داو اللغة الفصل 179

اقرأ داو اللغة الفصل 179 باللغة العربية على مانجا تايم.

لا يستغرق تفاجؤ تشين مو سوى ومضة، مقدار ما يستغرق ليضيّق عينيه في حركة لا تشبه حركة من رأى ما لا يدركه، بل تشبه حركة من تلقى للتو معلومة جديدة ويعيد ترتيب أفكاره، ويفعل ذلك بسرعة تكاد تجعلني أحسده. وحين يتكلم أخيراً، لا أثر لأي استنكار في صوته.

قال: "لقد أخفيت أوراقك جيداً".

يقولها ببطء، بنبرة أحتاج إلى ثانية لأتعرّف عليها، لأنها ليست عتاباً وليست تفاجؤاً، بل هي تقدير. التقدير المحدّد تماماً لمحترف يكتشف أن الشخص الذي كان يتحدث معه منذ نصف ساعة أخفى عنه شيئاً مهمّاً وأجاد إخفاءه.

وتابع: "ولن أسالك عن الطريقة. لكني سأقول لك شيئاً واحداً، وهو أن مستوى التكوين هذا، في سنّك، ليس طبيعيّاً في هذا الجزء من العالم".

أُبقي الإناء في مكانه، معلّقاً على الارتفاع المريح الذي تركته عليه، وآخذ لحظة قبل أن أرد، لأن الإجابة كانت حاضرة في ذهني منذ مدة لكني أودّ تقديمها بترتيب.

أخبرته: "كانت لدي أسباب. وهي تماماً الظروف ذاتها التي أخبرتني مسبقاً أنك لا تريد معرفتها، فلا تقلق، لن أخبرك بها".

يُخرج تشين مو الهواء من أنفه في ما يشبه الضحكة.

قال لي: "أشكرك".

تابعت: "لكن ثمة جزءاً يمكنني إخباره لك بالفعل. وهو أنه لفترة طويلة، كان إخفاء ما قادرة على فعله هو التصرف الوحيد المعقول. لم يكن تفضيلاً ولا استراتيجية داهية بشكل خاص، بل كان الخيار الوحيد المتاح أمامي".

أمسك الإناء بيديّ الحقيقيّتين، لأن الأثر قد تحقق بالفعل ولأن الإمساك بالأشياء باليدين، متى استطعت، أقل كلفة.

أخبرته: "وقد أمضيت منذ صباح اليوم مسافرة في عربة وعقلي مششغول بأمور أخرى ودون أن أدرك أمراً واضحاً إلى حد ما. وهو أن تلك الظروف أصبحت خلفي ولست مربوطة بها بعد الآن، لذا فإن الاستمرار في الاختباء بحكم العادة، حين ينتفي سبب ذلك، ليس حصافة بل هو حماقة بحتة".

أتوقف برهة قصيرة.

وأنهيت كلامي: "اححتجتُ إلى أن تعطيني نصيحة معقولة تماماً لأدرك ذلك. لذا، جزئياً، يعود الفضل في هذا إليك".

يستمع تشين مو إلى ذلك كله دون مقاطعة، وحين أنتهي يومئ برأسه مرة واحدة ببطء، وهي إحدى تلك الحركات التي تساوي فقرة كاملة.

قال لي: "إنه قرار جيد. وعلاوة على ذلك يأتي في توقيت مناسب".

يستعيد إناءه أخيراً من الأرض، ويضعه على ركبته مجدداً ويعدل جلسته قليلًا.

وتابع: "لأن ذلك سيجعل بقاءك في مدينة سانجيانغ أبسط بكثير. لن أقول لك إنه سيحل حياتك، لكنه سيرفع عن كاهلك عدداً لا بأس به من الناس الذين، لولا ذلك، لضاعت أوقاتهم وأوقاتك في محاولة معرفة أيّ نوع من الأطفال يصل إلى الفرع بين ذراعي وصيفة".

وهناك أدرك أنني تلقيت للتو، مجاناً ودون طلب، معلومة تساوي أكثر بكثير من الكشف الذي أدليت به.

قلت له: "إذاً عليّ شكرك. ولا أقولها مجاملة. لم تكن ملزماً بأي شكل بإعطائي أي نصيحة الليلة، وقد أعطيتني ثلاثاً، احتساباً لهذه".

احتج قائلاً: "لقد أعطيتك واحدة".

أصررت: "أعطيتني ثلاثاً. وما حدث أن اثنتين منهما أعطيتهم دون أن تدري، وهما عادة الأفضل".

ينظر إلي تشين مو برهة بتعبير لا أتبينه تماماً ثم يحرك رأسه كمن يقرر عدم مجادلة زبون، فأستغل تلك الحركة.

أخبرته، وحرصت على أن تكون النبرة مهذبة قدر استطاعتي: "بما أننا في سياق الحديث، أتمانع لو طرحت عليك بعض الأسئلة؟"

وألاحظ تماماً كيف تجعله السؤال في وضع الاستعداد. ليس كثيراً، بالكاد بالقدر الكافي، لكن كتفه الأيمن يتحرك إلى الوراء بمقدار عرض إصبع.

أجابني: "يعود الأمر إلى طبيعة الأسئلة. ليست لدي أي مشكلة في الإجابة عمّا تريد، بشرط ألا تتعلق بأسرار برج التنانين الخمسة".

قلت له: "يبدو لي هذا معقولاً تماماً. وإن سألتك في لحظة ما عن شيء يقع في هذه الفئة، فأخبرني وسأنتقل إلى أمر آخر دون الحاجة لأن تقدم لي أيّ تبرير".

قال لي: "اتفقنا".

وهنالك أبدأ بالأمر الذي أُقلّبه في ذهني منذ صباح اليوم، حين رأيت القافلة.

استهليت قائلة: "لا أعرف إن كان هذا سراً أم لا. لكني سمعت أنكم وفد مُرسل إلى طائفة الشمس السماوية للتفاوض على شراء سلعة انتهى بها المطاف، بطريقة ما، بين أيديكم".

لا يتفاعل تشين مو مع أمر السلعة، وهو ما يخبرني بالكثير.

وتابعت: "وقد أمضيت اليوم كله أقلّب الأمر ذاته. لأن الوفد، في تصوري، هو مجموعة من الأشخاص المهمين بملابس باهظة، وخطابات تعريف ورغبة ضعيفة جداً في حمل الحزم. وأنتم ثلاث عربرات، وسبعة أشخاص وشراعان مربوطان. لذا فالؤال بسيط، لماذا يبدو الوفد تماماً كقافلة تجار؟"

وعند هذا السؤال، يبتسم تشين مو. لكنها ليست ابتسامة الانزعاج السابقة، ولا الضاحكة الخافتة حين قلت كلامي عن مي ينغ، بل هي ابتسامة كاملة، من تلك التي تعني أن من يرتديها يستمتع بوقته.

أجابني: "لأننا قافلة تجار".

وأبقَى ناظرة إليه بوجه بليغ التعابير بلا شك، لدرجة أن تشين مو يرفع يداً ليمنعني من مواصلة الأسئلة.

استهل كلامه بالقول: "قبل كل شيء، نحن تجار في برج التنانين الخمسة. كلنا. أنا، ومن هم في الخلف مع الخيول، والرجل الذي سيستقبلك في سانجيانغ خلف مكتب يكلف أكثر من هذه العربات الثلاث مجتمعة. تجار، وكل ما عدا ذلك يأتي لاحقاً".

ينقر بمفاصل أصابعه على العجلة التي خلف ظهري، فيصعد الصوت عبر الأسلاك ليصل إلى كتفيّ.

وتابع: "والتاجر يحسب الحسابات، فلنحسبها إذن. من هنا إلى الفرع آلاف اللي. أشهُر من الطريق، بين ما يستغرقه الوصول وما يستغرقه العودة. وفي ذلك الوقت يتوجب عليك دفع ثمن علف الخيول، ودفع أجور النزل، ودفع أجور سبعة أشخاص، لا يجنون مالاً في أي مكان آخر طالما هم هنا".

يرفع إصبعاً.

وقال: "أخبرني الآن: أيبدو لك معقولاً دفع كل ذلك لجلب غرض والعودة خالي الوفاض إلا من ذلك الغرض؟"

اعترفت: "إن وضعنا الأمور هكذا، فلا".

أخبرني، وهو يرفع كتفيه: "حسناً، هذا ما فكر به من أرسلوني أيضاً. على الرغم من مرور أقل من أربع سنوات على شحنة البضائع الكبرى التي تُجرى بانتظام على طول هذا الطريق، فقد أرسلوا لهذه الرحلة حمولة صغيرة. لا شيء خارق للعادة، أشياء تُباع جيداً هنا وتكثر هناك، بالقدر الكافي فقط لئلا تصبح الرحلة ثقباً في حسابات أحد".

ثم ينظر إلي مجدداً بلمسة مشاكسة.

وأضاف: "وفي الطريق، القافلة التي تخرج ممتلئة وتعود ممتلئة لا تلفت انتباه أحد. أما موكب من سبعة أشخاص يعبر نصف العالم دون حمل أي شيء على متنه، فيلفت الانتباه".

أومئ ببطء، والإناء بين يدي، لأنني أدركت للتو أن ما يصفه لي هذا الرجل هو، حرفياً، رحلة عمل تضاف إليها مهمة أخرى. ويبدو لي النهج لا غبار عليه. لأنني في حياتي الأخرى رأيت المبدأ ذاته قيد التطبيق عدداً كبيراً من المرات، رغم أننا أطلقنا عليه حينها اسماً آخر، وكان يتألف من استغلال قسم لحقيقة ضرورة إرسال شخص إلى مؤتمر في دولة أخرى، لكي يمر، وهو هناك، بالمختبر المجاور لالتقاط عينات قضت ستة أشهر في درج.

لا يُرسل أحد أبداً للقيام بأمر واحد، بل يُرسلون للقيام بأمر واحد وكل ما يمكنهم تنفيذه على طول الطريق يُضاف إليه.

أخبرته: "إنها طريقة معقولة للغاية للعمل. وهي تفسر بشكل جيد سبب تمتع البرج بالسمعة التي يمتلكها".

أجابني: "نمتلك سمعة الوفاء بما نعد به. ومسؤولية الأرباح ليست إلا للقدرة على الاستمرار في الوفاء به في العام القادم".

وتلك الجملة، لصادرة عن رجل أمضى اثنتي عشرة ساعة يأكل الغبار على مقعد السائق، تتمتع بصفاء ذهني يجعلني أحفظها لوقت لاحق. آخذ ملعقة أخرى، وأستغل ذلك الوقت لأعد سؤالي التالي، لأنني أريد طرحه بعناية.

أخبرته: "لدي سؤال آخر. وهو أكثر شخصية، لذا إن كنت تفضل عدم الإجابة، فلن يحدث أي شيء مطلقاً".

قال لي: "تفضّل".

أقيس كل كلمة وأنا أبدأ: "قبل فترة، زار أحد أعضاء برج التنانين الخمسة الإمبراطورية. امرأة أطلقت على نفسها اسم المعلمة مو. سنحت لي الفرصة للتعامل معها لفصل من الزمن وقد تركت في نفسي أثراً عميقاً إلى حد ما".

أتوقف وقفة طفيفة.

وسألته: "أتعرفها؟"

وما يحدث بعد ذلك لم أكن أتوقعه أبداً، لأن تشين مو يضحك. ولا يضحك باحتشام، بل يضحك من قلبه، ملقياً برأسه إلى الوراء، بقهقهة قصيرة ومدوية تجعل دو هنغ يرفع بصره عن النار من الجانب الآخر من اللطخة.

قال لي حين استعاد رباطة جأشه، وصوته لا يزال يرتجف قليلاً: "اغفر لي. أنا لا أضحك عليك، أؤكد لك ذلك. بل إن السؤال الصحيح ينبغي أن يكون شيئاً آخر".

سألته: "أيّ سؤال؟"

أجابني: "ما إن كان هناك أحد لا يعرف مو فاي، البرق السماوي".

وأرمش، مرتين في الواقع، وأبقي فمي مفتوحاً قليلاً لثانية قبل أن أدرك فأغلقه. لأنني رأيت تلك المرأة تروح وتجيء بالمروحة بينما كانت تصحح لي خطأ كتابياً. ورأيته تخرج كتباً من كمها، وتقضي ثلاث ساعات متتالية لتشرح لي لماذا رديئة الإغلاق أسوأ من عدم وضعها، وتناديني بألقاب ما كان لأي أستاذ في جامعتي القديمة أن يجرؤ على مناداتي بها حتى في أسوأ أسابيعهم. باختصار، رأيتها كما يرى المرء شخصاً يأتي إلى بيتك ليعطيك دروساً خصوصية، والآن يتضح أن لديها لقباً حربيّاً.

سألته، وخرج صوتي بنبرة ضئيلة لم تعجبني أبداً: "أهي مشهورة؟"

أجابني تشين مو بكل طبيعية في العالم، كمن يقول إن الماء مبلل: "إنها عبقرية معترف بها في القارة المركزية. وليس فقط داخل البرق، بل في القارة بأكملها".

ينقر ظفر إصبعه طرف الإناء برفق.

وأضاف: "في الواقع، هي السابعة في مرتبة التنانين السماوية".

وهناك أضيع تماماً.

سألته: "ماذا؟"

يرفع تشين مو حاجبيه ثم، فوراً تقريباً، يقوم بحركة بيده كأنه يعتذر لنفسه.

أخبرني: "لا، معك حق، من الطبيعي ألا تعرف ذلك. إنها إحدى تلك الأمور التي لا يعرفها إلا من هم على اتصال دائم بالقارة المركزية. هنا، عند الحافة، لا تفيد أحداً، لذا لا يخبر بها أحد".

يعدل جلسته قليلاً، وألاحظ أنه يستعد للشرح، وهي وضعية أتعرف عليها تماماً لأنني اعتمدتها في غرفة الدراسة مرّات عديدة.

أخبرني: "مرتبة التنانين السماوية هي قائمة. قائمة تجمع كل العبقري ممن تقل أعمارهم عن مئتي عام ويُعتقد بقدرتهم على تحقيق الصُّعود قبل بلوغ الثلاثمائة".

أبقَى لحظة وتلك المعلومات تدور في ذهني، وأول ما يفعله عقلي هو ترجمتها إلى شيء أفهمه، وما يظهر هو مجلة بغلاف فظيع وعنوان عريض يقول «عباقرة العام المائة».

بعد تلك الرؤية، ينبغي عليّ خفض وجهي والتظاهر بأن قاع الإناء يعنيني كثيراً لبضع ثوان، لكن حين أرفع بصري مجدداً، أكون قد قررت بالفعل ألا أستمر في شد ذلك الخيط، طالما أنه أمر بعيد جداً عن وضعي الحالي بحيث لا يستحق القلق بشأنه. سيكون لدي الوقت لذلك لاحقاً، مئة وسبعة وثمانين عاماً بالتحديد، لأن ثمة أمراً آخر يثير فضولي أكثر بكثير.

أخبرته: "دعني أسألك شيئاً آخر إذن. لماذا أسميتها البرق السماوي؟"

وعند هذا السؤال، يبتسم تشين مو مجدداً، ولكن بطريقة مختلفة، وأدرك فجأة أنني منحتُه للتو ما كان ينتظر مني منحه إياه.

قال لي: "ذاك لقبها. أتريد أن تعرف كيف حصلت عليه؟"

أجبته: "نعم"، وقلتها بسرعة ودون مواربة لدرجة أن شيا، القرفصاء بجانب النار لفرك القدر، رفعت رأسها دفعة واحدة.

يضحك تشين مو مجدداً، بخفة أكبر، ويتعامل مع الأمر بهدوء. يترك الإناء على الأرض، يمسح يديه بركبتيه ويتخذ وضعية من سبق له قول هذا ويعرف تماماً أين توجد الوقفات.

يبدأ قائلاً، وفي طريقة كلامه مسحة من تسلية: "مو فاي، أو المعلمة مو كما تفضل أن تُنادى، لها تاريخ طويل. قبل أن تنال الشهرة التي تحظى بها الآن، كانت شيئاً مذكوراً بالفعل. لقد كانت معلمة كبرى للتعاويذ، في الواقع، الأصغر في التاريخ".

يرفع إصبعاً.

وتابع: "وافهموني، هذا ليس بالأمر الهين. إنه لقب يُنال عادة بقرون من العمل ويفتح الأبواب في أي مكان في العالم يوجد فيه من يعرف معناه. لكنها شهرة من نوع محدد للغاية، لذا عرفها زملاؤها، ومن يشترون التعاويذ بالجملة، ومن يملكون ما يكفي من المال لطلب عمل خاص منها. وخارج تلك الدوائر، لم يكن لاسمها أي معنى لأحد".

يتوقف مؤقتاً.

وقال: "ثم، في أحد الأيام، انفتح شظية سماوية".

وبهذه الكلمات الخمس يملكني تماماً، رغم أنني أحاول ألا أظهر ذلك.

يتابع تشين مو: "انفتحت فجأة. دون إنذار، ود دون إشارات مسبقة ودون أي شيء يسمح بتوقعها. وعند انفتاحها، جرفت في داخلها كل من كان قريباً بالقدر الكافي من الفتحة".

يرفع ذقنه.

وقال: "وكانت مو فاي قريبة بالقدر الكافي".

يلتقط الإناء مجدداً، من باب العادة أكثر من الجوع.

ويستطرد: "بعد ذلك الانفتاح الأولي، حاول الكثيرون الدخول. كثرة كاثرة، كما تتخيل. الشظية السماوية حديثة الانفتاح هي نوع الأشياء التي يقوم الناس من أجلها بأفعال جنونية. لكن لم تكن هناك سبي، إذ بدا أن الشظية مختومة من الداخل، وكل من حاول اصطدم بالأمر ذاته، حاجز لا يدعهم يدخلون".

يقوم بحركة مبهمة بيده.

وتابع: "إذن، في النهاية، حدث ما يحدث دائماً. من كانوا في عجلة رحلوا، ومن امتلكوا مالاً أرسلوا غيرهم لينتظر مكانهم، ومع الوقت لم يبق هناك سوى حراسة صغيرة".

وهناك يخفض صوت قليلاً، ليس لأنه سر، بل لأنه اللحظة التي تنقلب فيها القصة.

أخبرني: "لكن أخيراً، بعد نحو عام، انفتحت الشظية. وخرجت مو فاي".

يصمت ثانية.

وأضاف: "أغلق المدخل خلفها ثم اختفى. لذا لم تكن هناك حاجة ليسأل أحد شيئاً، إذ كان واضحاً أنها كانت الناجية الوحيدة".

لا أقول شيئاً، لعدم وجود ما أقوله، ولأنني أدركت للتو أن صاحبة الكم اللانهائي، والمروحة، قضت عاماً هناك تتعامل مع ما كان في الداخل.

وتابع تشين مو: "لكن ليس هذا هو المهم. المهم هو ما جلبته معها".

سألت: "كنزاً؟"

أجابني: "تقنيات. تقنيات غريبة لم يسبق لأحد رؤيتها ومكنتها من صنع وتلاعب بالبرق".

ثم يفتح يديه، وباطناه للأعلى، في حركة من يظهر نهاية خدعة.

وقال: "ومنذ ذلك الحين، يُروى الباقي تلقائياً. لأن معلمة كبرى للتعاويذ تستطيع، علاوة على ذلك، ملء كل ما أمامها بالبرق تكف عن كونها مثيرة لاهتمام دوائر معينة فحسب. لذا واصلت الصعود، وعلى طول الطريق علق بها اسم البرق السماوي".

وأستمع إلى ذلك كله وأومئ في اللحظات الصحيحة، لكنني أفكّر في داخلي منذ مدة لا بأس بها لأنني أتذكر تلك الظهيرة تماماً. أتذكر جلوسي أمامها متحدثاً عن الشظايا السماوية، وكيف أنها، دون إعطاء الأمر أدنى أهمية، أدخلت يدها في ذلك الكم وأخرجت قطعة حجر مكسورة راحت تفتلها بين أصابعها لتريها لي. أتذكر الحروف المفصولة بنقاط وكيف توقف العالم بأسره من أجلي لبرهة. وأتذكر، قبل كل شيء، الطبيعية التي أخبرتني بها بأنها دخلت بنفسها إلى هذه الشظية السماوية أو تلك وأنها تحتفظ بها كفضول.

قطعة حجر مع إهداء لفيلق روماني، محتفظ بها في كم امرأة خرجت من شظية سماوية وهي تعرف كيف تتعامل مع البرق. ليس لدي سبيل لإثبات ذلك، قط، وأنا أدرك تماماً أنني أبني بناء بلبنتين، لكن هاتين اللبنتين تتناسبان معاً لدرجة تجعلني أجد استحالة عملية في ألا أضعهما الواحدة فوق الأخرى. لأنني أتعثر بالأمر ذاته في هذا العالم. عادت ليانروا من بعض الآثار المصرية بتقنية تُدعى رؤية حورس بينما أحمل في رأسي تقنية تحمل اسم الملك السلتي الذي اخترع أبجدية.

الشظايا السماوية تغطس بقدميها حتى الركبتين في الثقافات القديمة لعالمي القديم، وفي هذه المرحلة سيكون الغريب هو العكس. لذا إن كانت مو فاي قد دخلت مكاناً بنقوش لاتينية وخرجت منه وهي تتعامل مع البرق، فالإؤال إذن لم يعد من أين جاءت تلك التقنيات، بل ما تُسمى. ولبرهة أسمح لنفسي برفاهية تخيل تلك المرأة، بمروحتها ووجهها البادي عليه الملل التام، وهي تردّد اسم تقنية باسم زيوس.

مع أن لا، ليس زيوس. زيوس سيكون من شظية سماوية يونانية، ومع إهداء من الفيالق المعنية، لا بد أن يكون جوبيتر. وينتابني نوبة ضحك داخلية مفاجئة لدرجة قطعية وغير مناسبة أبدا لدرجة أننيضطر إلى عض باطن خدي لئلا تصل إلى فمي، لأنه لا توجد أي طريقة لشرح سبب إضحاكي هكذا لتشين مو. هناك، علاوة على ذلك، تفصيل آخر أحتفظ به لنفسي ويهمني أكثر بكثير. لأن البرق، وفقاً للدليل الذي ترجمته بنفسي، هو عنصر متقدم.

والعناصر المتقدمة لا يُحصل عليها بالتمني، بل يُحصل عليها بدمج النواة، ولا يمكن فعل ذلك إلا في خطوة تكوين لم تكن المعلمة مو قد بلغتها بعد، حسب ما يخبرني به تشين مو، في لحظة دخولها الشظية السماوية. مما يعني أنها لا تتعامل مع البرق لامتلاكها نواة برق، بل تتعامل معه لأن التقنيات التي أخرجتها من هناك قادرة على فعل شيء، من المفترض أنه يحتاج إلى نواة، دون نواة، مما يزيد شكوك حول تقنية الرمل، وهي عنصر متقدم آخر.

وهذا، إن توقفت للتفكير فيه، أكثر إثارة للاهتمام بكثير من اللقب.

أخبرني تشين مو: "لقد صمتّ كثيراً".

أرفع بصري فأجده يراقبني برأسه المائل قليلاً.

أجبته، وهو صدق حرفي: "كنت أحاول تركيب المرأة التي عرفتها بالتي تصفها لي. وحتى الآن أجد صعوبة في ذلك".

أخبرني: "يحدث ذلك لكثير من الناس".

أخبرته: "لهذا السبب بالتحديد هناك شيء لا أزال لا أفهمه. وهو الآتي. إن كانت المعلمة مو كل ما أخبرتني به، إن كانت في تلك القائمة ولها ذلك الاسم وذلك اللقب، فما اللعنة التي كانت تفعلها في مكان مثل الإمبراطورية؟"

وأدرك أنني أشرت بطريقة محتقرة إلى المكان الذي عشت فيه لثلاثة عشر عاماً، لكن في هذه النقطة من اليوم لا أهتم كثيراً حقاً.

وأضافت: "لأننا، مع كامل الاحترام لوطني، في حافة العالم. لا يوجد هنا تشي، ولا توجد موارد ولا يوجد ما قد يريده شخص بمثل هذا المستوى".

أجابني تشين مو فوراً: "هنا أنت مخطئ. يوجد شيء ما بالفعل".

سألته: "ما هو؟"

أخبرني: "كنوز السماء والأرض".

وينحني إلى الأمام قليلاً.

وتابع: "تقضي مو فاي جزءاً كبيراً من وقتها في السفر حول العالم بحثاً عنها. وليس نزوة، بل لأنها تحتاج إليها لإكمال الاندماج السماوي للنواة. والأماكن النائية، لتكونها نائية وتحديداً لعدم وجود أحد بمستوى كافٍ لبلوغها، هي حيث يبقى بين الحين والآخر شيء سُرق في القارة المركزية قبل ألف عام".

وهذا، عليّ الاعتراف، يكتسب كل معاني الصواب في العالم.

وأضاف تشين مو، ويظهر أن هذا الجزء يعجبه: "وهنا يأتي الجزء الممتلئ بالطرافة. لأن البرق عرضت عليها كنوزاً. مرات عديدة ومن الجيدة، من تلك التي لا يراها أحد منا طوال حياته".

سألته: "وماذا؟"

أجابني: "أنها رفضتها كلها. كلها، دون استثناء، بينما كانت تزريها ناعتة إياها بالمتوسطة".

يرفع يديه في حركة استسلام مطلق.

ويوضح لي: "كلماتها، وليست كلماتي. تقول إنها لن تجري الاندماج إلا بكنوز تراها مثالية، وحتى تظهر تلك التي تراها كذلك، ستستمر في الانتظار".

يترك يديه تسقطان على ركبتيه مجدداً.

وتابع: "وقد انتظرت طويلاً لدرجة أنها ركدت. لدرجة أنها، في الواقع، تراجعت في الترتيب، لأنها وصلت في يومها إلى المركز الثالث".

وهناك أرفع حاجباي حقاً.

أعدت: "الثالث؟"

أكد لي: "الثالث. والآن هي السابعة. وإن استمرت هكذا، فستكون في غضون بضع سنوات العاشرة، ومن ثم لن تكون هناك بعد الآن".

يقولها بنبرة تشبه الندم كثيراً، وأدرك أن تشين مو، في أعماقه، يقف إلى جانب البرق في هذا النقاش، وأنا، لدهشتي الخاصة، لا أفعل. لأنني أملك، رغم أنه لا يعلم، بعض الأوراق التي ترجمتها عن المصرية والتي تقول بكل وضوح ما يفعله الاندماج السماوي للنواة بالمكوّن. إن الكنز الذي تستخدمه في تلك اللحظة ليس مكوناً ينفد، بل هو ما سيحدد تشي الخاص بك، وجسدك وكل ما تصبح عليه لاحقاً.

وأن تلك هي اللحظة التي تقرر فيها أي نوع من المكونين ستكون لبقية حياة قد تدوم لألفيات، إن كانت الشكوك حول العالم السماوي بعد الصعود صحيحة. وقرار كهذا لا يُتخذ عجلَة لأن أحدهم قلق بشأن المكان الذي تشغله في قائمة.

قلت: "حسناً، أنا أؤيدها".

يرفع تشين مو بصره.

تابعت: "أقولها بجدية. الاندماج السماوي للنواة ليس مرحلة عادية، إنه القرار الذي سيشترط بشكل مطلق كل ما قد تفعله من تلك اللحظة فصاعداً. وإن عرضوا عليها ما لا يقنعها، فقبوله لئلا تتخلف سيكون تخريباً لتكوينها الخاص إلى الأبد".

أنقر ظفر إصبعي على حافة الإناء بخفة.

وأضفت: "وتخريباً له، علاوة على ذلك، من أجل البقاء في قائمة. قائمة، حسب ما أخبرتني، لا فائدة منها على الإطلاق سوى التفاخر بالتواجد فيها".

ثم أنظر إليه مباشرة، لأنني أريد أن أرى الوجه الذي يصنعه.

وسألته: "أم أنني مخطئ؟ أخبرني بإخلاص. هل يتقاضى الأشخاص في مرتبة التنانين السماوية مالاً؟ هل يُمنحون موارد، هل تُفتح لهم مرافق، هل يُهادَوْن كنوزاً؟ هل من فائدة حقيقية للتواجد هناك؟"

يفتح تشين مو فمه، يغلقه مجدداً، ثم يمرر يده على رأسه، من جبهته إلى مؤخرة عنقه، في حركة تعني في أي لغة في الكون الشيء ذاته تماماً.

أخبرني أخيراً: "يمنح الكثير من الهيبة".

قلت: "صحيح".

أصرّ: "هيبة هائلة. التواجد في تلك القائمة يجعل الجميع يعرفون من أنت".

أعدت: "صحيح".

وأتنهد بكل إخلاص أستطيعه، تنهيدة قصيرة من الأنف تخرج قبل أن يتسنى لي تقييم ما إذا كانت وقاحة أم لا.

قلت: "إذن حسناً، لا تنفع إلا للتفاخر، تماماً ما كنت أتخيله".

وتشين مو، وله الفضل الأبدي في ذلك، لا ينزعج ولا يجادل، بل يقهقه بين أسنانه، يحرك رأسه ولا يقول شيئاً على الإطلاق، وهي الطريقة الأكثر أناقة لمنح أحدهم النقطة. وبعد ذلك يحل صمت. ليس صُمتاً مزعجاً، بل هو من ذلك النوع الذي يظهر حين ينتهي شخصان من موضوع ولا يكون أي منهما في عجلة لبدء آخر، ويمتد بالقدر الكافي ليصلني طقطقة النار، وصوت شيا وهي ترتب القدور، وبعيداً جداً، همهمة أحد الخيول.

لكنني في النهاية من يكسره.

أخبرته: "سأطرح عليك سؤالاً أخيرً. وهذا عملي بحت".

قال لي: "تفضّل".

سألته: "كيف سيكون المسار؟ لأنني أمضيت اليوم كله محشوراً في عربة دون أدنى فكرة عما إذا كنا نتجه إلى مكان، أبعد من حقيقة أنه بعيد عن الإامبراطورية".

وهناك يتغير تشين مو. إنه تغير طفيف لكنه واضح جداً، لأن مسحة الحديث بعد العشاء تغادر صوته ويدخل في نبرة أصلب، نبرة من يتحدث عن عمله. وعلاوة على ذلك، وعند قيامه بذلك، يرفع صوته قليلاً ويلتف برأسه بالقدر الكافي ليشمل ليانروا وشيا أيضاً، لأنه من الواضح أن هذا يخصنا نحن الثلاثة.

قال: "سنسافر براً حتى مدينة زيبو. إنه الجزء الشاق من الرحلة ولن أكذب عليكم، إذ يوجد عدد غير قليل من الأيام مثل يوم اليوم، رغم أننا سنمضي ابتداءً من الغد بوتيرة طبيعية وننام في النزل".

يتوقف مؤقتاً.

وتابع: "وفي زيبو ينتظرنا قارب. ومن هناك يكون باقي المسار نهرياً حتى سانجيانغ، وهي أخبار ممتازة للجميع، إذ إن القارب، بكل المعايير، أكثر راحة بكثير من بعض العربات".

وهذا، بعد اثنتي عشرة ساعة داخل إحداها، يبدو لي أجمل وعد قطعه لي أحد منذ مدة طويلة.

أخبرته: "تابع من فضلك".

واستطرد: "سانجيانغ، وكما يوضح اسمها، هي تقاطع ثلاثة أنهار. وهذا ما يجعلها مركزاً تجارياً مهماً إلى حد ما للمنطقة بأسرها، لأن كل ما ينزل عبر أي من الثلاثة لابد أن يمر من هناك دون إخفاق".

يرفع كتفيه.

وختم: "ولهذا السبب يمتلك البرج فرعاً فيها. ليس الأكبر لدينا، ولا بيقرب من ذلك، لكنه الفرع الموجود في هذا الجانب من العالم لأنه المنطقة الأفضل لوضعه".

أومئ ببطء بينما أضع عقلياً كل قطعة في مكانها الصحيح، وأدرك أنني، وللمرة الأولى منذ غادرت جناحي محشوراً داخل عربة ملابس متسخة، أملك مساراً. ليست بالأمر العظيم. إنه خط أرض، ونقطة تُדعى زيبو، وخط ماء ونقطة تُدعى سانجيانغ، لكنه أكثر بكثير مما ملكت صباح اليوم. ثم أدرك أمراً آخر، وهو أن الوقت قد مضى منذ أن فرغت الإناؤ كله، وأن شيا قد أنهت نصف ترتيب النار، وأنني كنت أسلّي الرجل الذي يقود هذه القافلة بأسئلتي.

قلت له: "تشين مو. شكراً جزيلاً لإجاباتك".

أجابني فوراً: "لم يكن الأمر بهذه الأهمية. وأنا أشكرك على محادثتي، فبعد يوم كاليوم يفيد ذلك في قضاء الوقت".

لكن ينظر بعد ذلك نحو العربات، ويظهر أن لديه نصف أفكاره هناك الآن.

وأضاف: "مع أن عليّ الآن الذهاب للإشراف على الاستعدادات للمبيت. ينبغي توزيع الحراسات وتسكينكم أنتم الثلاثة".

قلت له فوراً: "حسناً، اذهب إذن. ولا تعتذر مجدداً من فضلك. هذا أهم بكثير من حفنة أسئلة يمكنني، علاوة على ذلك، طرحها في أي وقت آخر لأننا، حسب ما أرى، نملك أشهراً أمامنا".

يبتسم تشين مو، يجمع إناءه من الأرض ويقف بصرير ركبتين لا ينبغي أن يكون لرجل في تكوين النوى العنصرية أيّ حاجة له على الإطلاق، والذي أظنه يفعله عمداً من باب العادة الخالصة.

قال لي بميل برأسه: "استرح".

وأبقى حيث أنا، وظهري مستند على أسلاك العجلة والبطانية تحتها، مراقباً كيف يعبر الفسحة، وينتصب في المنتصف ويبدأ في توزيع التعليمات. إنه المشهد الأكثر مللاً في العالم وهو يهدئني بشكل هائل، لأن الأشخاص الذين ينظمون أنفسهم هكذا في وسط العدم في أي يوم ثلاثاء هم أشخاص يعرفون ما يفعلونه. ومع هذا الهدوء في الخلفية، أترك أخيراً وحدي مع ما أردت فعله منذ مدة، وهو محاولة دمج صورة امرأتين في صورة واحدة.

من جهة أملك صورتي، صورة امرأة ضربت بمروحتها كتفها بإيقاع لا أزال قادراً على إعادة إنتاجه من الذاكرة والتي قررت يوماً إعطائي قرطين ارتديتهما اليوم مجدداً وأنا أعلم أنهما لم يعودا يعملان. المرأة التي نظرت في وجهي حين كذبت بشأن اللاتينية والتي قررت، لأسباب لا أزال لا أفهمها تماماً، ألا تصر. ومن جهة أخرى أملك تلك التي وصفها لي تشين مو للتو. مو فاي، البرق السماوي، السابعة في مرتبة التنانين السماوية، الناجية الوحيدة من شظية سماوية بلعت كل من كان قريباً وأعادتها بعد عام وهي تتقن البرق كأنها ملك الآهة.

شخصية تبدو كأسطورة، تماماً النوع من الأسماء الذي يُقال بصوت منخفض. وهناك، بينما أنظر إلى الاثنتين، كل واحدة في جانب من رأسي، أسأل نفسي أخيراً السؤال الذي دار في رأسي مدة لا بأس بها. لماذا؟ امرأة كهذه يمكن أن تكون في أي مكان في العالم، ويمكنها حتى أن تكون في القارة المركزية، في قاعة مليئة بالعباقرة وتلقي عليهم دروساً أساسية ستربح بها بالتأكيد ثروة. وبدلاً من ذلك، أمضت أربعة أشهر في الذهاب إلى قصر إمبراطورية لم يسمع به أحد لتصحيح ضربات فتاة في العاشرة لم تستطع المشي.

مقابل أجر، بالطبع. وبكثير منه. لكن بأجر أقل بكثير، أظن، مما كانت ستكلفه ساعة واحدة من وقتها لأي شخص في القارة المركزية. لكنني بدأت للتو طريقاً سيأخذني يوماً ما إلى القارة المركزية، وهناك ربما تتقاطع طرقنا، كما أخبرتني حين ودعتني. وحينها سيكون بمكاني أن أسألها لماذا فعلت ذلك.