داو اللغة الفصل 97

اقرأ داو اللغة الفصل 97 باللغة العربية على مانجا تايم.

الإشارة الأولى هي اللون. في رابعة النهار، لم يكن الشق السماوي سوى خط باهت في الأفق، ندبة أفقية لو مرّ بها غافل لظنّها تشكُّل سحاب متطاول. تفصيل في أعلى السماء اعتاد عليه سكان القارة الوسطى أجيالاً طويلة حتى إن أكثرهم كفّ عن رؤيته منذ زمن بعيد. لكن شيئاً في السماء تغير ذلك اليوم. كان حارس من طائفة اللهب الأبدي أول من رماها ببصره. قضى ثلاث ساعات يمسح محيطه بملل، كما يفعل في أيام مناوبته، حين ومضت ومضة محمرة على حافة الشق السماوي.

لم تكن الدرجة البرتقالية التي تلون بها الشمس السحب أحياناً وقت الأصيل، ولم تكن شيئاً يألفه الحارس الشاب أو يتبينه. كانت حمراء أعمق وأشد، من تلك التي تبدو كأنها تحوي مصدر ضوء خاصاً بها لا تكتفي بمجرد انعكاسه. أطلق الإنذار قبل أن يفلح في صياغة ما يراه في كلمات، إذ لم يكن الشق السماوي مرئياً في تلك الساعة، ومع ذلك بدأ يشرق. في دقائق معدودة، تحولت الومضة إلى توهج مستمر صبغ حافة الشق بحمرة ملتهبة، مرئية في ضوء النهار كأن أحداً وضع خلفه مصدراً ضوئياً هائلاً.

المزارعون رفيعو المرتبة الذين خرجوا إلى الأفنية الخارجية لمختلف المقرات استجابة للإنذارات تأملوها للحظة بتلك النظرة الممتزجة بالتقييم وعدم التصديق، ثم طفق عدد منهم يتحدث في آن واحد.

قال الشيخ الجليل لطائفة اللهب الأبدي للشيوخ المحيطين به، بصوت مشدود كصوت من يؤكد شيئاً تمنى ألا يضطر لتأكيده مرة أخرى طوال حياته: "إنها موجة تشي عنصرية".

وأردف: "أعدوا الدفاعات لأسوأ سيناريو ممكن".

لم يسأله أحد عن أي عنصر، إذ كان لون التوهج إجابة كافية. ما أتى بعد ذلك كان السحابة. انبثقت من الشق السماوي ببطء في البداية، كأن الظاهرة تأخذ وقتها في التجلي، تتسرب عبر الفتحة في السماء ببطء شيء يملك كل وقت العالم. لكن البطء كان خداعاً، لأن ما بدا تقدماً منضبطاً من الأرض كان في الواقع توسعاً سريعاً بشكل لا يصدق مقياساً بمقياس السماوات، وفي الوقت الذي استغرقته طائفة اللهب الأبدي لتفعيل تشكيلها الحماية الأول، كانت السحابة المحمرة قد انتشرت عبر جزء من السماء واسع بما يكفي لحجب الشمس.

وهذا ما جعل الضوء يتغير. ليس بطريقة جذرية، وليس دفعة واحدة، بل على النحو التدريجي الذي يتبين أنه أشد إزعاجاً بكثير من التغير المفاجئ. أخذت سطوح المدن الممتدة تحت السحابة تكتسب طابعاً أحمر ناعماً غمر كل شيء بالتساوي، بلا اتجاه ولا ظل محدد، كأن الهواء نفسه اكتسب ذلك اللون. صار العشب يحمله، وصارت المباني تحمله، وحتى وجوه أولئك الذين رفعوا أنظارهم نحو السماء تلونت بذلك اللون.

وأولئك ممن بلغوا سناً معينة تعرفوا عليه على حقيقته. لم يكن كل من نظر إلى السماء في تلك اللحظة قد عاصر موجة تشي عنصرية، لذا عرفها كثير من الشباب من الكتب فقط أو من روايات شيوخهم، وبدت موجة التشي في تلك الروايات دائماً شيئاً يمكن التعامل معه، شيئاً يحدث بعيداً ويتولاه كبار الأساتذة في القصص بكفاءة. لكن من عاشوها حقاً عرفوا أن الكتب والقصص كذبت بالحذف. لم تكذب بشأن الوقائع، بل بشأن الخوف، والعجلة، وفوق كل ذلك، النتائج الأولية التي عانى منها من لم يستعدوا في الوقت المناسب.

لهذا بدأت الإنذارات تملأ أجواء القارة الوسطى كأن الجميع، بطريقة ما، اتفقوا على فعل الشيء نفسه. دوت أولاً في مقرات الطوائف الكبرى، التي امتلكت بروتوكولات مضبوطة خصيصاً لمثل هذا الموقف ونفذتها بكفاءة من ظلوا يتدربون عليها لعقود دون توقع اضطرارهم لاستخدامها يوماً. ثم في المدن غير التابعة، حيث عقدت مجالس الشيوخ اجتماعات طارئة استغرقت في بعض الأحيان وقتاً أقل من ذلك الذي استغرقه آخر شيخ ليأخذ مقعده، لأنه حين تكتسي السماء بلون العناصر فلا مجال لكثير نقاش.

وأخيراً في الإمبراطوريات، حيث أرسل القادة رسلاً يطلبون التعليمات بينما أصدروا الأوامر دون انتظار عودة أولئك الرسل أنفسهم بها. فُعِّلت تشكيلات الحماية كسلسلة نيران تشتعل الواحد تلو الآخر على طول فتيل، مضيئة الأفق بالتوهجات المميزة لكل تشكيل، والتي أضافت في بعض الحالات ألوانها الخاصة إلى الأحمر المهيمن بالفعل على السماء.

أمر السيد الأعظم لطائفة الريح المجمدة، الذي ظل الأكبر سناً في طائفته لعقود وعاش موجتي تشي سابقتين، كتاهما من نوع مختلف: "أعِدّوا ربط التشكيل الخارجي".

وتابع: "ولا أحد، إطلاقاً لا أحد، يغادر المحيط حتى أقول خلاف ذلك".

لم يشكك أحد في الأمر، إذ اتسم نبرة السيد الأعظم بالنوع الذي لا يقبل الأسئلة، لا لأنه قصد الترهيب بل لأن صوته حمل معه ذكرى ما رأه في مناسبات أخرى. المدن، وفي غضون ذلك، أفرغت شوارعها في غضون دقائق بينما امتلأت الأسواق، التي كانت في تلك الساعة في ذروة نشاطها عادة، باكساح فارغة لا تزال البضائع مفروشة فيها على الأقمشة، والمجامر مشتعلة، والمحادثات شبه المكتملة التي انقطعت لحظة انتشار الإنذارات في الهواء، لأنه حين يعيش المرء طويلاً تحت الشق السماوي يتعلم، من شيوخه أو من خبراته الخاصة، أن هناك مواقف لا تحتاج فيها غريزة الاحتماء إلى مبرر.

وحينها تغيرت السحابة مع تباطؤ التوسع. لم تتوقف، لكن الحركة الأفقية التي هيمنت على اللحظات الأولى بدأت تفسح المجال لشيء مختلف، إذ في مركز الكتلة المحمرة، مباشرة تحت عمود الشق السماوي، بدأ تشي النار يتركز ويتكاثف، كأن شيئاً كان يدعوه من الأرض بطريقة لم يستطع مقاومتها. لم يستغرق العمود وقتاً طويلاً ليتبلور. كتلة من الأحمر الكثيف، أداكن ممّا كان ينتشر عبر السماء، بدأت تنحدر من نقطة التركيز الأقصى للسحابة، تضيق كلما نزلت دون أن تفقد كثافتها، كإصبع نار ممتد نحو الأرض بدقة بدت شبه متعمدة.

أولئك الذين ما زالوا على الطرق المفتوحة انطلقوا جَرْياً عند رؤيته. أولئك القابعون بالفعل خلف تشكيلات الحماية عززوا قوتها بكل التشي الذي استطاعوا توجيهه، وتمركز المزارعون رفيعو المستوى في النقاط الحرجة لتلك التشكيلات دون أن يطلب منهم أحد ذلك.

قال الشيخ الجليل لطائفة اللهب الأبدي، وهو يراقب العمود المنحدر بتعبير لم يكن خوفاً تماماً لكنه لم يكن بعيداً عنه: "أمسكوه. مهما يكن ما يوشك على القدوم، أمسكوه".

وأخيراً، لامس العمود الأرض. فعل ذلك في منطقة وضعت خرائط القارة الوسطى عليها ملاحظة كانت في أجيال سابقة اسماً، ثم تحذيراً، وأخيراً مجرد لون، ذلك الأسود الذي يخصصه رسامو الخرائط في كل قارة للمناطق التي لا يُستحسن فيها الوجود المستمر للبشر. كانت أراضي لم تدعها أي طائفة بشكل دائم قط، ولم تدرجها أي إمبراطورية ضمن حدودها الرسمية، والمسافرون الذين احتاجوا لعبورها عبروها بسرعة ودون مكوث أكثر من اللازم.

لذا في هذه الساعة، ولحسن الحظ، كانت خالية تماماً. آخر من قطنوها مؤقتاً، مجموعة من المزارعين المتجولين الذين استخدموا المنطقة نقطة عبور، رأوا السحابة تتشكل في السماء واتخذوا بسرعة قراراً لم يتطلب مداولات، إذ تخلوا ببساطة عن كل ما لم يسعَ في أكياس تخزينهم ليهربوا بأقصى سرعة سمحت بها تقنيات حركتهم، دون التفتت للوراء. وهو ما تبين أنه أفضل قرار كان يمكنهم اتخاذه. حين لامس عمود تشي النار الأرض، لم تكن النتيجة انفجاراً بالمعنى التقليدي للكلمة.

لم يكن هناك دوي ولا ومضة ضوء واحدة، بل كان أشبه بانسكاب، بقدوم شيء ظل يبحث عن مكان يودع فيه نفسه ووجد مكانه أخيرًا. انسكب تشي النار فوق الأرض بتركيز حول هواء تلك المنطقة إلى شيء لم يُصمّم أي كائن حي، مهما حصّن نفسه، لتنفسه. لم يحترق الغطاء النباتي على نحو ما يحدث حين تقرب منه شهبة، بل تبخر ببساطة دون أي انتقال مرئي بين حالة وأخرى، كأن مفهوم الاحتراق نفسه أُزيل لصالح النتيجة النهائية.

الأجار الأكثر مقاومة صمدت لحظات أطول قليلاً من الأخرى، لكنها انتهت هي الأخرى بالاستسلام بسرعة جعلت من المستحيل التمييز بين ما يقاوم وما كف عن ذلك بالفعل. وعلى نحو مشابه، سقطت الوحوش الروحية التي لم تستطع الهرب، ولم يكن موتاً بطيئاً لعدم وجود مقاومة مطولة. أجسادها، التي صقلتها سنوات من امتصاص التشي، بلغت بسرعة حد ما تستطيع احتماله قبل أن تتمكن من فعل شيء حيال ذلك.

الأقوى استغرقت لحظات أطول قليلاً، لكن الجميع انتهى بالطريقة نفسها. وحينها بدأت الموجة في التوسع. فعلت ذلك بطريقة، لو كان سن ون حاضرة لرؤيتها، لرؤية شكلها وعواقبها، لما استطاعت منع نفسها من مقارنتها بالصور التي بُثَّت في عالمها القديم حول كيف يسلك موجة صدمة انفجار نووي. من نقطة الاصطدام، انتشرت كتلة تشي النار في كل اتجاه دفعة واحدة، حد مرئي بوضوح يتقدم عبر الأرض بينما واصل العمود ضخ المزيد من التشي من الشق السماوي، مغذياً التوسع دون إعطائه فرصة للضعف.

في المناطق التي بلغها مقدمة الموجة، بدأت الحرارة في الارتفاع. ليس كارثياً كما في نقطة الاصطدام، إذ إن الموجة التي بلغت أقرب المدن كانت نسخة مخففة ممّا كانت عليه في مصدرها وخفتت بما يكفي لتتمكن تشكيلات الحماية من احتوائها، لكنها ظلت شديدة بما يكفي ليشعر كل من بداخل تلك التشكيلات بالتغير، إذ أصبح الهواء ثقيلاً وجافاً بطريقة تجاوزت مجرد الإحساس البدني، كأن الغلاف الجوي نفسه قرر أن يذكّرهم بالمصير الذي كانوا ليلاقونه خارج الحتميات التي لجؤوا إليها.

سرعان ما بدأت المسطحات المائية في التناقص. كان عملية بطيئة في المناطق الأبعد عن نقطة الاصطدام، بطيئة بما يكفي لعدم رؤيتها بالعين المجردة في البداية، لكن المزارعين الذين راقبوا حالة المناطق المحمية بدأوا يكتشفون العلامات، إذ كانت مستويات البرك تنخفض، وتيارات الجداول الأصغر تضمحل، ورطوبة الهواء تهبط إلى قيم لم تكن تُسجَّل، في الظروف العادية، إلا في أكثر أشهر السنة جفافاً.

أبلغ أحد تلاميذ طائفة الريح المجمدة السيدة العظمى شين مينغيو، التي كانت لا تزال تراقب كل ما يحدث: "فقد نهر البريقات الخمس ثلث تدفقه".

قالت السيدة العظمى، دون أن تحول عينيها عن نقاط تشكيل الحماية التي كانت تتابعها: "سجل ذلك. واستعدوا لما هو أسوأ. لم ينتهِ الأمر بعد، وتنتظرنا أيام شديدة الصعوبة".

وكانت على حق. واصلت الموجة توسعها لأيام، مدعومة بالعمود المنحدر من الشق السماوي، والذي ظل يغذيها بإمداد ثابت من تشي النار لم يُظهر أي علامات على الرغبة في التوقف، ورغم أن التركيز في المناطق الأبعد عن المركز أصبح أقل فأقل كلما زادت المساحة السطحية المتأثرة، فإن العواقب المتراكمة لذلك الوجود المستمر كانت مرئية عبر القارة الوسطى بأسرها. الغابات التي تقع مباشرة تحت منطقة كثافة التشي القصوى اختفت، وتلك التي على هوامش تلك المنطقة تعرضت لأضرار ستستغرق أجيالاً لتتعافى منها، بينما بدأت الأراضي الرطبة المحيطة بالأنهار الكبرى تجف بطريقة، بخلاف الجفاف العادي، لم تبدُ كأن لديها أي ننية للتوقف.

لكن موجة التشي العنصري لم تكن دماراً فحسب، ولم تكن كذلك أبداً. أول من تحرك كانوا المزارعين المنفردين، أولئك الذين لم تملك طائفة تكبلهم ولا أوامر يطيعونها، والذين قضوا سنوات يمارسون تقنيات الحركة السريعة تحديداً للمواقف التي تكون فيها سرعة التنقل مهمة. غامروا بدخول مناطق كثافة تشي النار القصوى بنوع من العزيمة التي يصعب، من منظور خارجي، تمييزها عن التخلي. كانوا مزارعين في مرحلة تناغم النوى العنصرية، وامتلكوا جميعاً نوى نارية.

بالنسبة لهم، ما عده باقي العالم كارثة كان شيئاً، لو أُدير بشكل صحيح، يمكنه إنجاز عقود من الزراعة في أيام معدودة. كثافة تشي النار في المناطق المركزية للموجة كانت بحجم لا يمكن العثور عليه في أي مكان آخر، ومن كانت نوى نارية لديهم متقدمة بما يكفي لامتصاصه دون الاستسلام للمحاولة استطاعوا الخروج من تلك المنطقة بنوى تحولت بطرق، لولا ذلك، لما حققوها طوال حياتهم بأكملها.

لكن كما يقول المثل، تموت الحيوانات من أجل الطعام ويموت الرجال من أجل القوة. الكثير ممن دخلوا لم يعودوا. لم يكن ذلك شيئاً يمكن رؤيته من الخارج، ولم تكن هناك لحظات درامية أو علامات مرئية عما حدث. بعض من دخلوا ببساطة لم يخرجوا أبداً مع مرور الأيام، ومن عادوا فعلوا ذلك بنوى متحولة وتعبير شخص كان في مكان لم يكن متأكداً من قدرته على مغادرته.

قال أحد الناجين، وهو مزارع متوسط العمر حملت ملابسه علامات لا تُخطئ لكونه اقترب أكثر من اللازم من شيء شديد السخونة: "رأيت اثنين ممن دخلوا قبلي. كان كلاهما في مستوى أعلى مني، وظنا بالتأكيد أنهما قاديران على الصمود".

توقف قليلاً وهو يتأمل يديه ثم قال أخيراً: "لم يستطيعا تحمله".

لكن حتى مع تداول مثل هذه القصص في معسكرات المزارعين المنتظرين عند المحيط، واصل آخرون الدخول، إذ كانت الإغراءات أكبر من أن تقاوم بالنسبة لمن قضوا سنوات متجمَدين ورأوا أمامهم فرصة لا تتكرر، في أفضل الأحوال، سوى مرة في العمر. الطوائف، من جانبها، تمزقت بين حكمة كبح تلاميذها وإغراء استغلال الموقف بأنفسهم.

جادل أحد أساتذة طائفة اللهب الأبدي أمام مجلس الشيوخ: "يمكننا إرسال تلاميذنا الناريين إلى الهوامش، بشكل منضبط وبدعم. قد تكون المكاسب كافية لتغيير ميزان القوى في المنطقة لصالحنا لأجيال".

أجاب الشيخ الجليل دون أن يرفع بصره عن التقارير التي على الطاولة: "لكن لا يمكننا نسيان الخسائر. قد تكون كافية لفعل الشيء نفسه، ولكن في الاتجاه المعارض".

استمر النقاش ساعات، إذ كان نوع النقاش الذي لا يملك إجابة صحيحة، بل خيارات بمستويات مخاطر مختلفة وأنواع عواقب متباينة، ولم يكن مجلس شيوخ طائفة اللهب الأبدي الوحيد الذي يخوضه في تلك اللحظة. بعد أيام عدة من ملامسة العمود للأرض، توقف الشق السماوي أخيراً عن تغذيته. كان عملية تدريجية، لا قطعاً مفاجئاً. تدفق تشي النار المنحدر عبر العمود بدأ يتضاءل بطريقة ملحوظة للمزارعين رفيعي المستوى المراقبين له، ثم انخفض إلى قطرة صغيرة، وأخيراً توقف عن الكشف عنه.

العمود، ودون المصدر المغذي له، بدأ يتشتت ببطء، لكن ذلك التشتت أصبح مرئياً في النهاية للعين المجردة أيضاً. في المناطق الأقرب لنقطة الاصطدام، بدأت الحرارة في الهبوط ببطء، لكنها ظلت مع ذلك شيئاً استُقبل بارتياح. ستظل نقطة الاصطدام غير صالحة للسكن لفترة طويلة، ربما لأجيال، لكن الفارق بين حرارة تقتل في دقائق وححرارة يمكن تحملها بالحمايات المناسبة كان فارقاً مهماً. في النهاية رسمت التقارير التي بدأت تصل إلى مختلف المقرات والعواصم في الأيام التالية صورة مقفرة.

مساحات شاسعة من الغابات محذوفة، مناطق زراعية ستصبح غير صالحة للاستخدام لمواسم، وقيعان أنهار أصغر كفت عن الوجود. وفي المناطق المتوسطة، حيث عبرت الموجة دون شدة المركز ولكن بقوة كافية لترك بصمتها، تغيرت المناظر الطبيعية بطريقة لم يعد معها أي شخص عرفها من قبل ليتعرف عليها. لكن كتلة تشي النار التي تراكمت على مدار أيام من الإمداد المستمر لم تختفِ بقطع مصدرها، بل اتبعت مسارها الطبيعي، نازحة نحو الحتمية التي تطيع قوانين وُجدت قبل أن يمتلك أي ممن عاشوا تحت السماء أفكاراً لصياغتها.

أينما عبرت، تغير المناخ. المناطق التي بلغتها الموجة في توسعها المباشر قضت بالفعل أياماً تحت حرارة شاذة، لكن كتلة التشي التي كانت لا تزال في حركة واصلت تغيير أنماط الطقس للمناطق التي عبرتها، مخلفة وراءها أثراً من الجفاف حيث كانت توجد الرطوبة من قبل ومن الحر حيث كان يوجد البرودة من قبل. كانت تلك العواقب التي وصفها مؤرخو موجات التشي السابقة في نصوصهم بعبارات بدت دائماً مبالغ فيها عند قراءتها في أوقات الهدوء.

لكن بالنسبة لمن عاشوها، لم يبدُ أبداً أن المؤرخين كانوا مبالغين. الشق السماوي، مرة أخرى، ذكر القارة الوسطى بأنه وُجد لشيء أكثر من مجرد توفير الوصول إلى العوالم السماوية. وتبعاً لذلك التذكير، بدأت القارة الوسطى ببطء عمل إعادة البناء، كما فعلت دائماً.