قال: "أخبرني بكل شيء. لا تقصِر في شيء."
أخذ يان نفساً وبدأ: "يا سيّد، زرت قمة العشب الروحي أيضاً، وصادفت هناك نحلاً ضخماً على غير العادة بدا وكأنه مشدود إليّ بلا سبب. كان هناك شيخ قرب خلية النحل، عبوس المزاج بعض الشيء، وأخبرني أن النحل يريد مني أن أغذيه بطاقتي، وعلمني كيف أسمح له بفعل ذلك. وأعطاني النحل عسله الروحي بالمقابل".
قال الأخ الأكبر شياو زان معقباً: "تقصد شيخاً عبوساً في قمة العشب الروحي".
وبدا في نبرته أثر معرفة.
قال السيّد وعيناه مثبتتان على يان من دون حتى أن يلتفت إلى الأخ الأكبر شياو زان: "دعك من هذا. سأتدشّن الأمر".
"وحاولت الاستزراع بالحجارة الروحيّة أيضاً، لكني وجدت نفسي أمتصها في دقائق. ولم أكن متأكداً إن كان هناك خلل في حجارتي الروحيّة أو في طريقة امتصاصي لها. لكني أبلغت أحد الإخوة الأكبر في الطائفة الخارجيّة، فجعل أخاً أكبر آخر يفحص الحجارة الروحيّة بدلي. وهناك سمعت للمرة الأولى باحتمال امتلاكي لجسد خاصّ".
استمع السيّد والأخ الأكبر شياو زان من دون مقاطعة، وبدت ملامحهما غامضة.
"وعلاوة على ذلك، كنت أصنع التعاويذ مستعيناً ببعض معرفتي من عوالم أخرى وأبيعها مقابل نقاط مساهمة. ولست متأكدًا إن كانت تلك التعاويذ تحمل آثارًا لطاقتي الغريبة أيضًا".
قال السيّد بحزم: "لا. لم تكن تضع أيّ قدر معتدّ به من الطاقة في تعاويذك، وحتى لو طوّعت المعرفة من عالم آخر لتناسب نقوش التعاويذ، فلن تبدو النتيجة طاقة أجنبيّة لمن يتفرّص في التعويذ نفسه".
توقف السيّد هنيئة وبدا متبحراً قبل أن يضيف: "هذا مع قوتك الحالية ونوعية التعاويذ التي تصنعها على الأقل. فقد تناقل الشيوخ الحاضرون تعاويذَك حين جردت قمة التعاويذ الحقيقية من مخزونها من الطاقة. لا داعي للقلق الآن؛ فما من أحد منا يستطيع تتبع أيّ طاقة أجنبية في تلك التعاويذ. وأما النحل ونباتات لولب الروح، فكلاهما يقتات على الطاقة وحدها، لكن بوجود الخاتم، لن يستطيع حتى هؤلاء إدراك أيّ شيء عن طاقتك، شريطة ألا تدعهم يحتسونها كعصير الفواكه الموسمي بالطبع. فحتى أغبى المخلوقات ستشعر بالفرق إن حُشرت في حلقها".
وأضاف الأخ الأكبر شياو زان بنبرة محايدة وهو يرمق السيّد: "لكنه ليس حلاً دائماً".
قال السيّد وهو يملي ناظريه في عيني يان: "بالتأكيد ليس كذلك. أنت في مرتبة دنيئة حالياً. لكن لا بد أن يأتي يوم تنتج فيه أشياء، وسواء أكانت تعاويذَ أم عقاقيرَ أم أدواتٍ أم أيّ شيء آخر، بطاقة أقوى بكثير. وحينها تتزايد فرصة ملاحظة تلك الآثار".
نظر يان إلى السيّد بقلق، فطمأنه الأخير ما إن لمس قلقه: "لا داعي للقلق المفرط. فهناك أنا، سيّدك، والكثير من الإخوة الأكبر فوقك. وإن عجزنا عن إيجاد حلّ، فهناك أناس فوقنا في الطائفة أيضاً. سنعثر على مخرج".
لم يملك يان إلا أن يحني رأسه ويقول: "شكراً لك يا سيّد".
وتردد هنيئة ثم أضاف: "وذكرت لأخي أيضاً أنه بإمكاني اكتساب القوة بأكل نوى الوحوش".
سأل الأخ الأكبر شياو زان: "أعلم أحد في عائلتك بذلك؟"
التفت إليه يان وقال: "ليس لديّ عائلة. أنا يتيم، والأخ الذي ذكرته ليس أخي بالدم حقيقة، لكنه أقرب إليّ من الأخ الحقيقي. لقد انضم إلى طائفة السيف الأزرق".
أومأ الأخ الأكبر شياو زان قائلاً: "تلك طائفة سيوف محترمة"، غير أن يان التقط سخرية خفيفة من السيّد.
هو السيّد الذي أعادهما إلى أصل الحديث: "على الأقل لم تكن متهوراً تماماً في هذا يا تشين يان".
وفكر للحظة قبل أن يستطرد: "لنأخذ برواية أنك تمتلك جسداً خاصّاً. فمن السهل المسايرة بنصف حقيقة خير من اختلاق كامل. كما أنها ستقدم تفسيراً معقولاً لاستهلاكك غير المعقول للطاقة".
قطب يان حاجبيه وقال: "يا سيّد، أفيقبل شيوخ قمة التعاويذ الحقيقية ذلك؟"
رمقه السيّد بنظرة ضجر: "أيها التلميذ، لقد امتصصت طاقة تعادل منجماً كاملاً من الحجارة الروحيّة ولم ترتق سوى مرتبتين صغريين. وطبعاً هم يعلمون مسبقاً أن هناك شيئاً مختلفاً فيك، لكنهم سيصدقون إن قدمنا الجسد الخاص تفسيراً".
وبدا السيّد مستغرقاً في التفكير قبل أن يضيف: "وحتى إن راودتهم الشكوك، فلن يمعنوا البحث. فلم يبلغوا هذه المنزلة بالفضول في شؤون الممارسين الآخرين الخاصة".
سأل يان: "حتى مع وجود المشكلة؟"
"حُقق في الحادثة وتبين أنك بريء. يا تشين يان، لا تظن نفسك بالغ الأهمية. لدى الشيوخ ما يشغلهم عن إبدار الوقت في الانتقام لإساءة متخيلة من ممارس حديث العهد".
واشتدت ملامح سيّده جدية: "اتخذ هذا أول درس من سيّدك. فكَممارس، عليك أن تنتقي معاركك. وليست الإحاطة بكل كبيرة وصغيرة من دون دعوة عادات حسنة".
قال يان بطاعة: "سأبقي هذا في ذهنّي يا سيّد"، وكان جاداً.
فقد كانت نصيحة سديدة.
عقّب السيّد بنبرة ساخرة: "جيد. لقد بات هذا داءً مزمناً بين ممارسي هذا العالم مؤخراً. وسيخفف عني القلق ألا يُبتلى تلامذتي بمثل تلك الأسقام".
وطرح الأخ الأكبر شياو زان السؤال الأكثر عملية: "وما الجسد الخاص الذي سيُنسب إلى الأخ الأصغر يان؟"
"مم".
رمقه سيّده نظرة فاحصة كأنه حشرة تحت المجهر.
"كم عالماً وطأت؟"
أوضح يان: "عالم واحد حتى الآن، لكني ألمح صلة بعالم آخر في بحر روحي. وأشعر أنني سأُبعث إلى هناك عاجلاً غير آجل".
سأل السيّد بفضول: "كيف كان شكل ذلك العالم؟"
"يا سيّد، لم يكن هناك ممارسون. أو لا أحد سمعت به في العقدين اللذين قضيتهما هناك. لقد استعملوا بلورة شبيهة بالحجارة الروحيّة لصناعة البطاقات. وهي نوع من التعاويذ القابلة لإعادة الاستخدام والمبنية بنظام نقوشهم الخاص".
لاحظ السيّد: "من هنا جاء تمكنك من فن النقوش"، وأومأ يان موافقاً.
"كيف عُدت؟ أكان قراراً واعياً؟"
أخذ يان نفساً عميقاً وشرح كل شيء. شريط التقدم في بحر روحه. والزيادة التدريجية فيه عبر تعلم نقوش بطاقات جديدة. ووزن كآبة لوسيان على نفسه. والتشابكات السياسية. واللورد أرديث. وما حاول انتزاعه من يان. وكيف أتاح له مصدر البلورة امتصاص شريط التقدم وإتمامه مباشرة. وكيف قتل نفسه. حين فرغ من بسط التفاصيل، جلس كل من السيّد والأخ الأكبر شياو زان في صمت متأمل.
قال الأخ الأكبر شياو زان: "أعتقد أن جسداً ماصاً للطاقة سيكون التفسير الأكثر دفاعاً عن الأخ الأصغر. كما أنه سيفسر ويبرر متى ما أظهرت طاقته حتماً المزيد من الشذوذ متى ما اكتسب أنواعاً إضافية من الطاقة".
وافق السيّد ناظراً إلى الأخ الأكبر شياو زان بنظرة رضا: "أيها التلميذ، لقد أصبت. إنه مرن بالقدر الكفي لتغطية أيّ تغيرات مستقبلية، ومحدد بما يكفي لإشباع الفضول من دون استدعاء المزيد من التدقيق".
سأل يان: "ألهذا الجسد اسم يا سيّد؟"
"طبعاً لا؛ إنه جسد مختلق. لا نريد تسمية جسد حقيقي، فهذا يصعب تبرير أيّ فروق تظهرها".
ونظر إليه سيّده كأنه يشفق على عقله، ثم أضاف بابتسامة باهتة: "يمكنك أن تمنحه اسماً إن كان يعينك".
قال الأخ الأكبر شياو زان بملامح مشدودة ضجراً بعض الشيء، واعتاد بوضوح أداء دور المترجم بين سيّدهم وبقية العالم، والتفت إلى يان: "لم يقصد هذا يا سيّدنا".
ثم استطرد: "أيها الأخ الأصغر، توجد أعداد لا حصر لها من الأجساد، ويستحيل إحصاؤها كلها. بل إن كثيراً من الممارسين يقضون أعمارهم دون أن يدركوا أنهم يملكون واحداً. وتقديم جسد بلا اسم راسخ لن يثير أيّ شكوك".
بدا يان مندهشاً للمعلومات التي تلقاها للتو، لكنه سرّ بقدرته على الاستمرار بعذر الجسد الخاص دون إثارة الكثير من الشكوك.
وتتابع السيّد في الكلام: "ستكون هناك تقنيات خاصة سأحتاج إلى أن تتعلمها. وستعينك في التعامل مع قضايا الطاقات المتعددة التي ستواجهها حتماً".
ورمقه بنظرة مبالاة: "من حسن الحظ أنك أبلغتني مسبقاً. فسيكون تدريبك أيسر ما دام جل اعتمادك على الطاقة".
شعر يان بوخزة حماس لاحتمال تلقي تقنية أخرى قبل أن يساوره قلق، فالتفت إلى السيّد متلهفاً: "لكن يا سيّد، أنا أمارس سوترا تنقية الروح بالفعل".
لوح السيّد بيده معترضاً: "يمكنك الاحتفاظ بها. فممارسة الروح، مع طفيلك الصغير، هي الدرب الصائب بلا شك. وسأمنحك تقنية العناصر السبعة، لتتعلم تصنيف الطاقة وتحويل نوع منها إلى آخر داخلك في نهاية المطاف. لن تعيقك، لكنك ستضطر بالطبع لتخصيص وقت لها".
علق الأخ الأكبر شياو زان عفوياً وهو يرفع حاجبيه: "لم أكن أعلم أن تقنية العناصر السبعة تستطيع فعل ذلك".
سخر السيّد: "بالطبع لا تستطيع. لكني سأجري عليها بعض التعديلات".
قال الأخ الأكبر شياو زان بابتسامة خبيثة صغيرة واعية ثم التفت إلى يان: "أيها الأخ الأصغر، ليس الوقت بالضغط الذي قد يمثله للآخرين على الأقل. فقد أمضيت عقدين متقناً حرفة في عالم آخر دون أن ينقضي هنا وقت يذكر".
وقبل أن يردّ يان، قاطعه السيّد: "ليس بالضرورة".