تتراقص سراج الزيت على الطاولة لتلقي بضوئها على الكتاب المفتوح أمامي، وهو نفسه الذي أعطاني إياه المعلم مو قبل يومين ويحوي الطريقة الكاملة لصناعة ورق التمائم، بينما أُحاول التركيز عليه كما فعلتُ طوال مدة ليست بشصيرة. وهنا تكمن الكلمة المفتاحية، أعني المحاولة. إذ مع كل مرة تتبع فيها عيني سطرا، يقرر عقلي أن اللحظة مناسبة لتذكيري بأن لدي خططا لليلة. خططا تجعلني، إن كنت صادقة مع نفسي، متخوفة أكثر مما ينبغي.
أعيد قراءة الجملة ذاتها للمرة الرابعة على التوالي ثم أغلق الكتاب أخيرا بتنهيدة استسلام. لا جدوى من الاستمرار في التظاهر بالدراسة حين تكون المعلومة الوحيدة التي يبدو دماغي مستعدا لمعالجتها لليلة هي خطة استعرضتها ذهنيا نحو ثلاثين مرة خلال الساعات القليلة الماضية. أسند ظهري إلى الكرسي وتطبل أصابعي على غلاف الكتاب بينما أتأمل العلبة المستقرة على حافة الطاولة. علبة صغيرة وغير ملفتة تحوي زوجا من القرطين المرصعين باللآلئ، واللذين لن يبدوا لأي ناظر عابر سوى حليّ أنيق.
وعندما أنظر إليهما يسري في جسدي قشعريرة لا علاقة لها بدرجة الحرارة، على الرغم من أن الفستان الخفيف والبسيط الذي أرتديه بالكاد يعد الأدفأ في خزنتي. لكنه مريح وقابل للتخلص منه، وتلك الخصائص أهم الليلة من الأناقة، خصوصا بالنظر إلى المهمة التي تنتظرني. أُبعد نظري عن القرطين وأفتح الكتاب من جديد، دافعنا إلى ذلك القصور الذاتي أكثر من وجود نية حقيقية للقراءة، غير أن حتى سحر محتوياته لا يكفي لمنافسة الترقب الذي أشعر به في أعماق جوفي، لأن ما أنويه الليلة سيغير كل شيء.
يقطع أفكاري صوت خفيف عند الباب، وقبل أن أنطق بحرف، ينفتح الباب بالهدوء الذي لا يخص سوى شخص واحد. تخلف ليانحوا إلى غرفة الدراسة في صمت تام وتنظر إلي بتعبير أستحضره جيدا. إنه تعبير من قبل شخص قبل عجزه عن تغيير الوضع لكنه يود إبداء عدم موافقته عليه.
تخبرني بنبرة محايدة تخفي أفكارها الحقيقية: "لقد تقاعد كل طاقم الجناح للنوم. إنه الوقت الأمثل للتحرك".
أومئ برأسي وأنا أستمع إليها، ملاحظة كيف يتحول الترقب الذي كبحته طوال الظهيرة إلى شيء أكثر صلابة، شيء يشبه العزم. لكن ليانحوا، كما هو متوقع، لم تنته بعد.
تضيف قائلة، وبطريقة نطقها للكلمات نبرة من كررها مرات عدة ويدرك أنها لن تغير شيئا لكنه يأبى الكف عن قولها مبدئيا: "مع أنني ما زلت أرى الخطة برمتها فكرة سيئة للغاية يا ژاوهوآن وين".
لا أملك إلا أن أبتسم وأنا أستمع إليها، فإصرارها، بعيدا عن إزعاجي، يبدو مريحا بطريقة يصعب علي شرحها.
أرد وأنا أغلق الكتاب وأضعه جانبا على الطاولة: "مثلما قلت لك سابقا يا ليانحوا، أحيانا يكون طلب المغفرة خيرا من استئذان".
تنتزع العبارة من ليانحوا رد فعل، لو صدر عن غيرها لكان نفخة تذمر، لكنه يظهر لديها على شكل رمشة أطول بقليل من المعتاد.
أقول لها، وتكتسب نبرتي حزم من اتخذ قرارا ولا نية البتة لديه بالتراجع: "لن أخبر أمي بما قاله المعلم مو إلا بعد أن أنتهي فعلا. وحالما يصبح الأمر أمرا واقعا، سيكون تقبله عليها أسهل من أن أستأذنها سلفا فترفض".
لا ترد ليانحوا، بل يشتد خط شفتيها بالقدر الكافي لأعلم أن لديها رأيا في المسألة تختاره ألا تشاركه، وهو ما يعد، صدوراً عنها، بمثابة الصراخ باعتراضها على رؤوس الأشهاد. لكن لا وقت لدي للنقاش، لذا أمد يدي نحو حافة الطاولة وأتناول علبة القرطين. وعندما أفتحها، يستل ضوء السراج وميضا ناعما من اللآلئتين المرصعتين في المعدن الفضي، ولبرهة أطق فيهما بشعور أنني على وشك اجتياز عتبة لا رجعة بعدها.
وهو، إن فكرت في الامر، ما أفعله تماما.
أقول لليانحوا وأنا أعرض عليها العلبة: "عليك أولا أن تضعي لي القرطين. لذا اخرجي إلك تلك الأدوات الحادة التي أجزم أنك تحملينها في ملابسك واصنعي الثقبين في أذني".
كان رد فعل ليانحوا فوريا، ولدهشتي، أشد بكثير مما توقعت.
تخبرني بنبرة تقترب خطرا من حد الاستنكار: "لن أستخدم سلاحا لأثقب أذنيك يا ژاوهوآن وين. انتظري لحظة".
ودون أن تمنحني فرصة للرد، تغادر غرفة الدراسة بسرعة تتركني أرمق الباب المغلق، والعلبة التي تحوي القرطين ما زالت في كفي، وبتعبير أتخيله يبدو سخيفا للغاية. تبدو الدقائق المنقضية حتى تعود أطول مما هي عليه في الواقع، لكن الباب ينفتح مجددا أخيرًا وتدخل ليانحوا ممسكة بإبرة بين أصابعها برقة جراح اختار أدواته لتوها.
تخبرني وهي تعرض علي الإبرة، وقد استعادت نبرتها المهنية الحيادية التي تدل على أنها عثرت على حل يرضي ضميرها: "هذه أنسب لتلك المهمة".
برؤية الإبرة، أنظر إلى ليانحوا وأومئ موافقة. إنها دقيقة ومدببة، وللحقيقة، تبدو ربما أكثر ملاءمة بمراحل من أي شيء تخفيه ليانحوا في ملابسك لغايات أقل ودية بكثير من ثقب شحمتي الأذن.
أقول لها: "ممتاز. افعليها".
تقترب مني ليانحوا، وبعد إزاحة خصلة شعر تغطي أذني اليسرى بعناية، تضع الإبرة على شحمتي. أستطيع شعور برودة المعدن على بشرتي وأهيئ نفسي ذهنيا لما هو آتي، مع أن جزءا مني لا يملك إلا التفكير في أنه من بين كل ما أنويه الليلة، يجب أن يكون ثقب أذني أقل ما يقلقني. لكن ليانحوا تدفع الإبرة حينها وينتزع الألم فحيحا من بين أسناني لم أستطع كتمانه تماما. لا يتعلق الامر بالوخز وحده، وهو مزعج كفاية بمفرده، بل بالقوة التي اضطرت ليانحوا لبذلها كي تخترق الإبرة بشرتي.
فبشرتي، التي هذبتها الممارسة، لم تعد تلك البشرة الطرية والهشة لطفلة عادية بل باتت أشد صلابة بكثير، وهذه الحقيقة تحيل ما كان يفترض أن يكون إجراء بسيطا وسريعا إلى شيء يتطلب قوة ممارس بمستوى ليانحوا لإتمامه. تخترق الإبرة الشحمة أخيرا بطبق رطب، وقبل أن أستعيد وعيي تماما، تتحرك ليانحوا بكفاءة نحو أذني اليمنى وتكرر العملية. أنا أكثر استعدادا هذه المرة، لكن الألم هو نفسه، وخز حاد تفاقمه الضغط اللازم لاختراق بشرة تعرضت، ويا للغروب، لتهذيب يقاوم ذلك النوع تحديدا من الضرر.
تخبرني ليانحوا وهي تسحب الإبرة وتضعها جانبا: "انتهى. دعيني أضع لك القرطين قبل أن تبدأ الثقوب بالانغلاق".
أومئ بسرعة، فتلك احتمالية لم أضعها في الحسبان وهي واقعية تماما. تتناول ليانحوا القرطين من العلبة بعناية، وبحركات دقيقة، تدخلهما في الثقوب الحديثة. أشعر بوخزة مزعجة حين يلامس معدن القرطين اللحم الغض، لكنه محتمل، وحين تنتهي ليانحوا من وضعهما تتراجع لتتفحص صنيعها بينما ألاحظ ضغط القرطين على شحمتي.
أقول لليانحوا بعزم يبدو أكثر ثقة مما أشعر به حقا: "إذن حان وقت التحرك. احمليني بين ذراعيك. قد يجذب صوت عجلات الكرسي الانتباه".
تومئ ليانحوا فور سماعي، ثم تقترب وترفعني عن الكرسي، ضامة إياي إلى ذراعيها بسهولة. إنها حركة كررتها لا تحصى، لكن لها الليلة مسحة مغايرة، طابع سري يجعلني أشعر كأنني بطلة فيلم تجسس، سوى أنني عوض التسلل إلى قاعدة عدو، أتسلل إلى غرفة ممارستي الخاصة لأقوم بأمر مُنِعت عنه صراحة. حسنا، هو ممنوع تقنيا لأن فعله كان سيقتلني، لكن لم تعد لدي تلك المشكلة، كما أن القرطين يحلان أيضا مشكلة اكتشاف أري، لذا فلست أعصي من منظور معين بل أوظف مواردي لأحسن ممارستي والوقت الذي أنفقه عليها.
مع أنني أعلم مسبقا أن تلك الحجة لن تنطلي على أمي حين أخبرها، لكنها تبدو جيدة في رأسي على الأقل. وبينما أغرق مجددا في أفكار عديمة الفائدة وليدة توتري، تغادر ليانحوا الغرفة مصدقة أقل قدر ممكن من الصوت، لكن صمت الجناح في هذه الساعة متواطئ لدرجة أن حتى حفيف ملابسها مع تحركها يبدو لي مصما. نجتاز الممرات في صمت، تتقدم ليانحوا بتلك الرشاقة السنّورية التي تكاد تجعل قدميها تلامسان الأرض بينما أكون بين ذراعيها، وتتحول أفكاري الآن لتخيل ما سيحدث لو اكتشفنا أحد.
لحسن الحظ، الجناح مهجور، ونبلغ في غضون دقائق معدودة الغرفة التي أعددتها لاستضافة تشكيلة تجمع التشي. تفتتح ليانحوا الباب بيد واحدة دون أن تنزلني وندخل الفضاء المألوف، مضاءً فحسب بضوء خافت لمصباح موضوع جانب الباب. لكن هناك ما لم يكن هنا حين تواجدت في هذه الغرفة آخر مرة، إذ وسط التشكيلة تماما، حيث لا يوجد شيء عادة، يستقر نوع من الكرسي المنخفض والصلب والخالي من الزخارف، موضوع بدقة توحي بأن أحدهم قاس المسافة بحذر لضمان عدم تداخله مع التشكيلة.
أقول وأنا أرمق الكرسي بفضول: "يا ليانحوا، متى وضعت هذا هنا؟"
ترد بتلك النبرة التي تستخدمها حين تفعل شيئا بمبادرة منها ولا تريد له أن يبدو هاما: "قبيل مجيئي لأخذك بقليل. ظننت أنه سيكون أريح لك في الاستخدام، حتى لو تعين التخلص منه لاحقا".
أنظر إليها من بين ذراعي وأشعر بدفء في صدري، فهو أحد أفعال ليانحوا التي لا تطلب شكرا عليها ولا تنتظره، أحد تلك التفاصيل التي تثبت أنه رغم إخباري كل خمس دقائق بأن الأمر فكرة سيئة، فقد تكبدت عناء التأكد من أنني سأفعله براحة على الأقل.
أقول لها، وحرصت أن تحمل الكلمات الصدق الذي أشعر به: "شكرا لك يا ليانحوا. لم يبدأ سوى أن تضعيني".
تحملني ليانحوا إلى الكرسي وتجلسني بعناية منهجية تعهدها دائما عند نقلي، متأكدة من إسناد ظهري جيدا وألا يعلق فستاني بأي شيء.
تخبرني وهي تنتهي من تثبيتي: "أطلق التماسا أخيرا لتعيدي النظر في الأمر برمته. هذه أفضل لحظة للتراجع".
إنها محاولتها الأخيرة، وأعلم ذلك لأنني أعرفها بما يكفي لأميز بين تحذيراتها الروتينية وهذا السطر الأخير.
أرد بحزم ينبثق مني بسهولة أكبر مما توقعت: "لن أتراجع".
ترمقني ليانحوا لبرهة تمتد كفاية لأقرأ في عينيها مزيجا من الاستسلام وما لو لم أكن أعرفها جيدا لقلت إنه فخر. ثم تطلق تنهيدة تقول أكثر من أي كلمات وتنهي تثبيتي بينما أهيئ نفسي ذهنيا لما هو آتي.
أسألها: "كم من الوقت تبقى للتشكيلة؟"
تجيب بلا تردد: "بقي القليل أكثر من نصف يوم".
أخبرها: "إذن هذا وقت أطول من كاف. فعّلي التشكيلة".
تومئ ليانحوا للمرة الأخيرة وتخطو خارج مساحة التشكيلة لتتوقف قرب رونات التفعيل المحيطة بالحدود، حيث أراها تنحني، وبعد لحظة تبدأ رونات الأرض بالتوهج بشدة تنتشر في أمواج متحدة المركز من الحافة حتى المركز حيث أجلس. وحين أرى ذلك، أغلق عيني. يختفي العالم حولي، وفي مكانه تظهر جسيمات التشي المحايدة، تطفو حولي في رقصة بطيئة ومنومة. أستطيع رؤية الشروع التشكيلة في عملها، ساحبة تشي المحيط وممركزة إياه داخل المساحة التي رسمتها الرونات.
تتزايد كثافة الجسيمات بسرعة، مالئة الفضاء حولي كما لو أن أحدهم فتح بوابات سد لتغمر المياه قاعة فارغة. أمد يدي الذهنية وأمسك بثمانية جسيمات... وأتوقف هنا لبرهة، فهناك ما أردت تصحيحه منذ مدة. يسميها المعلم مو جزيئات التشي لا الجسيمات، وإن كان شخص بمستوى معرفتها يسميها هكذا، فلأن ذلك هو اسمها الأرجح قبولا. حان وقت الكف عن استخدام المصطلحات المخترعة لطفلة في الخامسة، لذا فمن هذه اللحظة، الأفضل تسميتها بجزيئات التشي.
أقبض على جزيئات التشي الثمانية بحزم وأسحبها نحو جسدي، حيث تمتص بإحساس دافئ ومألوف خبرته مرات لا تحصى من قبل. ومع ذلك الامتصاص الأول، أبدأ رسميا تهذيب الأعصاب قبل عدة أشهر من عيد ميلادي الحادي عشر. أعترف أنني متوترة قليلا. حتى الآن، حصرت كل خطوة من ممارستي بالقيود التي يملكها الجميع والتي، بصدق تام، بدت منطقية تماما حين لم يكن لدي دانتيان مكون. لكن الآن، وحسب المعلم مو، أملك الدانتيان كما أملك القرطين كحماية، لذا أزيح كل الاحتياطات وألقي بنفسي في اليم.
أقبض على جزيئات التشي بأقصى سرعة، ثمانية دفعة واحدة، بكفاءة من مارس هذه الحركة آلاف الساعات حتى صارت طبيعية كالتنفس. أسحبها، أمتصها، وأقبض على المزيد في دورة تتكرر مرارا بينما أشعر بارتفاع ممارستي مع كل دوران، تقدما أستطيع استشعاره جسديا. وحينها أبدأ بملاحظة الشوائب. إنه إحساس أعرفه حقا ورغم الخبرة، يبقى مقرفا ذاته. سائل لزج وداكن ومثير للغثيان يبدأ بالرشح من بشرتي، متغلغلا في الفستان الذي أرتديه ومترسبا على ذراعي وساقي بقوام يشبه شيئا بين الزيت والقطران.
لكني لا أتوقف، فالإحساس مألوف ومتحمل، ببساطة خطوة أخرى ينبغي علي خوضها بغية إتمام تهذيب الجسد. تمر الدقائق، أو ربما الساعات، ويبدأ عقلي بالتشتت. إنه أمر يغلب حدوثه معي حين أمارس، تلك النزعة لدى دماغي لالتماس التحفيز حين لا تتطلب المهمة الحالية كامل انتباهه. وهذه المرة، المكان الذي يقودني إليه هو فكرة تنبثق من العدم بوضوح البرق. فكرة اختبار رنين التشي.