داو اللغة الفصل 163

اقرأ داو اللغة الفصل 163 باللغة العربية على مانجا تايم.

أغلقت أبواب القاعة الرئيسية خلف ظهري بالصوت الأجشّ والنظيف نفسه الذي فتحت به. وهناك على بعد ثلاث خطوات من آخر درجات الشرفة تقف ليانحوا وشيا. تنتظر ليانحوا واقفة وقد صلبت يديها أمامها واستقامت ظهرها بجمود تامّ. لولا أنها تحمل حقيبة ظهر ولولا أن النسيم يحرّيك طرف ثوبها لظننتها عموداً مطليّاً من الواجهة. تحمل شيا إلى جانبها حقيبة أخرى. وما إن تراني أقبل حتى يضيء وجهها بابتسامة تذبل في منتصف الطريق متذكرة أين هي ومن يراقبنا.

إذن كان الأمر صحيحاً. بينما كنت في الداخل أجيب عن الأسئلة بأفضل وجه لفتاة مذهولة في جعبتي ذهب أحدهم إلى بيتنا وأمرهم بجمع كل شيء وجلبهم إلى هنا كي لا نضيع دقيقة واحدة. لهؤلاء القوم عيوب كثيرة ولكن لا يمكن اتهامهم أبدأ بإضاعة الوقت. أخرجني التلميذ الداخلي إلى وسط المنصة ثم ودون سابق إنذار ودون تلفظ بكلمة واحدة أفلت مقعدي. كانت ليانحوا تتحرك بالفعل. وبعد ثلاث خطوات سريعة صار خلف مقعدي من جديد من يعرف ما يفعل.

لا تنبس بكلمة ولا تنظر إليه حتى. ومع ذلك وما إن انطبقت يداها على المقعد حتى شعرت بوزن المقعد يعدل نفسه ويختفي الشعور العام بقرب الانقلاب الذي رافقني طوال مدّة.

قال التلميذ الداخلي دون أن يلتفت: "اتبعاني".

وبدأنا ننحدر من الجبل بالطريق عينه الذي صعدنا منه. إلا أنني أقطعها الآن دون الوعي بشيء من ذلك. فرأسي غارق بآخر كلام الشيخ عن وقوع أمر في القصر الإمبراطوري وعليّ العودة فوراً. هذا كل ما أخبروني به ولا حرفاً زائداً. وبهذا عليّ خوض رحلة العودة إلى العاصمة. لذا ما أبتغيه في هذه اللحظة وكل ما أرومه هو بلوغ مدخل الطائفة بأسرع وقت والصعود إلى المركبة وعدم رؤية هذا الجبل قطّ بقية حياتي.

ولهذا السبب ما إن توارينا عن القاعة الرئيسية خلف منعطف الدرب ورأيت شخصاً آخر مقبلاً نحونا حتى لم يكن أول ما خالجني الفضول بل الضيق العميق والصادق. إنها شابة ترتدي سترة ذات قصّ رصين كالتي يرتديها مرشدنا وعليها التطريز ذاته على الصدر. وهذا إن أحسنْتُ فهم تسلسل المراتب هنا يعني أنها تلميذة داخلية أيضاً. تمشي بخطى حثيثة وذقن مرفوعة ولا تبطئ حتى تقف قبالتنا مباشرة.

قالت ناظرة إلى مرشدنا: "لين شون".

وهكذا فجأة وببلا مراسيم ودون ساعة كاملة على رحيلي الأبدي عرفت أخيراً اسم ذلك الرجل.

تابعت دون مقدمات: "جئت لأحل محلك. يرغب تيانيو فينغ في رؤيتهما قبل مغادرتهما".

وكان أثر هذه الجملة على لين شون فوريّاً وأكثر إثارة للاهتمام بكثير من أي ملامح رأيتها على وجهه منذ لقائي به. فكل قناع السأم المتعالي الذي يرتديه كأنه جزء من زيه قد انهار.

فأجاب وقد تبدل صوته حتى: "هذا غير ممكن يا وانغ جينغ. إنهما لا ينتميان إلى الطائفة. رؤية تيانيو فينغ شرف لا يناله إلا النادر ولا يمنح لغرباء".

نظرت إليه وانغ جينغ وجاء ردها بلا أيّ اكتراث: "طلب مني تيانيو فينغ تحديداً اصطحابها لزيارته. إن كانت لديك شكوى فاذهب واعرضها عليه مباشرة قبل أن نصل لأنني فاعلة ما أمرت به".

وأفلت مني دون أن يظهر على وجهي صوت صغير لإعجاب صادق. فقد تخلصت من الاعتراض دون نقاش وعرضت طريقاً لن يسلكه الطرف الآخر وأوضحت أنها اتخذت قرارها. عضّ لين شون على فكه وصمت لبرهة. وفي ذلك الصمت رأيت كيف يحسب الحساب الذي يحسبه أي كان بأن يزن مدى أهمية كونه على حق مقابل رغبته في الجادلة مع من يصدر هكذا أوامر.

استسلم أخيراً وبأسوأ وجه في العالم: "حسناً. لكن إن تذمر الشيوخ من هذه الزيارة فلا علاقة لي بالأمر".

فأجابت وانغ جينغ بسكينة تامة: "هذا أمر سيتعين على الشيوخ وتيانيو فينغ تسويته".

وأنا من جهتي أشهَد المبادلة من مقعدي ويداي في حجرِي وسؤال واحد يدور في داخلي بإلحاح متصاعد. ما اللعنة الجارية هنا؟ إذ طردوني من هذا الجبل على عجلة لا يليق بمكان تسير أموره بقواعد واضحة وجهزوا أمتعتي دون استشارتي وأخبروني أن أبي أرسل نداءً عاجلاً. والآن وحين أنحدر فعلاً يظهر أحدهم في منتصف الطريق ليأخذني في زيارة يعدّها تلميذ داخلي شرفاً يكاد يكون متخيّلاً. ومع كل ما ينتظرني في نهاية هذه الرحلة فأقل ما أحتاجه هو الانعطاف.

لكن في الوقت عينه ورغم قضائي وقتاً أحاول تجاهله فهناك ما لا يريحني في كون هذا الاسم مألوفاً لي. لا أعلم من أين ولا متى. غير أن تيانيو فينغ اسم سمعته أو قرأته من قبل. لم يضف لين شون شيئاً آخر واكتفى بنظرة أخيرة ليس لي خصوصاً بل لنا نحن الثلاثة مجتمعين بتعبير من يغسل يديه من أمر يفوح منه رائحة كريهة. ثم استدار وشرع يتسلق طريق العودة بظهر شديد الاستقامة. وحينئذ استدارت وانغ جينغ نحونا.

وقالت: "إن تفضلتن بمرافقتي".

وهزّتني تلك الكلمات أكثر مما سبق مجتمعاً. فمنذ ثلاثة أسابيع وعلى هذا الجبل لم يخاطبني أحد قط بتلك الصيغة. هنا تصامر الأوامر أو تشار الإشارات أو تنقل الأنباء. لكن لا تُطلب الأمور بلطف. غير أنني لاحظت أن ليانحوا لا تحراك. لا تنطق بكلمة ولا تعترض ولا تأتي بحركة يفسرها ناظر عادي. لكني قضيت اثني عشر عاماً معها وأدرك تماماً معنى بقاء يديها ساكنتين على المقعدين.

قلت لها: "اتبعيها يا ليانحوا".

فأطاعت فوراً دون سؤال. فتلك هي ليانحوا. وما لم أخبرها به لعدم الحاجة للنطق به ولأن جدران هذا الجبل ربما فاقت آجامها الآذان هو التعليل الكامن خلفه. وهو أنه لو أراد أحدهم هنا إلحاق الأذى بي لما احتاج إلى مسرحية كهذه. ناهيك عن تلميذة تأتي لإعفاء تلميذ آخر أمام شهود. ولو أراد أحدهم التخلص مني لكان عليه سوى انتظار مرور المركبة بمنعطف سيء من الطريق لتنفيذ الأمر بكثير من الكتمان.

إذن مهما يكن هذا الأمر فليس فخاً بل شيئاً آخر. وبهذه الفكرة المستقرة عقل-ياً شرعنا في المشي. لم تعيدنا وانغ جينغ إلى الطريق الرئيسي. بل انحرفت بعد خطوات معدودة نحو فرع جانبي لم أره حتى. ومن هناك تغير المشهد. طريق يلتف حول الجبل لا يصعده ولا ينحدر منه. عريض من تراب مدكوك وحجارة ركبت في المقاطع التي يتطلبها التضاريس حصراً. يمتد بين الصنوبر ويطل بين الحين والآخر على منظر الوادي بالأسفل ويصعد ويهبط بلا انطلاق على منحدرات طويلة وهادئة.

ولا درجات فيه. ولا درجة واحدة. استغرقني وقتاً طويلاً لأدرك ذلك. وما إن فعلت حتى عجزت عن منع نفسي من التطلع إلى الطريق بمزيج غريب للغاية من الارتياح والريبة. فقد قضيت ثلاثة أسابيع ألعن هذا الجبل لنقيض هذا تماماً. فهنا توجد درجات حتى لبلوغ الباب المجاور. درجات لا حاجة لأحد بها ووضعت لكونها أنيقاً من المنحدر. وفجأة يبرز طريق طويل ومعتنًى به ومصان تماماً يطوف بالجبل بأسره بلا خطوة واحدة.

بناه أحدهم هكذا عمداً. والسببان اللذان يحضرانني لبناء طريق بلا درجات هما اثنان أساساً؛ إما أنه صُمم للعربات أو لما لا يستطيع صعد الدرجات. لكن احتفظت بالملاحظة لنفسي. وبينما تدفع ليانحوا وتمشي شيا بجانبنا لاهثة من الجهد كرست نفسي لأمر مفيد وحيد أقدر عليه الآن وهو البحث عن ذلك الاسم اللعين. وهنا ألعن من جديد حقيقة خلوّ مباركتي من شريط بحث. لأنني أستطيع تذكر كل كلمة قرأتها وكل كلمة سمعتها منذ يوم فتحت عيني في هذا العالم.

نعم. لكن ذلك لا يعني قدرتي على القفز المباشر حيث أشاء. لا اختصارات ولا فهرس ولا ما يماثله. وما أقدر عليه هو عادتي الدائمة؛ أبدأ بشد الخيط وقراءة حياتي عقلياً حتى أظفر بالطرف الآخر. تطلب الأمر وقتاً لكنني وجدته ووجدته مبكراً جداً في حياتي حتى كادت قهقهة تفلت مني. فقد حدث ذلك في يوم بلوغي الشهر. قاعة العرش. أمي راكعة. الجنرال هان شين إلى جانب أبي. زينة من طيور الفينيق واللوتس في كل مكان وأنا محولة إلى لفة حرير تعجز عن تركيز بصرها أبعد من شبرين ممددة على وسادة فوق مذبح.

وإلى جانب الوسادة الختم الإمبراطوري. وإلى الجانب الآخر ريشة. وصوت الخصي لي مينغ لكونه ما زال خصياً حينذاك يرتدي المباركات الطقسية بنبرة موظف سئم حفظ النص عن ظهر قلب. وواحدة منهن تسأل بوضوح أن تحميني ريشة تيانيو فينغ من كل الشرور. وما إن عُثر على الخيط الأول حتى تلت البقية تلقائياً. فمنذ ذلك الحين قرأت الاسم مرات عدة ودائماً عرضاً وفي النمط ذاته من الفقرات المهيبة بلا تفاصيل ومصحوبة بالصيغة عينها.

تيانيو فينغ، وحش الإمبراطورية الحارس. وأنا حينها فعلت بذلك التعبير تماماً ما يفعله أي كان بتعبير يرد في كتاب تاريخ بين خمسين تعبيراً فخماً مماثلاً؛ أي تصنيفه كلقب تكريمي أو جزء من أساطير الإمبراطورية الطقسية. وحش حارس حقاً. لكن يخطر لي وليس للمرة الأولى أنني كان حريّاً بي إيلاء اهتمام أكبر بالكلمات التي يستخدمها أهل هذا العالم عند الحديث عن أمور كنت أعدّها جزءاً من أسطورة.

كنت أقلب الأمر في رأسي عندما توقفت وانغ جينغ. فرفعت بصري لأكتشف انتهاء الطريق. أمامنا انفتح الجبل على صدع. إنه مدخل أخدود ضيق محشور بين جدارين صخريين يرتفعان بشبه عمودية وبأرضية من الحصى ودون شجرة واحدة ودون شجيرة ولا حتى نصل عشب وحيد في المدى الذي أدركه.

قالت وانغ جينغ: "من هنا يتوجب عليك المضي وحدك".

وللمرة الأولى منذ ظهورها لمست في صوتها ما لا يرتبط باللياقة المهنية.

"سأنتظرك هنا. وحين تخرجين سأرشدك إلى مخرج الطائفة".

نظرت إليها ونظرت إلى الأخدود ثم أعدت نظري إليها. وكما فعلت طوال الصباح لم أملك سوى المضي أردت أم لم أرد.

قلت لها: "يا ليانحوا. تقدّمي".

الأخدود ليس طويلاً. قدرت أن المرء يجتازه في مشي طبيعي خلال دقائق معدودة. ومن المدخل يكاد يتبين ضوء النهاية. لكننا لم نجتز خمسين خطوة حتى بدأت أشعر بالحرارة. في البداية عزوت الأمر إلى البديهي؛ أننا في منتصف الصيف وأننا قضينا وقتاً طويلاً نتحمل تدفق طاقة كي الذي حول الإامبراطورية بأسرها إلى فرن وأن ولوج جدارين صخريين عند الظهيرة ليس بالشيء المنعش. لكن عند المائة خطوة أدركت يقيناً انتفاء ذلك.

فالحرارة لا تنبعث من الأعلى بل تقبل من نهاية الأخدود. أحسست بها في الهواء الصاعد من الحصى واللاطم وجهي. وأحسست بها في اضطراب الجو عند ارتفاع ركبتي. ليست حرارة الشمس الضاربة في الصخر والمنعكسة بل شيء منبثق من الهواء ذاته ومتصاعد مع كل خطوة نخطوها صوب النهاية باطراد تام ومنتظم. كأننا نقترب من موقد مشتعل في نهاية ممر. وفي تلك اللحظة مع احتراق حُنجرتي بالهواء وسيل العرق على ظهري جمعت القطع الثلاث.

اسم منتهي بفينغ. أثر مقدّس يتمثل بريشة. حرارة منبعثة من أخدود لا ينبت فيه شيء بتاتاً. وتشكلت في داخلي ريبة جبارة وعبثية ومستحيلة حتى إنني لم أجرؤ على إتمام التفكير بها ومع ذلك غمرتني بأمرين معاً؛ بترقب اقشعر له بدني وخوف معقول تماماً. راحت الحرارة تتصاعد مع تقدمنا. وتتصاعد لحد لم يعد إزعاجاً بل ما يعيه الجسد تحذيراً. جفت حنجرتي في نفسين وغدا جلد وجهي مشدوداً كأنني اقتربت كثيراً من موقد جمر.

أبطأت ليانحوا ولم تنطق بشيء فليانحوا لا تنطق قط. لكنها أبطأت. وقمت بالتقدير الوحيد الممكن؛ جلبنا إلى هنا تلميذ للطائفة أتى خصيصاً لاصطحابنا وتجادل مع تلميذ آخر أمامنا وأرشدنا لمدخل هذا المكان كله بأمر من شخص ينطق اسمه بخشوع. ومهما بلغت العبثية في هذا العالم وهي بالغة فستكون طريقة معقدة بفظاعة لحرق فتاة.

قلت لها: "يا ليانحوا. تجاہلي الحرارة وتابعي التقدم".

فأجابتني: "حاضر يا تشاوهوان وين".

وتقدمنا صوب الحرارة. الأمتار الأخيرة كانت سيئة إذ تسببت الحصى المفككة بانزلاق العجلات. والهواء المحترق داخل رئتيّ والمحترق لدى خروجه يكلف كل نفس ثمناً. لكنني لمحت من طرف عيني شيا والمسكينة في حالة مزرية. منحنبة تحت حقيبة الظهر وبوجه بلون لم أره قط عليها وبفم مفتوح بحثاً عن هواء لا فائدة منه هنا وذاك التعبير للبغل العنيد الذي ترتديه كلما عقدت العزم على عدم الشقاوة حتى لو شطروها نصفين.

ولم أنوِ بلوغ غايتنا ومسكينة مغشي عليها عند قدمي. فجمعت طاقة كي حولي واستخدمت قبضة التنين عليها. انفصلت شيا عن الأرض وأطلقت صوتاً مكتوماً نوعاً ما للدهشة ربما أضحكني في ظرف آخر. لكن الاهتمام الأوحد حالياً توقفها عن جرّ وزنها وأمتعتها عبر الفرن. وما إن شعرت بإمساكي بها حتى رأيتها ترتخي قليلاً. وهكذا معلقة في الهواء كفانوس صغير واصلت التقدم معنا. وإن رآنا أحد فأنا أعلم ما سأقوله؛

وهو ذات الكلام المعتاد في القصر الإمبراطوري بأن مالك قبضة التنين هي فاي يي خاصتي لا أنا. وهكذا بشيا العائمة وليانحوا الدافعة وعضّي على أسناني للحفاظ على التركيز وسط هذه الحرارة قطعنا الأمتار الأخيرة وخرجنا من الأخدود. وأول ما تنبهت إليه لحظة عبور خط الظل الفاصل لنهاية الجدران الصخريّة هو زوال الحرارة. لا هبوط ولا تخفيف. بل تلاشت دفعة واحدة. ومحلها حلّ ضباب ناعم ومنعش لمس وجهي بلطف صباح ربيع.

كان التغير حاداً لدرجة توقف ليانحوا المفاجئ فكان ما تنبّهت إليه ثانياً هو مكاننا. وادي هائل مغلق من كافة الجهات بجدران جبلية ومفروش بعشب أخضر لم أره منذ بدء التدفق ومليء بضباب يلطف كل شيء ويجعل جدران الأفق تبدو أبعد بكثير مما هي عليه. وفي وسط الوادي وبمفردة يرتفع شجرة. وأقول يرتفع لعدم حضور تعبير آخر لضخامتها الهائلة. شجرة ضخمة ببلادة تستغرق الدماغ ثوانٍ لاستيعاب حجمها.

بجذع يحتاج لثلاثين شخصاً متماسكي الأيدي لإحاطته وقحاءة بلون أخضر رمادي باهت وتاج من أوراق عريضة يمتد فوق الوادي كأنه سقف. ويعلوها محشوراً في التتاج عشّ. عشّ هائل بحجم فناء. ولا يبدو مصنوعاً من فروع مبعثرة متراكمة بل شبيه بمنصة مبنية تماماً بلون ذهبي يلمع بتموجات بطيئة بفضل الضوء المتسلل عبر الضباب. وقفنا نحن الثلاثة نتأمل بصمت وبقيت شيا عائمة لنسياني التام إنزالها.

شجرة باراسول صينية. أو شجرة ووتون ملعونة إن كنت مصيبة. وهنا وجب عليّ الإقرار لنفسي وبأقصى أمانة أستطيع حشدها بأنني عرفت الأمر تماماً منذ الأخدود وتجاهلته لجبن عقلي بحت؛ ففي الأرض التي أتيت منها لا يعدو الأمر أسطورة. وتلك الأسطورة لا ترتضي الهبوط إلا على نوع واحد من الأشجار. وعندها انطلق من العشّ صرخ. صوت لا يشبه شيئاً سمعته في حياتي. طويل ونظيف وناصع يرتد من جدار لجدار في الوادي بأكمله حتى كأن الضباب ذاته يرتجف معه.

وعقب تلك الصرخة برزت من العشّ هيئة. ارتفعت تلك الهيئة فوق تاج الووتون ناشرة جناحيها لتملأ الوادي بأكمله بالألوان. وبضربتي جناح بعثتا عاصفة ريح دافئة دفعت شعري للخلف هبطت وترجلت أمامنا. تأملت بذهول الهيئة المترجلة أمامنا رغم شكوكم السابقة. فلا شيء هيّأني لرؤية النظير الشرقي للفينيق المعتبر في أساطيره السلف الأسمى لكل الطيور. لذا ومن خلال بلع ريقي تأملت الهيئة المستحيلة الماثلة قبالتنا.

إذ هناك على بعد أقل من عشرة أمتار يرتفع فينغ.