أصغي إلى ليانحوا دون أن أقطعها مرة واحدة، وهو إنجاز كبير من جانبي بالفعل، بينما تروي لي بذلك الصوت الهادئ والمرتب الذي تستخدمه لتوثيق كل ما جرى هذا الصباح منذ أن وطأت قدماها خارج البيت وحتى لحظة تسلقها الدرب عودةً. ومع تقدم السرد، ومع ترابط القطع تدريجياً وإدراكي أخيراً كيف تحولت مهمة بسيطة كنزول لجلب الطعام إلى مبارزة، ألاحظ كيف يبدأ غرز بالاستقرار بين حاجبَيّ.
وحين تنتهي، أكون قد قرصت جسر أنفي بإصبعين وأطلقت زفرة طويلة من الاستسلام. أبقى لحظة على تلك الحال، عيناي مغمضتان وأصبعي على الموضع بين حاجبَيّ، أرتب الكلمات قبل النطق بها، لأن أمراً واحداً واضح لدي، وهو أنني لا أريد لها أن تبدو كعاتب، حتى لو كانت كذلك في العمق قليلاً.
«ليانحوا»، أقول أخيراً، خافضاً يدي.
«إن لم يكن خوض تلك المبارزة ضرورياً، ما كان يجب أن تفعليها».
تنظر إلي دون أن تبدل تعبيرها، وهو ما تفعله دائماً حين تيقن أنني لم أفرغ بعد، فأتابع.
«وحين أقول ما كان يجب أن تفعليها، فأنا أقصي ذلك تماماً»، أضيف.
«بغض النظر عما قاله أي تلميذ عشوائي. لا يهم ما تفوه به، ولا يهم كم كان فظاً، ولا يهم كم استحقها. إن لم تكن المبارزة مطلوبة، فما كانت مطلوبة، وانتهى الأمر».
تدع ليانحوا لحظة تمر قبل الإجابة، مقدرةً، كما تقدر كل شيء دائماً.
«ما كان لي أن أتدبر الشتائم لتمر، ژاوهوان وين»، تخبرني بعد هنيهة، بتلك السكينة المستفزة التي تستخدمها حين تتأكد من صوابها.
«نحن في مكان كالطائفة، موقع يعتقد فيه كل من هو بالداخل أنه أحق بالازدراء لكل من هو بالخارج. في بيئة كهذه، إعطاء مظهر الضعف ليس فكرة حسنة. إن تركتهم يشتموننا اليوم بلا عواقب، فغداً سيشتموننا بحماس أكبر، وفي اليوم التالي سيقومون بما هو أسوأ من الشتم».
أصغي إليها، أومئ ببطء كأنها أقنعتني، ولا أقول ما أفكّر فيه حقاً. لأن ما أفكّر فيه حقاً هو أن هذا ليس السبب. أو ليس السبب كله، على الأقل. أعرف ليانحوا، أعرفها أفضل من معرفتي لنفسي في بعض النواحي، وأعرف تماماً كيف أقرأ ما يتوارى تحت ذلك التعليل المرتب والتكتيكي الذي طرحته علي لتوها بأكثر وجوه العالم حيادية. أعرف أن الشتائم لم تكن موجهة إليها، بل إلي، وأعرف أن ما دفعها لرفع يدها لم يكن حساباً بارداً حول جدوى إبراز القوة، بل شيئاً أبسط بكثير وأقل قابلية للاعتراف، وهو أن أحداً بصق على اسمي أمامها ولم تكن مستعدة لابتلاعه.
لكنني أعرف أيضاً أن جدالها في ذلك هو إقحام لنفسي في زقاق مسدود. وأنه إن صرحت لها علانية بما أشك فيه، فسوف تنكره بذات الصوت المسطح الذي تنكر به برد الشتاء وسنقضي نصف ساعة ندور حول ذات الحجر دون قطع خطوة واحدة، لذا لا أفعله وأدعه يمر. غير أن هناك أمراً آخر لا نية لي في السماح له بالمرور بأي شكل.
«انظري، ليانحوا»، أقول لها، ويخرج صوتي الآن بشكل مختلف، أخفض وأصلب.
«ما يظنه بي بعض الناس الذين أتمنى، من كل روحي، ألا أراهم أبداً فيما تبقى من حياتي، يعنيني أقل بكثير مما تظنين. أن يعتبروني ضعيفاً، أن يعتبروني عديم الفائدة، أن يضحكوا من وراء ظهري حين أدير ظهري، كل ذلك لا يعنيني أبداً، لأنني في اليوم الذي أغادر فيه من هنا لن أتقاطع مع أي منهم قط. لكن ما يعنيني، ما يعنيني كثيراً، هو أن تنتهي في إحدى تلك المبارزات مجروحة دفاعاً عن كبرياء لا يعنيني».
أراها تفتح فمها، تأخذ نفساً، وأعرف تماماً ما يأتي، لأنني رأيته يأتي مرات عديدة لدرجة أنني أستطيع سرده كلمة بكلمة، لذا أقطع عليها الطريق قبل أن تبدأ.
«أعرف مسبقاً ما ستنطقين به»، أقول رافعاً يدي.
«لكن ذلك لن يجعلني أغير رأيي، لذا احتفظي به».
أتنفس بعمق، وأحول ما كان سيغدو التماساً إلى الشيء الوحيد الذي أعرف أنها ستطيعه بلا احتجاج.
«وبما أنك لن تصغي إلي إن طلبت لطيفاً، فسأطرحه عليك كأمر»، أتابع.
«بينما نحن في هذه الطائفة، إن طلب منك أحدهم مبارزة مجدداً، أياً يكن ومن أخبرك بما أخبرك، أجيبي بأنك ممنوعة من القتال، وأن سيدتك قد منعتك صراحةً. وإن أصر الرفيق المعني، إن أراد تلك المبارزة حقاً، فقولي له أن يصعد إلى هنا ليطلب مني الإذن شخصياً».
لا ترد ليانحوا فوراً على أوامري، بل تبقى مطملة إلي بثبات، بتلك السكينة المطلقة التي تتبناها حين يزعجها أمر ولا تجد السبيل لدحضه، وأراها تزن الأمر، تقلبَه في رأسها بحثاً عن خيوطه، وفي النهاية، لا تجد خيطاً واحداً لتتسلل عبره.
«كما تأمر، ژاوهوان وين»، تقول بعد هنيهة، بممانعة لا تحاول حتى إخفاءها تماماً.
«سأتبع أوامرك».
وبهذا يكفيني، لأني أعرف أن الأمر، مهما ثقل عليها، ستنفذه بحذافيره. أخرج الهواء، أكثر هدوءاً الآن، وأقرر أن اللحظة قد حانت لتغيير الموضوع قبل أن يخطر لأحدنا إعادة فتحه.
«جيد»، أقول، وألطف النبرة عمداً.
«حسناً، بغض النظر عن المسألة المباركة بأسرها المتعلقة بالمبارزات، والتي أرجو حقاً ألا أضطر لذكرها في حياتي أبداً، أخبريني بالأهم. كيف سار أمر المؤونة؟»
وهناك، أخيراً، ترتخي ليانحوا قليلاً، لأن هذه أرض مريحة لها.
«سار جيداً»، تخبرني.
«أفضل مما توقعت، في الواقع. تبين أنهم في جناح التموين لا يبيعون الطعام فحسب، بل شتى الأشياء. أثاثاً، وأواني، وأقمشة، وأدوات. يكاد يكون أي شيء قد يحتاجه المرء للعيش هنا».
«أثاثاً؟»
أردد، وأبدأ بحدس إلى أين تتجه.
«أثاثاً»، تؤكد.
«لذا استغلت الفرصة لشراء سريرين إضافيين، وزوج من الكراسي المنخفضة، واحداً لغرفة الطعام وآخر لكهف الزراعة، واحتياطاً، عدة مؤن سنحتاجها إن طال أمد الإقامة. أفضّل أن يتوفر الكثير ولا يحتاج إليه على أن ينقصنا شيء ولا نقدر على الخروج لأجله حين نحتاجه».
أومئ، لأنه ذات النوع من التبصر الذي كنت سأطلبه منها، وأسر لأنني لا أضطر لطلبه. لكن ليانحوا تصمت هنيهة بعد ذلك. وقفة قصيرة، بالكاد شيء، لكنني قضيت ما يكفي من السنوات إلى جانبها لأتعرف على ذلك النوع المحدد من الصمت، ذاك الذي تصنعه قبيل إخباري بشيء قررته بمفردها ولم تتأكد بنسبة مئة بالمئة أنني سأوافق عليه.
«وهناك أمر آخر»، تقول أخيراً.
«حين سألت عن الطعام، شَحَحوا لي أن الطعام العادي يسلم مجاناً، بلا أي كلفة. لكنهم أخبروني أيضاً أنه، مقابل استحقاقات، أو مقابل أحجار روحية في حالتنا، بما أنه لا استحقاقَات لدينا، بإمكاننا شراء طعام روحي، لذا أخذت المبادرة واشتريت القليل، لك ولي. مع أخذ الأمر الذي منحته لي لضغط نواة أرضي بأسرع ما يمكن بالحسبان، بدا لي ذلك أعقل الأمور».
وهناك، لحظة سماعي لكلمتي «طعام روحي»
تخرجان من فمها، هناك فكرة تسبق سائر الأفكار وتتصاعد في حلقي قبل أن أستطيع منعها.
«ليانحوا»، أقول بغتة، معتدلاً قليلاً.
«وكسيا؟ إن تناولت كسيا ذلك الطعام دون وعي، لقمة واحدة فحسب، فقد تعرض نفسها للخطر. قد يقتلها ذلك».
لكنها كانت تهز رأسها بالفعل قبل أن أتم الجملة، بتلك السرعة المطمئنة التي تحتفظ بها حصراً للحلحلة في اللحظات التي أفزع فيها لأمر سبق أن تنبأت به.
«لا شيء من ذلك سيحدث»، تخبرني بحزم.
«لقد أحضرت أيضاً وفراً من الطعام العادي، ما يكفي لك ولها، وقد فصلته تماماً عن الطعام الروحي. إنه مميز بوضوح وقد أشرتُ به لكسيا بكل جلاء، لئلا يكون هناك مجال لأي التباس. فهي تعرف ما هو لها وما لا يجب أن تلمسه تحت أي مفهوم».
تصنع وقفة طفيفة قبل المتابعة.
«وأنت، من جهة أخرى، لا يمكنك أيضاً تناول الكثير منه، بما أنك لا تزال لا تملك بوابة الأرض مفتوحة»، تخبرني أخيراً.
أنكفئ إلى الوراء قليلاً، أهدأ نسبياً، وإن ليس تماماً، فما إن يتعلق الأمر بكسيا حتى يصعب علي تفلت القلق تماماً.
«وأنت واثقة؟»
أصر.
«ليست اليقينية بأنه لن يحدث شيء غالباً، بل واثقة كلياً».
تحافظ ليانحوا على نظرتها دون أن ترمش.
«إن لم ترتكب كسيا أي خطأ، فلا مشكلة»، ترد.
«بالعقل الذي تملكه تلك الفتاة فلن ترتكب شيئاً، فهي حذرة وتأخذ ما يقال لها مأخذ الجد. لقد شرحت لها سبب أهميته وقد فهمت تماماً أنه ليس نزوة مني».
أنظر إليها لحظة أطول، وفي النهاية أخرج الهواء من أنفي وأستسلم، لأنه إن وجد في هذا العالم من يعلو حكمه في هذه الأمور حكمي، فهي تحديداً.
«حسنٌ»، أقول.
«إن كنت واثقة أنه لن تحدث أي مشكلة، فلا بأس. أنا أثق بك».
تومئ ليانحوا، موافقة، ثم، بتلك العادة الخاصة بها في ألا تمنحني خبراً حسناً دون إرفاقه بالمقابل المناسب، تضيف ما كان ناقصاً.
«رغم وجود عقبة صغيرة»، تقول.
«بهذا، سيرتفع الإنفاق من الأحجار الروحية. حتى الآن كان علينا القلق فقط بشأن إبقاء تشكيل تجميع تشي في الكهف مشتعلاً، لكن بدءاً من الآن، إن أردنا مواصلة التقدم بالمعَدَّل الذي تريده، فسيتعين علينا شراء طعام روحي بانتظام. وتلك أحجار تذهب كل عدة أيام».
أقطب حاجبَيّ، لأن مسألة الموارد هي من تلك التي لا يُستحسن غض الطرف عنها.
«وهل سيكفينا؟»
أسأل بلا موالفة.
«بما تبقى لدينا، أعني».
«سيعتمد ذلك تماماً على أمر واحد، وعلى كم تبلغ كلفة التقنيات، في حال مضى ما اقترحه سونغ يان قدماً»، تجيبني.
«إن وافق من في قاعة الأسفار المقدسة على بيعنا شيئاً، وكان السعر معقولاً، سنستطيع الحفاظ على بقية النفقات بلا صعوبة لفترة طويلة نوعاً ما. لكن إن تبين أن تلك التقنيات باهظة، أو إن طلبوا منا أكثر بكثير مما تستحق مستغلين هويتك، فسيتعين علينا البدء في حساب الدقائق».
أقلب الأمر هنيهة، وأهز كتفي في النهاية، لأنها الإجابة الصادقة الوحيدة التي تخطر لي.
«حينئذ، لا خيار لنا سوى مواصلة تفقد مجريات الأمور تباعاً والارتجال كلما حانت»، أقول.
«وهو، إلى حد ما، ما كنا نفعله منذ مغادرة القصر، لذا فهي ليست ببدعة أيضاً».
تتقبل ليانحوا ذلك بإيماءة رأس صغيرة، ويخطر ببالي شك عملي.
«بالميناء، إن كنت اشتريت أسرّة وكراسي، فأين هي؟»
أضيف.
«لأنك لم تأتِ بها».
«من المفترض أن يحضروها قبل انقضاء اليوم»، ترد.
«أخبروني أن عضوين من الجناح سيتوليان أمر إحضارها بأنفسهما».
«آه»، أقول.
«حسناً، إذن لا بأس».
ومع ذلك، تخبو المحادثة إلى أحد تلك الصماصيم المريحة التي لم تعد تطلب ملأها بشيء. أبقى ساكناً، مستمتعاً ببرودة هذا الجبل التي لا تصدق، وتائه النظرة في الدرب الذي سلكه سونغ يان منذ قليل، وأشرع لتوي في ترك عقدي يسرح في تفرعاته حين ينزلق باب البيت وتظهر كسيا. تحمل دلواً بيديه وتَعْبُر الباحة الصغيرة بخطوة حاسمة باتجاه البئر الواقع في جانب البيت. أراها تترك الدلو، ترمي الحبل، تستقي الماء ثم تتجه عودة للداخل حاملة إياه مضموماً إلى خاصرتها دون طلب المساعدة من أحد.
وتلك الصورة تخبرني بكل ما أحتج لمعرفته.
«يبدو أن كسيا ستشرع في إعداد الغداء»، أقول لليانحوا.
«ومع إدراكي الآن، ما زلت لم استخدم نوبتي في منتصف النهار بالكهف».
أنظر لحظة باتجاه الباب الذي اختفت خلفه كسيا وأحسب.
«فلنستغل الوقت إذن»، أتابع.
«خذيني إلى الكهف، ثم، بينما أزرع، مدّي لكسيا يد العون في الاستعدادات. بينكما ستفرغان عاجلاً، وبهذا حين أخرج يكون كل شيء جاهزاً».
تومئ ليانحوا بلا كلام، تدفع الكرسي وحسب باتجاه البيت، نتخطى عتبته المنفردة بلا جهد يذكر، تترك الكرسي بردهة المدخل وتحملني بطريقة الأميرات لدخول الكهف. تضعني على ظهري في مركز التشكيل تماماً، على البطانية المطوية التي تعمل كسرير. بعد ذلك تنتصب، تتفقد بنظرة سريعة أنني بخير وتغادر، مسدلة الباب خلفها بذلك الهدير الرملي الخشن الذي بات يبدو مألوفاً لي تقريباً. وأُترك وحدي مع التشي.
أفعل بوابة ين والرنين لأجذب التشي الكثيف للكهف تالياً، وشيئاً فشيئاً أشرع في تفريغ الغرفة بذات الطريقة التي يُفرغ بها برك بَمضخة ماء، حتى لا يتبقى حولي سوى تشي النار المتواجد في كل مكان والجسيمات القليلة التي يبدأ التشكيل في جذبها مجدداً، ببطء أبطأ من أن يستحق الانتظار لأجلها. حين أبلغ تلك النقطة، حين لا يتبقى ما يعصر، أتوقف عن التركيز وأبقى ناظراً إلى القبو الحجري الذي أملكه فوقي، منتظراً بصبر، وهو الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله، إلى أن أسمع الباب يفتح مجدداً وخطى ليانحوا تدخل لاصطحابي.
ترفعني في ذراعيها، وحين نعود إلى ردهة المدخل، يكون المشهد قد تغير. أعدت كسيا غداءً بسيطاً، ليس معقداً لكنه وافر بوضوح، وأعادت ليانحوا الطاولة المنخفضة من الباحة وضمتها إلى موضعها ضد الجدار مجدداً، مع الوسادة في الفراغ لأتمكن من الجلوس مع استناد ظهري. تتركني هناك، ترتبني، ونتوزع نحن الثلاثة حول الطاولة. تشرع كسيا في وضع الأطباق، ومع نشرها تفصلها إلى مجموعتين، واحدة بوضوح في جانب ليانحوا وبقية الأطباق أقرب إلي وإليها.
«هذه هي العادية»، تقول مشيرة إلى جانبنا، ثم تشير إلى جانب ليانحوا.
«وهذه هي الروحية».
ينتهي المطاف بالأطباق الروحية إلى يساري، ومن بينها ما يشد انتباهي فوراً، صحن أرز ليس أبيض كما ينبغي، بل بلون ذهبي غريب. أنظر إلى الأطباق، أحسب، وأدرك فوراً أنني لا أملك أدنى فكرة عما يمكنني السماح لنفسي بأكله من كل ذلك دون الوقوع في ورطة. لم أفتح بوابة الأرض، لا أعرف بالضبط أين يكمن حدي، وهذا تحديداً هو نوع التجربة التي لا ينبغي للمرء إجراؤها عشوائياً. لذا أقرر ترك الأمر لمن يعرف.
«ليانحوا»، أقول، ملتفتاً نحوها.
«لا أملك طريقة لحساب هذا بنفسك، فتولي أنت ذلك. افصلي لي الحد الأقصى من الطعام الروحي الذي يمكنني أكله بلا بوابة أرض مفتوحة ودون أن يجر لي مشكلات. وأنا أُفضّل القصور على الإفراط».
تومئ ليانحوا، تنحني فوق الأطباق وتأخذ قليلاً من ذلك الأرز الذهبي، كمية تبدو لي شبه مثيرة للسخرية، بالكاد ما يكفي لملء قاع صحن. تضيف فوقه قطع لحم قليلة، تقيس المجموع بنظرة نقدية أخيرة، وتمده إلي.
«بهذا، لوجبة واحدة، يكفي»، تخبرني.
«الأفضل عدم تركيزه كله دفعة واحدة وتوزيعه على وجبات اليوم الثلاث، إذ يجعل ذلك امتصاص التشي أفضل بكثير ويعاقب الجسد أقل. القليل في كل وجبة يُجدي أكثر من نَهَمٍ كله دفعة واحدة».
أتناول الصحن بيدَيّ الاثنين، ونشرع في الأكل. لا تلمس كسيا سوى الطعام العادي، وتفعل ذلك بطمأنينة من وضحت له المسألة تماماً ولا نية له بالاقتراب من الجانب الآخر للطاولة حتى من باب الفضول. أرافق حصتي الصغيرة من الأرز الذهبي بطعام عادي ليكون لدي ما يملأ بطني أكثر، بينما تتناول ليانحوا، من جهة أخرى، طعاماً روحياً فحسب. وحين أنتهي من أكل الطعام الروحي، الذي يبدو طعمه جيداً بصراحة، وأكون في الطعام العادي، يحدث ما لم أكن أتوقعه ولم يخبرني به أحد.
ألاحظ، بكل جلاء، كيف يبدأ خيط صغير من التشي في الانبثاق من معدتي. إنه إحساس دافئ خافت، كينبوع دقيق يتدفق من لا شيء، وأنا، بالانعكاس تقريباً، أهيئ نفسي لتوجيه ذلك التشي نحو بوابة ين. لكني لا أفعله، إذ لمفاجأتي ينقسم الخيط دون أن أفعل البتة شيئاً ويتوزع في عدة فروع، تتفرق في داخلي وتبحث واحدة تلو الأخرى عن البوابات السبع. وفي كل منها، دون أن أضطر لتوجيه أي شيء، دون أن أضطر لتحريك إصبع واحد، يُمتص ذلك التشي تلقائياً، كأن كل بوابة تشرب بمفردها الجزء المعني بها.
أُفتن بالإحساس لدرجة أنني أكاد أنسي المضغ.
«ليانحوا»، أقول، دون تحويل انتباهي عما يحدث بداخلي.
«هذا غريب. تشي الطعام توزع بنفسه بين جميع البوابات، والبوابات تمصه دون أن أفعل شيئاً».
لا ترفع ليانحوا نظرها حتى عن صحنها.
«أمر طبيعي»، تخبرني، بطبيعية من يؤكد أن الماء مبلل.
«لا شيء غريباً فيه».
وحين لابد أنها ترى أن الإجابة لم تكفني تماماً، تتفضل بتوسيعها.
«عرفت أناساً، نظراً لحيازتهم كميات ضخمة من الطعام الروحي أو حبوب التشي، قرروا إعطاء الأولوية لفتح بوابة الأرض فوق البوابات الأخرى»، تتابع.
«ولذلك منطقه، فمن يستطيع تحمل كلفة تلك الأشياء يستغلها منذ البداية ويستخلص منها أقصى فائدة».
تأخذ قضمة صغيرة أخرى قبل الاسترسال.
«لكن تلك لم تكن حالتي»، تقول.
«لم أملك قط ذلك النوع من الوفرة. لا طعام روحياً ولا حبوباً تفضل عن الحاجة. لذا لم تكن تلك البوابة مفيدة لي خصوصاً ولهذا تركتها للأخيرة. ربما ما كانت لتنفعني سوى خلال إقامتي في شظية الرمال السماوية، حيث أُتيحت لي حيازة موارد أكثر من المعتاد».
تصنع وقفة شديدة الإيجاز، ثم تتابع.
«لكن بحلول ذلك الوقت كان الأوان قد فات لتغيير أي شيء»، تضيف في النهاية.
ألتزم الصمت، جزئياً لأنني أقلب ما للتو قالته، وجزئياً لأنني ما زلت مشتتاً جداً بما أحسه في داخلي لأصوغ رداً يليق به. ننهي الأكل رويداً رويداً، بلا عجلة. تنظف كسيا آخر ما في صحنها، وتصفي ليانحوا حصتها بذات اقتصاد الحركات الذي تفعل به كل شيء تماماً، وأجهز على بقية طعامي. حين نفرغ، تنكب كسيا وليانحوا على جمع الأطباق وفصل المتبقي حريصتان على عدم خلط المجموعتين، وأبقى جالساً في زاويتي ضد الجدار، بلا تحريك عضل، لأن انتباهي كله منصَبٌ على المعجزة الصامتة التي تستمر بالحدوث تحت جلدي.
لأن التشي لم يتوقف عن التحرك. ما زلت ألاحظ، مفتوناً، كيف يتوزع في جسدي، وكيف تستمر كل بوابة في تقبله بمعدلها الخاص وكيف ينتشر دون أن أضطر لفعل أي شيء إطلاقاً. وأكون مندمجاً في الإحساس لدرجة أنني أكاد لا أسمع الصوت القادم من الخارج، لكن نبرة الصوت عالية بالقدر الكافي لألتفت إليها.
«نحن من جناح التموين!»
يقول الصوت.
«نحضر الأثاث الذي جرى اقتناؤه هذا الصباح».
تترك ليانحوا ما بيدها، تمسح نفسها بحركة سريعة للخروج لاستقبالهم، وأنا، جالس في زاويتي، أطلق زفرة من الارتياح الصافي والصادق. لأنني، بتلك الأسرّة التي وصلت للتو، لن أضطر لمشاركة سيري مع كسيا مجدداً، فليلة واحدة مع ركلها لي أثناء نومها كانت أكثر من كافية لبقية حياتي.