أَدْخُلُ المَكْتَبَةَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةَ رُفْقَةَ ژِي مَيْلَانَ، الوَصِيفَةِ التِي تَنْوبُ عَنْ لِيَانْهُوَا رَيْثَمَا تَخْضَعُ لِلتَّدْرِيبِ اللَّازِمِ لِتُصْبِحَ فِي إِي. حِين أَدْخُلُ، أَرَى أَنَّ الشُّوَيْشِي وَنْشُوَةَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ. أُخْبِرُ ژِي مَيْلَانَ بِمَكَانِ جُلُوسِي ثُمَّ أَشْرَعُ فِي التَّفْكيرِ فِيمَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ كِتَابٌ يُمْكِنُنِي طَلَبُهُ لِتَقْضِيَةِ الوَقْتِ رَيْثَمَا أَنْتَظِرُ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ أَتَهَدَّى إِلَى كِتَابٍ، أَرَى الشُّوَيْشِي وَنْشُوَةَ يَعْبُرُ البَابَ حَامِلاً عُلوقَةً مُزَخْرَفَةً بِبَرَاعَةٍ. يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ، وَحِينَ يَلْحَظُنِي جَالِساً، يَشُقُّ طَرِيقَهُ نَحْوَ طَاوِلَتِي مُرْمِقاً ژِي مَيْلَانَ بِنَظْرَةِ تَجَسُّسٍ قَبْلَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهَا فَوْراً.
قَالَ لِي الشُّوَيْشِي وَنْشُوَةُ: "ژَاوْهُوَانُ، اغْفِرْ تَأْخِيرِي. اضْطُرَرْتُ لِلتَّوَقُّفِ عِنْدَ القُوزِيجيَانِ لِاسْتِلَامِ هَدِيَّةٍ أَعَدُّوهَا لَكَ".
رَمَقْتُ العُلوقَةَ التِي يَحْمِلُهَا بِفُضُولٍ وَقُلْتُ: "لَا تَقْلَقْ، يَا شُّوَيْشِي وَنْشُوَةُ. لَقَدْ وَصَلْتُ لِلتَّوْاءِ".
رَأَيْتُهُ يَتَنَحْنَحُ بِارْتِبَاكٍ ثُمَّ قَالَ: "فِي الحَقِيقَةِ، صِرْتُ جِينْشِي الآنَ، يَا ژَاوْهُوَانُ. لَقَدْ تَرَقَّيْتُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ".
تَفَاجَأْتُ لِلَحْظَةٍ لَكِنِّي قُلْتُ لَهُ سَرِيعاً: "إِذاً أُهَنِّئُكَ، يَا جِينْشِي وَنْشُوَةُ، عَلَى تَرْقِيَتِكَ".
أَجَابَ: "أَجْزِلُ الشُّكْرَ، يَا ژَاوْهُوَانُ"، ثُمَّ وَضَعَ العُلوقَةَ أَمَامِي.
"هَذِهِ هَدِيَّةٌ أَعَدَّهَا القُوزِيجيَانُ شُكْرًا لَكَ عَلَى الإِلْهَامِ وَرَاءَ المِقْبَاصِ. إِنَّهَا نُسْخَةٌ أَكْثَرُ تَهذِيباً مِنْ فِكْرَتِكَ وَأَكْثَرُ مَلَاءَمَةً لِلْحِسَابَاتِ".
فَتَحَ العُلوقَةَ، فَأَبْصَرْتُ بِدَاخِلِهَا -مُزَخْرَفَةً بِفَخَامَةٍ- مِقْبَاصاً لَعِيناً، ذَلِكَ المِقْبَاصَ المُسْتَخْدَمَ فِي الصِّينِ قَدِيماً وَحَدِيثاً. خِلَالَ السَّاعَةِ التَالِيَةِ، أَخَذَ جِينْشِي وَنْشُوَةُ يُحَاضِرُنِي عَنْ نُقْصَانِ مِقْبَاصِي وَيَفْتَخِرُ بِكَيْفِيَّةِ قِيَادَتِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ عُلَمَاءِ القُوزِيجيَانِ لِتَصْحِيحِ تِلْكَ النَّقَائِصِ وَابْتِكَارِ مِقْبَاصٍ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهُ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ وَمَعَ كُلِّ أَنْظِمَةِ القِيَاسِ.
أَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، لاسيَّمَا أَنَّ المِقْبَاصَ يَتَفَوَّقُ بِكَثِيرٍ فِي الحِسَابَاتِ المُرْتَبِطَةِ بِالأَوْزَانِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الصِّينِيَّةِ التِي تَعْتَمِدُ النِّظَامَ السِّدَاسِيَّ عَشْرِيَّ. لَكِنَّ مَا يُفَاجِئُنِي هُوَ سُرْعَةُ تَطْوِيرِهِمْ لَهُ. أَظُنُّ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِتَقْلِيدِ نِظَامِ عِصِيِّ الحِسَابِ الَّذِي اسْتَخْدَمُوهُ حَتَّى الآنَ وَتَكْيِيفِهِ بِالخَرَزَاتِ، وَتِلْكَ هيَ الطَّرِيقَةُ التِي يُعْتَقَدُ أَنَّ المِقْبَاصَ نَشَأَ بِهَا فِي عَالَمِي أَصْلًا.
غَيْرَ مُعْتَرِضٍ لِأَفْكَارِي، وَاصَلَ جِينْشِي وَنْشُوَةُ شَرْحَ كَيْفِيَّةِ عَمَلِ نُسْخَتِهِ مِنَ المِقْبَاصِ، مُتَفَخِّراً بِوُضُوحٍ بِقِيَادَتِهِ المَجْمُوعَةَ التِي طَوَّرَتْهُ. حِينَ انْتَهَى مِنْ عَرْضِهِ، حَدَّقَ فِيَّ مُنْتَظِراً، فَحَرَصْتُ عَلَى تَهْنِئَتِهِ.
قُلْتُ لَهُ: "مُبَارَكٌ فِكْرَتُكَ، يَا جِينْشِي وَنْشُوَةُ. وَاضِحٌ أَنَّ بَرَاعَةَ القُوزِيجيَانِ لَا تُقَارَنُ بِبَرَاعَةِ تِلْمِيذِكَ".
أَجَابَ مُحَاوِلًا التَّوَاضُعَ دُونَ أَنْ يُفْلِحَ تَمَاماً: "لَا تُقَلِّلْ مِنْ شَأْنِ نَفْسِكَ، يَا ژَاوْهُوَانُ. لَوْلَا فِكْرَتُكَ الأَوَّلِيَّةُ، مَهْمَا كَانَتْ بَدَائِيَّةً، لَمَا اسْتَطَعْنَا إِطْلَاقاً ابْتِكَارَ نُسْخَتِنَا مِنَ المِقْبَاصِ".
أَعَادَ المِقْبَاصَ إِلَى العُلوقَةِ التِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا لِلْعَرْضِ وَأَغْلَقَهَا، وَوَضَعَهَا جَانِبَ الطَّاوِلَةِ.
سَأَلَ: "الآنَ لِنَرَى كَيْفَ نُمْكِنُ مُوَاصَلَةَ دُرُوسِكَ. مَاذَا تَعَلَّمْتَ مِنْ قِرَاءَاتِكَ أَثْنَاءَ غِيَابِي؟".
شَرَعْتُ أُخْبِرُهُ بِكُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ عَنِ العَالَمِ، مُسْتَبْعِداً نَظَرِيَاتِي المَرِيضَةَ عَنْ كَوْنِهِ مُصَمَّماً اصْطِنَاعاً.
بَدَأَ يَقُولُ: "جَيِّدٌ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَمْنَحُكَ أَسَاساً لِمَا يَبْدُو عَلَيْهِ العَالَمُ بِكُلِّ مَا تَعْرِفُهُ حَتَّى الآنَ، لِذَا سَأَمْضِي فِي تَعْلِيمِكَ بِعُمْقٍ عَنِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، جُغْرَافِيَّتِهَا وَبِنْيَتِهَا. سَأُعَلِّمُكَ أَيْضاً رِيَاضِيَّاتٍ أَرْقَى، وَسَنُنَاجِزُ دُرُوسَكَ فِي النُّصُوصِ الكَلَاسِكِيَّةِ، التِي لَاحَظْتُ أَنَّكَ لَمْ تَذْكُرْ قِرَاءَةَ أَيٍّ مِنْهَا طَوَالَ غِيَابِي".
قُلْتُ لَهُ مُتَنَهِّداً فِي بَاطِنِي وَمُعَزِّياً نَفْسِي بِالأَمَلِ فِي أَنْ تَكُونَ دُرُوسُ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ وَمَا حَوْلَهَا مُمْتِعَةً بِقَدْرٍ يَكْفِي لِلتَّعْوِيضِ عَنْ سَآمَةِ البَاقِي: "حَسَناً جِدّاً، يَا جِينْشِي وَنْشُوَةُ. يُمْكِنُنَا البَدْءُ مَتَى شِئْتَ".
أحلس في مقعدي المفضّل بالحديقة أطعم البطّ وأستمتع بالجوّ اللطيف بعد درسي، وأشرع في ربط أطراف ما كان جينشي وينشوي يرويه لي عن الإمبراطورية وما حولها طوال العام الماضي. وأول ما يلحظه البصر هو أن أهل هذا المكان يعيشون أعماراً طويلة جداً. لم يقل جينشي وينشوي هذا صراحة، وربّما يعود ذلك إلى عرف إخفاء كلّ شيء عن تشي عن الأطفال لمنعهم من إهلاك أنفسهم، غير أن ترويض الجسد إن كان يطيل العمر، فإن المراحل التي تلي استشعار البوابات المغلقة تزيد العمر امتداداً بلا ريب.
إذ لا تفسير آخر لدي لكون الإمبراطورية التي أعيش فيها تبلغ خمسة آلاف عام. وحدها طبقة حاكمة معمرة قليلة التبدل عبر الأجيال قادرة على الإمساك بزمام السلطة من دون حروب أهلية طاحنة. لكن هذا لا يمكن أن يكون السبب الوحيد لبقاء الإمبراطورية، فبحسب جينشي وينشوي، لا يحق للإمبراطور سوى حكم مئة عام قبل أن يتخلّى عن العرش وينسحب إلى الطائفة، بوصفه شيخاً على ما يُقال. لذا أظن أن السبب الحقيقي هو أن الطائفة التي أسست الإمبراطورية تحرس استقرارها.
ولكن ما يحفظ استقرار الطائفة نفسها؟ فلابد أن تشهد نزاعات داخلية كسائر التنظيمات، ومع ذلك فهي أقدم من الإمبراطورية وما زالت قائمة، ممّا يعني أن أعمار قادتها الطويلة هي التفسير الوحيد تقريباً، لنعود إلى النتيجة ذاتها. والطوائف والإمبراطوريات المحيطة بنا تقاربنا في العمر أو تفوقنا، فجميعها، بحسب جينشي وينشوي، فضّلت الاستقرار على التوسع العدواني لوجود مناطق بريّة كثيرة شاغرة في الجوار.
فالخلاصة الكبرى التي أخرج بها الآن هي أننا نعيش في مجسّم عملاق يوجد فيه شيء يُدعى تشي يمنح البشر أجساداً فوق بشرية وأعماراً أطول. وما يزيد الطين بلّة هو تعليق دروسي مع جينشي وينشوي مؤقتاً. فبحسب قوله، علّمني كلّ ما يستطيع تقديمه قياساً لعُمري، وعليّ انتظار بلوغ الثامنة لأتابع. ولا جدوى من كل ما أبديتُه من جدال أو توسّل أو إلحاح ليعلّمني تلك الأمور. فبحسب العرف، لا يسعه أن يعلّمني أكثر مما فعل.
فضلاً عن تلميحه إلى أنني سأحتاج إلى معلمين أكثر تخصّصاً أو إلى القدرة على الزراعة. وأما الأعراف فهي الجدار الذي نصطدم به، هكذا أفكّر بسخرية. ففي ثقافة كhذه، تبدو الأعراف أراسخ من القوانين، لذا لن يغيّر شي مما أقوله أو أفعله شيئاً منها. هذا ما لدّي في الوقت الحالي. ليست خسارة فادحة حقاً. فبالانتظار وحدَهُ سأحصل على كل ما أبتغيه من معلومات. وحسن الحظ أن ما تبقى هو عامان فقط، لكنهما عامان من الحيرة في أمري.
فعجزِي عن المشي أو الحركة وحدي يلغي أي ترفيه بدني. وفي مثل عمري، لا أعرف كم من الأنشطة المتاحة في البلاط سيُسمح لي بحضورها. وحدَ من فقد كل وسائل الترفيه الحديثة، مثلي، يدرك حقاً أنه رغم كل العيوب، تفوق المزايا النقائص بمراحل. أفرغ من إطعام البط وبعد هنيهة من الاستمتاع بالعليل الهادئ، آمر تشي ميلان بأن تأتي لتأخذني إلى الجناح.
وحين أبلغ مكتبتي أجد لينهوا هناك بالفعل، فأسألها بينما يجلسونني على مقعدي قائلة: "لينهوا، أحدث شيء ما؟"
فتجيب لينهوا: "لا، تشاوحوان وين. لكنني أتممت الجزء الأهم من تدريبي، فأنا الآن فيفي يي الخاصة بك رسميّاً".
فأردّ مستخدمة لقبها الجديد لتأكيده: "إذن تهانينا. أظنني في أيدٍ أمينة الآن، فيفي يي لينهوا".
فتجيب: "شكراً جزيلاً لك، تشاوحوان وين. غير أنني أود إعلامك بأن جداول الحصص التي ستتلقينها في الأيام القادمة قد أُرسلت بالفعل".
فأُدهش قائلة: "أي حصص؟ لقد أخبرني جينشي وينشوي أنهم لا يستطيعون منحني مزيداً من الدروس في الوقت الراهن".
فتجيب لينهوا: "تلك هي الدروس الأكاديمية، تشاوحوان وين. لكن الأميرة الإمبراطورية يجب أن تُدرّب في شتى الميادين. عادة ما تبدأ في سن متقدمة، لكن نظراً لقدراتك، ارتأى الشانشو أن حبّذا لو تبدئين تعلّم الأساسيات لتتمكّني من خوض دروس متقدمة عند بلوغ السن المطلوبة".
ومدّت ورقة مكتوبة بعد قولها هذا، فخطفتها بسرعة وبدأت أطالعها. ومع القراءة، شعرت بصداع يلوح في الأفق وكدت أرجو جينشي وينشوي أن يعيد دروسه فقط لأراجعها بدلاً من ذلك. كنت أخشى ألا أجد ما أفعله، فإذا بي أتلقى فجأة دروساً في الخط، والرسم، والموسيقى، والتطريز، والشعر، والآداب، والطب، والتمثيل، ومراسيم الشاي، والبستنة، والإدارة، والفنون القتالية.
ولمّا وقع بصري على الدرس الأخير رفعت حاجي ناظرة إلى لينهوا: "فنون قتالية يا لينهوا؟ أيعلم من وضع هذه القائمة بحالتي؟"
فأجابت لينهوا: "لا أعلم من وضع القائمة، لكن الشانشو سلّمني إياها بنفسه. وهو على علم بحالتك. أظنّك ستضطرين لانتظار يوم ذلك الدرس لتعلمي ما يريدون تلقينك إياه".
وضعت القائمة على الطاولة متنهدة وسألت: "ومن سيقوم بتدريسي، وأين سأحضر الحصص؟"
فأجابت لينهوا: "سيُعطي كل درس معلم مختلف، تشاوحوان وين. أما عن المكان، فبعض الدروس ستُعقد هنا، بينما تتطلب أخرى بيئة محددة فتُقام في مكان آخر".
فقلت: "حسناً، ومتى أبدئ؟"
ولمحت لينهوا تنظر إليّ بنظرة شفقة بدأت تقلقني، قبل أن تجيب: "في الواقع، الآن تماماً، تشاوحوان وين. والدتك تنتظرك في باحتها لدروس الرسم".
سقط رأسي على الطاولة بصوت خافت. ها هي أمّي تصبح إحدى معلماتّي. وإن كنت أظن الأمر منطقيّاً بحكم كونها رسّامة لا بد أن تتمتع بشهرة ما إن نجت بأن تكون محظية أبي.
هززت يدي قائلة: "حسناً، خذيني كي تبدأ أمي تعذيبي".
رفعتني لينهوا عن المقعد ولاحظت طرف فمها يرتفع نحو الأعلى لكلماتي. ثم غادرت مكتبتي متجهة نحو باحة أمي. وحين وصلنا رأيت أمي وفيفي يي لينغسي هناك. وما أثار دهشتي هو أن الطاولة التي توقعت امتلاءها بالفرش والأوراق لم تحمل سوى قطع عدة ممّا أظنه حبراً إلى جانب أدوات إعداده. وما إن رأيت ذلك حتى عرفت طبيعة درسي الأول، مع أنني لم أنبس بكلمة. وحين رأتني أمي أدخل، أشارت إلى مقعد أُعدّ لي عند الطاولة.
فقالت لينهوا: "اجلسيها في ذلك المقعد".
أججلستني لينهوا في المقعد وجلست في مقعد آخر خلفي قليلا، تماماً كما تجلس فيفي يي لينغسي خلف أمّي دوماً. لم ألحظ ذلك حتى الآن، لكنني أظن للأمر صلة بدور فيفي يي.
استهلت أمّي قائلة: "قبل أن نبدأ، لابد من إرساء قواعد أساسية. التعليم الذي ستتلقينه في الأعوام القادمة، سواء مني أو من بقية معلميك، يشكل أساس كل ما يُفترض بالأميرة الإمبراطورية معرفته".
وتوقفت هنيهة قبل أن تتابع.
"كلنا الذين سنقوم بتدريسك نعلم أنك أصغر من أن تُحملي هذا، والعرف يفرض ألا نناقش أموراً بعينها".
وبدت كأنها ترددت لحظة قبل أن تمضي قائلة: "لكننا نعلم جميعاً أن معرفتك بالزراعة تتجاوز بكثير ما تملكه فتاة في عمرك عادة. ومع ذلك، يجب الحفاظ على اللياقة فوق كل اعتبار، وحسن الحظ أن أياً من معلميك الآخرين لا يعلم بمدى معرفتك. لذا سنسير خلال دروسنا كأنك لا تملكين أدنى دراية بالموضوع. وبهذا نقلل فرصة زلة لسان في حصص أخرى بما لا يفترض بهم معرفته. ألديك أي أسئلة حتى الآن؟"
فأجبت: "لا، يا أمي"، دون زيادة، مبصرة الجديّة التي تتعامل بها مع كل هذا.
"وعلى الرغم من أن الأمر لا يزعجني شخصياً، وأنت تعرفين كيف تخاطبين الناس بالشكل اللائق، فمن الأفضل أن تعتادي هذه الأمور في الدروس أيضاً. لذا وحين نكون في الحصص، ستنادينني مينغهوا، وهو لقبي الرسمي بصفتي رسامة".
فقلت مجارية إياها: "كما تشائين، مينغهوا".
وتابعت أمي: "ستبدأ الحصص رسمياً في أول يوم من الأسبوع القادم. وبما أن لديك اثني عشر درساً، فسوف تتوزع على الأيام الستة الأولى، بواقع درس في الصباح بعد جلسات الوخز بالإبر والتمارين، ودرس آخر في المساء، ليكون اليوم السابع عطلة لك. وكممستثنى، واستغلالاً لليوم، سأمنحك درساً أولاً مثالاً لما يُنتظر منك".
لعنت في نفسي هذا الظلم وأجبت: "فهمت، مينغهوا".
فقالت مشيرة إلى الحبر والأدوات على الطاولة: "إذن،، لنبدأ الدرس الأول. وأول درس يتعلمه أي رسام هو كيف يحعد الحبر".
وبينما كنت أصغي إلى أمي وهي تسمّي مختلف الأشياء على الطاولة واستخداماتها، شعرت بوضوح كيف سيغدو شكل حياتي من الآن فصاعداً، أكان ذلك لخير أم لشر.
أراقب تايي يولين وهو يرفع الإبر عن ساقي بعد جلسة الوخز. وبعد أن يوضبها، وبدل أن يغادر كعادته، أراه يقترب وبصمته رغبة في قول شيء.
"هل احتجت إلى شيء يا تايي يولين؟"
أسأله بينما يقترب من رأس السرير.
"نعم يا زاوهوان وين"، يجيب.
"أريد إعلامك بأنني لن أحضر منذ اليوم إلا كل سبعة أيام. على الرغم من أن ساقيك قد تحسنتا بوضوح بفضل جلساتي وتمارين جياوليو فينغ التي تعطيك إياها، فقد وصلنا إلى نقطة لا يمكنهما التحسن بعدها بناءً على ما لاحظناه. لذا سنكتفي بجلسة واحدة في تلك الأيام للحفاظ على ما كسبناه ومنع تدهورهما مجدداً".
"أنا أفهَم يا تايي يولين"، أرد.
"هل تعرف إن كانت جياوليو فينغ ستخفض أيضاً جلسات التمرين إلى الوتيرة نفسها؟"
"عليك أن تسألها بنفسك عن ذلك يا زاوهوان وين"، يجيب تايي يولين.
"سأستأذن بالانصراف حتى بعد سبعة أيام".
وبعد تلك الكلمات يغادر تايي يولين الغرفة وتدخل ليانحوا حاملة ثياباً، وتتبعها تشي ميلان التي تبدو وكأنها أصبحت مساعدتها منذ أن انتهت دروس جينشي وينشue.
"زاوهوان وين، لقد حان وقت درسك الصباحي"، تقول ليانحوا.
"إنه الفنون القتالية. أما الدرس الآخر المتبقي هذا الأسبوع فهو الرسم، والذي ستعطيك إياه والدتك بعد الظهر".
"ألا تأتي جياوليو فينغ لجلساتها؟"
أسأل ليانحوا متفاجئاً.
"كل ما قيل لي هو أن ألبسك هذه الثياب وآخذك إلى إحدى ثكنات الني وي"، تجيب ليانحوا، وبعد ذلك تبدأ في تبديل ملابسي.
"وما الذي سيعلمونني إياه، وقفة الحصان وأنا مستلقٍ؟"
أسأل ليانحوا بسخرية، إذ ليست لدي أي فكرة واضحة عما يريدونه بهذا الدرس.
"لا أعرف يا زاوهوان وين. أفترض أنك ستكتشف ذلك عندما نصل إلى هناك"، تجيب ليانحوا وهي تنتهي من إلباسي.
وعندما أمعن النظر في الثياب التي ألبستني إياها ليانحوا، أفاجأ. الملابس هي قطعاً بالطراز نفسه من سترة التنورة التي ارتديتها عادة، لكنها صنعت من الكتان والقطن بدل الحرير المطرز، ودون أي نوع من النقوش.
وقبل أن يتسنى لي أن أسال شيئاً، تحملني ليانحوا من السرير وتخرج بي من الغرفة "أي أسئلة لديك، سيتوجب عليك توجيهها لمعلمك يا زاوهوان وين. لم يُخبروني بشيء حقاً".
أصغي إلى كلماتها وأبقى صامتاً ونحن نغادر الجناح برفقة ثنائي الني وي الدائم الذي يتبعنا في كل مكان، متوجهين نحو جزء من القصر لم أزره من قبل. المنطقة بعيدة عن مكان عيشنا، ومع اقترابنا أسمع أصواتاً معدنية تعلو تدريجياً. وعندما نبلغ منطقة الثكنات أرى ساحة خالية حيث تتدرب عدة مجموعات من الني وي. ومما يمكنني رؤيته، يستخدم معظمهم الرماح، مثل أولئك الذين يرافقوننا، بينما يتدرّب آخرون بالسيوف أو الأقواس.
نحدق أنا وتشي ميلان في المشهد بذهول، لكن ليانحوا تتجاهله وتتجه نحو مبنى جانبي لساحة التدريب. أجد من الغريب لبرهة أن ليانحوا تعرف إلى أين تتجه بدقة رغم كون هذه ثكنة عسكرية، لكني أطرد الفكرة، مفترضاً أنها جزء من تدريبها كفي يي، نظراً لأنها كانت تعرف دائماً المكان الذي يجب أن نكون فيه في الدروس السابقة. ندخل المبنى وما إن أخطو إلى داخله حتى يتبين لي جلياً أنه ووغوان، النظير الصيني للدوجو الياباني.
وفي الداخل، أرى جياوليو فينغ في انتظارنا.
"بما أنكم وصلتم، فقد حان وقت البدء"، تقول لنا ونحن ندخل، مشيرة إلى مساحة على الأرضية الخشبية.
"في يي ليانحوا، ضعي زاوهوان وين هنا على الأرض، مستلقياً على وجهه".
قبل أن أستطيع الاحتجاج، تذعن ليانحوا لجياوليو فينغ وتضعني على الأرض، حيث أدير رأسي إلى جانب واحد لأحاول رؤية شيء.
"زاوهوان وين، أتخيل أن لديك أسئلة كثيرة حول هذا الدرس، وهذا أمر طبيعي"، تبدأ جياوليو فينغ قائلة وهي تتخذ وضعية أستطيع رؤيتها منها.
"لذا سأشرح أسباب هذا الدرس وما سنقوم به خلال الأشهر القادمة".
"بدأ إخوتك جميعهم بممارسة تمارين خفيفة للياقة البدنية في سن مبكرة، بمجرد بلوغهم الخامسة. ولأسباب واضحة لم تُعطَ لك تلك الدروس، لكن فكرتك عن تمارين الساقين منحتني فهماً أوضح لحالتك ولعل بمقدوري المساعدة"، تتابع.
"الآن، للبدء، أطلب منك أن تحاول التقدم إلى الأمام بأي طريقة تستطيعها أو تجدها أكثر إراحة يا زاوهوان وين".
ألعن معلمتي في سرّي وأنا أفكر في كيفية فعل ذلك. أثبت ساعدي على الأرض لأرفع جذعي جزئياً وأحاول استخدامهما كرافعة لأجر نفسي إلى الأمام ببطء، بالطريقة التي رأيت الجنود يفعلونها في أفلام الحرب، لكني أسقط على الأرض بعد لحظة، عاجزاً عن الحفاظ على الوضعية أكثر من ذلك بسبب الإرهاق.
"هذا أقصى ما أستطيع فعله يا جياوليو فينغ"، أقول لمعلمتي وأنا ألتقط أنفاسسي.
تتحرك جياوليو فينغ إلى حيث يمكنني رؤيتها وتبدأ بالكلام "أنا آسفة بشأن ذلك يا زاوهوان وين، لكن هذا الاستعراض كان مهمّاً لترى بوضوح ما هو ضعفك الأبرز الآن، نظراً لحالتك. إذا أردت التحرك، فعليك الاعتماد على ذراعيك في كل شيء، وبما أنك لم تمرنهما قط، فلا تمتلك القوة ولا التحمل. لذا إن وجدت نفسك يوماً في هذه الوضعية بمكان لا يمكنك فيه تلقي المساعدة، ستكون عاجزاً تماماً عن الحركة".
تتوقف لبرهة تتيح لي فيها التأمل في كلماتها، ثم تتابع "هذا الدرس يُعطى لجميع أبناء الإامبراطور وهو أشبه بدرس للدفاع عن النفس والتمرين منه بأي شيء آخر. استهلال للوقت الذي يتعلمون فيه القتال حقاً، إن اختاروا طريق السلاح".
"لكن في حالتي بالكاد أستطيع التحرك، ناهيك عن القتال"، أقاطعها.
لا تبدو جياوليو فينغ منزعجة من مقاطعتي وتنتظر حتى أفرغ قبل أن تجيب "هذا صحيح، لكنه ليس صحيحاً تماماً أيضاً. فيما يتعلق بالدفاع عن النفس، لدي بعض الأفكار، لكن هناك ما هو أهم للقيام به أولاً".
تأتي إلى حيث أكون وترفعني عن الأرض، حاملة إياي بين ذراعيها وهي تواصل شرح خططها "أول ما يتعين علينا فعله هو جعلك قادراً على التحرك بيسر نسبي وأنت مستلقٍ على الأرض. تحقيقاً لهذه الغاية ابتكرت سلسلة من التمارين لزيادة قوة جسمك العلوي وذراعيك، إضافة إلى قدرتك على التحمل، وهو أمر سيكون بالغ الأهمية لاحقاً في الطريق أيضاً".
وبينما تخبرني بخططها تحملني إلى زاوية من الغرفة حيث أرى كرسياً ونوعاً من المقاعد أعدّت خصيصاً لي على ما يتبين. وبجانبها أرى أحجاراً بثقوب تبدو كشي سو، النظير الصيني القديم لأوزان اليد، وقضبان تشبه قضبان رفع الأثقال الحديثة وهي تونغ بانغ قطعاً.
وبعد أن تريني إياها، تواصل جياوليو فينغ شرحها "هذه معدات يستخدمها الجنود لتمرين قوتهم. بالطبع، لا أتوقع من شخص في عمرك الخضوع لتدريب مكثف، إذ سيتسبب ذلك بمشاكل صحية. لكن مع القليل من التمرين، والاستخدام الخفيف لهذه المعدات، ومساجات التشدد إلى جانب تمارين الساقين التي كنا نقوم بها مسبقاً، ستستعيد لياقتك تدريجياً وسيمنحك ذلك خيارات أكثر من مجرد الاستلقاء عاجزاً على الأرض إن حدث شيء".
أخذ نفساً عميقاً وأنا أتأمل كلماتها وأجيب "حسناً يا جياوليو فينغ. أنت تحظين بثقتي الكاملة في هذا. متى نبدأ؟"
تفرس فيني جياوليو فينغ وتتبسم "الآن، بالطبع".
وعندما أرى ابتسامتها، أشعر بقشعريرة تسري في عمودِي الفقري ولا أستطيع منع نفسي من التفكير في أن مشغل موسيقى محملاً بموسيقى فيلم روكي قد يكون تماماً الدافع الذي أحتاجه.