حين أسمعتُها كلماتي، أطالَت أمّي النّظر إليَّ برهةً تجاوزت ما أرتضيه، وعلَت وجهَها نظرةٌ عجزتُ عن فكّ طلاسمها. رأيتُ حدقتَيها تتحرّكان بأقلّ قدر ممكن، كأنّهما توازنان ثباتَ الرّفض الذي نطقتُ به للتوّ، وأشفقتُ لحظةً أن تُصرَّ على طلبها، أن تلحَّ في معرفة السِّبب، ممّا سيضعني في مأزقٍ أعقد بكثير ممّا تخيّلتُه صباح اليوم، وهذا بحدّ ذاته قولٌ كثير. لكنّ أمّي أطلقت زفرةً عوضاً عن الإصرار.
ولم تكن زفرةً قصيرةً، بل كانت من تلك الزّفرات الطّويلة العميقات التي لا تُخرجها إلّا حين تغلظ الموقف، ومع وقعها سمعتُ جزءاً يسيراً من التّوتر المتراكم بين كتفَيَّ يسترخي.
قالت أخيراً، ونبرة الاستسلام تمتزج في صوتها بما يشبه التّوقير: "إن كان السَّيّد مو قد قطع عليك وعداً بألا تبوح لأحد، فلا بدّ إذن من سببٍ وجيه".
وأردفت: "لذا لن أضغط عليك، ولن أطيل السُّؤال عن تلك الطّريقة".
كان الارتياح الذي غمرني فورياً لدرجة أنّه تطلب مني جهداً لألا يبدو جلياً على ملامحي. بصراحة تامة، لم أدرِ كيف كنتُ سأصمد في وجه رفضِي لو تمادت أمّي في إصرارها، والآن وقد أغلقت هي الباب بنفسها أمام مواصلة السّؤال، سُمح لجزءٍ معتبرٍ مني أخيراً أن يكفَّ عن التّأهب. لكن قبل أن أجرفني تيارُ هذا الارتياح، توقّفت أمّي وقفةً أدركتها تماماً، تلك التي تلجأ إليها حين توشك على قلب الموضوع، وما يليها يتطلّب كامل انتباهي.
تابعت وحدقتَاها تثبتان عليَّ بحدة مختلفة عن ذي قبل: "أمّا الآن... ومع أنني حرّمتُ على أيّ كان أن يحدثك عن المراحل التّالية لتهذيب الجسد، فمن المؤكّد شبه القطع أنّك جمعت ما استطعت من معلومات تخصُّ فتح البوابات".
هذا التّقرير، الذي لم يكن سؤالاً، انتزع مني تكشيرةً باطنيّةً، فهي على حقّ بالطّبع. كنتُ أجمع تلك المعلومات لأعوام، وإن وُجب عليَّ الإنصاف، فأغلب ما عرفته كان مدوناً في الأوراق التي عثرت عليها لينغوا في شظية الصّحراء السّماوية، لذا فلا فخر يُذكر في الأمر.
أضافت أمّي بالنّبرة التي لا تقبل المواربة: "إذن، لتتأكد من خلو حصيلتك من أيّ خطأ، أريد منك أن تخبرني ما هي البوابات وما أثرها".
قاومت الرّغبة العابرة في إخبارها بأنّ حصيلتي تفوق ذلك بكثير، وقاومت لسببين متساويين في الثّقل. الأوّل أنّني جرعتُها ما يكفي من المفاجآت ليومٍ واحد، والثّاني أنّني لا رغبة لي في إكرار استحالة البوح بمصدر تلك المعلومات لأنّها سرّ. لذا تنفستُ بعمق، ورتّبتُ المعارف في ذهني، وابتدأت.
أخبرتها وأنا أجاهد لأجعل صوتي ينضح بالثّقة الهادئة لمن درس الأمر، دون إفراط يثير الشّكوك: "البوابة الأولى هي بوابة الطّبيعة، ومستقرُّها الكبد. وما إن تُفتح، حتى يكتسب المرء قُدرةً أعظم على التّشافي، فضلاً عن تعاظمٍ في التحمل والاستشفاء".
أومأت أمّي إيماءةً يكاد المرء لا يلحظها، وانتظرت تكملتي.
واصلتُ: "ثُمَّ بوابة النّار، ومستقرُّها القلب. وهذه ترفع مناعة المرء ضدّ درجات الحرارة القصوى، صيفاً وشتاءً، وتضاعف تجدد الدّم".
إيماءة طفيفة أخرى، فاستأنفتُ.
قلتُ لها: "بوابة الأرض في المعدة. وتمنح القدرة على امتصاص ما يُبتلع وهضمه بأسرع، فضلاً عن التّمكن من استهلاك مواد لا تصلح للأكل في الظّروف العادية".
توقّفت هنا برهةً، لا لحاجةٍ بي، بل لأنَّ السّرد المتتابع بدأ يبدو آلياً، وآثرتُ أن يبدو تذكُّراً لا قراءةً من قائمة، ثم عدت للشّرح.
"يليها بوابة الهواء، وتوجد في الرّئتين. وهي تمنح القدرة على تخزين الهواء وإطالة أمد حبس الأنفاس، إلى جانب تصفية النُّزر اليسير من السّموم العالقة بالهواء".
ظلّت أمّي ترمقني بذات الانتباه الذي تخصُّ به ما تعدّه مُهماً، دون مقاطعةٍ ولو لمرة، ممّا هدّأ روعي لمتابعة الحديث.
أكملتُ: "بعدها بوابة الماء، ومستقرُّها الكليتان. وتمنح مناعةً متزايدةً ضدّ السّموم والأمراض، وتطيل المدة التي يمكن للمرء احتمالها بلا شرب".
توقّفت هُنا هُنيهةً لأرتّب ما بقي، وفي تلك اللحظة لمحت حركةً عن يميني، فالتفتُّ لأرى لينغوا وقد دنت بصمتٍ مناولةً إياي كُوباً فيه قليل من الشّاي البارد. طوّفت بصري بالكوب برهةً وأنا أتساءل من أيّ جهنم جلبتْه، فأنا أقسم أنَّ يديها كانت خاليتين حين ولجنا غرفة الدّراسة، ولا أذكر وجود طاولة جانبية للشّاي هُنا. لكنّني، وكما جرت العادة منذ سنين مع لينغوا، قررتُ ترك الأسئلة جانباً وقبول المعجزة اليومية الصّغيرة الماثلة بجانبي.
قلتُ باقتضاب: "شكراً لكِ، لينغوا".
وتناولت الكوب جارعاً رشفةً بلّلت حلقي بما يتيح لي الكلام دون خشونة. أعدتُ الكوب إليها واستأنفتُ الشّرح تحت نظرات أمّي المترقبة.
أردفتُ: "ثم تأتي بوابة الين، ومستقرُّها الجبين. وهي تضاعف حواس صاحبها، وتنعش ذاكرته وفهمه".
وهنا بلغتُ النّقطة التي يعقد فيها السّرد، فالبوابة الأخيرة بالغة الحساسية في هذا المجتمع، وشرحها يقتضي قراراً عليَّ اتخاذه الآن وفوراً. توقّفت محاولاً تدبّر طريقة لشرح فعل بوابة يان دون خرق الحياء والتّقاليد المرعية هنا. بوسعي استخدام التّعريض، وال كنايات، والإشارات المبهمة التي ستفهمها أمّي بوضوح دون تفصيلٍ فجّ. لكان هذا هو المسلك الاجتماعي القويم، وما تتوقّعه منّي معلمة الإتيكيت لو حضرت.
لكن ما إن وزنت هذا الخيار، حتى انتفض جزءٌ آخر من عقلي، جزءٌ متأتٍ من حياتي السّابقة ويرفض أن تأسره قيود هذا العالم، ليقرر لا، بل يجب شرح الأمر بوضوح، وكفى تلاعباً بالكنايات متى تعلق الأمر بمعلوماتٍ جسيمة. فقررتُ التّجرد من كلّ حياء والبوح دون مواربة.
قلتُ مستأنفاً قبل أن يفرّ مني شجاعتي: "وأخيراً، بوابة يان. وهي في الأعضاء الجنسية، ووظيفتها تتبدّل بحسب جنس من يفتحها".
شعرتُ بكيفية تبدل جو الغرفة فور ذكر الأعضاء الجنسية، لكنّني تجاهلت الأمر وماضيت.
قلتُ بدقة أبيتُ أن ألينها: "عند الرّجال، تزيد قدرهم الجنسية واحتمالية إنجابهم. وعند النّنساء، تضبط شؤون أقهارهنَّ، فضلاً عن تمكينهنَّ من التحكم بقرار الحمل".
حين فرغتُ، التفتُّ سريعاً لأحسب حجم الخسائر. علت وجهَ أمّي ملامح مزجت بين الاشمئزاز وما يشبه الاستنكار، كمن شهد لتوه أمراً أهون عليه لو لم يره. وبجانبها، تبنّت لينغسي تعبيرًا مطابقاً تقريباً، غير أنّها لكونها لست أمّي أتيح لها إظهار ذلك بجلّاء. ومن خلفي، شعرتُ بتفاعل لينغوا، وإن حال موقعها دون رؤية وجهها فاكتفيت بظنّ ملامحها الشبيهة. ثبّتُّ نظراتي متظاهراً بالبراءة وانتظرت.
لم ينطق أحد لبرهة، وطال الصّمت لدرجة ساءلَتني إن كنتُ تجاوزت الحدّ، إلى أن أطلقت أمّي زفرةً أقصر من سابقتها وتكلمت بنبرة يشوبها استنكار طفيف غير تامّ.
قالت: "وصفك لبوابة يان دقيق وصحيح. لكنّ دروس إتيكيتك كان المفترض أن تؤهّلك لتكون أكثر تحفّظاً".
قبل أن تتمادى فيما تيقّنتُ أنّه توبيخ أطول حول الآداب والأصول، قررت مقاطعتها والحديد حارّ.
أجبتُ محاولاً جعل نبرتي أعقل من أن تبدو تحدّياً: "كان بإمكاني التّحفظ واستخدام الكنايات، يا أمّي. لكنّ الكنايات تُساء تأويلها، وهنا آثرت الدّقة".
ثم أضفت بنظرة ماكرة لم تستطع جنيَّات نفسي كبحها: "فضلاً عن أنّه ليس ثمة من يسمعني سوانا لينطلق ناقلاً للشَّائعات عنّي".
أنصتت لي أمّي بتلك الملامح التي تعلوها حين تدرك صوابي وتكره كوني مصيباً، وبعيد هنيهة زفرت مجدداً، وإن كانت زفرة استسلام لا تذمّر.
قالت بصوت أمّهات كل عوالم الأرض حين ينتصر الأبناء في جدال ما كان ينبغي لهم كسبه: "أنت على حقّ. ولكن أرجوك، لا تكن مباشراً إلى هذا الحدّ في مسائل معينة. وكما كررت عليك معلمة الإتيكيت مراراً، الفتاة المهذبة يلزمها الحياء".
بعد سماع أمّي، وإدراكي وقوفي في معترك لا منتصر مطلقاً فيه، اتخذتُ أسلم قرار تسنّى لي واستسلمت.
أجبتُ بكل طاعة استطعت افتعالها: "أفهم يا أمّي".
أطالت أمّي النّظر إليَّ كمن يختبر أطاعةٌ طاعتي أم مجرد مناورة تكتيكية لطي الملف، ودون حسم لأحد الأمرين، آثرت غضّ الطرف والمضي فيما جمعنا.
قالت: "بغضّ النظر عما سلف، معرفتك بالبوابات وأثارها دقيقة للغاية. ليس لدي ما أضيفه".
شعرتُ بزهو داخلي، لكنني كببحته فلا ميزة كبرى لي هنا، جلُّ ما في الأمر أنني فككت أوراقاً بلغة تشبه الهيروغليفية القديمة بما يتيح لأي عالم آثار متوسط الكفاءة فعله. رغم أنَّ عالم الآثار ذاك لا بدّ استعان بحواسيب وبرامج، بينما فعلتها أنا بالورق والرّيشة، هكذا حدّثت نفسي لحفظ ماء وجه زهوي.
تابعت أمّي غير آبهةٍ بهواجسي: "والآن، أخبرني. أختِرتَ البوابة الأولى التي ستفتحها، أم تبتغي نصيحة؟"
أجبتُ بلا تردد: "لا، لقد اخترتُ. وفي وضعي، أرى بوابة يان الخيار الأمثل، إذ ستجنبني الكثير من المنغصات مستقبلاً".
وفي غمرة قولي هذا لأمّي، كان جُلُّ تفكيري منشغلاً بأنَّ حياةً سابقةً واحدةً مع الدّورة الشهرية تكفيني وزيادة، وإن وُهبتُ خيار التخلص منها للأبد فمن الجليّ أنني سأقتنصه. جزيل الشُّكر، لكن لا، لا رغبة لي في مقاساة ذلك مجدداً إن استطعت اجتنابه.
أضفت قبل أن علّق بشيء: "مع ذلك، لو رغبت بنصيحتك في أمر... لديّ بعض الشُّكوك حول بعض الآثار وأودّ تجليتها".
ردت أمّي ونبرتها يوحي برضاها عن استشارتي: "بالطبع. سأجيب عن كلّ ما يشغلك".
أخذت وقفة قصيرة لترتيب تساؤلاتي حسب الأهمية، مستهلاً بما أرقني منذ انطلاق جمعي للمعلومات.
سألتها: "بخصوص بوابة الأرض، تلك العبارة عن استهلاك موادّ غير قابلة للأكل... عمَّ تتحدث تحديداً؟"
أصخت أمّي ثم أجابت: "تلك القُدرة مخصّصة أساساً لابتلاع الحبوب أو الأطعمة المشبعة بطاقة تشي، كحُطام وحوش الرّوح مثلاً. المواد ذات التّركيز العالي من التّي لا يقوى على هضمها بكميات كبيرة من لم يفتح بوابة الأرض".
عقدت حاجبيّ متأملاً الشّرح، فهو لا يتسق وتجربةً مررتُ بها مؤخراً.
أردفتُ مبدياً حيرتي: "لكنّ عشيرة ياو منحوني حُبّلتين وأمكنني تناولهما طبيعياً".
أجابت أمّي بصبر: "على الأغلب، ولكون استخدامها موّجهاً لمن لم يفتحوا بوابة الأرض بعد، فقد صيغت الحُبّة خصيصاً ليتمكن أيّ كان من تناولها دون أذى".
بدا التّبرير منطقياً للغاية بعد تفكير قصير. حُبّةٌ مصممة لمن لم يعبر عتبة فتح البوابات لابدّ أن تكون ملائمة لمن لم يفتحوا بوابة الأرض بعد، وهو أمر شبه بديهي.
أقررتُ بذلك: "هذا معقول".
وانتقلت للتّساؤل التّالي: "تناول الحُبّات أمر مبرر لفوائدها، لكن لما قد يقبل أحدهم على أكل أطعمة غنية بالتّي رغم اشتراطها فتح بوابة بعينها لاستهلاكها بكثرة؟"
أجابت أمّي: "لسبب بسيط؛ فباستهلاكها وهضمها، يُستفاد من التّي التي تحويها لتدعيم التّهذيب، وبالتالي ترقيته بطريق بديل عن المعتاد".
فتحت فمي لأستفسر أكثر، فالجواب يلد سؤالاً، لكنّ أمّي قطعت عليَّ الكلام بيسر من يدرك المحطة التالية للحوار: وقالت ويخفي طرف فمها ابتسامة مكبوتة: "أظنُّك ستسأل... والجواب أنك لم ترَ قط هذا الصّنف من الطّعام لأنني حرمت أطعمة الرّوح في داري منذ مولدك".
صمتُّ أستوعب المعطى.
أكملت أمّي: "إنّها بالغة الضّرر لمن يستهلكها دون تشكيل نواة الدّان المحيطة. ولم أرد لك التعرض لحادثة إن تناولت ما لا ينبغي لك".
توقّفت، وحين عادت للكلام غدا صوتها أقتم: "لقد حدث ذلك من قبل. وأحياناً... لا يكون الأمر حادثاً".
استقرت كلماتها في جو غرفة الدّراسة، وما احتجت لأكثر من ثانية ليربط عقلي بوضوح مؤلم بينها وبين محاولة التّسمم الحديثة. فلو وُجدت طريقة أنيقة وخفية لتسميم من لم يفتح بوابة الأرض، فهي قطعاً إطعامه طعامَ روحٍ متخفياً في هيئة طعام عادي. وأمّي، بتلك البصيرة الدّائمة التي ما قدرتُها حق قدرها، جلت تلك الإمكانية واجتثت خطرها قبل علمي بوجودها أصلاً.
قلتُ بصدق مطلق: "لقد كان قراراً حكيماً بحقّ يا أمّي. لكان من المفيد للآخرين بلوغ ذلك الطّعام لتهذيبهم، ومع ذلك حظرتِهِ لوجود احتمال ضئيل بإيذائي".
انحنيت لها من فوق المقعد بكلّ احترام تيسر لي نقله في حركة.
قلت: "شكراً لكِ يا أمّي. لقد أدركتُ للتوّ حجم ما تكلفتِهِ".
رمقتني أمّي بنظرة امتزجت فيها مفاجأة الموقف بما يماثل الحنان الذي حاولت دون نجاحٍ إخفاءه.
ابتسمت بلطف لانّ وجهها: "لم تكن تضحيةً جسيمة. فعشر سنوات بلا أكل روحاني من حين لآخر، لكونه ليس مما يؤكل يومياً، ليس بخسارة إن درأ عنا مصدراً للمشاكل".
بادلتها الابتسام مفكراً في سؤال آخر، لكنّ مراجعتي السريعة للذهن أملت اكتمال الصُّورة بعد ما تعلمته للتوّ.
أفصحتُ لها: "لا يخطر لي شيء آخر".
ردّت: "رغم ذلك، سأخبرك بميزة خفية. فهناك ما لا يفكر فيه المرء حين يسمع وصف مزايا إحدى البوابات".
رفعت حاجبيّ دعوةً للمواصلة، ففعلت.
أخبرتني: "حين تُفتح بوابة الطّبيعة، يعني تعاظم التحمل والاستشفاء أن صاحبها لا يحتاج للنّوم سوى فترتين إلى ثلاث في الليلة، مما يضاعف وقته المتاح لأنشطة أخرى".
استوعبت المفاجأة المذهلة، لكنّها أردفت مفاجأة أخرى.
تابعت: "بل بإمكانهم احتمال أيام بلا نوم دون تعب ملحق، وبعدها يستشفون بفترة نوم أقصر مما يتطلبه أيّ بشرٍ آخر".
بقيت أرمق أمّي مذهولاً حقاً بهذا الكشف. فمن يحمل بوابة الطّبيعة المفتوحة لا ينام سوى أربع إلى ست ساعات، وحيث العالم شحيح الوقت دائماً، فتلك ميزة جبارة لا علاقة لها بالوصف الرّسمي لزيادة الاستشفاء. وحينها، وكأنّ قطعة لغز مفقودة استقرت في مكانها، أدركت بغتةً من أين تأتي لينغوا، الملازمة لي أبداً، بالوقت لتهذيب وتدريب وأداء بقية مهامها الخفية. فإن كانت لا تنام سوى أربع ساعات وأنا أستغرق ثماني، فقد ربحت أربع ساعات كل ليلة لا أملكها، أي ثماني وعشرين أسبوعياً، ومئة واثنتي عشرة شهرياً، وهو وقت يبرر قدرتها على مضاعفة نفسها.
وقبل استيعابي التّام لهذا الإدراك، استعاد صوت أمّي انتباهي.
سألتني بابتسامة مستفزة: "بعد سماع هذا، أترغب في إعادة التفكير بأول بوابة تفتحها؟"
أجبت بلا تردد: "لا. بلا شك سأتمسك ببوابة يان. وإن لم تكن الأرجح نفعاً من منظور المنفعة الآنية، فهي قطعاً ما سيسهل حياتي في مستقبل ربما ليس بالبعيد".
أومأت أمّي وقد تحولت ابتسامتها الاستفزازية إلى أخرى مستسلمة.
قالت: "إن كنت بهذه اليقين، فلا ما أقوله بعد. فلنختتم الاجتماع إذن".
أخذت وقفة غدا صوتها فيها أجدّ.
أضافت، واستخدامها لقبي بدلاً من اسمي يشي بتوجيه الأمر للينغسي ولينغوا تماماً مثلي: "وطبعاً، ما دار هنا ومستوى تهذيب تشاوهوان الحالي طي الكتمان للأبد".
وعلى وقع كلماتها، أومأنا جميعاً صامتين، كمن يختم ميثاقاً لم ينوِ أحدنا نقضه. لكن قبل أن تعلن أمّي الختام، علق سؤال بذهني منذ جلبتني لينغوا لغرفة الدّراسة وأردت إجابته بعد تسوية كل شيء.
سألتها: "مع ذلك يا أمّي، كيف ستبررين إفراغ الجناح؟"
ابتسمت أمّي لسؤالي بمسحة المكر التي تعلوها حين تشارك في مناورة سياسية ترضيها.
أجابت: "خير طريقة، هي ألا أقدم أيّ تبرير".
رمقتها مندهشاً، فمن بين كل الإجابات لم ترد هذه في خاطري، وأعادت لذهني حواراً بمدينة شيان انتهى بعبارة مشابهة وإن كنت أنا قائلها حينها.
سألت: "ولماذا تعدّ تلك أمثل حلّ؟"
شرّحت أمّي بصبر معلم لدرس أساسي: "لأنّها ستطلق العنان للشَّائعات في البلاط. وسيأتي كل امرئ بنظريته لسبب فعلي ذلك، مما سيغرق القصر الإمبراطوري بإشاعات باطلة تكدر الماء وترغم كثيرين على إبطاء خططهم لعدم يقينهم أكان لما حدث اليوم صلة بهم أم لا".
استوعبت الشّرح متتبعةً خطوات استنتاجها، وبات جلياً أن النتيجة هي مؤامرات مؤجلة بسبب الريبة، وكل الانتباه مشتت نحو تكهنات لا تمت للواقع بصلة. ثم ابتسمت أمّي علانيةً ناظرةً إليّ بتلك النظرة المتآمرة التي ما رأيتها عليها سوى مراراً نادراً.
أردفت: "والأفضل من كل ذلك بالطبع، ألا تقترب أيّ من تلك الإشاعات من الحقيقة البتّة، لكونها بالغة العبثية بحيث يستحيل على أحد تخيلها من الأصل".