استيقظ يانغ في اليوم التالي على ضوء الصباح المتسلّل عبر مدخل الكهف. كانت مهمّته الأولى كل يوم سقي النباتات، وهو ما أسرع لفعله في أول الصباح. كانت النبتات تنمو بحال حسنة، وما إن انتهى من سقيها جميعاً حتى عجز عن مقاومة الركوع قرب عشب اللولب الروحي وجعله يطارد يده. بالأمس، وهو ينظر إلى تلك النبتات الرائعة ويرى ما تستطيع فعله، ازداد تقديره لهذا المجال الخاص. كان يودّ يوماً التعمق فيه، لكن صنع التعاويذ كان يستهلك جلّ وقته حالياً.
أما الخوض في زراعة النباتات فدونه سنين طوال. خطر له فكرة فجأة، وبدل الاكتفاء بجعل النبتة تميل نحو يده هذه المرة، أطلق خيطاً ضئيلاً من طاقة التش كما فعل مع النحل بالأمس. لم يكن معتاداً عليها بعد، وتطلّب الأمر محاولات بضع، لكن إطلاق طاقة التش بدا أثبت مما كان عليه في اليوم السابق. عند إطلاق طاقة التش المركزة، بدا الأمر وكأن النبتات الثلاث كلها قد انتبهت لا النبتة القريبة من يده وحدها.
امتصت طاقة التش على سطح الأوراق، وبما أن طاقة التش كانت مرئية بلون ذهبي باهت، فقد استطاع رؤيتها تتفرّق تدريجياً على امتداد سطح الأوراق. بدت الأوراق وكأنها تتوهج لثانية وهو يراها تمتص خيط التش الضئيلي الذي منحها إياه. كانت أبطأ في امتصاص التش مقارنة بالنحل الذي امتص التش فوراً في أفواههم، مما أوحى له بأن النبتة تحتاج إلى أقل مما يحتاجه النحل، ولم يكن ذلك مفاجئاً بالنظر إلى أنها لا تزال شتلة وليست نبتة ناضجة.
دفع يانغ خيطاً آخر ومنحه للنبتة ذاتها مجدداً. وراقب الشتلتين الأخريين تبدوان وكأنهما تتشددان لتبلغا أقرب إليه. أطعم النبتة مرتين أخريين، وبالمجمل 4 مرات قبل أن تتوقف عن الامتصاص حين عرض عليها خيط التش الرابع. تحرك يانغ نحو النبتتين الأخريين وعرضه فامتصتاه شرهتين كله. لاحظ أن الامتصاص تباطأ ما إن أُعطي الخيط الثالث، وراقب الثانية ترفض بدورها تلقي الخيط الخامس. وكرر الأمر نفسه مع الشتلة الثالثة والأخيرة.
عرض عليها يانغ خيطاً خامساً لأجل تجربته أيضاً رغم علمه بأن استجابة عشب اللولب الروحي للقبول كانت مستبعدة. وكما توقع تماماً، رفضت، أو بالأحرى عجزت عن تقبّل خيط التش الخامس. بدل إهدار التش، وضع يانغ يده مسطحة على التراب، ووجّه خيط التش نحو التربة دافعاً إياها لامتصاصه. على أقل تقدير، سيساعد ذلك في تغذية الشتلة بروية أكبر. وحين نهض نافضاً التراب عن ركبتيه ويده، التفت صوب سريري الحديقة الآخرين حيث زرع العشب الروحي ونبتات اليشم الأزرق.
بدا الاثنان ينموان بحال حسنة، لكن نظراً لكونهما زُرعتا بيد يانغ مستخدمتين طاقة التش المتحورة لديه، فمن المرجح أنه برغم المظاهر قد يوجد شيء مختلف بشأنهما. هذه النبتات لا يمكنها مغادرة مكاني، هكذا فكر يانغ، وغرس الأعشاب للآخرين ولنفسه لم يعد خياراً مجدياً، لا سيما حتى يعلم أكثر بشأن تأثير طاقته على النبتة. يُستعمل اليشم الأزرق في حبوب تأسيس الأساس. سيكون جرماً عظيماً من يانغ إن تركها تُستعمل دون علمه في حبة تؤثر سلباً على أحدهم.
أساس الممارس هو قاعدة ممارسته كما يُفهم من اسم العالم نفسه. هذا يعني، إن كان عشب اليشم الأزرق الذي زرعه صالحاً لصنع حبة تأسيس أصلاً. وكان العشب الروحي خارج الحسابات للأسباب ذاتها. فقد أُستعمل في آلاف الحبوب بوصفه مادة رابطة، بل كان المادة الرابطة الأكثر شيوعاً. وهو ما منح الحبة شكلها بعد دمج المكونات كلها. ومع كمية الحبوب التي يمكن إدخاله فيها، سيكون معجزة معرفة التأثيرات التي قد يحدثها بناءً على نوع الحبة المصنوعة منه.
ناهيك عن انكشاف سره الخاص. في الوقت الحالي، الأخ الأكبر لين يي وحده يعلم بالفارق في طاقة التش لديه، وربما الأخ الأكبر شياو زهان. وحسب ما اعتقده الأخ الأكبر لين يي، فجسده هو المختلف، مما سمح له باهتلاع نوى الوحوش وتسبب في توليده نوعاً مختلفاً من التش. لكنه وحده كان يعلم أن الخرزة وحدها هي التي غيرت شيئاً ما بداخله. كلا، ينبغي ألا تُباع النبتات أو تُمنح قط. ليس قبل أن يصبح يانغ نفسه بارعاً بما يكفي في الخيمياء للتجربة ومعرفة الفوارق والتأثيرات التي ستحدثها المكونات المزروعة بطاقته، وهو أمر يبدو مجرد التفكير فيه الآن كالنكتة.
نظراً للخبرة المطلوبة، فهكذا مسعى يبعد عقوداً، إن لم يكن قروناً عن قدرات يانغ الحالية. الخيار الآخر هو إيجاد شخص جدير بالثقة بما يكفي لمشاركته أسراره كلها، لكن بناء علاقة ثقة يستغرق وقتاً وجهداً. حتى لي سان لم يكن يعلم أياً من أسراره رغم حب يانغ الشديد له واستعداده للموت في سبيله. إن أتيح ليانغ أمره أو وسعه لضمان بقاء نبتاته بعيدة عن الطريق بدل توسطها تماماً مسار مدخل كهفه، لكن ذلك كان خارج إرادته الآن.
وبما أننا في المسار بالفعل، فلنمضه حتى النهاية. سنرى ما سيؤول إليه أمرك حين تُتغذى على طاقاتي، هكذا فكر يانغ وهو يطأطئ ناظراً إلى عشب اللولب الروحي. استدار نحو مدخل كهفه وعاد للداخل. وما إن دخل، حتى أدى طقوس طهارته الصباحية وبدل أثواب الطائفة بأخرى جديدة. لقد كان مسروراً حقاً بخدمة غسيل الطائفة، إذ توجب عليه فقط وضع الثياب في السلة بمنطقة الحمام، لتختفي تلقائياً وتُستبدل بأثواب نظيفة بعد يوم واحد.
ولحسن الحظ، الأثواب ذاتها تماماً. لقد راوده قلق طفيف في البداية، لكن مع استمراره في ارتداء الثياب، بدأ يألف الملابس التي يرتديها يومياً. وكانت الأثواب القليلة التي يملكها تُتداول طوال الأسبوع. وما إن فرغ حتى توجه إلى الكهف وجلس على منصة التأمل حين خطر له شيء، لكنه خمد ما إن حلت الفكرة بباله. كان يخطط لتخمير شاي اللوتس الوردي وإبقائه جاهزاً قريباً ليتمكن من شربه حين يداهمه الصداع ويرى إن كان باستطاعته مواصلة ممارسة التحويل السماوي لفترة أطول، لكنه بحاجة أولاً للحصول على تقنية الماء الخاصة به.
سيحصل عليها لاحقاً حين يغادر لتناول الإفطار، أما الآن فسيكتفي بالممارسة كما كان يفعل سابقاً. اتخذ وضعيته وبدأ امتصاص التش وتأدية التحويل السماوي.
خرج يانغ من قاعة الطعام وشق طريقه نحو المكتبة للحصول على تقنية ري النسيم البارد. لم تكن التقنيات مجانية وتُحفظ في المكتبة، لذا اضطر من أراد الحصول على تقنية للذهاب إلى المكتبة بدلاً من قاعة الطائفة الخارجية. كانت المكتبة على قمة أخرى، لذا احتج إلى استخدام ممر للوصول إليها. بمجرد وصوله، كانت خالية نسبياً نظراً لكونه في الصباح الباكر ولم يكن هناك الكثير من التلاميذ طلقاء.
بدلاً من الدخول للبحث، سار بخطى مباشرة نحو الشيخ شي ييتشن، الذي كان جالساً على مكتبه.
قال يانغ بانحناءة: "تحياتي أيها الشيخ".
قال الشيخ شي يومئ برأسه برهة: "التلميذ تشين يانغ".
قال يانغ وهو يُخرج رمزه لتسليمه للشيخ قبل أن يسأله عنه: "أنا هنا من أجل تقنية محددة اليوم. أريد نسخة من تقنية ري النسيم البارد".
أخذ الشيخ شي الرمز.
"انتظر بضع دقائق".
دخل من باب خلف مكتبه. في غضون دقائق معدودة عاد الشيخ شي ومعه كتيب فناوله إياه مع الرمز.
"التلميذ يانغ، لقد كنت مشغولاً حقاً".
استغرق يانغ لحظة ليدرك أن الشيخ كان يشير إلى عدد النقاط في رمز طائفته.
تابع يانغ بابتسامة آسفة: "لقد بدأت بصنع وبيع التعاويذ لقاعة الطائفة الخارجية. لقد كان الأمر مربحاً نوعاً ما".
"تكلفة التقنية خمسون نقطة".
"شكراً لك أيها الشيخ شي".
انحنى يانغ انحناءة خفيفة، غير مكترث بالتكلفة رغم أنها كانت أرخص من المتوقع. ألقى نظرة على الكتيب، وبدا أفضل بكثير من نسخة سوترا تنقية الروح السماوية التي أخذها من المكتبة. دلت حالة هذا الكتيب الطازجة على أنها تقنية شائعة إلى حد ما، لدرجة أن الطائفة استمرت في صنع نسخ جديدة لاستبدال تلك المأخوذة. وضع الكتيب في كمه مع الرمز بينما كان يتنزه على طول الممر مستمتعاً بالمنظر.
لقد كان مشغولاً للغاية مؤخراً لدرجة أنه لم يكن لديه وقت للاستمتاع بنزهة هادئة منذ فترة. وبما أنه كان هنا بالفعل، كان عليه أن يأخذ وقته ويستمتع بطريق العودة.