أومأت برأسي ببطء لكلام أبي، فخيار مغادرة الإمبراطورية ليس بالمفاجأة الكبرى هو الآخر.
قلت له: "تخيلت هذا الخيار أيضاً. وما لم أتخيله هو أن تضعه بين الاقتراحين الأساسيين، إذ أظنني لست بحاجة لأذكرك بأن السفر، في حالتي، أكثر تعقيداً بكثير منه في حالة أي شخص آخر".
فقال لي: "لا، لست بحاجة لتذكرني بذلك. لكنه يظل خيارك الأفضل، وهو كذلك لسبب محدد للغاية، وهو مدى سخافة موهبتك".
وهنا توقف لبرهة.
وتابع: "لكي تفهم إلى أي مدى يصل الأمر، علي أن أفسر لك أموراً قليلة عن الزراعة لا تُدَرَّس إلا داخل الطائفة. ليس لأنها سرية، بل لانها بالغة التقنية لدرجة تجعل أي شخص من خارجها لا يكترث بها، ولهذا لا يكاد أحد خارجها يعرفها، أما الذين يعرفونها فلا تعنيهم في شيء".
وهناك نسيت المرطبات والشاي وكل شيء آخر.
سألته: "إلى ماذا تشير؟".
فقال لي: "إلى أن الموهبة في الزراعة ليست جانباً واحداً. فهناك جانبان يمكن قياسهما بشكل منفصل".
واعتدل في جلسته قليلاً.
بدأ قائلاً: "الأول هو وقت الامتصاص. عندما يجذب المزارع طاقة تشي، لا تدخل تلك الطاقة جسده في اللحظة التي تصله فيها. يتطلب الأمر بضع نبضات قلب، ويختلف عدد نبضات القلب هذه باختلاف الأشخاص، فكلما زادت موهبة المرء، قل الوقت الذي استغرقه في امتصاصها".
ورفع يده قبل أن أقول شيئاً يوقف طوفان الأسئلة التي أردت طرحها عليه.
وتابع: "وأعلم تماماً أنه يبدو فارقاً سخيفاً، بلا أي أهمية. لكن اجمع نبضات القلب هذه على مدار جلسة، ثم على مدار شهر، ثم على مدار عشرين سنة. في النهاية، بين شخصين يزرعان ذات الساعات تماماً، يمكن أن يصل ذلك الفارق إلى سنوات كاملة من الزراعة".
وهناك صمت وتركني أفكر، وهو أمر شكرته عليه، فلدى ما يكفي من التفكير. لأن ردة فعلي الأولى، وأنا أقر بها تماماً، كانت ذلك المزيج المحدد من الخارج والضيق الذي اعتدت الإحساس به في حياتي الأخرى عندما كان أحدهم يشير لي في موقع حفر إلى شيء أمضى ثلاثة أسابيع أمام أنفي. كيف لم ألاحظ شيئاً بهذه البداهة؟ كيف استطعت قضاء سنوات أزرع دون أن أسأل نفسي مرة واحدة عما إذا كان الجميع يمتصون طاقة تشي بالسرعة ذاتها؟
وتصل الإجابات فوراً، وهي ببساطة مهينة. أولها أنني أمتص طاقة تشي فورياً، لذا لم يخطر ببالي قط أن الأمر قد يختلف بالنسبة للآخرين. وهذا جزء من السبب الثاني أيضاً، فلإدراك ذلك يجب أن ترى شخصاً آخر يزرع، ولم أُشاهد أحداً يزرع قط. المرة الوحيدة التي كنت فيها في الغرفة ذاتها مع شخص يزرع كانت عندما أخذت شيا إلى تشكيلة أبي من أجل التجربة، وفي ذلك اليوم، بعد أن رأيت أنها بدأت بلا مشكلات، شرعت في قراءة كتاب بدل الانتباه.
أخرجت الهواء عبر أنفي ونظرت إلى أبي، الذي كان ينتظر مني رفع بصري ليتابع.
وقال لي: "الجانب الثاني هو الاستفادة. عندما تمتص طاقة تشي، لا يُستغل كل ما تمتصه، بل يضيع جزء منها ببساطة لأن جسد المزارع لا يفلح في استيعابه. وتلك النسبة تتغير أيضاً من شخص لآخر".
وعند هذه النقطة رأيت تماماً إلى أين يتجه كل هذا، لذا طرحت السؤال الواجب، رغم أنه خرج بتماسك أقل بكثير مما قصدت.
سألته: "وأنا؟ في هذين الجانبين، كيف أقف؟".
نظر إلي أبي وتنهد.
فقال لي: "في الأول أنت الشخص الأكثر موهبة عرفته في حياتي. ولا أقولها كأب، بل كشخص أمضى عقوداً يراقِب عدداً كبيراً من الناس وهم يزرعون. وفي الثاني يبدو القياس أصعب بلا طرق لا نملكها هنا، لكن بالسرعة التي تقدمت بها لا يمكن أن يكون منخفضاً أيضاً".
وترك كلماته تستقر وانتقل مباشرة إلى صلب الموضوع.
وتابع: "وما أود الوصول إليه بكل هذا هو أن موهبتك ليست جيدة، ولا ملحوظة، ولا استثنائية. إنها سخيفة. ولو أنك لم تولد هنا، عند حافة العالم، بل ولدت في القارة المركزية، فأنا متأكد أنك لفتحْتَ البوابات السبع بحلول هذه اللحظة ولكنت الآن في تكثيف الأنوية العنصرية".
وهذا جعلني أرفع حاجبي.
سألته: "ألا تبالغ؟".
أجابني من دون تردد ثانية واحدة: "لا. والآن بعد أن ذهبت إلى الطائفة وعرفت بنفسك مدى كثافة طاقة تشي الموجودة في الداخل، يمكنني أن أشرحها لك بطريقة تفهمها. في القارة المركزية، في المناطق التي تقل فيها طاقة تشي، تبلغ الكثافة في حدها الأدنى خمسة أضعاف كثافة الطائفة".
بقيت صامتاً بعد كلامه لأني بدأت بإجراء الحسابات، ونتيجة الحساب أجبرتني على الاعتراف بها بصوت عالٍ.
قلت له ببطء: "إن كانت تلك الكثافة حقيقية، فأنت على حق على الأرجح".
أومأ أبي برأسه لكلامي.
وقال: "وهذا يقودني إلى الأمر الثاني الذي كان علي إخبارك به: الصعود".
سألته عند مصطلح لم يكن مألوفاً لي البتة: "ما اللعنة التي يقصدها الصعود؟".
وفي اللحظة ذاتها التي أنهيت فيها كلامي أدركت أنني للتو تفوّهت بلفظ بذيء أمام إمبراطور إمبراطورية تيانجين، لكنه لم يرمش حتى.
وقال لي بكل طبيعية في العالم: "للزارعة حد، سقف. وعندما يبلغه المرء وما زال يود الاستمرار في التقدم، لا يتبقى له سوى مخرج واحد، يتلخص في عبور الصدع السماوي والدخول إلى العالم السماوي. وهذا ما يُدعى الصعود".
وفي اللحظة ذاتها التي ذكر فيها عبور الصدع السماوي، أضاء شيء في رأسي، فهذا يبدو مألوفاً لي. ومن هنا فصاعداً هو الوقت الذي تكسب فيه بوابة الين نصف شهر الجحيم الذي كلفني إياه التكيف مع حواسي المحسنة، لأن ما كان قبل قليل ينقيب في ذكرياتي واحدة تلو الأخرى أصبح ينقب بعدة ذكريات في آن واحد، وفي غضون نبضات قلب قليلة تذكرت بوضوح كيف كان هونغ يان، في غرفة بجناح اللؤلؤة الذهبية، يشرح لي ما سألته عنه بشأن الشظايا السماوية.
وهناك، تقريباً في البداية، عرضاً ودون إعطائه أدنى أهمية، أخبرني بوضوح أن الصدع السماوي هو أيضاً الممر الذي يستخدمه المزارعون الذين يقررون التخلي عن هذا العالم لتجربة حظهم في العوالم العليا. قضيت سنوات وتحتفظ ذاكرتي بتلك الجملة دون أدنى فكرة عن أنها مهمة، لذا نظرت إلى أبي.
سألته: "أتقول لي ما أظن أنك تقوله؟".
أجابني: "نعم. أعتقد أنك تملك من الإمكانات ما يكفي لقطع طريق الزراعة حتى نهايتها ومحاولة الصعود. وأعتقد أيضاً أن ذلك لن يحدث أبداً إن بقيت في هذه الزاوية من العالم لأبسط سبب موجود، وهو أنه لا توجد هنا طاقة تشي تكفي للبلغ المستوى المطلوب. لا توجد الآن ولن توجد أبداً".
واستغرقني الأمر بضع ثوانٍ لأرد على ذلك.
قلت له حين وجدت الكلمات: "أشكرك على الإيمان بقدرتي على بلوغ هذا الحد، أشكرك حقاً. لكن الموهبة لا تصلح ساقيّ، وهذا يظل المشكلة الرئيسية لمغادرة الإمبراطورية".
نظر إلي أبي دون أن يرفع عينيه عني لحظة واحدة.
وقال لي: "إنه لمشكلة خطيرة، نعم. لكنها ليست مشكلة بلا حل، وأظنك تعرف ذلك أفضل مني بكثير. لأنك إن غادرت فلن تضطر بعد إلى إخفاء زراعتك، وهذا يعني أنك ستتمكن من تكريس نفسك علانية للتعاويذ، أو للتمائم".
ورفع إصبعاً وهو ينظر إلى الكتاب الموضوع أعلى الطاولة.
وتابع: "وهذه المهن ستخدمك لغمرين في آن واحد: لحل كل ما لا تستطيع ساقاك حله، والذي أظنه سيكون أكثر بكثير مما تظن، ولدفع تكاليف رحلتك. لأنني سأمنحك أموالاً لبدء الرحلة، فهذا غني عن التعريف، لكنني أشك كثيراً في أن الأموال التي يمكنني توفيرها لك بسرية ستصمد أمام رحلة طويلة كهذه".
أومأت برأسي لأنه حساب معقول، وطرحت السؤال البديهي.
قلت له: "حتى لو قررت المغادرة، لا تزال الطائفة موجودة. أسيسمحون لي بالذهاب؟".
وعند هذا السؤال ابتسم أبي.
فأجابني: "هذا هو السبب تحديداً وراء رغبتي في إجراء هذه المحادثة في أسرع وقت ممكن. لأنه توجد الآن فرصة لك لمغادرة الإمبراطورية بسرية ودون لفت الانتباه. وتلك الفرصة لن تدوم".
سألته: "إلى ماذا تشير؟".
وأبي، عوضاً عن الإجابة، سألني سؤالاً.
وقال: "أَتتذكر الأوراق التي وجدت مع الرجل الميت يوم سقط مبنى فوقك؟".
وضغطت شفتي بعضهما إلى بعض.
أجبته: "أتذكر تماماً"، ولم أفلح في إخراج الجملة نظيفة تماماً.
لأنني أتذكر الغبار، وثقل ليانحوا، والنفق الذي كان علي حفره. وأتذكر قبل كل شيء الجثث التي واصلوا انتشالها واحدة تلو الأخرى، وكلها لأشخاص لا أعرفهم وكلهم، بلا استثناء، أموات. لاحظ أبي ذلك ومضى دون التعليق عليه، وهذا بالضبط ما احتجت منه فعله.
وقال لي: "قبل بضعة أسابيع، مَثُلت وفدية من برج التنانين الخمسة في مقر الطائفة الرئيسي. ويزعمون أن تلك المستندات سُرقت منهم ويتفاوضون على استرجاعها".
توقف برهة قصيرة بينما بدا متردداً، ثم تابع.
فقال: "والآن أخبرني بشيء واحد: بغض النظر عن الأوراق، هل وُجِد أي شيء آخر مع ذلك الرجل؟".
وهناك، للحظة، واجهت قراراً أمامي. لأنني وجدت شيئاً آخر معه حقاً، رمزاً من اليشم، صغيراً، نُقِشَت عليه حروف مجهولة وكان محشوراً داخل غمد سيفه. وقول ذلك الآن سيجعلني أقر علانية بأنني أخفيت دليلاً عن اليوشيتاي. وسيعني، إلى جانب ذلك، تسليم برج التنانين الخمسة الشيء الوحيد الذي أخرجته من أسوأ يوم في هذه الحياة، لذا فعلت ما قررت فعله في ذلك اليوم بين الأنقاض، وفعلت ذلك بهدوء، لو توقفت لأتفحصه، لربما أخافني قليلاً.
قلت له: "لا. الحارس الذي فتّش الجثة لم يجد سوى ما سُلِّم. وإن كان يحمل شيئاً آخر، فالمرجح تماماً أن حرس المدينة احتفظوا به عندما ذهبوا لرفع الجثة".
تنهد أبي لكلام إجابتي.
وقال لي: "إذن لا أهمية للأمر"، وبذلك بدا أنه غادر تلك الموضوع قبل أن يمضي قدماً.
وتابع: "لقد أجريت اتصالاً سرّياً مع ذلك الوفد. وجعلتهم يوافقون على إخراجك من الإمبراطورية وحملك حتى مدينة سانجيانغ، حيث يوجد أقرب فرع للبرج وحيث يتوجهون هم أنفسهم فور انتهائهم هنا".
وأنا، الذي في حياتي الأخرى لم أوقع عقداً واحداً دون قراءة التفاصيل الدقيقة أولاً، طرحت السؤال الذي ينبغي على الجميع طرحه في هذه الحالة.
سألته: "وهل هم محل ثقة؟ لأن شيئاً هو قبول مهمة وتقاضي أجر عليها، وشيئاً آخر هو إتمامها حتى النهاية بدل تركي عالقاً عند أول مفترق طرق يناسبهم".
أجابني دون أن يشعر بأي إهانة من السؤال: "ربما يفعل غيرهم ذلك. أما برج التنانين الخمسة فلا. إنه على الأرجح أغلى تنظيم تجاري في العالم المعروف، لكنه أيضاً الأكثر موثوقية والأفضل سمعة، وتلك السمعة هي السلعة التي يبيعها تحديداً".
بقيت مفكراً لحظة، أقلب تفصيلة دامت تحوم لفترة.
سألته: "لإغلاق ذلك الاتفاق، هل أخبرتهم أنني كنت تلميذ المعلم مو؟".
أجابني: "لا. لا أعلم إن كانت قد منحتك الإذن بالتصريح علانية بأنك تلميذها، ولم يبدُ لي أن ذلك قرار يعود لي اتخاذه".
وهذا، أكثر من أي شيء آخر مما قاله الليلة، هو ما أخبرني بمدى عنايته في التعامل مع هذه المسألة، لذا أغمضت عيني وبقيت هكذا لحظة، ويداي في حجري وكل ما سمعته يدور في رأسي إلى أن فتحتهما مجدداً وانحنيت إلى الأمام بالقدر الذي يسمح به جسدي.
قلت له عندما رفعت رأسي: "شكراً لك يا أبي. لتفكيرك في هذا، ولتفكيرك فيه بعمق، ولإخباري به عوضاً عن اتخاذ القرار نيابة عني".
وتنفسحت قبل أن أتابع.
قلت له: "لكنني بحاجة للتفكير في الأمر. وجدّياً، لا على عجالة".
أجابني: "هذا أمر أفرضه سلفاً. رغم أن هناك شيئاً يجب أن تعرفه قبل الشروع في التفكير".
واستقام.
فقال لي: "وفد البرج سيكون في الإمبراطورية لثلاثة أشهر على الأكثر. وعند اكتمال تلك المدة سيغادرون لأن لديهم شؤونهم الخاصة، ولن ينتظرونا على الرغم من الاتفاق المبدئي. لذا، إن كان هذا هو الخيار الذي تود اتخاذه، فهذا هو الوقت المتاح لديك".
قلت له: "أنا أفهَم".
أومأ أبي، وأنهى ما تبقي في كوبه وتركه على الطاولة قبل أن ينهض.
وقال لي: "سيكون أفضل لي أن أذهب قبل أن يبدأ عدد كبير من الناس في التساؤل عن مكاني".
انفتح المزلاج تلقائياً لأني لم أمتلك روح الحركات الدرامية، وانفتح مصراع الباب كاشفاً عن هيئة ليانحوا، واقفة في المكان ذاته الذي تركتها فيه قبل فترة لا بأس بها.
قلت له: "مساء الخير يا أبي".
فأجابني قبل أن يغادر: "مساء الخير يا وين"، وأغلق الباب خلفه.
بقيت وحيداً في دراستي، وما زالت تعويذة الخصوصية نشطة، ومع كوبين فارغين، وإبريق شاي أصبح فاتراً لأن الورقة احترقت منذ قليل، ومع طبق مرطبات فارغ جزئياً. ومع خيارين، العرش أو الرحلة. لكن بما أنني لست قادراً على ترك الأمر وشأنه، فعلت ما أمضيت نصف عام أعد نفسي بعدم فعله، وهو أخذ الكلمات الدقيقة للنبوءة ومحاولة مطابقتها مع الواقع كشخص يجمع قطع فخار لا يكاد يثق بأنها تنتمي للوعاء ذاته.
أحد هذين الخيارين أكثر أماناً من الآخر، لكنه سيقودك إلى حياة من الحزن والندم. والآخر سيقودك إلى حياة مليئة بالأخطار والمخاطر، لكن إن أصررت عليه حتى النهاية، فسيوصلك إلى باب. الشيء البديهي هو وضع العرش في خانة الأمان والرحلة في خانة الأخطار، ولعشر ثوانٍ تقريباً بدا لي أن الأمر حُسم، لكن اتضح فوراً أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق. لأن العرش ليس فيه أي أمان، إذ للوصول إليه يجب المرور عبر تجارب تحدث عنها أبي للتو مبيناً وجود احتمالات واضحة للموت، ولأن الرحلة، بالتفحص الدقيق، لا تضمن خلوها من الندم أيضاً، فهي تتكون من ترك أمي وكل ما بنيته في ثلاثة عشر عاماً خلفي لملاحقة أفق لم أره قط.
وفوق كل ذلك، يوجد الباب، لأنني أمضيت نصف عام أعتبر كمسلمة أن باب النبوءة هو ذاك الموجود في مؤخرة الكهف، ذلك الذي غطي بالنقوش وبدأ يلمع بينما السقف يهوي فوقي. لكن يتبين الليلة أنني عرفت للتو أن في هذا العالم واحداً آخر، صدعاً في السماء وهو، إن أراد أحدهم التكلم حرفياً، أكبر باب موجود. وهذا الباب يقع في نهاية الخيار الذي يتلخص في المغادرة، أو ربما في خيار البقاء، فالصدع في السماء ويمكن للمرء على الأرجح بلوغه من أي مكان.
ولتعقيد الأمر أكثر، إن لم نستبعد فكرتي الأصلية حول الباب، فقد وُلِدت من جديد في هذه الإمبراطورية، مما يرجح أن هذا المكان مرتبط بالباب الذي جلبني إلى هذا العالم. تنهدت أمام أفكاري لعدم توضيحها شيئاً البتة، فنبوءة تنطبق بالتساوي على الإجابتين المحتملتين هي، أكثر من كونها نبوءة، يانصيب. ثم تذكرت وادياً مخفياً خلف جبل، شجرة مستحيلة ذات عش ذهبي في قمتها وطائراً بحجم منزل صغير يخبرني، بنعومة لم أسمعها منه حتى تلك اللحظة، أن أحياناً إخبار أحدهم بمصيره هو أسوأ ما يمكن فعله به، وأنه عندما يحين وقت الاختيار قد ينتهي بي المطاف بلعن اسمه لإخباره لي.
وتذكرت أيضاً أنني أجبته، واثقاً جداً من نفسي، بأنني لن أفعل. تنهدت وفركت وجهي بكلتا يديّ لتذكر ذلك، لأنه يبدو أنني مدين باعتذار لفنغ.