مكثُت هنا وقتاً طويلاً. أدركتُ خلاله أن الزمن يفقد قياسه بالساعات حين تكون في الظلام عاجزاً عن الحركة، ليصير مقاسه عدد الكوارث التي يمكنك تخيلها لرحلتنا عبر القصر الإمبراطورِيّ. لذا، حين تنبهت أخيرًا إلى توقف الخشخشة، لا لأن أحداً يوقفها مؤقتًا، بل بتلك السكونية القاطعة للعمود وهي تستقر على الأرض، أطلقت زفرة ارتياح بينما سمعتُهم يرفعون الغطاء. يتسلل الضوء أولاً عبر حواف القماش، ثم يتدفق فجأة حين تبدأ أيدي بإبعاد الثياب التي تغطي وجهي، فأطرف بعيني مثل خلد، ويلزمني بضع ثوانٍ لأركّز على الظل المنحني فوقي.
إنها ليانهوا، بالطبع. لا أعرف لمن كنتُ أتوقع، في الحقيقة، لكن جزءاً من رأسي أمضى الرحلة كلها مستعداً لاحتمال أن يكون فاتح الغطاء حارساً ذو وجه مندهش.
"تشاوهوان وين"، تحدثت بصوت منخفض وهي تحرر كتفيّ من القماش.
"لقد وصلنا الآن".
"هل يمكنني الخروج؟"
سألتها، وخرجت الكلمات مني بإلحاح يفضحني أكثر مما أود.
"انتظري لحظة، من فضلك"، أجابتني.
"عليّ أنا وشيا تبديل ملابسنا أولاً".
وقبل أن أستطيع الاعتراض، مدت يدها إلى أحد جانبي العربة، وأخذت بضع قطع ثياب من بين تلك المكدسة، واختفت عن مجال رؤيتي الذي يقتصر الآن على مستطيل من السقف ذي عوارض خشبية داكنة وقليل غير ذلك. لذا بقيتُ حيث أنا، مستلقياً على جنبي بين حقيبتي الظهر، أتأمل سقف مكان لم أطأه قط طوال حياتي، وأستمع في مكان ما إلى جهتي اليمنى إلى شخصين يغيران ملابسهما بأقصى سرعة. وحين يظهر وجه ليانهوا مجددًا فوق حافة العربة، لا تردي بزي الوصيفة منخفضة المقام، بل ترتدي الآن لباس سفر عادياً بلون التراب الجاف، وقد جُمع شعرها في كعكة بسيطة بلا دبوس واحد يفوق سعره ما يساوي لأي شخص عادٍ.
وينجح التغيير، فلو تقاطعتُ مع هذه المرأة في شارع لاحتمال أن أرى مجرد مسافرة عادية لا أكثر.
"أعتذر عن التأخير"، قالت لي.
"لا تعتذري"، قلت لها.
"لقد استغرقْتِ وقتاً أقل مما آخذه أنا لأقرر أي ثياب أرتدي في أي صباح".
لا ترد ليانهوا على ذلك، وبدل إخراجي، تنحني إلى داخل العربة وتبدأ بفك الأشرطة التي ثبتت بها حقائب الظهر. تخرج الأولى، وتعلقها على ظهرها وتضبط الأشرطة بشدتين جافتين. وتمرر الثانية إلى شيا التي تظهر أخيراً في مجال رؤيتي مرتديةً ما يشبه ملابس ليانهوا إلى حد ما، بشعر مبعثر وتعبير يأخذ هذا كله بجدية بالغة، وتعلقها بأقل أناقة بكثير ولكن بالحزم نفسه. وبعد ذلك، تأخذ الاثنتان بعض الأقمشة مما تركه العربة وترميانه فوق حقائب الظهر، وتربطانه في المقدمة بطريقة تجعل ما يحملونه على ظهورهم يكف عن يبدو كأمتعة مصنوعة بإتقان، ليغدو شبيهاً بأي رزمة قديمة.
لن يصمد هذا أمام الفحص الدقيق، لكن الفكرة لم تكن يوماً أن يصمد أمام الفحص الدقيق، الفكرة هي ألا يخطر على بال أحد فحصنا. وبينما تشغل الاثنتان نفسيهما بذلك، أصل إلى نتيجة أنني أمضيتُ بالفعل وقتاً أطول مما أردتُ مستلقياً داخل صندوق، فأرفع بصري، وأبحث بين عوارض السقف عن تلك التي تكاد تكون فوقي مباشرة، وأركز عليها وأستخدم مياد الأيدي. أخرج من العربة طافياً في الهواء، بساقين متدليتين وذيل ثياب يرفرف بطريقة لا تجمّل أحداً على الأرجح، وأظل معلقاً في منتصف الارتفاع بينما أسمع شيا تبتلع صرخة مكتومة.
أما ليانهوا، فلا ترمش حتى، بل تكتفي بالاقتراب مني، وحين ألغي التقنية، تلقاني في الهواء وتستقر بي ضد صدرها، ضامةً ذراعاً تحت ركبتي والأخرى على ظهري.
"رغم أنك أكبر سناً الآن ويبدو حملك بين ذراعي بهذه الطريقة مزعجاً، فسيتعين عليك التحمل قليلاً"، قالت لي وهي تعدل وضعيتي.
"ليست هناك أي مشكلة"، أجبُتها.
"صدقني، بعد أمر العربة، يكاد يبدو لي هذا ترفاً".
وحينها أنظر أخيراً حولي لأرى مستودعاً آخر. مربع، برفوف ضد الجدران وبرائحة غبار أتعرف عليها تماماً لأنها الرائحة نفسها التي كانت في المستودع الآخر. لكن هذا ليس نفسه، وألاحظ الفرق فوراً. هنا توجد آثار أقدام على الأرض. ليس كثيراً، وليست حديثة، لكنها موجودة. والصناديق على الرفوف مكدسة بمعيار، وهناك زاوية كنسها أحدهم في لحظة ما خلال السنوات القليلة الماضية، وهناك مكنسة مستندة إلى الجدار لم تكن هناك منذ أزل الآباد.
إنه ليس مكاناً منسياً، بل هو ببساطة مكان قليل الاستخدام، وهذا أمر مختلف وأقل اطمئنانًا بكثير. لكن بينما أشغل نفسي بالتفحص، لا تبقى ليانهوا ساكنة. تعبر المستودع وشيا لاصقة بعقبها، متفادية بضع رفوف لتتوجه مباشرة نحو زاوية، وحين أتمكن من النظر نحو حيث تنظر، أرى على الأرض، محشوراً بين الجدار وقاعدة رف، باباً سرياً. من الحجر، هذه المرة. بلاطة مربعة بنتوءين محفورين على حافاتها، باللون الرمادي المتسخ لكل شيء آخر، لدرجة من التواضع بحيث لو لم تكن تبحث عنه لمررت فوقه دون أن تراه.
وهناك، بصدق، نفد صبري.
"ليانهوا"، قلت لها.
"كم ممراً سرياً يوجد في القصر الإمبراطورِيّ؟"
تنزل بصرها نحوي لحظة، ورغم أن وجهها لا يتغير، إلا أن هناك شيئاً في الوقف التي تقفها قبل الرد يخبرني أن السؤال يُسلّيها.
"لا أحد يعرفها كلها، تشاوهوان وين"، أجابتني.
"ولا حتى الإمبراطور".
"هذه ليست إجابة"، اعترضتُ.
"إنها الوحيدة الموجودة"، قالت لي.
"هذا القصر قائم منذ آلاف السنين، وكل فصيل، وكل محظية أو وزير لديه ما يخفيه، فتح ممراً خاصه. وبما أن أغلبها فُتح خصيصاً لكيلا يعلم بها أحد، حين يموت الشخص الذي أمر بحفرها، يُنسى الممر معه".
تصمت برهة قصيرة.
"في الواقع، يُكتشف ممر جديد من حين لآخر"، أضافت.
"واحد نُسي طويلاً لدرجة أنه لم يعد هناك حي يعلم بوجوده".
وأصمت ثانية، لأن الصورة التي رسمتها لتوها لي هي لبناء تحته مدينة ثانية مصنوعة بالكامل من الأسرار، وهذا يذكرني بسرداب الموت في باريس، أو الفاتيكان. وأيضاً، الحق يُقال، يجعل الأمر أكثر إثارة من منظور مهني بحت، لكن ليانهوا لا تمنحني وقتاً للانغماس، فلحظة إنهاء كلامها تتمركز أمام البلاطة وتنظر إليّ.
"تشاوهوان وين"، قالت لي.
"أيمكنك رفع الباب السري بقبضة التنين؟"
أنظر إلى البلاطة ثم أنظر إليها.
"وزنها يفيق ما أستطيع تحريكه بمياد الأيدي"، تابعتْ قبل أن أسأل.
"ولا يمكنني استخدام قدرتي لأنني أشغلهما بك".
وهناك، ناظراً إلى ذلك الحجر الرمادي والمغبر بين ذراعي المرأة التي تحملني، لا أستطيع منع ابتسامة من الإفلات مني.
"حسناً، انظر إلى ذلك"، قلت بلا رفع صوتي كثيراً.
"يبدو أنني سأكون مفيداً لمرة واحدة".
وبدون انتظار إجابة، أثبت بصري على البلاطة وأركز. قبضة التنين لا تشبه مياد الأيدي أبداً. المياد كأن تملك عشرة أطراف موزعة في الغرفة، خفيفة وسريعة. أما القبضة، فثقيلة وكثيفة، كأن تغلق قبضة لا تملكها حول شيء لا تمسه. لكنني أتخلى عن التشبيهات حين أمدّها، فأجد حواف الحجر، وأشد لأعلى فيرتفع الباب. بلا اهتزاز، بلا صرير، وللحظة، بينما أُبقيه معلقاً بشبر فوق الأرض والمستطيل الأسود للفجوة المفتوحة تحته، أشعر برضا غير متناسب تماماً.
أحركه إلى جانب وأضعه على الأرض حريصاً ألا يصطدم، ومن الفجوة يرتفع هواء بارد برائحة الحجر الرطب، والطمي، وشيء أقدم لا أفلح في تعريفه.
"شيا، انزلي أولاً"، قالت ليانهوا.
"عليّ النزول أخيرة كي يستطيع تشاوهوان وين إغلاق الباب خلفنا".
شيا التي أضاءت المصباح بالفعل دون أن يطلب أحد، تومئ بسرعة بالغة وتجلس على حافة الفجوة، باحثة بقدميها عن درجات لا أراها من هنا، لتجدها وتنزل بمصباح في يد والرزمة على ظهرها حتى لا يبقى منها سوى توهج أصفر يرتفع من الأسفل. بعدها تنزل ليانهوا، وتنزل كما نزلت عبر باب الجناح، مقدرة كل حركة، مديرة جسدها عند الدرجة الأخيرة كيلا يحتك رأسي بحافة الحجر، معوضة وزني في كل خطوة بذلك النوع من الدقة التي لا تُتعلم في أي مكان ولا تظهر إلا حين تقضي اثنتي عشرة سنة حاملاً الشخص نفسه تماماً.
وأنا، ونحن ننزل، لا أرفع عيني عن الباب السري ثانية واحدة. أُبقي قبضَة التنين مشدودة للبلاطة طوال النزول، شاعرًا بوزنها عند الطرف الآخر من تركيزي كمن يمسك حبلاً مشدوداً، ولحظة لمس قدمي ليانهوا القاع، أشد. تزلق الحجر فوق الفجوة وتتطابق بصوت خافت بالكاد يُسمع، ومعه يذهب الضوء الأخير القادم من الأعلى.
"أحسنتَ"، قالت ليانهوا.
"شكراً جزيلاً"، أجبتها ناظراً حولي.
عند النظر أؤكد أننا في ممر ضيق، من حجر مقطوع بإتقان، بأسفل مقعر قليلاً وقشرة باهتة على الجدران بارتفاع يدي أتعرف عليها فوراً كالأثر الذي يتركه الماء حين يقضي قروناً ماراً بالمكان نفسه. والنفق ينفرج في اتجاهين، أمماً وخلفاً، وكلاهما يضيع في ظلام لا يكفي مصباح شيا حتى للتلميح إليه.
"ليانهوا"، قلت.
"ما هذا؟"
"مجرى مياه"، أجابت بلا تردد.
"القصر الإمبراطورِيّ مبني في منطقة منخفضة، وحين يحل موسم الأمطار، لو لم يكن للماء مكان ليذهب إليه لغرقت الساحات والقاعات السفلى في غضون ساعات، ولهذا بُنيت هذه الأنفاق لجمعه وإخراجه من القصر".
ترفع ذقنها نحو السقف، نحو الباب الذي أغلقتُه للتو.
"والباب السري الذي نزلنا منه يُستخدم للصيانة"، أضافت.
"لحين انسداد أحد هذه المقاطع واضطرار أحدهم للدخول لتنظيفه، لكن مر وقت طويل منذ استخدامها لأن هذه الأنفاق، بالوضع الحالي، عديمة الفائدة تماماً".
ليانهوا، بينما تكلمني، رفعت رأسها وبقيت ساكنة بضع ثوانٍ، ناظرة أولاً في اتجاه ثم في الآخر بتركيز معين، وبعدها تنطلق ماشية في الاتجاه المعكس لمكان شيا.
"من هنا"، قالت.
تنتفض شيا، مسرعة للتقدم عبر الفجوة التي يتركها لها الجدار وتتمركز أمامنا والمصباح مرفوع عالياً، ومن هناك فصاعداً ينحصر العالم في دائرة مهتزة من ضوء أصفر يتقدم فوق الحجر. النفق طويل، طويل لدرجة توقفي عن محاولة حساب المسافة بعد التقاطع الثالث، ورتيب لدرجة بدئي بملاحظة تافهات، كتغير طراز مفاصل الحجر عند نقطة محددة، مما يعني أن هذا المقطع حُفر في حقبة تختلف عن السابقة، أو وجود بعض الرموز محفورة على الجدار بارتفاع كوة فارغة من قِبل شخص، من يدري قبل كم سنة، كان ملانًا مثلي.
وفي الخلفية، دائماً، صدى خطوات شيا في الأمام وليانهوا تحتي، متضاعفاً بفعل الحجر حتى ليبدو أننا أربعة، إلى أن ينطح ضوء المصباح شباكاً حديدياً أخيراً. الشباك من قضبان حديدية سميكة، مغروسة في الحجر من أعلى لأسفل ومن جنب لآخر، بباب في المركز مغلق بقفل يبدو بوضوح كأنه هناك منذ ما قبل ولادتي.
"أعتذر، تشاوهوان وين"، قالت لي متوقفة.
بعد تلك الكلمات، تنحني لتتركني جالساً على أرض النفق، مستنداً بظهري إلى الجدار، وتأخذ وقتاً لتعديل ساقيَّ قبل أن تتركني كلياً. الحجر بارد وألاحظه تماماً عبر قماش اللباس، وهي إحدى المفارقات التي أعيش معها منذ ثلاثة عشر عاماً، فساقاي لا تطيعانني في أي شيء قط، لكنهما أصرتا على الاستمرار في إعلامي بكل تفصيل مزعج للأسطح التي أستند إليهما عليها. في هذه الأثناء، تجلب ليانهوا يدها إلى كيس صغير تحمله مربوطاً عند خصرها لتخرج منه مفتاحاً حديدياً، كبيراً وداكناً، من النوع الذي لم يعد يُصنع.
تضعه في القفل وتديره، لكن القفل لا يستسلم من المحاولة الأولى. لا تجبره ليانهوا ولا ينفد صبرها، بل تحاول مجدداً بضغط ثابت وحازم، وفي المحاولة الثالثة يصدر صرير من داخل الآلية، ويُسمع طقطقة صدئة وتفتح الحلقة. تدفع الباب الذي يحتج بصرير يزعجني، فتحملني بين ذراعيها مجدداً وتعبر الفجوة لكي تستطيع شيا المرور خلفنا. وعلى الجانب الآخر، تتركني ليانهوا على الأرض مجدداً، وتغلق الشباك، وتعيد القفل إلى مكانه، وتدخل يدها بين القضبان لتغلقه بالمفتاح من هذا الجانب بالصبر نفسه سابقاً.
وبعدها تخرج المفتاح لفعلة لم أكن أتوقعها، إذ تبقى ناظرة إلى المفتاح لحظة، بقدر ومضة عين، ثم تغلق يدها حوله عاصرة لتدمير المفتاح. لا ينثني ولا يلتوي، بل ينكسر ببساطة بصرخة جافة، وحين تفتح ليانهوا كفها ما يوجد في كفها قطعتا أو ثلاث من الحديد بحواف تلمع من الداخل. ثم، بطمأنينة تجعل الإي بأسرها تبدو مثيرة أكثر، تضعهم في الكيس الصغير عند خصرها، وتشد الخيط وتغلقه.
"تقدمي مجدداً يا شيا"، قالت ليانهوا وهي تحملني من الأرض.
وشيا التي تركت محاصرة خلفنا عند عبور الشباك، تضطر للقيام بقدر يسير من البهلوانيات لتتقدم أمامنا عبر نفق غير مصمم لعبور شخصين، فتنجح عبر الضغط بنفسها ضد الجدار، رافعة المصباح فوق رأسها معتذرة ثلاث مرات وهي تفعل ذلك. ونواصل مقطعاً طويلاً آخر، أضيق بعض الشيء، وأخيراً يضيء المصباح شيئاً مختلفاً على الأرض. إنه بئر، فتحة دائرية في الحجر، بلا حافة أو أي شيء يحميها، يرتفع منها تيار هواء بارد من ذلك الذي يخبرك بلا حاجة لإلقاء حجر بأن الأسفل أبعد بكثير عما تشتهيه رحلة السقوط.
لكن المثير ليس البئر، المثير هو وجود درجات حجرية، بجانبه مباشرة، ملتصقة بالجدار. حجرية، ضيقة، بلا درابزين، ترتفع بخط مستقيم إلى سقف النفق حيث ينطبع محيط باب سري آخر، لكنه خشبي هذه المرة.
"يا شيا، اصعدي أولاً"، قالت ليانهوا.
تصعد شيا، تدفع الباب السري بكتفها، وترفعه بصرير خشب عتيق لتختفي عبر الفجوة. وبعدها تتسلق ليانهوا الدرجات حاملي إياي بين ذراعيها، وتتوقف تحت الفتحة مباشرة وتكلمني بلا خفض صوتها.
"اثبت بالعارضة"، قالت لي.
أرفع رأسري وأنظر لأعلى، نحو مربع العتمة المصفرّة المنفتحة فوقنا، وهناك هي حقاً، عارضة خشبية متينة تماماً تقطع سقف الغرفة العليا. أركز عليها، مستخدماً مياد الأيدي وأشد لأخرج عبر فجوة الباب السري كما خرجت من العربة، بساقيَّ المتدلتين، حتى أبقى معلقاً في هواء غرفة ضيقة جداً. إنها غرفة صغيرة تافهة. أربعة جدران، سقف منخفض، باب، ومعلقة ببعض الخطافات والمستندة إلى الجدار، بعض الأدوات.
بعض العصي الطويلة المعقوفة الأطراف، بعض فرشاة ذات شعيرات صلبة مثبتة على حلقات حديد، بضعة دلاء، حبل ملفوف، شيء يشبه مجرفة لكنه ليس كذلك، وعصي مفصلية يمكن وصلها ببعضها. أتعرف عليها كلها، لا لأنني استعملتها قط، واضح، بل لأنني أمضيت شتاء كاملاً أقرأ أطروحة حول صيانة قنوات الصرف الصحي للعاصمة الإمبراطورية أخذتها من المكتبة الإمبراطورية مقتنعاً بأنها ستكون ممّلة لتتضح، عكس كل التوقعات، كواحدة من أكثر قراءات ذلك الشهر إمتاعاً.
في حياتي الأخرى لكنت مت شوقاً لو وجدت غرفة كهذه. مستودع أدوات صيانة هيدروليكية، كامل وبحالة ممتازة. لكنت التقطت صوراً، وأخذت قياسات، وكتبت مقالاً عنها حتى. في هذه الحياة، بالمقابل، لا أملك سوى وقت لأتفرس بها نصف ثانية قبل خروج ليانهوا عبر الباب السري خلفي، مغلقة إياه بقدمها وحاملة إياي بين ذراعيها مجدداً.
"شيا"، قالت.
"افتحي الباب وتأكدي من عدم وجود أحد قريب".
تترك شيا المصباح على الأرض بعد إطفائه، تقترب من الباب وتفتحه عرض أصبع بالكصد، لاصقة بالشق محركة رأسها ببطء شديد من جانب لآخر بكل مهابة متآمر محترف.
"لا أرى أحداً"، تهمس.
"إذاً من الأفضل المغادرة بسرعة"، قالت ليانهوا.
يضربني ضوء الخارج في وجهي بعنف لم أتوقعه فأضطر لإغماض عيني بضع ثوانٍ، وحين أفتحهما أكتشف أننا في زقاق ضيق، محشور بين بنايتي آجر تكادان تتلامسان في الأعلى، بأرض ترابية مضغوطة ورائحة أكل مقلي تأتي من مكان ما ولا أفلح في تحديد مكانه. نحن خارج القصر الإمبراطورِيّ أخيراً، ولأول مرة منذ ثلاثة عشر عاماً، لا يوجد عشرون نوي وي حولي. إنه أغرب شعور شعرت به منذ زمن طويل، لكن ليانهوا لا تدعني أتذوقه، فلحظة إغلاق شيا الباب خلف ظهورنا تنطلق ماشية، وتفعل ذلك بسرعة.
ومن هناك يبدأ مسار، لو كان لي رسمه، لكان خطاً عبثياً تماماً. إذ لا تسلك ليانهوا شارعاً رئيسياً واحداً. تمر عبر الأزقة، دائماً عبر الأزقة، دخولا وخروجاً بثقة توحي بحفظها عن ظهر قلب، منعطفة حيث لا يبدو شيء، عابرة أفنية خلفية ومارة تحت حبال غسيل محملة بغسيل تداعب رؤوسنا. لكننا لسنا وحدنا، ففي هذه الساعة الصباحية تعج أزقة محيط الشوارع الرئيسية بالناس. رجال بسلال، نساء بدلاء، أطفال يجرون في قضاء حاجات، رفيق يدفع عربة يد مملوءة بالفحم تجبرنا على الالتصاق بالجدار لتركه يمر، وكلهم بالتعبير نفسه لمن كان عليه أن يتواجد في مكان آخر قبل عشر دقائق.
رغم أنهم ينظرون إلينا. أتلقى لا بأس به من النظرات، ولست بحاجة لذكاء خارق لأعرف السبب. ليس بسبب الثياب، ولا ليانهوا، ولا شيا، بل لأن فتاة في عمري لا تجوب أحداً يحملها، ورؤيتي هكذا تجعل الناس يرفعون بصرهم لحظة بذلك الفضول الفاتر لمن يسجل أمراً غريباً، مخصصاً ثانية واحدة تماماً لانتباهه ثم مضياً في شؤونه. تلك هي ميزة هذه الساعة وهذه الأزقة، فكلهم في عجلة بالغة بحيث لا يتوقف أحد لتخيل شيء أغرب من فتاة مريضة، طفل بكاحل ملتوي، أو أي تفسير عادي آخر.
الأمر لا يعنيهم، فيمضون في شؤونهم. ما ظننت يوماً أنني سأكون ممتناً جداً للّامبالاة، فأستمتع بها حتى حين لا أستطيع قياسه بعد قليل، لتخرج ليانهوا أخيراً من آخر زقاق جانبي وننبثق في شارع حقيقي. إنه شارع في المنطقة الوسطى للمدينة، عريض، مرصوف، بأروقة على الجانبين ومتاجر مفتوحة، ولحظة خروجنا إليه تخفض ليانهوا سرعتها إلى سرعة عادية تماماً لا تُميزنا عن باقي السارحين في الشارع.
وعلى بعد نحو ثلاثين خطوة، أمام مبنى ضخم بلافتة معلقة فوق الباب تعرفه كنزل، توجد ثلاث عربات. واحدة للركاب، مغطاة، واثنتان للبضائع، محملتان والشوادر مربوطة سلفاً. الثلاث بخيول مربوطة والثلاث، بالطبع، منتظرة. لا تنظر ليانهوا إلى النزل لثانية واحدة، بل تتجه مباشرة إلى العربات، حيث يتوزع سبعة أشخاص حولها، أربعة رجال وثلاث نساء، وكلهم مرتدون بزي لا يلفت الانتباه لكنه ليس رخيصاً تماماً أيضاً، وبطريقة الوقوف تلك لأشخاص يقضون حياتهم على الطرقات.
لحظة اقترابها بالقدر الكافي، تكلمهم ليانهوا.
"نحن الركاب"، قالت لهم.
يهبط صمت قصير جداً حتى ينفصل أحد الرجال، أكبر الأربعة سناً، عن العربة التي كان مستنداً إليها وينظر إلينا بلا أي عجلة، أولاً إلى ليانهوا، ثم شيا، ثم لي، وأخيراً إلى الرزم المحمولة على ظهورهم.
"أيمكنكما التعريف بأنفسكما؟"
سأل. وهنا تعيد ليانهوا تعديل الثقل حتى تحملني بذراع واحدة، وتدخل يدها الحرة بين ثيابها لتخرج بما يضع قلبي في حلقي. إنه ختم اليشم. ختم اليشم الذي وضعته أمي في يدي البارحة. ختم يوانكسين هاو، بيت الرحلة الطويلة، الذي ظللت ناظراً إليه بعيون دامعة بينما يدفأ في كفي والذي، مع جلبة هذه الساعات الأخيرة، نسيت تماماً. أعددت هذا الهرب لأسابيع، ووضعت قوائم للقوائم، وحسبت المؤونة، وكتبت كتاباً كاملاً، واختبرت ما يبقي وما أحمل، ليتضح أن أهم غرض بين أمتعتي قد مُحي من رأسي بنظافة لدرجة أنني الآن، لو سألني أحدهم أين هو، لما عرفت كيف أجيب.
يأخذ الرجل الختم، ينظر إليه، يقلبه، يمرر إبهامه فوق النحت ويومئ برأس واحد.
"اصعدا العربة"، قال معيداً إياه إليها.
"علينا التحرك فوراً".
تخفي ليانهوا الختم بلا تعليق على الإطلاق وأنا لا أقول شيئاً أيضاً، رغم لعني لنفسي داخلياً بطريقة بذيئة نوعاً ما. نقترب من عربة الركاب، فترفعني ليانهوا إليها وتجلسني على أحد المقاعد الجانبية، تفك عقدة القماش، تنزع حقيبتها وتومئ لشيا لنزع حقيبتها.
"أنخزن هؤلاء هنا؟"
سألت الرجل الواقف جنب الباب الصغير.
"أم يذهبن لعربة البضائع؟"
"ضعهما هناك الآن"، أجاب بلا تردد.
"لن نضيع وقتاً في فك الشوادر".
لذا تضع شيا وليانهوا الحقائب، ثم تصعدان هما أيضاً، ولحظة صعود الثلاثة تصعد إحدى النساء كذلك، محيية إيانا بانحناءة رأس مهذبة تماماً، جالسة قبالتي، بجانب شيا، بلا نطق بحرف واحد. في الخارج، تُسمع أصوات، خطوات، وصرير الخشب بينما يتوزع الباقون على مقاعد السائقين للعربات الثلاث، وبعد لحظة يهتف أحدهم بما لا أفلح في تبينه، تتحرك الخيول وتتحرك العربة بهزة ونحن نشرع في السير.
أسحب الستارة الصغيرة قليلاً بأصبعي، بالقدر الكافي للرؤية، وأكرس نفسي لمشاهدة كيف تتغير المدينة بينما تشق القافلة طريقها عبر الشوارع. أولاً أروقة المنطقة الوسطى، بعدها ساحة ببئر في المركز تتجادل حوله ثلاث نساء، بعدها شارع أوسع، وآخر، وآخر، حتى ننبثق أخيرًا في شارع رئيسي. ولحظة فعلنا، أراه، إذ في الطرف البعيد، مغلقاً أفق الجادة برمتها، يوجد السور. في تلك اللحظة بالذات، ناظراً إلى ذلك السور والستارة الصغيرة بين أصبعي، تغشاني رغبة في رأسلي، وهي استخدام سلاسل أوغما الذهبية لسؤال ليانهوا عن ختم اليشم.
وكنت أجمع التشي بالفعل لأتوقف فجأة، إذ شبكة الحرير الذهبي ليست سراً خاصاً بي. إنها تقنية حصرية لطائفة الشمس السماوية، وهذا يعني أنه لو تواجد حين استخدامي لها أي عضو من الطائفة في هذا الشارع، ضمن مداه، وكان مستخدماً للتقنية، سيتصل خطي الذهبي بخطهم. ولست بحاجة لتخيل الكثير بعد تلك النقطة لأعرف كيف سينتهي اليوم. هذا كله. العربة، الأنفاق، المفتاح المكسور، أسابيع التحضير، كله ملقى في القمامة لأنني لم أكن قادراً على كتمان سؤال لنصف يوم.
لذا أحرر التشي وأظل ناظراً إلى السور صامتاً. سأسألها لاحقاً، أمامي رحلة كاملة لسؤالها. تتقدم القافلة، وعند بلوغ ارتفاع البوابات أكتشف أننا لن نذهب إلى تلك التي أعرفها. البوابة التي خرجت منها في المرات الأخرى هي الاحتفالية، تلك بحراس ذوي رماح لامعة تمر عبرها المواكب الإمبراطورية ليراها الجميع. ليست هذه، هذه بوابة عملية. عريضة، بلا زخارف، بأحجار مسودة من عقود دخان وبطابور عربات وبغال ومشاة منتظرين عبورها يمتد مسافة لا بأس بها أسفل الجادة.
يهوي قلبي لدى رؤيتها، لكن يتبين أن الطابور يتقدم بسرعة، بتلك الكفاءة للأماكن التي يمر عبرها عمل مدينة حقيقة، وفي وقت أقل مما استغرقه استسلامي، تكون القافلة قد بلغت ارتفاع البوابات. وهناك، أخيراً، أرى الحراس. هم أربعة ومللون، بتلك الملل الذي لا يُحقق إلا بعد سنوات عديدة من أداء العمل نفسه، ولحظة اقتراب أحدهم من العربة الأولى، يبدأ بطرح الأسئلة بنبرة من يتلو شيئاً يحفظه عن ظهر قلب.
يجيب الرجل على مقعد السائق بلا نزول، بهدوء، مادّاً له رزمة أوراق. يأخذها الحارسة وينظر إليها. يقلب صفحة، يقلب أخرى، يتوقف ثانية عند الثالثة وأنا، من خلف ستارتي الصغيرة، أتوقف عن التنفس. ثم يومئ، يعيدها إليه ويقوم بإيماءة بذراعه نحو رفاقه.
"دعوهم يمرون!"
يهتف. وهذا كل ما في الأمر، هذا كل شي. أسابيع من التخطيط وحياة كاملة تُركت خلفي، لتستغرق الشكليات النهائية التي تختمها وقتاً أقل من تثاؤب بينما ينجزها رجل يبدو وكأن نصف ساعة تفصله عن إبداله. تنطلق القافلة مجدداً، وتصوت حوافر الخيول بشكل مختلف عند الدخول تحت القوس، ولبضع ثوانٍ يترك كل شيء في الظلام والظل، مع سقف الحجر ماراً فوقنا وصدى العجلات مرتدّاً عن جدران نفق السور.
وحعندئذ، الضوء مجدداً، فأسحب الستارة الصغيرة كلياً وألتفت على المقعد بالقدر الذي يسمح لي جسدي للنظر إلى الخلف، وهناك، مبتعدة ببطء، بوابات العاصمة الإمبراطورية. ضخمة، سوداء بالدخان، مفتوحة على مصراعيها ولا مبالية بي تماماً، مع طابور الناس الداخلين والخارجين عبرها كما فعلت كل يوم لقرون وكما ستستمر تفعله حين أقضي وقتاً طويلاً دون تذكر شكلها بدقة. أنظر إليها حتى يعطف الطريق، وأنظر إليها عارفاً، بيقين هادئ لا يؤلم قدر ما توقعت، بأنها على الأرجح المرة الأخيرة التي سأراها فيها.