ابتلعت ريقي بصعوبة عند سماع كلمات المعلمة مو. نعمة للبعض وكارثة لبقية العالم ليست بالعبارة التي تبعث على الطمأنينة حين تسمعها وأنت ترمق سحابة حمراء تبدو كأنها تبتلع السماء بنسخة محمرة من ذلك الشرير الشهير في فيلم الفانتاستيك فور والسالفر سيرفر. فتحت فمي لأسألها عما تقنيه تماماً لكن صوتاً مألوفاً بلغني من الخلف.
سمعت صوت أمي تقول: "شكراً للسماوات أنك هنا يا معلمة مو".
التفت برأسي قليلاً لأراها تقترب بخطى سثيعة ويتبعها لينغشي التي كانت تمشي خلفها بنصف خطوة ومحافظة على هدوئها المعتاد رغم أن ملامحها كانت تفضح توتراً لا تظهره عادة. توجهت أمي مباشرة نحو المعلمة مو وراحت عيناها تذعان للحظة نحو السحابة الحمراء المسيطرة على السماء. حين تحدثت كان صوتها محكوماً بذلك النبرة التي تتبناها حين تريد أن تبدو هادئة لكنها متوترة من الداخل.
قالت وحين وصلت إلى حيث نكون فتوقفت بجانبي ووضعت يداً على كتفي في لقطة يفترض أن تكون مطمئنة: "أمعلمة مو، أهو ما أخشاه؟".
لم تحول المعلمة مو عينيها عن السماء حين أجابت. السحابة الحمراء التي كانت عملاقة بالفعل حين خرجنا إلى الفناء لم تقتصر الآن على الامتداد على مد البصر فحسب بل بدأ شيء يتشكل في مركزها أشبه بعمود وكتلة من ذلك الأحمر القاني تنحدر ببطء نحو الأرض كأن السحابة تمد إصبعاً فوق الأرض.
قالت المعلمة مو وقد احتفظ صوتها بتلك الرصانة التي لم أسمعها قط منها حتى اليوم: "أخشى أن الأمر كذلك. إنه موجة تشي عنصرية. وإن لم أكن مخطئة فهو عنصر النار".
شعرت بيد أمي تشد قليلاً على كتفي عند سماع التأكيد وحين رفعت بصري لأراها لاحظت فكها يتوتر بلا تكاد تنتبه له قبل أن تطرح سؤالها التالي.
سألت أمي بنبرة حاولت أن تبدو عملية: "ما الذي يمكن أن نتوقعه من موجة تشي النار هذه؟".
هذه المرة أبعدت المعلمة مو نظراتها عن السحابة والتفتت لتنظر إلى أمي وإليّ. لا تزال ملامحها جدية لكن هناك شيئاً في عينيها بدا كأنه يحسب ويوزن كلماتها قبل أن تلفظها.
قالت بنبرة موزونة: "النتيجة الأرجح هي أن ترتفع درجات الحرارة في العالم أجمع مع انتشار الموجة. ستعتمد شدتها الدقيقة على كمية التشي التي تحملها لكن مع ذلك ستكون الآثار هنا على حافة العالم أقل بكثير على الأرجح مقارنة بالقارة المركزية أو الأطراف القريبة منها. لن تصلكم سوى البقايا الأخيرة وهو ما سيحدث خلال عام ونصف أو عامين على أبعد تقدير".
أطلقت أمي تنهدة بدت بلا شك كأنها ارتياح وشعرت بضغط يدها على كتفي يخف قليلاً. لكني أنا الذي كنت أحاول منذ فترة فهم ما قالته المعلمة مو سابقاً قررت أن هذه هي اللحظة المناسبة لأتدخل.
قلت مقاطعاً قبل أن تمضي المحادثة دوني: "لحظة واحدة. أيمكن لأحد أن يشرح لي ما هي موجة التشي بالضبط ولماذا يفترض أن تكون نعمة للبعض وكارثة للجميع؟".
خفضت المعلمة مو بصرها نحوي ورغم أن ملامحها ظلت جدية لاحظت أن جزءاً من التوتر الأولي قد خف وكأن فعل الشرح يعيدها إلى منطقة تجدها أكثر راحة.
قالت لي بنبرة عرفتها تلك التي تستخدمها خلال دروسها لكنها مجردة من أي خفة: "موجة التشي هي حالة تحدث أحياناً حين تدخل كمية كبيرة من التشي النقي لعنصر معين عبر الصدع السماوي".
توفقت لفترة وجيزة قبل أن تتابع: "السبب في كونها كارثة هو أن تدفق هذه الكمية الهائلة من التشي من عنصر واحد يعطل العمل الطبيعي للعالم".
وتابعت هنا واكتسب صوتها وزناً جعل الكلمات تستقر في الهواء كالأحجار: "لكي أعطيك فكرة كانت موجة التشي الأخيرة قبل نحو مئة عام وكانت موجة تشي هواء. ومع انتشار التشي ظهرت أعاصير وعواصف في أماكن لم تكن فيها من قبل. وكانت الآثار الأكثر دراماتيكية أسوأ بكثير مثل مناطق اختفى فيها كل الهواء فجأة وأخرى زادت كثافتها لدرجة أنها سحقت كل ما بداخلها".
بقيت صامتاً وأنا أعالج تلك الصورة التي كانت مرعبة بدرجة أكبر بكثير مما توقعت.
تنهدت المعلمة مو قبل أن تتابع شرحها: "مع تشي النار قد لا يكون الأمر عنيفاً أو متفجراً إلى هذا الحد".
قالت ورغم أن نبرتها لم تبدو متفائلة بشكل خاص: "لكن من خلال ما قرأته سترتفع درجة حرارة المناطق التي تصلها الموجة بشدة وهو ما سيؤثر على كل شيء. نمو النباتات والحيوانات وبالتأكيد كمية المياه المتاحة نظراً لأن الحرارة ستتبخر المزيد والمزيد منها وهو ما سيؤدي في النهاية إلى جفاف حقيقي".
ابتلعت ريقي بعصبية بينما كان عقلي يعالج تبعات ما للتو سمعته لكن كانت هناك أخير شيء لا أزال لا أفهمه تماماً.
قلت وأنا أنظر إليها بتركيز: "وما قصة كونها نعمة للبعض؟ لماذا قلت ذلك؟".
بادلتني المعلمة مو النظرات ورسمت ابتسامة حزينة تباينت بشكل قاسٍ مع جدية ما أخبرتنا به للتو.
قالت برفق: "فكر فيما كنا نناقشه سابقاً. وكيف أن غمر العالم فجأة بكمية هائلة من تشي النار يؤثر على أولئك الذين يمتلكون جذراً نارياً أو نواة نارية".
أصابني الفهم كدلو ماء بارد. عالم مشبع بتشي النار سيكون جنة لأي ممارس لديه تقارب مع النار. يمكنهم امتصاص كميات هائلة من تشي عنصرهم دون أي جهد مما يسرع ممارستهم بطريقة لا يمكن تصورها في الظروف العادية. وحين استقرت هذه الفكرة في رأسي خطرت لي فكرتان صغيرتان تقريباً في الوقت نفسه. الأولى هي أنه لمن المؤسف ألا يمتلك ليانحوا جذراً نارياً. والثانية وهي أشبه بالذنب نظراً لأن الوضع بالكاد يحتمل النكات ولكني لم أستطيع منع نفسي من التفكير فيها هي أننا دخلنا نوعاً ما في قصة واسعة النطاق يمكن تسميتها صعود ممارسي النار.
غير واعية بأفكاري رفعت المعلمة مو بصرها مرة أخرى نحو الصدع السماوي حيث كان عمود التشي الأحمر ينحدر بوضوح كعمود قرمزي يربط السماء بالأرض وكان لوجوده شيء يشترك فيه التنويم المغناطيسي والرعب. بعد تأملها لثانية التفتت المعلمة مو نحوي وتحولت ملامحها إلى شيء يشبه الأسف.
قالت لي وبصوت حمل صدقاً نادراً ما أسمعه منها: "أنا آسفة جداً. لكن ما يحدث قد قلب كل خططي رأساً على عقب. سأضطر للعودة إلى المنزل للتعامل مع عواقب ما سيحدث".
نظرت إليها وأومأت برغم أن جزءاً مني أسف لتلك المقاطع إلا أنه سيكون من سخف التظاهر بأن الدروس الخاصة تأله أولوية على شيء بهذا الحجم.
قلت لها: "أنا أفهك يا معلمة مو. شيء كهذا له الأولوية على دروس انتهت بالفعل تقريباً على أي حال".
قبل أن تتمكن المعلمة مو من الرد تدخلت أمي.
قالت بنبرة استعادت عمليتها المعتادة: "أمعلمة مو، ما مدى تأكدك من أن عواقب الموجة ستكون ارتفاعاً في درجات الحرارة؟".
نظرت إليها المعلمة مو قبل أن تجيب: "لا يمكنني التأكد تماماً. لم أعيش قط موجة تشي نار لكن ما قرأته عنها يشير إلى أن تلك هي عواقبها".
أومأت أمي ببطء ورأيتها بالفعل تعالج تلك المعلومات خلف عينيها وتحولها إلى قائمة مهام. أزالت يدها عن كتفي حيث أبقتها منذ وصولها وقدمت للمعلمة مو انحناءة طفيفة.
قالت بتهذيب: "أنا أقدر المعلومات يا معلمة مو. لكن إن عذرتني فعندي من بين أمور أخرى ترتيب طاقم منزلي".
اكتفت المعلمة مو بالابتسام لكلماتها ابتسامة صغيرة بدت كأنها تفهم الإلحاح تماماً. استدارت أمي وبدأت تمشي نحو المبنى الرئيسي للجناح بينما كانت تعطي تعليمات للينغشي بنبرة لا تقبل التأخير.
قالت لها أمي: "أعيدي الخدم إلى واجباتهم".
وأومأت لينغشي دون أن تنطق بكلمة بينما كانت تتبعها بخطى سريعة. بينما كانت أمي تبتعد نظرت إليّ المعلمة مو مرة أخرى وهذه المرة كان هناك شيء مختلف في تعابيرها شيء يشبه الدفء الذي تسمح له بالظهور أحياناً حين تظن أنني لا أنتبه.
قالت: "مع ذلك هناك ما يقرب من شهرين من الدروس التي دفعت ثمنها بالفعل".
وحين سمعتها لاحظت ابتسامة تبدأ في التشكل عند زاوية شفتيها: "لذا قبل أن أرحل سأمنحك بعض الأشياء تعويضاً عن السعر".
اتسعت ابتسامتها قليلاً وهي تضيف بنبرة استعادت بعض خفتها المعتادة: "ليس من سياساتي رد المدفوعات لذا فهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله".
لم أستطع إلا أن أرد ابتسامتها لأنه حتى في منتصف ما قد يكون كارثة على مستوى العالم لا تزال المعلمة مو هي المعلمة مو.
قلت لها: "كل ما تقررينه يناسبني".
حين سمعتني أومأت برضى.
قالت لي: "إذن فلنعد إلى غرفة الدراسة في الوقت الحالي. سأعطيك التعويض هناك".
بدأت المعلمة مو تمشي نحو مبنى الجناح متجاوزة الخدم اللاتي كنّ يتبعن الأوامر التي بدأت تتسرب عبر التسلسل الهرمي وعدن للعمل بتعابير لا تزال تتأرجح بين الخوف والعصبية.
قلت: "يا ليانحوا، خذيني".
وبعد لحظة شعرت بيديها تمسكان بمقبضي مقعدي وبدأنا التحرك. لكن قبل أن نصل إلى المبنى انحرفت نظراتي إلى جانب واحد ورأت شيا. كانت تلتصق بالحائط وتلصق تنورة زي الخادمة بكلتا يديها في لقطة توتر أعرفها جيدا وكان وجهها صورة للقلق وهي تنظر إليّ بعينين تبدوان كأنهما تبحثان عن أي علامة على أن كل شيء سيكون على ما يرام. حين رأيتها اعتمدت أكثر نبرة مبالغ فيها من اللامبالاة والتي لم تكن كثيرة بالنظر لما سمعته للتو لكنها كافية لما أحتتاجه.
قلت وأنا أشير بيدي: "يا شيا، تعالي إلى هنا".
اقتربت شيا بخطى سريعة وحين وصلت إلى جانبي سألت بصوت لم يستطع إخفاء قلقها: "أكل شيء على ما يرام يا وين؟ ما هذه السحابة الحمراء الضخمة؟".
قلت لها بهدوء لم أشعر به تماماً لكنني أملت أن يكون مقنعاً بما يكفي: "كل شيء على ما يرام. سأشرح لاحقاً ولكنني أحتاجك الآن أن تقومي بمعروف لي. ستغادر المعلمة مو بعد قليل لذا أود منك أن تحضري شيئاً للغداء بعد ذهابها. أيمكنك فعل ذلك؟".
نظرت إليّ شيا للحظة ورأيت تعابيرها تتغير من القلق إلى ذلك التصميم الذي تتخذه كلما طلبت منها فعل شيء تستطيع التعامل معه وكأن امتلاك مهمة محددة يمنحها مرساة تتمسك بها.
قالت وهي تومئ بحزم: "نعم. سأهتم بالأمر".
واستدارت ودخلت الجناح بخطوة لم تعد تبدو غير مؤكدة كما كانت قبل لحظة. بعد ذلك التبادل القصير نظرت إلى ليانحوا.
قلت لها: "تابعي إلى غرفة الدراسة".
واستأنفت ليانحوا دفع مقعدي نحو مدخل الجناح حيث رأيت المعلمة مو تبدو وكأنها تنتظرنا وهي تراقبنا بتعبير غريب لم استطع تحديده تماماً. عند الوصول إليها لم تقل المعلمة مو شيئاً ودخلت الجناح بينما تبعناها عبر الممرات التي بدأت بعد فوضى الدقائق القليلة الماضية تستعيد إيقاعها المعتاد. حين وصلنا إلى غرفة الدراسة حيث نعقد دروسنا وضعتني ليانحوا في مكاني المعتاد وتوقفت المعلمة مو بجانبي.
بمجرد استقرارها نظرت إليّ بتعبير يمزج بين جدية اللحظة وشيء يشبه رضى معلمة لا تتردد رغم الظروف في ترك عمل نصف منجز.
قالت لي: "الآن. حان الوقت لأمنحك ما أردته كتعويض".
ومدت يدها إلى كمها بحركة سلسة وأخرجت عدة أشياء وضعتها على الطاولة بحذر. حين نظرت إليها رأيت ثلاثة أشياء: كتاباً ورمز اليشم وغريباً بعض الشيء صندوقاً صغاراً ومفتوحاً يكشف عن زوج من القرطين.