أراقب المجموعة الجديدة تقترب مني بفتورٍ أجاهد لأخفيه. لا ضير عندي في التعرف على إخوتي غير الأشقاء، لكن المشكلة أنهم تجاهلوني تماماً حتى الآن، ثم ظهر صون روي وصون هونغ، والآن تُضاف إليهما مجموعة ثانية لا أعرف مَن هم ولا ما يضمرونه. تلك هي المعضلة بعينها؛ جهلي التام بهويتهم. ألمح ليان هوا بطرف عيني، ولا يزال وجهها يحمل ذلك التعبير الذي لا يقرؤه غيري. هممت بسؤالها، لكنني تراجعت عن الفكرة في مهدها.
فبوجود صون روي وصون هونغ على بعد مترين مني، وحاشيتهما من النبلاء المتأنقين يملؤون جانبًا من الجناح، سيكون سؤالي لوصيفتي عن هوية القادمين بمنزلة تعليق لافتة متوهجة فوق رأسي تقول: "لا أعرف مَن هم إخوتي".
ورغم أن هذا صحيح واقعاً، إلا أنني لا أريد إعلانه، حفاظاً على شيء من الوقار.
لذا لزمت الصمت، أراقب المجموعة الجديدة وهي تنهي عبور الحديقة تحت أنظار حرس "ني وي"
الذين بلغ توترهم ذروته بسبب المجموعة الأولى، وأرقبهم وهم يتوقفون عند وصولهم إلى الجناح. أول ما لاحظته أنهم لم يختلطوا بالنبلاء الموجودين، بل اتخذوا لأنفسهم مكاناً في الجناح، بمسافة عن حاشية صون روي؛ مسافة كافية لئلا تبدو إهانة مقصودة، وكافية لتوضيح أنهم ليسوا معاً، وهو ما يعني في لغة السياسة البلاطية أنهم ليسوا حلفاء على أقل تقدير. بمجرد استقرارهم، تقدم رجلان نحونا بخطوات وئيدة وأنيقة، كأنهما لا يستعجلان الوصول.
ومع جهلي التام بكيفية مخاطبتهما، أملت عليّ غريزتي أن أتصرف كسلحفاة؛ أي ألا أفعل شيئاً على الإطلاق. فعلت ما تفعله أي أميرة إمبراطورية حين تعجز عن فهم ما يدور حولها ولا تريد كشف ذلك: التقطت كأسي. رفعتها إلى شفتي بهدوء متصنع كمن تستمتع بشرابها، لا كمن تتخذ من الخزف درعاً. احتسيت رشفة بطيئة، وعيناي مغلقتان قليلاً كأن رائحة الشاي هي أروع ما في الوجود، وأنا أدعو في سري أن يقطع أحدٌ هذا الصمت قبل أن أضطر لوضع الكأس والتحدث.
ولحسن الحظ، فُعل ذلك.
قال صون روي، وصوته الذي حافظ حتى اللحظة على نبرة السياسي المحنك قد تحول إلى ما يشبه جليداً يجمد البحيرة في منتصف الصيف: "صون تشومينغ، صون لان. أعرف تفضيلات جدنا، لذا أستغرب مجيئكما للبحث عن شخص يبغضه إلى هذا الحد".
نزلت كلماته عليّ كدلو ماء مثلج، وأطلقت صفارات الإنذار في رأسي، فكلمات والدي عن رغبة جدي في موتي لا تزال حاضرة. والآن، وبحسب صون روي، يرتبط هذا الأمير بذلك الجد، مما يجعل زيارته لي أكثر ريبة، فرفعت حذري منه أكثر. ومع هذا الإدراك، صار طعم الشاي كرماد، وفهمت سبب رد فعل ليان هوا حين رأته. ومع ذلك، أبقيت الكأس على شفتي أطول مما ينبغي لأستوعب الأمر، مستغلة تلك اللحظة لأعيد ترتيب تعابيري؛
فدروس الإتيكيت علمتني أن الوجه هو ساحة المعركة الأولى، وأن فقدان السيطرة عليه هو خسارة لنصف الحرب. حين أنزلت الكأس، كان وجهي قناعاً من الصفاء المتقن الذي سيجعل معلم الإتيكيت فخوراً بي. لكن، بما أن صون روي هو من بادر بالهجوم، قررت تركه يمسك بزمام الأمور.
فإذا أراد إخوتي الاقتتال أمامي، فأقل ما يمكنني فعله هو التنحي جانباً، وتناول "فشار افتراضي"
لمتابعة العرض، ومعرفة ما يمكنني استخلاصه من حديثهم.
أجاب الرجل الذي في المقدمة، والذي عرفت الآن أنه صون تشومينغ، دون أن تتعثر خطاه، وكأن كلمات صون روي لم تؤثر فيه: "جدي هو جدي، وأنا نفسي".
قالها بنبرة تضاهي صون روي في برودتها، وكأنهما يتنافسان على خفض حرارة الجناح بصوتيهما.
"لا عيب في أن يزور أخٌ أخته".
التفت صون تشومينغ نحوي بابتسامة قد تبدو ودودة في الظروف العادية، لكنها من شخص مرتبط بمن أراد قتلي عند ولادتي، تبدو كابتسامة "الجوكر"
لي.
سأل بنبرة دافئة كأننا عائلة واحدة لا غرباء التقوا للتو: "أليس كذلك يا أختي؟".
تنهدت في سري. أخٌ آخر يظهر بابتسامة جميلة وكلمات طيبة وأجندة خفية لا أعرفها، وإن بدأت أظن أنها ذاتها التي يتشاركونها. فعلت الشيء الوحيد الممكن؛ أنهيت شربي للشاي بهدوء زائف، ووضعت الكأس على الطاولة بحركة محكومة منحتني ثانيتين إضافيتين لصياغة ردي، ثم التفتُّ للقادمين بأفضل ابتسامة صقلتها لي دروس الإتيكيت.
قلت له بنبرة تنضح بالكياسة: "بالطبع لا عيب في ذلك. إنه لشرف دائم أن أستقبل إخوتي الإمبراطوريين".
أشرت بأناقة إلى الكراسي الفارغة القليلة، التي بدأ الجناح معها يبدو كقاعة استقبال مرتجلة لا كمكان هادئ لتناول الغداء.
سألت بابتسامتي المتدربة: "ألا تجلسان؟ لا يزال هناك شاي، وسيكون من قلة الكياسة ألا نتشاركه بعد أن تجشمتما عناء المجيء إلى هنا".
قال صون تشومينغ بابتسامته التي لا تفارق وجهه: "نقدر ضيافة أختنا"، وجلس بحركة انسيابية تظهر ذات الصقل البلاطي الذي رأيته عند صون روي.
أما صون لان، الذي لم يفتح فمه واكتفى بدوره كرفيق صامت، فقد أومأ برأسه شاكراً وجلس خلف صون تشومينغ بنصف خطوة، مؤكداً أن الديناميكية بينهما هي ذاتها بين صون روي وصون هونغ. بمجرد جلوسهما، أشرت لليان هوا، وبكفاءتها المعتادة، أحضرت من مكان لا أعرفه كأسين إضافيين ووضعتهما بدقة. وأنا أراها تصب الشاي، تساءلت عن كمية الأواني التي حزمتها هي وشيا في حقيبة الغداء، فلو ظهرت مجموعة ثالثة، لن أستغرب إن أخرجت ليان هوا طقم شاي لاثني عشر شخصاً من زاوية الحقيبة.
بعد التقديم، انسحبت ليان هوا للخلف، لكن التوتر الذي لازمها منذ ظهور صون تشومينغ لم يزل. ارتشف صون تشومينغ وصون لان قليلاً من الشاي، وساد صمت غير مريح في الجناح، ذلك النوع الذي يحدث حين تُجبر مجموعتان تكرهان بعضهما على مشاركة مكان ضيق. يراقب صون روي وصون هونغ القادمين ببرود لا يخفيانه، بينما يتجاهلهما الآخران عمداً. وأنا، العالقة في وسط مبارزة النظرات الباردة واللامبالاة المحسوبة، كنت أتساءل إن كان هذا هو شعور الدول المحايدة حين تقرر قوتان معاديتان عقد لقاء دبلوماسي على أرضها.
أخيراً، قرر صون تشومينغ أن الصمت قد طال، ووضع كأسه والتفت إليّ بابتسامة ودودة.
قال بنبرة تبدو مهتمة، وإن رنّت في أذني كأنها "الجوكر"
يسأل "باتمان"
عن صحته: "سمعت أن أختنا كانت تستكشف القصر الداخلي هذا الصباح. هل هذه أول زيارة لك لهذه المنطقة؟".
أجبت بأدب مع إيماءة خفيفة: "نعم. عشت في القصر طوال حياتي، لكن بسبب ظروفي لم تتح لي فرصة الاستكشاف خارج مسكني حتى اليوم".
علقت كلماتي الغامضة في الهواء، قبل أن يتدخل صون روي، الذي لا ينوي ترك صون تشومينغ يستأثر بالحديث، ليوصي بحدائق الجناح الشرقي بنبرة توحي بأنه يعرفها أكثر من أي شخص حاضر. لم يتأخر صون تشومينغ، ورد دون تردد بأن حدائق الجناح الشمالي أفضل، وأنه سيسعد بمرافقتي إن احتجت لمن يريني إياها. وهكذا بدأت أغرب محادثة في حياتي، وهي شهادة كبيرة كون حياتي قد عاشت مرتين. تحول الأمر إلى تبادل ثلاثي، حيث يقاطع صون روي وصون تشومينغ بعضهما، وكلما سألني أحدهما سؤالاً تافهاً عن البلاط أو العاصمة، تدخل الآخر ليحول الحديث لما يجعله يبدو أفضل من منافسه.
وبينما يتنافسان في هذه البطولة العبثية من التملق والطعنات اللفظية المبطنة، كنت أومئ وأبتسم وأجيب بردود لا تلزمني بشيء، وأتفرغ للمراقبة، لأن السؤال الذي يطرق رأسي يزداد إلحاحاً: لماذا يفعلون هذا؟ لماذا يتنافس أميران تجاهلاني طوال حياتي، ويكره أحدهما الآخر، على نيل حظوتي كأنني جائزة؟
ظلت الفكرة تدور في رأسي، حتى قال صون تشومينغ لصون روي شيئاً جعل كل القطع تتجمع في ذهني دفعة واحدة: "لم أكن أظن أن لديك اهتماماً بالرونز يا أخي"، قالها بابتسامة تقطر تعجرفاً رداً على ملاحظة صون روي عن تشكيلات القصر الإمبراطوري.
في تلك اللحظة، وكأن أحداً أشعل ضوءاً في غرفة مظلمة، فهمت كل شيء.
هم ليسوا هنا من أجلي، بل من أجل "المعلم مو".
أنارت هذه الحقيقة عقلي. المعلم مو، المزارعة التي لا تستطيع ليان هوا حتى قياس قوتها، الخبيرة في الرونز والتمائم التي ربما يعادل مستواها أعلى الرتب في الإمبراطورية، تعطيني دروساً خاصة أسبوعياً. وبطريقة ما، اكتشف إخوتي ذلك. وهم الآن يريدون استخدام أختهم الصغيرة، التي لم يكلموها منذ نصف ساعة، كبوابة لتلك المرأة. هم لا يتنافسون على مودتي، بل على من يقنعني أولاً بتقديمه للمعلم مو أو منحه الوصول لمعرفتها.
ارتشفت الشاي وأنا أعالج هذا الكشف، ولدهشتي، لم أشعر بالاشمئزاز الذي كان يجب أن أشعر به، بل شعرت بالارتياح. فمعرفة سبب وجودهم تمنحني نقطة انطلاق؛ فمن تعرف دوافعه أقل خطورة ممن يغلف نواياه بالغموض. لقد منحني إخوتي للتو القطعة التي أحتاجها للتعامل معهم. لكن جزءاً مني، ذلك الجزء المتعب الذي أراد فقط نزهة هادئة مع صديقاتها، قرر أنه اكتفى. لن أستمتع بنزهة اليوم، هذا واضح.
لكنني لا أريد البقاء هنا متظاهرة بالاهتمام بينما يتنافسون على نيل حظوتي للوصول لمعلمتي.
وبينما أنظر إليهم بضجر، خطرت لي فكرة، وصفتها نفسي المسؤولة بـ "غير المسؤولة"، بينما وصفتها نفسي المنهكة بـ "العبقرية".
وبالطبع، دون تفكير، وضعتها موضع التنفيذ.
"آه!"
صرخت فجأة، صرخة ألم قطعت الحديث، وأمسكت ساقي بكلتا يدي بينما تلوى وجهي في تكشيرة، لو قيل لي لقلت إن معلم التمثيل سيكون فخوراً بي هذه المرة. كان التأثير فورياً؛ سكت صون روي وصون تشومينغ والتفتا نحوي بتعبيرات بين المفاجأة والقلق، بينما نظر صون هونغ وصون لان نحوي بقلق واضح. لم أمنحهم وقتاً للسؤال.
التفتُّ لليان هوا بوجه يملؤه الألم وقلت بنبرة تمزج بين الاستعجال والألم: "ليان هوا، بدأت ساقاي تؤلمانني مجدداً. يجب أن نعود للجناح بسرعة".
رأيت عيني ليان هوا تستقران على عيني للحظة، وفي تلك اللحظة عرفت أنها أدركت ما أفعله لأنها تعرفني جيداً، وبما أن ساقي لم تؤلماني قط، فقد أخبرها أدائي بكل شيء. لكنها، المهنية التي هي عليها، لم تقل شيئاً يكشفني.
تحول تعبيرها فوراً لقلق جدي والتفتت للأمراء وقالت بانحناءة محترمة: "أعتذر نيابة عن تشاوهوان وين، سموكم. حالة ساقيها تتطلب علاجاً دورياً، وأخشى أننا بحاجة للعودة لمسكنها فوراً".
بينما كانت تتحدث، أكملت أدائي، متمسكة بساقي بتعبير ألم، اعترف أنه لن ينال جوائز، لكنه يبدو مقنعاً بما يكفي. خلف ليان هوا، كانت شيا تنظر إليّ بتعبير غريب، فهي ممزقة بين القلق الحقيقي والحيرة لمعرفتها أن ألم ساقي مستحيل. لكنها، لحسن الحظ، تذكرت أمري بعدم الكلام، فظلت تراقبني دون كلمة، رغم أنني لاحظت توتر يديها. أما الأمراء، فقد تفاعلوا بسرعة كانت ستؤثر فيّ لو لم أكن أعرف أن قلقهم لا يتعلق بي، بل بحقيقة أنه لو حدث لي شيء، فسينغلق باب وصولهم للمعلم مو.
قال صون روي وهو ينهض: "لا بأس يا أختي، هل يمكننا المساعدة؟".
وأضاف صون تشومينغ: "إن احتجت لأي شيء، لا تترددي في الطلب"، وللحظة، تشارك الأميران شيئاً لم يتشاركا طوال الظهيرة؛
تعبير قلق حقيقي جعلهما يبدوان كحلفاء لأول مرة.
شكرتهم ليان هوا بانحناءة: "أقدر اهتمامكم، سموكم، لكننا نحتاج فقط للوصول لمسكن تشاوهوان وين بسرعة لتتلقى علاجها".
ودون انتظار رد، حملتني ليان هوا ورفعتني من الكرسي بحركة انسيابية، وبما أنني أتظاهر بألم ساقي، كان عليّ الاكتفاء بالتشبث بها.
قالت لـ "لينغ شيا"
بنبرة لا تقبل الجدل: "لينغ شيا، اتركي كل شيء من الغداء. سأرسل من يجمعه لاحقاً".
أومأت شيا بسرعة وسارت بجانبنا.
التفتت ليان هوا لحرس "ني وي"
وأمرتهم بحركة سريعة بحمل كرسيه المتحرك، ثم دون مراسم وبسرعة، خرجت من الجناح تحملني، بينما تتبعتنا شيا وانتشر الحرس حولنا. وبينما ننسحب من الجناح بسرعة بين المشي السريع والركض، لاحظت أننا نترك خلفنا جمهوراً لا يستهان به. رأيت حاشية الأمراء يراقبوننا بتعبيرات تتراوح بين الفضول والقلق المحسوب، والمسؤولون الذين كانوا متمركزين حول الحديقة يتبعوننا بأعينهم، ولا شك أنهم يحفظون كل تفصيل لنقله لزملائهم.
وأخيراً، ألقيت نظرة على إخوتي؛ بقوا جالسين مع أكواب الشاي، ربما يتساءلون إن كان ما شهدوه حقيقياً أم أن أختهم الصغيرة نفذت أجرأ انسحاب تكتيكي رأوه في حياتهم. لكن تلك لم تعد مشكلتي، أو إن كانت كذلك، فهي مشكلة لنسختي المستقبلية. مشكلتي الآن هي الحفاظ على تعبير الألم طويلاً بما يكفي لنبتعد عن الأنظار، لأن طريقة حمل ليان هوا لي غير مريحة لدرجة أنها قد تؤلمني حقاً.