، وبما أن الاندماج بدا وكأنه تقدم، فقد تمكن بوضوح من رؤية الضوئين وهما يتقاربان. أو بالأحرى، وهما يحاولان الاندماج مع روحه، إذ تمكن من التمييز بينهما عند النظر بمزيد من الدقة. بدا الأمر وكأن الضوئين يحاولان الاندماج ليصيرا واحداً، لكنهما لم ينجحا حتى الآن سوى في تشكيل دوامات من ضوئين بلونين مختلفين.
بالنظر إليه الآن، بدا المشهد فاتناً لدرجة التنويم المغناطيسي. لم يدرِ كم استغرق من الوقت قبل أن ينجح أخيراً في انتزاع انتباهه، ليفاجأ بضوء ساطع آخر في زاوية رؤيته. أسطع من روحه وأسطع قطعاً من الشبكة التي تجتاح بحر وعيه. كانت البراعم. البراعم الجديدة. كانت أكبر وأسطع من ذي قبل، وكان النبض فيها أقوى وأسرع وأكثر إلحاحاً. بدت البراعم خالية تماماً من الحياة عندما اكتشفها لأول مرة في بحر وعيه، وبالكاد بدأت تتحرك في فحصه الأخير، لكنها تبدو الآن وكأنها تعج بالحياة.
كانت الشبكة المتصلة بها تنبض بثبات لتغذيتها، وتتدفق الطاقة بكثافة أكبر فأكبر كلما تابع المراقبة. سمح يانغ لوعيه بالاقتراب وشعر بالشد. قوي وملح. جذب يمتد إليه ويريد جذبه بالكامل، وعرف يانغ تماماً ما سيحدث إن استسلم. فُرض هذا عليه من قبل. اضطر لقضاء عقود في عالم صانع البطاقات. رفض أن يتم جذبه. تشبث بالأرض وتراجع. لا. ليس الآن. لكنه بينما كان يتراجع، أدرك أنه لا يماطل إلا في أمر حتمي.
تلفت حوله واستوعب بحر الوعي ككل. وبما أنه نظر إلى التغييرات الأكثر وضوحاً، فقد لاحظ أن بحر الوعي نفسه يبدو وكأنه مر ببعض التغييرات أيضاً. بدا أن حجم بحر الوعي قد ازداد. أصبح الفضاء مشبعاً بالشبكة لدرجة أن هناك مساحة جديدة واضحة للعيان تمتد فيها الشبكة ببطء لتستحوذ عليها هي الأخرى. ومراقبة لحركة الشبكة، لم يكن لدى يانغ أدنى شك في أنه لو لم يرهذا الفضاء الجديد للتو، لما سنحت له الفرصة لملاحظته لاحقاً.
جعله هذا يتساءل عما إذا كانت هناك تغييرات مماثلة في الحجم من قبل، ولم يلاحظها فحسب بسبب الشبكة. كان من الصعب قياس حجم بحر الوعي الداخلي، خاصة مع شغل الشبكة للمساحة في كل اتجاه. على أي حال، لا فائدة من التفكير في الأمر طالما استحالت معرفته الآن. لكنه دوّن ملاحظة ذهنية لمراقبة مجريات الأمور في بحر وعيه عن كثب من الآن فصاعداً. بعد إلقاء نظرة أخيرة على كل شيء، قرر يانغ أن الوقت قد حان للعودة إلى جسده.
لم يستطع. حاول مرة أخرى. ومجدداً. باءت كل محاولة بالفشل بالطريقة ذاتها. لكنه استمر في المحاولة بمنهجية. لم يكن خائفاً حقاً أو قلقاً للغاية. لقد أوقعه الخرز في أمور أغرب وأكثر تحدياً من قبل، لكن النتيجة كانت دائماً قابلة للنجاة، حتى وإن كانت مزعجة للغاية، كما تذكر عندما فكر في عالم صانع البطاقات. طريق طويل أو مؤلم، لكنه يصل دائماً في النهاية إلى نتيجة آمنة وأفضل. لكنه يتمنى ألا يضطر لقضاء سنوات في بحر وعيه.
سيجعله ذلك أتعس حالاً حتى من رحلته العشوائية إلى عالم صانع البطاقات. كان هناك أيضاً العالم الحقيقي ليأخذ هماً به. لم يستطع إلا تخيل الفوضى العارمة الدائرة في الطائفة بسبب أفعاله. حتى وإن لم تكن الطائفة بأكملها، فمن المؤكد أنه أفسد الأمر على قمة التعويذة الحقيقية المسكينة بأفعاله. نظر إلى روحه التي توحي بوجودها داخل خلاط خفي، وإلى النور الليلي المضاء حديثاً في بحر وعيه.
لم يدرِ المدة التي أُجبر فيها على البقاء في بحر وعيه. فقد الوقت كل معناه هناك، ولم يكن هناك ما يمكنه من تتبعه أيضاً، لكنه شعر بشد بعد فترة. ليس نحو البراعم. من مكان ما في الخارج. استجاب وعيه لنداء من مكان ما في العالم المادي، ليُسحب نحو السطح، وتابع النداء دون أي مقاومة. ارتطم بداخل جسده مجدداً بكامل أثر العودة. يرجو حقاً ألا تصبح طريقة الظهور هذه هي القاعدة، وإلا فإن قراره الأخير بمراقبة بحر وعيه عن كثب يمكن نسيانه ببساطة.
حاول التحرك، ليكتشف عجزه التام. بدا جسده وكأنه يزن طناً. كان جهد فتح شق صغير من عينيه هائلاً، وعندما نجح في ذلك، كان النور ساطعاً للغاية لدرجة اضطرته إلى إغلاقهما فوراً للحظة. أخيراً، تمكن من التكيف مع الضوء ونظر إلى الأعلى بعينين غائشتين، ليدرك وجود شخص ينحني فوقه، وجه لم يستطع تمييز معالمه وهو يطرف بعينيه محاولاً الرؤية بوضوح. كانت أذناه تطنان، وبدا حلقه وكأن حشواً من القطن قد ملأه، وعندما حاول التكلم، بالكاد استطاع تحريك فكه.
وُضع شيء مستدير في فمه، ليذوب فوراً، وشعر بارتفاع فوري في حلقه، إذ زال الجفاف وانتشر الدفء العلاجي من حلقه إلى باقي جسده. ثم أعقب ذلك ظلام دامس قبل أن يتمكن حتى من بذل أي جهد للتمسك بوعيه.
تمدد يان بساقه وهو يتقلب على جنبه باحثاً عن وضعية نوم أكثر راحة، فشعر بنور الضوء على وجهه. فتح عينيه وبقي مستلقياً للحظة، غارقاً في حيرة من أمره حيال نومه إلى ما بعد الفجر. كان بحاجة لسقي نباتاته. حاول النهوض. لم يستطع. استغرق الأمر بضع ثوانٍ أخرى ليدرك أن السقف فوقه كان أسطح من اللازم. لم يكن هذا مسكنه الكهفي. محاولة الجلوس أثمرت أخيرًا بعد محاولات عدة. لقد عاد إلى غرفة التمريض في قمة التمساح الحقيقي.
المكان نفسه الذي قضى فيه بعض الوقت بعد تعرضه للشواء قبل أيام قليلة. أمعن النظر حوله، متسائلاً عما إذا كان عليه محاولة النداء حين انفتح الباب.
قال: "أوه، جيد، لقد استيقظت."