حين سمعت سؤال الشيخ، كدت أصفق. كان هذا السؤال ما أردت منهم طرحه منذ اليوم الذي ألصقت فيه ليانحوا أول تعويذة طفو على جانب مقعدي عند مدخل الطائفة، وصار عليّ الآن الإجابة عنه تماماً كما خططت لها مسبقاً. غير أني أدرك وجوب أداء الدور باتقان، فأرخيت نظري نحو يديّ، وأسقطت كتفيّ أكثر، وتحدثت بنبرة من أمضى صباحه مفكراً في أمر واحد، ليتذكر فجأة شيئاً يؤلم.
بدأت قائلة: "كما يخيل للسيادة الشيوخ سلفاً، كنت لفترة تلميذة لمعلمة تعاويذ أتت من خارج الإمبراطورية".
لم يؤكد أحد ذلك، ولم تكن ثمة حاجة أصلاً، إذ رأيت بوضوح كيف استقر اثنان أو ثلاثة منهم في مقاعدهم بأقل حركة. هم يعلمون بالطبع.
تابعت قائلة، وهنا جعلت الأسف يبدو، وهو شعور لم أحتج حتى إلى افتعاله: "لسوء الحظ، لم تأتِ أبداً لإعطائي كل الدروس التي تعاقدت عليها".
وأردفت: "ولا استطعت إتمام الدراسات التي برمجناها، نظراً لأن وصول طفرة طاقة النار أجبرها على مغادرة الإمبراطورية مبكراً إلى حد بعيد".
رفعت بصري متظاهرة بالأسى.
وأخبرتهم: "وقبل رحيلها، تعويضاً عن كل الدروس التي لن تستطيع منحها إياي، تركت لي عدة هدايا".
ثم صمتّ دافعة الصمت ليقوم ببقية العمل وحده، فبقية العمل لا تخصني. ونجح، يا له من نجاح. رأيته يرسم على وجه تانغ بو أولاً، ثم ينتشر عبر المنصة كبقعة زيت، ذلك التعبير المحدد لمن للتو ركب قطعتين معاً وبقي راضياً لإنجازه الأمر بنفسه. معلمة تعاويذ، هدايا وداع، وتعويضات عالية المستوى في يد فتاة لا تعرف كيف تصنعها حتى لو أرادت. وكل ما قلته للتو حقيقي، كل جملة وكل كلمة. كنت تلميذتها، ولم تعطني كل الدروس، ولم أتمم دراستي، وغادرت مبكراً بسبب الطفرة، وتركت لي هدايا قبل ذهابها.
كل ما فعلته هو وضع ذلك كله في الفقرة نفسها والصمت في الوقت المناسب. رغم أني لا أستطيع الاسترخاء تماماً، فهناك سؤال واحد من شأنه إسقاط كل شيء. يكفي أن يسألني أحدهم إن كانت التعويذات هي تلك الهدية لأضطر للإجابة بلا، ومن هناك يتغير طابع الاستجواب تماماً. لكنهم لم يسألوه، ولم يسألوه لأنهم وصلوا سلفاً إلى إجابة خلصوا إليها بأنفسهم، والناس لا يعيدون أبداً النظر في الاستنتاجات التي يعتقدون أنهم توصلوا إليها بأنفسهم.
قالت عندئذ امرأة أخرى، وهي العجوز ضئيلة البنية، تلك التي يكاد يبتلعها المقعد: "صن وين".
تحدثت ببطء، بصوت نحيل يستدعي بذل جهد بسيط لسماعه، وللمرة الأولى منذ دخول هذه القاعة انتابني شعور بأن أحدهم ينظر إلي لا إلى مشكلة إدارية.
"حدثيني عن حالتك".
رمشت.
سألتها بشيء من الريبة: "عن حالتي، سيدتي الشيخ؟"
حددت قائلة: "عن الصعوبات التي تفرضها عليك. في الحياة اليومية. ليس ما تمنعك من فعله نظرياً، بل ما تلزمك بفعله كل صباح".
وبقيت لحظة لا أدرك كيف أتناول ذلك السؤال، فقد أمضيت عشرين دقيقة أقيس كل مقطع، وأحسب ما أقوله وما أكتمه، وفجأة يسألونني السؤال الوحيد في المقابلة بأكملها حيث لا شيء البتة للحساب. الحقيقة هنا هي أسوأ إجابة ممكنة سلفاً دون الحاجة لتزيينها.
أجبتها، وهذه المرة خرج صوتي مختلفاً، أكثر تسطحاً: "أحتاج إلى المساعدة في كل ما يتعلق بالحركة، سيدتي الشيخ. للنهوض من السرير والخود إليه. وللتزين، ولصعود أي درج، وللأكل، فلن أبلغ وحدي الأطباق الأبعد مني، مثلما أحتاج لمن يناولني أغراضاً لا أستطيع الذهاب مشياً لجلبها".
توقفت، فلست معتادة على قول ذلك كله دفعة واحدة وبصوت عالٍ، واكتشفت أنه يبدو مزعجاً أكثر مما توقعت.
أنهيت قائلة: "لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان بمفردي. إلى أي مكان. إن اختفت وصيفاتي غداً، لبقيت في مكاني حيث تركنني ما لم ألقِ بنفسي على الأرض وأشرع في الزحف".
بقت القاعة صامتة بعد كلامي، وأومأت العجوز الضئيلة ببطء شديد بضع مرات، دون قول المزيد، وفي طريقة قيامها بذلك أمر لا يتطابق تماماً مع بقية هؤلاء الناس ولا أعرف كيف أفسره، لذا قررت عدم تركه جانباً الآن واحتفظت به لأفكر فيه بهدوء حين أكون بالخارج. التالي في الكلام كان رجلاً من الجانب الأيمن، الأصغر سناً بين الثمانية، بوجه يبدو انعكاساً لحبه طرح الأسئلة.
قال بلا مقدمات: "كتابك. رحلة إلى الغرب. من أين جئت بالأفكار؟"
وكدت أطلق قهقهة، فمن بين كل الأسئلة التي يمكن توجيهها لي في هذا المكان، يحمل هذا السؤال الإجابة الأكثر إمتاعاً.
أجبته بكل هدوء العالم: "من روايات خيالية، سيدتي الشيخ. من تلك التي طالما قرأتها طوال حياتي. معظم الأفكار ليست ملكي، بل كانت ببساطة موجودة في أشياء قرأتها وكتبتها بطريقتي الخاصة".
وهذا صحيح تماماً، إلا أن كلمة حياة تتسع لأشياء أكثر مما يتخيله هذا السيد، إذ أشك في قدرة أي شخص على اكتشاف احتفاظي بذكريات حياة أخرى غير هذه.
علق قائلاً: "لم تختلقيها من الصفر إذن".
سلمت فوراً: "أنت محق، أيها الشيخ".
وانحنى إلى الخلف في مقعده بهيئة من خفض لتوّه سعر سلعة، دون أن يشتبه للححظة في أني أعطيت للتو الإجابة التي أرتم إعطاءه إياها.
وتدخل عندئذ وي لين، النحيل، الذي لم ينتهِ مني وضوحاً، قائلاً: "وبما أننا نتحدث عن ذلك. تُعزى إليك ليس إلا اختراعات قليلة. المطبعة، من بينها. اشرحي لنا كيف يخطر أمر كهذا على بال فتاة في عمرك".
وأعرف هذا أيضاً، إذ أخشاه منذ مأدبة الشيخ فنغ.
أخبرته: "لم أختترع شيئاً لم يكن موجوداً من قبل، أيها الشيخ. كانت هناك أختام، وحبار، وورق".
رفعت يدي قليلاً، مشيرة إلى شيء غير موجود هناك.
أردفت: "أولئك الذين قاموا بالعمل الحقيقي هم الحرفيون. كان عليهم حل كل المشكلات التي لم أكن أعلم حتى بوجودها، وكانت كثيرة، واستغرقهم الأمر شهوراً للقيام بذلك".
وبقيت مرتاحة تماماً لأني قلت الحقيقة، حتى وإن كانت المطبعة موجودة حقاً في عالم آخر. نفخ وي لين عبر أنفه، وفي تلك النفخة أمر يطمئنني هائل الاطمئنان، فهي نفخة من لم تعجبه الإجابة.
تابع الشيخ زهاو كوان، الضخم، مغيرًا الموضوع بفظاظة من لا يحتاج إلى الدبلوماسية: "وصيفاتك. تلك التي هزمت تلميذًا لهذه الطائفة على المنصة. أي تقنيات تستخدم؟"
وهنا شد بطني قليلاً، لأن هذا السؤال خطير حقاً.
أجبته بأحرص انحناءة أستطيع تكوينها: "أرجو أن تغفر لي، أيها الشيخ. لكن قيل لي قبل مجيئي إن تقنيات كل شخص في الطائفة شأن خاص وإن السؤال عنها خطيئة جسيمة. لا يليق بي الحديث عن تخص شخص آخر".
ثم، قبل أن يتضايق، قدمت له شيئاً بالمقابل، فمن غير المستحب قط إغلاق باب دون فتح نافذة.
أضفت: "ما يمكنني قوله هو أن ليانحوا تعلمت القتال قبل فترة طويلة من دخول خدمتي. لقد اقتصرتُ ببساطة على اكتساب وصيفة كفؤة وتعزيز مستوى زراعتها".
نظر إلي زهاو كوان مطولاً، وبدا أنه سيعترض، لكنه استسلم أخيراً على ما يبدو.
تمتم أخيراً بتردد شديد: "صحيح".
وتلك الكلمة، المنطوقة بذلك الوجه، هي باليقين أقرب شيء إلى النصر سأظفره من هذه القاعة.
سألت العجوز ذات الشعر الأبيض عندئذ: "كم جذراً روحياً تملكين؟"
أجبت بلا تردد: "لا أعرف، سيدتي الشيخ. لم أفتح البوابات، وحتى أفعله لا سبيل لمعرفة ذلك".
"وماذا تعتقدين باستطاعتك تقديمه لهذه الطائفة؟"
وهنا، للمرأة الأولى طوال المقابلة، وخز مؤخرة عنقي، لأن ذلك السؤال لا يشبه البقية. سعت الأسئلة السابقة كلها وراء حقيقة، بينما يسعى هذا لكي أبيع نفسي. وأي إجابة تبدو كطموح، كمشروع، أو كتعطش، مهما صغر، ستتحول فوراً إلى خطّاف يُجذب منه، لذا لم أمنحهم ما يمكن الإمساك به.
رددت، سامحة للانزعاج بالظهور في صوتي لأنه يناسبني ظهوره: "لا أستطيع إجابتك، سيدتي الشيخ. لا أعرف الطائفة بما يكفي لأعلم ما تحتاجه. أنا هنا منذ ثلاثة أسابيع ولم أبارح البيت الذي خُصص لي".
وذلك، فضلاً عن كونه حقيقة، عتاب صغير مغلف بورق هدايا لا يستطيع أي من الثمانية التقاطه دون أن يبدو بمظهر من عزل طفلة في الثانية عشرة لتوتيرها.
سألت المرأة الثالثة، التي لم تفتح فمها حتى الآن: "ماذا تنوين فعله حين تبلغين سن الرشد؟"
وهنا لا أضطر لافتقار أي شيء إطلاقاً، إذ انقبض بطني دفعة واحدة وأغلقت يدي تلقائياً على قماش تنورتي القصيرة، وحين فتحت فمي خرج صوتي أصغر مما قصدت.
قلت: "عليّ بعد مناقشة الأمر مع والدتي، سيدتي الشيخ".
وهي الحقيقة الأعظم والأكمل التي سأقولها هذا الصباح، لأن أمي وعدتني بمحادثة مطولة حول كل خياراتي، ولأنه إلى أن تحدث تلك المحادثة ليست لدي أدنى فكرة عما تكونه تلك الخيارات، ولا عن كمية ما يتضمن منها شيئاً أستطيع اختياره بحرية. على المنصة، تمتم أحدهم بشيء لم أتمكن من سماعه. ولا يعنيني أبداً ما قد يكون، ففتاة ترتبك عند سؤالها عن مستقبلها وتجيب بضرورة استشارة والدتها هي تحديداً نوع الفتاة التي لا تبدي أي منظمة تحترم نفسها أدنى اهتمام بتجنيدها.
قال صاحب اللحية الرمادية عندئذ، وفي نبرته ما يوحي لي ببلوغنا النهاية: "الشيخ شين تشي. أظن أننا سمعنا ما يكفي عن ذلك الأمر".
ثم انحنى هو نفسه قليلاً إلى الأمام في مقعده، مستنداً بمرفق على مسند المقعد، وطرح السؤال الأخير.
قال: "صن وين. كيف تشعرين حيال القدوم إلى الطائفة؟"
وهأنذا، السؤال الذي استهدفه كل ما عداه، مطروح بنبرة خفيفة للغاية، شبيهة بمحادثة ما بعد العشاء، بحيث يظنه من لا يعلم ما يخفيه تحته. ولهذا الاستفسار أخذت أعد نفسي منذ فترة طويلة قبل مغادرة العربة للقصر الإمبراطوري.
أجبته، وبطء، بالاحترام الذي يقر به المرء بأمر جلي: "طاقة المكان هذه أغفر بكثير من تلك التي خارج أسواره، سيدتي الشيخ. لقد لاحظت ذلك منذ اليوم الأول وسيكون من سخف إنكاره".
تركت الأمر يهدأ ثانية، لأنه حقيقي ولأنه يتطلب بقاءه معلقاً هناك.
أردفت: "لكن بحكم وضعي، سيغدو من الصعوبة بمكان إقامتي هنا".
ولم أضف شيئاً، سوى بيانين صادقين تماماً، وُضِعَا أحدهما تلو الآخر، سيقرؤهما أي شخص ذي عقل كرفض مهذّب، ورغم ذلك لا ينكران شيئاً، فالمأخوذ به أولاً هو مديح صادق لطاقة هذا الجبل التي قضيت ثلاثة أسابيع في نهبها بكل وقاحة العالم، والثانية وصف دقيق لما يحل بعاجز في مكان شُيِّد على أساس السلالم. إن وُجدت هنا أي تقنية قادرة على كشف الكذب، فستكون في هذه اللحظة نائمة كطفل رضيع.
راقبني الشيخ ذو اللحية الرمادية مطولاً، ثم مسح بنظره المنصة، من اليسار إلى اليمين، بلا عجل، ولم يفُتني أن شيئاً يُقال في القاعة حتى وإن لم أسمع شيئاً البتة. واعتدل أخيراً في مقعده.
أعلن: "انتهت المقابلة".
أخرجت الهواء ببطء وانحنيت قدر الإمكان، مستعدة لشكرهم على العناء بأطول صيغ وأكثرها صقلاً في جعبتي. لكن لا وقت لذلك، لأنه استمر في الكلام.
قال: "هم بانتظارك بالفعل ليأخذوك إلى مدخل الطائفة. العربة التي أتت بك تنتظر هناك وقد أُمِرَ وصيفاتك، بينما كنت هنا، بجمع كل أغراضك".
وبقيت منحنياً بنصف انحناءة، فمن بين كل الطرق التي تصورت انتهاء هذه المقابلة بها، لم يتضمن أي منها طردي من الجبل قبل الغداء. اعتدلت ببطء، وسعياً للتهذيب، طرحت السؤال الوحيد القابل للطرح دون تحول إلى وقاحة بينما أقيس كل كلمة باهتمام بالغ.
قلت: "أشكركم جزيل الشكر على ترتيب كل شيء، سيدتي الشيخ. لكن، إن سُمح لي بالجرأة، هل لي بسؤال سبب هذه العجלת؟"
وأجاب دون إعطاء الأمر أدنى أهمية، بالصوت نفسه الذي قال به كل شيء آخر.
قال: "تلقينا إشعاراً عاجلاً من صن هاو. حدث أمر ما في القصر الإمبراطوري وعليك العودة فوراً".
وفي رأسي، تكامل كل شيء دفعة واحدة. استدعاء صباح اليوم بلا إعلام مسبق، بلا رسول في اليوم السابق، بلا منح حتى الوقت الممنوح لأي شخص لإعداد نفسه. المقابلة المتسرعة، التي تمت جرياً، وحُسمت في عشرين دقيقة ونصف المقاعد فارغة. لم تكن الخطة. أو كانت، لكنهم أُجبروا على تنفيذها قبل الأوان. هؤلاء الثمانية لم يأخذوني من فطوري لإنهاء لعبتهم الصغيرة الخاصة بالأعصاب، بل أخذوني منه لوجود إشعار عاجل من الإمبراطور يلوح فوق رؤوسهم ولم يستطيعوا تركي أغادر دون إجراء المقابلة.
وفي اللحظة ذاتها التي أدركت فيها ذلك، أدركت أمراً آخر. أن والدي، الرجل الذي يحكم إمبراطورية تيانجين، ارتأى أن أي شيء حدث يبرر إرسال إشعار عاجل إلى طائفة لتعيد له ابنته بالسرعة القصوى. ولاحظت كيف بدأ خيط عرق بالانزلاق تدريجياً على ظهري. خلفي، انفتحت الباب المزدوجة مجدداً وسمعت خطوات التلميذ الداخلي تعبر القاعة لجلبي. انحنيت للمرة الأخيرة، وقلت ما يجب قوله ولم أستوعب حرفاً مما أنطق به لأن رأسي كان في مكان آخر.
وضعته عند امرأة لا ترغب إلا في الرسم، تحمل دائماً سلامتي في بملكا وحاربت لتقوم ابنتها بهذه الرحلة في أفضل عربة بالإمبراطورية مع حراسة من ني وي لكونها الطريقة الوحيدة لمرافقاتي دون القدرة على المجيء. أغلقت يدا التلميذ على مقبضي مقعدي وشعرت بالشد المباغت للبدء. وبينما عبرت العجلات العتبة وأغلقت الأبواب خلفي، شرعت أصلي للسماوات ولمن يُمسي مستمعاً بأن لا تكون العجلة بسبب والدتي.