داو اللغة الفصل 24

اقرأ داو اللغة الفصل 24 باللغة العربية على مانجا تايم.

أجلس على كرسِيّ المتحرّك القديم، وأراقب الوصيفات بتوجيه من فاي يي لينغشي وَهْنَّ يشحنّ عدّة صناديق بما تبقّى من أمتعتنا على عربات صغار تنتظر خارج الباحة. وما إن تمتلئ، حتى ينقلها عدد من الخدم حيث أظنّ أن العربات التي سترافقنا مع أمتعتنا إلى منفانا تنتظر. فيما أراقب الحركة ولا شأن لي سواه، يرتدّ عقدي إلى يوم المحاكمة، وكيف كانت في النهاية مخيبة للآمال إلى حدّ ما.

في ذلك اليوم تخيّل جزء صغير مني محاكمة تشبه ما في ألعاب المحاماة، رغم علمي بأنّ أمراً كهذا مستحيل تماماً. لكن الواقع تمثّل في أننا لسنا في محاكمة، بل في عرض مسرحي يعرف فيه الجميع دوره وما ينبغي له قوله وفعلة. لم أنبس ببنت شفة، إذ أمرتني والدتي بألا أتكلم قبل بدء المحاكمة، وبأنها ستتولى الكلام بأسره. ومثلما جرى في محاكمة ما حدث لأخي غير الشقيق، أخبر أبي كبير الخصيان تايجيان لي مينغ بأنه سيشرف على الأمر، ثم تلا التهم.

وتحدثت والدتي فأعلنت ذنبنا مع إيراد محاولة اغتيالي سبباً مخففاً. ثم وزن أبي كلماتها وأضاف مخففاته الخاصة، وأصدر أخيراً حكم النفي الذي بدا يسعد تايجيان لي مينغ لسبب غريب، إن توجّب عليّ الحكم من ملامح وجهه. وأثار الحكم تمتمات كثيرة بين أعضاء البلاط الحاضرين. وحسبما سمعت، ظنّ بعضهم أنه عادل وعده آخرون مبالغاً فيه، غير أن ما لفت انتباهي حقاً هو دهشة الجميع من عدم تجريد أبي لنا من ألقابنا.

وبدا ذلك جلياً في المكان الذي تجمّعت فيه المحظيات الأخريات. فرغم أن عدداً منهنّ بدا راضياً، لم تكن أخريات مسرورات بالقدر نفسه، وكانت هناك واحدة بالذات، تلك التي بدت الأكبر سناً، ترمقنا كأننا قتلنا جروها أو ما شابه.

ويسحبني صوت من ذكرياتي حين تقترب ليانحة وتقول: "يا لها من ذريعة يا زاوخوان ون، لقد أرسل جيانغشي جاو ليانغ كرسياً مطابِقاً للذي أهداك إياه يوم ميلادك".

فأسألها مندهشاً: "لا أعتقد أننا طلبنا أي كرسي جديد، أليس كذلك؟"

فتجيب ليانحة: "لا يا زاوخوان ون. وحسب الرسول الذي أتى بالكرسي، طلبه أحدهم لك على وجه الاستعجال".

فأبتسم متخئلاً من طلبه، حتى وإن لم يفعله بنفسه، وأقول لليانحة: "اجعليهم يحمّلونه مباشرة على عربة. وبما أنك هنا، أخرجيني من هذا وليحمّلوهما معاً. سنأخذ هذا كرسي احتياط، ولا طائل من تأخير الأمور بالنظر إلى الوقت الذي تبقّى لدينا".

تومئ ليانحة وترفعني من الكرسي، وتجلسني على مقعد في الباحة، قبل أن تمضي بكرسي المتحرّك نحو فاي يي لينغشي، لنقل تعليماتي على ما أظنّ.

أواصل المراقبة بكسل حين ينتهون من تحميل ما يبدو العربة الأخيرة، فإذ بزوج من المحافات يدخل الباحة مدفوعاً باثنين من ناي وي، وأسمع صوت والدتي خلفي تقول: "يا ون، آن أواننا".

ألتفت برأسي قدر استطاعتي لأرمق والدتي وأقول لها: "إذن فلا نبطئ أكثر. لا يمكننا ترك المنتظرين لمشاهدة العرض يملّون، أليس كذلك؟"

ترفع والدتي حاجبها أمام كلامي الفاضح لكنها لا تفنده. بل تحملني بين ذراعيها وتمضي نحو إحدى المحافات، فتجلسني فيها قبل أن تصعد وتجلس بجواري. وتبدأ المحفة بالحركة، تتبعها الأخرى التي أظنّ أنها تحمل فاي يي لينغشي وليانحة. وتصدق كلماتي حين نرى المجموعات الصغيرة من الناس التي تجمّعت لتراقب مرورنا وهم يهمسون فيما بينهم ويشيرون إلينا بينما نجتاز مسيرة العار الخاصة بنا، وإن كنا نرتدي ملابسنا لحسن الحظ.

وحين أرى كيف تجلس والدتي مستقيمة وفخورة، متجاهلة الحشود بلا تلفظ بحرف، أقرر محاكاتها، ونتابع رحلتنا عبر القصر الإمبراطور بصمت حتى نبلغ الساحة الهائلة الكائنة خلف بوابات القصر الرئيسية مباشرة، والمليئة بناي وي وجين وي، اللذين لا يسمحان لأحد سواهما بدخول الباحة. وحين ندخل الباحة، أبصر نصف دزينة من العربات تجرها خيول ضخمة يوشكون على الانتهاء من تحميل أمتعتنا عليها.

وما من سبيل لأن يملأ ما سُمح لنا بإحضاره كل هذه العربات، لذا أظنّ أن الباقي لابد أنه الأشياء التي سنحتاجها للرحلة. وإلى جانب العربات، توجد عربة مخصّصة جلياً لنقل البشر، تجرها ستة خيول، وتحملنا المحافات حيث تنتظر. وعندما نقترب من العربة، أدرك أبعادها الحقيقية، وهي كبيرة، كبيرة جداً. وليست وحدها فحسب: فرؤيتها عن قرب توضح أن الخيول ضخمة بشكل سخيف ولا بد أن قوامها يبلغ نحو ثلاثة أمتار عند الغارب.

وبينما أرمش بعد تصديق الأبعاد المستحيلة التي أواجهها، تترجل والدتي من المحفة وتحملني، غير آبهة بالحجم السخيف للعربة والخيول. وأدرك سريعاً أنه رغم دهشتي، فمن الواضح أن هذا أمر طبيعي للغاية في هذا العالم بحيث لا يجذب انتباه أحد. وأرى كلّاً من فاي يي لينغشي وليانحة تقتربان حيث نكون، وتنتظرني والدتي وهي حاملة إياي وتلتفت حولها. يضج صدري بالأسئلة، لكني أفضّل التزام الصمت إذ ستكون الرحلة أطول من أن أمطرها بالأسئلة لاحقاً.

ولا يلزمنا الانتظار طويلاً، إذ يقترب حارس ويعرّف عن نفسه بانحناءة: "أيتها الغويفي شيانغ، أنا ناي بايخو ليانغ شو. سأكون مسؤولة عن حمايتك طوال الرحلة ومدة إقامتك في مدينة شيان".

ترمق والدتي الناي بايخو وتسأل: "أين العربة التي ستسافر فيها وصيفاتنا؟"

تبدو الناي بايخو محرجة بعض الشيء وهي تجيب: "أمر تايجيان لي مينغ بألا يؤتى بأي وصيفات. سنتولى تلبية طلباتكم أثناء الرحلة، وحال وصولكم إلى قصر اللوتس السماوي سيتعين عليكم استخدام طاقم الخدمة المقيم هناك".

تضيق والدتي عينيها وتقول للناي بايخو: "لم يُبلغنا أحد بذلك قط".

تجيب الناي بايخو: "وصلنا الأمر بغتة هذا الصباح يا غويفي شيانغ. لقد فاجأنا نحن أيضاً، لكن تلك هي أوامرنا وعلينا الامتثال لها".

يبدأ عرق بالنبض على رأس والدتي وتفتح فمها لتشرع في الاحتجاج، لكني أجبذ كمها لأجعلها ترمقني وأهز رأسي، مما يبدو أنه يهدئها قليلاً.

وبعد تفكير للحظة، تسأل فحسب من بين أسنان مصطكة: "ومتى نتحرك؟"

تبدو الناي بايخو مرتاحة لأن والدتي لا تمضي في الأمر وتجيب بسرعة: "حال صعودكم إلى عربتكم سننطلق يا غويفي شيانغ".

تزفر والدتي بغضب رداً على ذلك ودون إجابة تستدير لتتجه نحو أبواب العربة الضخمة، الكبيرة لدرجة أنها تحتوي على درج للصعود. نصعد، وما إن ندخل حتى لا أملك إلا ملاحظة أنني حظيت بغرف أصغر من جوف هذه العربة. بنظرة خاطفة لا بد أنها تبلغ خمسة أمتار طولاً وثلاثة عرضاً. والجزء الداخلي، وإن لم يكن مترفاً بإفراط، مزخرف ببراعة. رغم أن محتوياته تدهشني، إذ توجد أسرة صغار في الطرفين، وفي المنتصف بضعة أرائك صغار وطاولة، أظنها للجلوس نهاراً.

برؤية كل هذا أتساءل كيف للجحيم أن ينووا تحريك هذا الوحش، لا، دعوني أُعد صياغة الأمر، أتساءل كيف للجحيم أن يتحمل وزنه دون أن يتحطم. أظنها مزيداً من الألغاز لحلها خلال الرحلة. أطلب من والدتي إجلوسي بجاور نافذة، وهو ما تفعله قبل أن تجلس إلى جانبي، مع ليانحة وفاي يي لينغشي على الأريكة المقابلة. وما إن نستقر، حتى يُغلق الباب من الخارج وأسمع الناي بايخو تصرخ بأوامرها للانطلاق.

أراقب كافة أفراد ناي وي في الباحة يتخذون تشكيلات حول عربتنا والعربات، وبعد ذلك تفتح بوابات القصر الهائلة ويبدأ الموكب بالتحرك خروجاً من القصر الإمبراطور. تشرع العربة في التحرك بتمايل لطيف، معلنة لي أننا خلفنا وراءنا باحة القصر الإمبراطور. وحين نقترب من البوابة الهائلة، أول ما ألاحظه هو تغير الرائحة، من عبق القصر الإمبراطور الأكثر تجانساً إلى رائحة أثقل وأكثر تنوعاً لما أظنها مدينة عظيمة.

وأول منظر يقع بصري عليه لدى الخروج من أسوار القصر هو جادة عساء، واسعة ومستقيمة، تحفها مبانٍ مهيبة ذات طراز معماري صيني. وتبرز الأسقف المنحنية ذات الحواف المنحوتة والمزينة بأشكال التنانين والفياز بشكل مهيب، بينما تتزين الواجهات بنقوش معقدة وشرفات من الخشب الداكن. وأرى أيضاً بشراً يرتدون أردية حريرية ذات ألوان نابضة يزاولون مهامهم اليومية، لكنهم جميعاً يكفون عما يفعلونه حين يمر موكبنا.

وجوههم مزيج من الفضول والخوف والاحترام. ينحني بعضهم حين نمر ويتوقف آخرون في مجموعات يهمسون فيما بينهم. من الجلي أن المنطقة الواقعة خارج القصر الإمبراطور مباشرة هي منطقة تجارية راقية. نوافذ المتاجر التي تصطف على الشارع مفعمة بالتوابل الغريبة والحرير الفاخر، وبالتوغل أكثر، خطوط مقدسة مؤطرة، ويشم منقوش، وشتى أنواع المصنوعات التي تعجز مدركاتي عن فهم وظيفتها. يبدو أن نبأ الموكب، الذي يتقدم ببطء عبر المدينة بينما يمهد لنا ناي وي الطريق، قد انتشر في أرجاء المدينة، إذ أرى مزيداً من البشر على جانبي الشارع يراقبوننا بمواقف شتى، بين من ينحني احتراماً لدى رؤيتنا ومن يقف فاغراً فاه أمام العرض بينما يثرثر مع أصحابه.

وحين نواصل التقدم في الشارع، أرى بوضوح أن التمييز الطبقي يمليه القُرب من القصر الإمبراطور. وكلما ابتعدنا عن القصر ورغم كون الشارع الرئيسي للممدينة جلياً، تقل زخرفة المباني وتتوقف المتاجر عن كونها مؤسسات فاخرة لتشرع في تقديم سلع أكثر يومية، مثل الملابس العادية أو الأثاث الأبسط والأكثر عملية. أمر ألاحظه وأنا أتأمل الحشود حولنا هو أن جميع البالغين قد أتمّوا صقل الجلد جلياً.

وحواكم الأحمال التي يحملها بعضهم، يبدو أن صقل العضلات ليس مجهولاً لدى المواطنين العاديين أيضاً، أو على الأقل لمن يقيمون في العاصمة الإمبراطورية. أودّ تحليل أثر أعمال الزراعة هذه بشكل أعمق على الديناميكيات الاجتماعية في الأماكن ذات التعداد السكاني الكبير، لكني عاجز عن فعل الكثير من مقعدي في العربة، لذا سيتعين عليّ الاكتفاء بما أملك حالياً. نواصل التقدم في الطريق الطويل وكلما أصبحت الزخارف أبسط تدريجياً، ندخل منطقة تتنوع فيها الروائح وتكاد تجوعني.

في هذه المنطقة أبصر منشآت عديدة تتضح أنها مطاعم، فضلاً عن عدة بسطات طعام في الشارع، رغم خلوها حالياً لأن الناس منهمكون بمراقبة مرورنا أكثر من الأكل، لكني ألحظ أن الكثيرين ممن هنا يحملون مشروبات بأيديهم رغم الساعة. تمر هذه المنطقة سريعاً وندخل ما أظنها الجزء الأبعد من المدينة، إذ أستطيع تمييز ما يشبه سوراً في الأفق. هذه المدينة واسعة بسخافة، كما يبدو الحال مع كل شيء في هذا العالم.

وهذه المنطقة أكثر ازدحاماً بالبشر، ومن المباني المحيطة بنا، يتضح أنها منطقة سكنية، وإن لم تكن عشوائيات تماماً، ربما منطقة للطبقة الوسطى العليا. فالساكنون، الذين كانوا سيمارسون مهامهم اليومية عادة، أوقفوا أنشطتهم. أرى أطفالاً يركضون للاقتراب قدر الإمكان من الشارع، ووجوههم تتهلل حماسة، بينما تناديهم أمهاتهم باسترعاء عاجل، خوفاً مما قد يحدث لو اقتربوا كثيراً من الموكب الإمبراطور.

بل إن بعض العجائز، وقد خدشت السنون وجوههم، يراقبوننا بتجهم بينما تتابع أعينهم الموكب. وأخيراً، تلوح أسوار المدينة في الأفق بين البيوت، مهيبة ومتينة، وفي المركز البوابة الرئيسية العظيمة، تحفها أبراج المراقبة. وحين نقترب، أرى أن ثمة منطقة فارغة بين السور والبيوت الأولى حيث لا يُسمح بأي بناء. يبدو هذا غريباً لي، إذ عادة ما تكون كل منطقة داخل أسوار المدينة قيّمة بشكل لا يصدق ومطورة تماماً.

نجتاز المنطقة الفارغة العجيبة، وحين نقترب، تدفع الحصون تدريجياً البوابات الخشبية الهائلة المدعمة بالحديد، لتكشف عن مساحة شاسعة من الأراضي الممتدة وراء العاصمة. وحين نعبر عتبة المدينة تحت نظرات الحراس في أبراج المراقبة، يستبد بي شعور غريب بالحرية. أترك خلفي ما يفترض أنها حياة القصر المحمية، لكنها كانت بالنسبة لي مصدراً للمشاكل أكثر من أي شيء آخر. نعبر بوابات المدينة وفوراً ألاحظ التغير في رائحة الأجواء، لتتحول إلى ما يميز الريف أكثر، شيء لم يكن ليوجد في حياتي السابقة إلا في مناطق نائية عن المراكز الحضرية الكبرى.

وبينما أستمتع بتلك الرائحة، نواصل الابتعاد عن المدينة، وما أبصره عبر النافذة هو امتداد لا نهائي من الحقول المزروعة. في الحقول الأقرب أرى ما يبدو قمحاً، لكني ألحظ في مناطق أبعد أنواعاً أخرى من المحاصيل وحتى مناطق تبدو كأشجار مثمرة. والممرات بين الحقول مكتظة بالفلاحين، يجر الكثير منهم عربات يبدو جلياً أنه يستحيل تحريكها، في استعراض آخر لكيفية انتشار الزراعة في هذا العالم، أو على الأقل مرحلتها الأولية.

ولكن بغض النظر عما كانوا يفعلونه، وما إن نمر، حتى يكفّوا جميعاً عن أعمالهم لينحنوا مرورنا. لا هنا همسات ولا مجموعات متجمعة، بل بشر ينحنون صمتاً فيما نمر.

وأخيراً، لا أعود أحتمل بعد التزام الصمت طوال الساعات العديدة التي استغرقناها لمغادرة المدينة، فأخرق الصمت بسؤال والدتي فجأة: "كيف يتبين أن الجميع قد زرعوا؟ أليس ذلك أمراً يقتصر على البلاط أو الطوائف؟"

تكفّ والدتي عن التطلع من النافذة، حيث كانت غارقة في أفكارها، وتأملني باسترخاء قبل أن تلتفت إلى فاي يي لينغشي وتخبرها: "يا لينغشي، أعتقد أن كلتينا خسرت الرهان".

ترد فاي يي لينغشي نظرة والدتي وهي تجيب: "يبدو ذلك يا فورين".

أضيق عيني وأنا أتبادل النظرات بينهما وأسأل: "ما أمر هذا الرهان؟"

ترمقني والدتي مبتسمة وهي تعترف: "راهنت لينغشي حول المدة التي ستستمر فيها صامتاً قبل الشروع في طرح الأسئلة. والحق أن أياً منا لم تظن أنك ستفلح في البقاء هادئاً حتى نخرج من المدينة".

أعقد ذراعي وأرمق الجميع بتعبير تذمر، إذ ألحظ أن ليانحة الخائنة تبتسم بخفوت لكلام والدتي.

وتستمر والدتي مبتسمة متجاهلة تعبير تذمري: "لكني سأجيب عن سؤالك. ليس بالأمر العسير شرحه. تبحث كل من الطائفة والجيش الإمبراطور عن أفراد يتحلون بمستوى معين من الموهبة في الزراعة لاستقطابهم، لذا يُجمع الأطفال الذين أتموا العاشرة مرة كل عام في كل بقاع الإمبراطورية ويخضعون لاختبار لمدى مواهبهم".

ومع شروع والدتي في الشرح، أكفّ عن الحفاظ على تعبير تذمري وأشرع في الإصغاء بانتباه، وهو ما تلحظه والدتي، فتتابع مبتسمة: "من بين أولئك الذين يثبتون امتلاكهم قدراً من الموهبة، تأخذ الطائفة الأكثر موهبة، ويُؤخذون إلى مقرها ليصبحوا مزارعين رسمياً، بينما يُستقطب للجيش من امتلكوا بعض الموهبة لكن ليس بالقدر الكافي لجذب انتباه الطائفة".

تتابع والدتي: "عليك أن تعي أن هذا الاختبار يُجرى لأطفال العامة في الإمبراطورية. تبدأ العائلات النبيلة وتلك ذات المكانة الاجتماعية في تدريب أطفالها في سن الثامنة لاستطاعتها دفع تكاليف تدريب كالذي استخدمه الإمبراطور لمساعدة الأطفال على استشعار تشي، أو لامتلاكها وقت فراغ كافياً لفعل ذلك بلا تدريب، إذ إن العامة ليسوا وحشاً صغيراً مثلك".

ألحظ أنها تقول الشطر الأخير بنبرة فخر، كأنما لتؤكد كم أنا استثنائي، بينما تواصل الكلام: "العامة لا يمتلكون المال الضروري ولا يحظى الأطفال بوقت الفراغ اللازم، إذ يتوجب عليهم مساعدة والديهم أو ارتياد المدارس التي يقدرون عليها، لذا تُجرى الاختبارات في تشكيلات ضخمة تستوعب عشرات الأطفال دفعة واحدة، ويُمنحون فترة زمنية، وتقاس موهبتهم بالمدة التي يستغرقونها لاستشعار تشي. وكلما طال الوقت، قلت الموهبة. ومن يعجزون عن ذلك، وهم الغالبية الساحقة، يُعتبرون بلا موهبة ولا يستقطبهم أحد".

"لكن لماذا سن العاشرة للعامة؟"

أقاطعها سائلاً بعد إصغائي لوالدتي.

"وهل يؤخذ الأطفال هكذا فحسب؟ أليس لعائلاتهم رأي؟"

تتنهد والدتي لسماع الأسئلة التي قاطعتها بها، لكنها تجيب: "سن العاشرة مجرد مسألة مكانة. فهو يمنح أطفال النبلاء أفضلية عامين على العامة، مما يعزز مكانتهم وقوتهم فوقهم، سواء في الطائفة أو الجيش إن قررت عائلاتهم انضمامهم إليه".

يبدو لي الأمر لئيماً بعض الشيء، لكني أكتم لساني وأدع والدتي تتابع: "أما عن كونهم يُؤخذون هكذا فحسب، فسأمنحك النقطة. لكن عليك إدراك أن كون الفرد من عامة الشعب عضواً في الطائفة يعد شرفاً تفاخر به عائلته لأجيال. وإن استقطبوا للجيش، يصبح مستقبل عائلتهم وأنفسهم مؤمناً بالفعل، وربما يعلو ذلك بمكانتهم إن بلغ أبناؤهم رتبة عالية".

لا يزال الأمر لا يبدو صائباً لي، لكني أستوعب المنطق، إلى جانب ضرورة أخذي في الاعتبار أنني في ثقافة ذات طراز صيني تحظى فيها العائلة بأهمية تفوق الأفراد داخلها. ويبدو أن هذا يجيب عن سؤال آخر راودني، رغم شكي المسبق به. فمن الجلي أن جنس الفرد في هذا العالم ليس بأهمية موهبته الزراعية. وأنا متيقن من ديناميكيات البلاط أن العالم، أو هذه الإمبراطورية على الأقل، لا زال ذكورياً.

لكن بمقدور امرأة كسر تلك الديناميكية لأن موهبة الفرد للزراعة تفوق، في أعين الناس، شرط كونهم رجلاً أو امرأة.

لكني لا أستطيع المضي في تأملاتي طويلاً إذ تستأنف والدتي: "أما عن سؤالك الأصلي، فأظن أنك حزرت الإجابة سلفاً. بما أنهم استُهلّوا في الزراعة أثناء الاختبار، يمكنهم مواصلة الأمر بمفردهم".

تكفّ عن رمقي وتلتفت لتتأمل عبر النافذة القلائل من الفلاحين الذين نمر بهم، إذ تصبح الحقول شحيحة تدريجياً كلما ابتعدنا عن المدينة، بينما تواصل شرحها: "لكن لصغر مواهبهم وعلاوة على قدرتهم على الزراعة في وقت فراغهم الضئيل بين عملهم والوقت الواجب تكريسه لعائلاتهم، عادة ما تستغرقهم كل خطوة عدة سنوات".

أستطيع تخيل ما تصفه بسهولة، لكني أترك والدتي تنهي شرحها دون مقاطعة.

تتابع والدتي: "في البداية يكون صقل الجلد سهلاً، لا سيما لقيامهم به وهم صغار وامتلاكهم وقتاً فراغياً أكبر، فضلاً عن كون فوائد إتمامه أغرى دوماً في سنهم. لكن مع تقدمهم في العمر يقل وقت فراغهم كثيراً وتبدأ الأمور في التباطؤ، عدا عن اضطرارهم للتضحية بما يملكونه من وقت فراغ ضئيل لفعله، لذا يتوقف كثيرون بعد تحقيق صقل العضلات. ولا يبلغون هذا الحد إلا لكونهم في أعمالهم، إن لم يمتلكوه، سيظلون أدنى ممن يملكونه".

وتختتم والدتي: "نادرٌ من يبلغ صقل العظام والأوتار، وتلك هي نهاية العامة بالفعل. العامة لا يمتلكون عادة معلومات عن المزايا التي تتجاوز تلك المرحلة، وحتى إن فعلوا، فإن الفوائد المحتملة لصقل الأعصاب لا تكفي بالقدر الذي يجعل بالغاً ذا عائلة يكرس ما قد يكون عقوداً من وقته لبلوغها".

وبعد إتمام شرحها، تتوقف والدتي عن الكلام بينما أراقب نظرتها المليئة بالحزن لأسوار المدينة التي تتقلص صغاراً في الأفق. وتلك الصورة هي ما يحطم نهائياً كافة التشابهات بين عالمي القديم وهذا العالم، فالقراءة عن هيئة العالم شيء، ومعاينة كيفية عدم تلاشي الأشياء في الأفق كالمعتاد بل تقلصها أصغر فأصغر كأننا على خط مستقيم هائل أمر آخر تماماً.