داو اللغة الفصل 7

اقرأ داو اللغة الفصل 7 باللغة العربية على مانجا تايم.

يُقاطع صوت خطوات وانفتاح باب غرفة النوم نومي. أتبين وسط ضوء القمر المتسلل عبر النافذة طيفاً يقترب من مهدي. تفتح عيناي اللتان يغشاهما النوم تدريجياً لأرى أبي، المَلِك، يتقدم نحو مهدي ويقف بجانبه ناظراً إلي بصمت.

قال أحدهم للمَلِك مع أني لا أستطيع رؤية المتحدث لحجب أبي الرؤية عني حيث أرقُد: "يا مولاي، لا ينبغي لك أن تكون هنا. إن عُلم بأمر مجيئك مع الضجة التي أحدثتها في المرافل، فلن يجر ذلك سوى المتاعب على ابنتك".

رد أبي وما زال ناظراً إلي: "أعلم، لكن الآن وقد ذهب الجميع للاحتفال، هذه أفضل فرصة ستحظى بها لفترة طويلة. هل تفقدت المحيط؟".

أجاب الشخص المجهول: "نعم. إما أن الجميع نائمون أو أننا أنمناهم. لن يعرف أحد أن أحداً دخل".

رد أبي محولاً نظره إلى جانب من الغرفة حيث يبدو أنه ينظر إلى الغريب: "حسنًا. اخرج ودُور الآن. أُريد أن أكون وحدي مع ابنتي".

أسمع باباً يُغلق، ويعود أبي ليقيم النظر في. أراه بعد لحظة ينحني ويرفعني من المهدي بعناية.

أحدق فيه وهو يبدأ بالكلام: "أخبروني، ورغم أني رأيت ذلك بنفسي في المرافل، الا أنني ظننت الأمر مبالغة. أنت حقاً أهدأ رضيعة عرفتها".

أُفكر: اللعين. رغم محاولتي التظاهر بكوني رضيعة عبر التذمر والبكاء قليلاً بين الحين والآخر، يبدو أنني قصرت، وفوق هذا فات أوان تصحيح الأمر. إن شرعت في إبداء الانزعاج بشكل أكبر الآن فسيكون الأمر أغرب. حاملًا إيَّاي، يمشي أبي إلى كرسي قريب ويجلس مهدهداً إيَّاي برفق.

بدأ يخاطبني بنبرة خافتة: "وين الصغيرة. منذ أن علمت بمولدك وأنا أتوق إلى اللحظة التي أستطيع فيها حملك بين ذراعي. لدي أبناء كثر، نعم، لكنك ابنتي الوحيدة. والسموات تعلم أني حاولت، اثنان وعشرون ابناً في أربعين عاماً وابنة واحدة فقط".

يفاجئني ما يقوله. أربعون عاماً، كم عمره؟ يبدو في أهله، لكن إن كان ما يقوله صحيحاً ووُلد ابنه الأكبر حين كان، لنقل في الخامسة عشرة، نظراً لأن الناس في العصور القديمة اعتادوا الزواج مبكراً، فسيكون في الخامسة والخمسين على الأقل. إما هذا، أو أنه كان أزحم من أرنب في موسم التزاوج حتى مع وجود دستة من المحظيات. تسيل كلماته كألحان هادئة في ظلام الغرفة وهو يمهدني.

يتابع مشيراً إلى عجزي على ما أظن: "رغم أن السموات لعبت خدعة قاسية علينا نحن الاثنين، علي وعليك".

يتنهد أخيراً: "خصوصا عليك. خصوصا عليك".

تصبح الغرفة التي بالكاد يضيئها ضوء القمر المترشح عبر النافذة عالمنا الصغير. عالماً تبدو فيه مسؤوليات المَلِك وكأنها تتلاشى، ولا تترك سوى أب يبدو مهتماً بابنته بصدق. في محاولة لكسر التوتر الجاثم في الجو، أمد يدي وأجذب لحية أبي بينما أشرغ بالثرثرة. أرجو فقط ألا يبدو الأمر غريباً للغاية في نظره. يفاجئه فعلي ويبتسم قليلاً، قابضاً على يدي بنية واضحة تجعلني أفلت لححيته وأقبض على إحدى أصابعه بدلاً من ذلك، لذا أسهل الأمر وأتعلق بأحد أصابعه.

يعترف متنهداً وكأن الكلمات تثقل كاهله، بينما أرى وميض غضب يعبر عينيه وهو يتابع: "أعلم أن الطريق أمامي سيكون صعباً. ثمة ناس تحدثوا ضدك بالفعل. حتى إن بعضهم اقترح أنك وصمة على عار العائلة وأنه سيكون أفضل لو تعرضت لحادث".

جمدتني صدمة كلماته للحظة حين سمعت ذلك، لكن تذكراً مني بأنه مفترض بي ألا أكون قادرة على فهم ما يقوله، واصلت كأن شيئاً لم يكن، متعلقة بإصبعه بينما بدأ خيط من الخوف ينمو داخلي، مذكراً إياي بالقسوة التي تملك بعض العائلات الصينية القديمة، أو حتى الحديثة، القدرة على إنزالها، خصوصاً لإصلاح سمعة يظنون أنها تدنست.

يتابع: "اللقب الذي منحته لك والمكان الجديد الذي ستعيشين فيه سيحميانك الآن. وشيء آخر قد يحميك هو أنهم لن يعتبروا فتاة عاجزة خطراً على أحد، ولعلها الحسنة الوحيدة التي يمكن جنيها من أمر سيء كهذا".

أسمع بغتة طقتين على الباب ويدير أبي رأسه نحوه.

يقول ناهضاً ومقترباً من المهدي: "أظن أن الوقت حان لأذهب".

يقبل جبلتي فور وصوله ويحرر إصبعه من يدي. أشرع في الأنين والتذمر لفقدانه، ففي النهاية يجب الحفاظ على التمثيلية.

"نامي الآن، وين الصغيرة. الغد يوم آخر، وسيقظونك مبكراً ليأخذوك إلى منزلك الجديد".

يضعني بعد هذه الكلمات في مهدي ويغطيني، متفادياً محاولاتي القبض على يديه، بينما أجاهد لأكتشف كيف أحافظ على التمثيلية، إذ إن البكاء بصوت عالٍ سيبدو أشبه بتدنيس للمقدسات نظراً للجو واللحظة. يستقيم بعد تغطيتي ويدير وجهه نحو الباب ليغادر. يقع ضوء القمر أثناء ابتعاده على طيفه عبر النافذة، مرسماً حدود رجل يحمل وزناً لإمبراطورية على كتفيه، لكنه يبدو في هذه اللحظة أبّاً لا مَلِكاً.

ورغم أن كلماته عن الرغبين في موتي ما زالت ترعبني، أظن أن امتلاك أب محب بقوة مَلِك يمكن أن يكون درعاً فعالاً إلى حد ما، في الوقت الحالي على الأقل. أسمع الباب يُغلق خلفه، وأقلب الأمور مراراً وتكراراً في رأسي، ما قال، وضعي، وما يمكنني فعله، دون الوصول إلى أي نتيجة وسط سكون الليل وتأملي لخطوط الغرفة التي يرتسم ظلها بضوء القمر المنساب من النافذة. وأستمر هكذا إلى أن يقرر جسدي الرضيع أن ما حدث يكفي فأخلد إلى النوم.

يوقظني ضجيج غريب في الغرفة، وأحين أستعيد وعيي تماماً، ألاحظ أن النهار قد طلع بالفعل. وبينما أتذكر بانزعاج حديث الليلة الماضية، أباً يفرغ ما في جعبته لابنته معتقداً أنها لا تفهم كلمة مما يوله، أتطلع عبر الفجوة الضيقة في سريري إلى ما يمكنني رؤيته. ومن خلالها أرى رونُو ليانوا وهي تأمر خادمتين بتعبئة كل شيء في غرفتي. تمر إحداهما بجانب سريري فتلاحظ أنني مستيقظة وأتأملها.

قالت الخادمة لرونُو ليانوا: "رونُو، لقد استيقظت تشاوهوان وين".

وأشعر أن جسدي الصغير قد خانني أثناء نومي، فأشرع في التأنين بينما تقترب رونُو ليانوا وتملني متمسكة بالتمثيل.

قالت للخادمتين بعدما تفقدت سبب تذمري: "استمررن في تعبئة كل شيء، بما في ذلك السرير. وإن عجزتن، فاطلبن من إحدى حارسات الني وي في الخارج حمله. وإن اعترضن، فأخبرنهن أن تشاوهوان وين لا تنام إلا إذا وضعناها فيه".

أريد الاحتجاج على الكذب الصارخ الذي تفوهت به للتو والذي يلطخ شرفي، لكنني أشك في أن ثرثرتي ستنقل ما أشعر به. وبعد أن غيرت ملابسي على طاولة قريبة بدت مؤقتاً بمنجاة عن أعمال النهب الجاري تنفيذها في الغرفة، حملتني متجهة نحو جناح أمي. وفي الطريق أرى الممرات مكتظة بالخادمتين، وهن يحملن صناديق تحتاج إلى شخصين لتحريكها بسبب حجمها الضخم، مع أنه بالنظر إلى سهولة حملهن لها، لا تبدو ثقيلة الوزن.

وأخيراً نصل إلى غرفة أمي حيث تتحدث مع فاي يي لينغشي. ولدهشتي أراها قد أفرغت تماماً بالفعل، حتى السرير لم يتبقَ منه شيء.

كانت فاي يي لينغشي تقول لأمي: "أمتأكدة أنت من هذا يا فوريين؟ إن أفرغنا القصر برمته، ستتذمر باقي المحظيات".

أجابت أمي بتعابير حادة: "ليتذمرن قدر ما شئن. كن يعذبنني لسنوات، منذ أن اختارني جلالة الملك محظية له المفضلة. ومنذ أن علمن بحالة وين، لم يتوقفن عن التدبير لنبذنا معاً، زاعمات أنها ملعونة وستجلب الخراب للإمبراطورية. لن أترك لهن حتى الغبار لينهبنه بعد رحيلنا".

ومع سماع أمي، وتذكر ما قوله أبي عن الساعين لتعرضي لحادث، يعود خوف الليلة الماضية ليذكرني بأنني في بلاط إمبراطوري، وأن حكايات القسوة المروية عبر تاريخ الصين قد لا تكون بعيدة عن الواقع في هذا العالم. تقترب رونُو ليانوا من أمي التي تلتفت نحونا.

قالت أمي وهي تأخذني من ذراعيها: "أعطني إياها. سأحملها بنفسي اليوم".

ونظرت إلى فاي يي لينغشي قائلة: "الحاشية التي أرسلها الإمالك تنتظر منذ فترة، لذا سنرحل. لينغشي، أنت المسؤولة. وإن حاول أحد إثارة المتاعب، فأبلغي قائدة الحرس. إنها متوترة بما فيه الكفاية بسبب الوضع لتتسامح مع من يصعب مهمتها. ستتعامل هي مع مَن يفتعل المشكلات".

وبهذه الكلمات تخطت الباب دون تردد حاملة إياي، وتبعتها رونُو ليانوا بعجلة. وما إن بلغنا الفناء الخارجي حتى أصيبت بذهول تام. فدزينة من الحارسات، اللواتي يُدعين بالني وي كما أفترض بناء على أحاديث رونُو ليانوا وأمي، كن ينتظرن تماماً كما فعلن حين غادرنا لحفل مان يي. بل وكان هناك المزيد منهن يصففن الفناء ويشكلن ممراً نحو بوابة الخروج، مانعات أي شخص من الاقتراب أو عرقلة مغادرتنا.

والحاجة إلى ذلك جلية واضحة. فحشد حقيقي يملأ الفناء، وكله هناك لمراقبتنا ونحن نغادر، ولا أملك إلا أن ألاحظ أننا نبدو كشاهير على السجادة الحمراء في مناسبة ما. أو ربما، مع فكرة أكثر سوداوية ولدت من نقاشات التخلص مني، كمجرمين يُقتادون إلى المشنقة. وبعد نزول درجات البيت، تتخذ الحارسات مواضعهن حول أمي ورونُو ليانوا اللتين تستمران في المشي نحو الخروج بمواكبتهن. وخلال تقدمنا عبر ممر الحرس أتلف حول لي ألاحظ أن بين حشد النساء في الفناء أطفالاً وشباباً عديدين.

وبالنظر إلى مكان تواجدنا، لا أستطيع إلا أن أفكر في أن أولئك الذين يرتدون الملابس الأكثر فخامة هم على الأرجح إخوتي غير الأشقاء. ومع اثنين وعشرين أخاً غير شقيق، حسب قول أبي، كان حتمياً وجود بعضهم هنا. ولحسن الحظ نمر عبر الباب دون أن يحاول أحد اغتيالي، أو بالأحرى، دون أن يصرخ أحد بأنني انهيار الإمبراطورية أو مصدر كل شرور العالم. أظن أن مرأى هذا العدد الكبير من الحرس كافٍ لثني أي شخص عن ارتكاب أي حماقة خشية أن يفقد رأسه.

وفور خروجنا من البوابة الرئيسية للفناء الداخلي، تنضم اثنتا عشرة حارسة من الرجال إلى الحاشية، مضيفات حماية أكبر للرحلة. وهذا يشرع في إخافتي قليلاً. وبصراحة، بعد زيارة الليلة الماضية، من الواضح أن أبي في وضع حماية مفرطة تماماً، لكن أربعة وعشرين جندياً من الواضح أنهم ليسوا هناك لمجرد مراسم مثل حفل مان يي بل مسلحين ومستعدين للقتال قد يكون أمراً مبالغاً فيه بعض الشيء، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أننا داخل القصر وفي وضح النهار.

نتبع ذات المسارات التي سلكناها ليلة أمس تحت نظرات الفضول والدهشة ممن نمر بهم، وأغلبهم من المسؤولين الإمبراطوريين إن استطعت الحكم من طراز ملابسهم، إلى أن نصل بعد حين إلى مدخل القصر الداخلي. هذه المرة البوابة مفتوحة والحرس يسمحون لنا بالمرور مجرد إيماءة. وأرى أمامي الدرج العظيم المؤدي إلى قاعة العرش، لكننا هذه المرة ننعطف يميناً وندخل مساراً يعبر نوعاً من الحدائق.

وبينما نخترقها ألاحظ أن الحديقة جديرة بالظهور في فيلم تاريخي ذي ميزانية ضخمة. لا ينقصها شيء من الجماليات الصينية. فالمقاصف والأجراف والحدائق المنسقة بعناية تحيط بنا، وأتنهد بحسرة: لو أن وضعي الحالي كان مختلفاً، لوددت ضياعي فيها. نعبر الحديقة ونصل إلى ما يبدو بوضوح قصراً. نمر عبر البوات إلى الفناء الداخلي، وألاحظ أن الحراس الرجال لا يتبعوننا إلى ما بعد المدخل. وأفترض أننا وصلنا إلى جناح عطر الغيوم، وهو ما سماه أبي بالمسكن الذي منحنا إياه في الحفل.

تتوقف أمي في وسط الفناء وتتنهد، كأنها تلقي عن كاهلها توتراً لم يظهر على محياها حتى الآن. نعبر الفناء وتدخل كل من أمي ورونُو ليانوا المنزل، حيث نجد أنه مفروش بالفعل. وإن كان المنزل السابق قد بدا لي فخخاً، فهذا يفوق كل التصورات.

قالت رونُو ليانوا: "تشياو فاي شيانغ، لا أظن أننا كنا بحاجة لإحضار كل شيء من المنزل الآخر".

أجابت أمي: "لا يعنيني الأمر البتة. لن أترك شيئاً لتلك الضباع"، مما جعل رونُو ليانوا تنكمش من طريقة إشارتها إلى المحظيات الأخر.

وقالت لرونُو ليانوا وهي تمدني لتأخذني: "ابحثي عن غرفة وين. يحتاج إلى التحدث مع مسؤولة الني شيوي لهذا الجناح لتشرح كيف ستسير الأمور هنا".

أخذتني رونُو ليانوا دون كلمة أخرى وشرعت في شق طريقها عبر المنزل، متفحصة كل غرفة. فالترف في كل منها يخزي أي شيء رأيته يوماً في ذلك البرنامج التلفزيوني عن المنازل الأكثر بذخاً في العالم، إلى أن نصل أخيراً إلى غرفة تضم سریراً بحجم ضخم ومحملاً بالحلي والجواهر لدرجة تثير قشعريرتي. وعندما نقترب وتهمّ رونُو ليانوا بوضعي فيه، أجعل كذبتها السابقة حقيقة وأشرع في التذمر والبكاء لكيلا تضعني في ذلك المسخ.

وتتراجع رونُو ليانوا للوراء مندهشة، وحين ترى أنني أتوقف عن العويل فور ابتعادها، تطلق ضحكة مكتومة وتجلس على كرسي قريب، وهي تهزني.

وقالت لي وهي ترجني: "الأقدار غريبة أحياناً، أليس كذلك، تشاوهوان وين؟ أظن أننا سنضطر حقاً لانتظار إحضار سريرك".

أشعر بالارتياح لأن رونُو ليانوا عادت تبدو كسيرتها الأولى الآن وقد تجاوزنا بأسرنا أمر حفل مان يي بأكمله. وبينما تهزني، أدع النوم يستحوذ علي. يبدو أن الانتقال سيستغرق وقتاً، وأفضل ألا أكون مستيقظة وضجرة في الانتظار. وكما فكرت من قبل، فإن من قال إن الطفولة هي أفضل وقت في حياتك لم يكن قط رضيعاً.