أكبا يان على مقعده وأطلق لأفكاره العنان في الأيام الماضية. لقد علّمته مسابقة النقوش المجهولة الكثير حتّى وهو مجرد متفرج، وأثبتت له مشاهدة طريقة اختبار المشاركين أنه كان محقّقاً في قرار تفاديها. كان ليُمسح من الوجود. ازدادت النقوش غير الكملة صعوبةً مع تقدم الفعالية، وحتى النقش السادس وجد يان نفسه جالساً بين الجمهور عاجزاً حتى عن تخمين شكل التميمة الكاملة بثقة. كان يستطيع في كل مرة التفكير في نصف دزينة من الطرق المحتملة لإكمال كل نقش، لكنّ عنصراً خفياً ما كان يظهر دائماً ويطلب عيناً مدربة وخبرة لا تأتي إلا من عقود من التفاني، وهو أمر عجزت خبرته في صناعة التميمات عن مجاراته حتى الآن.
تنقله بين العوالم وسنونه في عالم صانعي البطاقات جانباً، هذا هو الواقع الفعلي. فحتى مع توفر السحر، لا توجد طرق مختصرة تجعله خبيراً قادراً على مجاراة قوة ممارسي الزراعة ممن يملكون عقوداً فضلاً عن قرون وألفيات من الخبرة في حرفتهم. سيكون عليه تسلق هذا الجبل خطوة بخطوة. وهو ليس في عجلة من أمره على أي حال. التعلّم رحلة لا تنتهي. مهما تعلم فلن يبرح هناك المزيد ليتعلمه ويكتشفه.
نظر حول غرفة الانتظار الواسعة، التي تقارب عشرة أضعاف مساحة غرفة الانتظار في قاعة النقوش، بسقفها المقنطر وعناقيد الكراسي والطاولات الصغيرة الموزعة في كل مكان. جلس بعض التلاميذ فرادى ومجموعات صغيرة يتسامرون مع الأصدقاء. ملأ طنين خافت من الأصوات المكان. التفت ناظراً حين لفت انتباهاً مفاجئاً عند الباب. انفتح أحد مصراعي الباب المزدوج بهدوء ودخلت تلميذة. انتبهت الغرفة بأسرها.
دقق يان النظر في التطرز على كمّها وأدرك أن هذه شيخة وليست تلميذة. لم تبدُ أكبر سناً من يان نفسه وهو ما لم يكن مفاجئاً حقاً، لكنّ ما صدمه حقاً هو كيف عكست إيحاءً بأنها في مرحلة تكثيف التشاكرات. هذا ما أوقعه في الحبس مبدئياً، جاعلاً إياها تلميذة مثله. وتوسّطت حيرة يان الأولى عيون بعض التلاميذ المجاورين الواضحة ممن لم يألفوا هذه الشيخة تماماً مثله. أما من عرفوها فقد استقاموا بالفعل.
تلاميذ قمة التميمة الحقيقية، على الأرجح. ألقت نظرة عابرة حول الغرفة وبدأت فوراً.
قالت بصوت مباشر: "أنا الشيخة جون جيا من قمة التميمة الحقيقية. أنا هنا لأتأكد من وضوح قواعد فعالية اليوم للجميع. هذه منافسة قدرة التحمل والدفاع. قبل بدء الاختبار الفعلي، سينال كل منكم عشرة دقائق مع كرة ستهاجمكم. خلال تلك الدقائق العشر، وعلاوة على مراقبة نوع الهجوم الذي ستواجهونه، سيتعين عليكم أيضاً صنع أي تميمات ترونها الأنسب لصمود الهجوم لأطول فترة ممكنة. ستذهب الرتبة العليا لآخر درع صامد، والثانية للذي يليه وهكذا".
"آه وستُخصم منكم نقاط أيضاً إن تسرب جزء من الهجوم وأذاكم حتى وإن ظلت لديكم تميمات للدفاع"
التفتت تتفرس في التلاميذ وقالت: "أسئلة؟"
ارتفعت يد من الخلف.
"هل هناك حد أقصى لعدد التميمات التي يمكننا صنعها؟"
"تملكون عشرة دقائق. اصنعوا ما استطعتم. لا قيود. رغم أنه يُسمح لكم باستخدام المواد المتوفرة وحدها لصنعها".
ارتفعت يد أخرى.
"أسيواجه جميع المشاركين نوع الهجوم نفسه؟"
"نعم. نفس النوع، ونفس الشدة لكل مشارك".
استرخى التلميذ الذي طرح السؤال بوضوح. أدرك يان السبب. لقد اقتراب بالفعل من الحد الأعلى لفئة المبتدئين في بناء التأسيس. بارتقاء عالم فرعي آخر سينافس كأحد أضعف المشاركين في الفئة المتوسطة لبناء التأسيس بدلاً من كونه أحد أقوى المشاركين في فئة المبتدئين. عنى نفس النوع والشدة للهجوم أنه يملك أفضلية على أغلبية الممارسين المشاركين، على الأقل فيما يخص مخزون التشاكرات. جالت الشيخة جون جيا بنظرها في الغرفة مجدداً إذ لم يتقدم أحد غيره.
"حسنٌ. حين يدق الجرس ستغادرون جميعاً في طابور وتتخذون أقرب محطة فارغة".
استدارت وغادرت من الباب ذاته الذي دخلت منه. انفرط عقد غرفة الانتظار إلى محادثات هادئة. كان يان قد بدأ بالفعل في شق طريقه عائداً إلى كرسيه الفارغ حين دق جرس النداء. غيّر اتجاهه في منتصف الخطوة وانضم إلى الطابور المتشكل عند الباب. تبع سيل التلاميذ خارج الباب وخطا إلى الحلبة. كانت مكتظة. آلاف البشر في المدرجات. التفت يان ناظراً محاولةً رصد وجوه أصدقائه لكنه اضطر للاستسلام قريباً.
كان هناك عدد هائل من البشر. خطا على المنصة واستوعب تخطيط هذه الفعالية. انقسمت المنصة الدائرية إلى شطرين، واصطف على جانبي كل منهما ما يشبه المائة مقصورة، يبلغ ارتفاع كل منها نحو عشرة أقدام وتفتح من الأمام فحسب. تشبه خزانة بلا باب مواجهة للمشاركين، مغلقة من الجهات الثلاث ومن الأعلى، محجبةً رؤية المحطات على الجانبين. توسطت كل مقصورة كرة شفافة طافية. رسمت خطوط متوهجة الأرضية، فاصلة منطقة كل مشارك عن التالي.
فهم يان الغرض فوراً. فالخطوط ستكبح على الأرجح تأثيرات تميمات كل مشارك وتمنع التداخل بين المحطات المتجاورة. اختار الوقوف أمام أقرب محطة فارغة ووقف على بعد عشرات الأمتار من المقصورة حيث رسم التشكيل حدود المشاركين. حاول التركيز على الكرة المعلقة في الهواء داخل مقصورته لكنه عجز عن استشعار أي شيء. بدا وجود حاجز بينه وبينها، ربما لمنح الجميع قدر الوقت نفسه للاستعداد. دق الجرس وسار يان سريعاً نحو المقصورة شاقاً طريقه مع تلاشي الحاجز.
وما إن خطا للداخل حتى انفتحت لوحة على يمينه داخل المقصورة وفيه مستلزمات التميمات مرتبة بدقة وعُلّقت اللوحة بزاوية لتغدو مكتباً مؤقتاً لنقش التميمات عليه. استدار سريعاً إلى الأمام متجهاً للكرة أولاً. عجز عن قراءة أي شيء بصرياً منها فخاطر بوضع يده عليها مباشرة. نار. كان الانطباع فورياً، كشعور طاغٍ لجحيم يبتلعه. سحب يده سريعاً وأطلق زفيراً حاداً. أمر لا يثير الدهشة حقاً.
إنها مسابقة لاختبار ممارسي بناء التأسيس المبتدئين، وأي أمر باطني سيكون غير ملائم لهذه الفئة. لذا بقيت النار إحدى الخيارات الطبيعية. استطاع التعامل مع النار العادية. لكن تشاكرات النار كانت المشكلة الحقيقية. إن كانت قريبة بأي شكل من شدة الهجوم الفعلي الذي سيوجهه، فلن تصمد أي تميمة فردية يصنعها طويلاً. ربما لو طبّق عدداً منها فسيصمد جولة أو جولتين. وكل ما يتعدى ذلك بدا مفرطاً في التفاؤل.
شرع في تقليب خياراته سريعاً. تميمات الحواجز القياسية مستبعدة قطعاً. فحتى أفضلها لن تصمد لوقت طويل كافٍ. تأمل، أستطاع محاولة إحداث بلبلة في الهواء المحيط، ناشراً النار لا حוגبها، ومقللاً الشدة في منطقة واحدة ومستخدماً تميمة حاجز عامة لتجاوز الأمر. لكنه حين تطلع إلى خطوط التشكيل المحددة لمسارات المشاركة تخلى عن الفكرة. كانت المساحة ضيقة للغاية. تطلب التوجه مساحة أكبر للتعامل معها.
في منطقة مفتوحة استطاع تبديد النار بسهولة كافية. ستكون عديمة الجدوى هنا ومن المرجح أن تعكس الحرارة نحوه مجدداً. لو استطاع رؤية نمط الهجوم الفعلي لعرف أفضل كيف يدافع لكن الاختبار سمح للمشارك بمعرفة العنصر الذي سيتعاملون معه فحسب. فكر أيضاً في إزالة الأكسجين من المنطقة المحيطة. لا تستطيع النار الحفاظ على نفسها دونه. لكن تشاكرات النار لا تصنع ناراً عادية، ولم يكن واثقاً مما إذا كانت إزالة الأكسجين ستؤثر على نار سحرية بالشكل ذاته للنار العادية.
ووجدت مسألة نفسه أيضاً. إن نجح في خلق جيب منزوع الأكسجين داخل منطقته المعينة، فسيكون هو من يغشي عليه. المشارك فاقد الوعي مع بقاء تميمة عاملة في مكانها يبقى مشاركاً فاشلاً. وكانت هناك مشكلة عدم درايته بما إذا كان التشكيل سيسمح أساساً بنزع الأكسجين من المنطقة. ربما وضع الشيوخ احتياطات مدمجة في التشكيل للسلامة. تخيل يان أن الشيوخ لا يرغبون في حرمان المشاركين من الهواء بينما تلتهم هجمات النار الأكسجين.
في حالة كهذه سيستغرق جعل منطقته بأكملها خالية من الأكسجين بحثاً أكثر من الدقائق العشر التي أتيحت له للعمل خلالها. تحرك نحو الإمدادات منتقياً كل فرشاة لاختبار الوزن والملمس واستقر على الخامسة. غمسها في الحبر وأمسكها فوق أول ورقة تميمة. رن جرس خفيف. انقضت دقيقة واحدة. فكر طويلاً في الدفاع عن هجمات النار في استعداده، وما لم يحسب حسابه هو ضيق المساحة. الحل الذي كان يعمل نحوه الآن مختلف عن أي شيء تمرّن عليه.
لم يملك سوى الدقائق التسع القادمة ليكتشف ما إن كان سيصمد. وضع الفرشاة على الورق وبدأ نقش التميمات الأولى. حين انتهى وضعها جانباً وانتقل فوراً إلى الورقة الثانية. رن جرس خفيف آخر. تبقى ثماني دقائق.