داو اللغة الفصل 155

اقرأ داو اللغة الفصل 155 باللغة العربية على مانجا تايم.

أبقى للحظة وابتسامتي المهذبة مرسومة على وجهي والسؤال يدور في رأسي دون أن أتمكن من إسكاته بأي شكل، ثم, لعدم وجود خيار آخر لدي, أهزّ رأسي. لأنني متأكد من أمر واحد, وهو أن هذا ليس الوقت المناسب ولا المكان المناسب. مهما يكن ما حدث في جناح المؤن وكيف تحولت مهمة بسيطة لجلب الطعام إلى مبارزة يتضح أن الحديث عنها سيطور لأيام, ليس أمراً يمكنني الشروع في مناقشته مع ليانحوا أمام ضيفة, مهما كانت علاقتي طيبة بالضيفة المعنية.

مثل هذه المحادثات تُجرى على انفراد, لذا أفعَل التصرف الوحيد المعقول وأجبر نفسي على التركيز على سونغ يان. وحين أفكر فيها, ألاحظ مشكلة لوجستية صغيرة, وهي أنها واقفة ولا أملك مكاناً لأجلسها عليه, لذا أفكر في مناداة شيا لتجلب شيئاً عندما ينفتح باب المنزل وتظهر ليانحوا. وهي تظهر, علاوة على ذلك, وبحوزتها الحل جاهز, إذ تحمل تحت إبطها إحدى وسائد المنزل. تقترب دون أن تنطق بكلمة, وتتركها على الأرض بجانب الطاولة المنخفضة, في الموضع بالضبط الذي يجب أن تكون فيه من أجل ضيفة, ثم تنحني لتشرع في جمع رقعة وفطائر الفانزخوان بحذر.

"الشاي يغلي", تقول لي وهي تجمع الفطائر في الصندوق.

"سأحضره بعد قليل."

"شكراً لك يا ليانحوا", أردُّ عليها.

وحينها, بعد تنظيف الطاولة ووضع الوسيلة في مكانها, ألتفت نحو سونغ يان وأشير إليها بحركة.

"تفضلي بالجلوس", أقول لها.

تقبل سونغ يان بدعوة مع انحناءة خفيفة برأسها, وتستقر على الوسادة بخفة معتادة على الجلوس على الأرض, وتترك الكتاب فوق الطاولة, أمامها, بعناية لا تخفى على أحد. ومع عودة ليانحوا إلى داخل المنزل وبقاء شيا منشغلة بالمؤن, نبقى أنا وهي وحدنا تحت شمس الصباح, وأستغل الفرصة لأدع المحادثة تبرد قليلاً, لأن الخوض مباشرة فيما يهمه سيكون, إلى جانب قلة الأدب, خطأ المبتدئين.

"على أي حال, بعيداً عن المبارزات", أقول بكل طبيعية يمكنني افتعالها.

"كيف حالك؟ لم أكن أستوقع رؤيتك بهذه السرعة, بصراحة. ظننت أنه سيلزمك بضعة أيام لتجدي وقتاً فراغ."

"لقد حالفني الحظ", تجيب.

"عند عودتنا من مرافققتك قررنا أخذ بضعة أيام راحة قبل خوض مهمة أخرى, لذا فكرت في استغلال الأمر للمجيء والاطمئنان على خادمتك."

"يسعدني سماع ذلك", أردُّ.

ثم, لأن الشك راودني منذ فترة, أطرحه.

"أخبريني بشيء, ألم يغضب منك باي تشين في النهاية لبقائك متخلفة للحديث معي يوم وصولنا؟"

تطلق سونغ يان ضحكة خفيفة وتهز رأسها.

"لا, أبداً", تقول لي.

"رسم على وجهه ملامحه المعتادة, تلك التي يضعها عندما لا يبدو له أمر ما سليماً, لكن هذا كل شيء. في النهاية تمت المهمة وتسلمتك بالفعل, لذا لم يكن لديه ما يتذمر بشأنه كثيراً. باي تشين مزعج, لكنه ليس ظالماً. إنه فارق بسيط, لكنه محل تقدير."

أومئ برأسي مسجلاً الملاحظة, فكل أمر تخبرني به عن الأشخاص هنا هو قطعة إضافية من خارطة ما زلت أراها شبه فارغة. وحينها, بعد أن أصبحت الأرضية دافئة أكثر قليلاً, أقرر إطلاق أحد الأسئلة التي تجول بخاطري.

"كلما فكرت في الأمر, هناك شيء أثار حيرتي منذ وصولنا", أقول, باذلاً جهدي ليبدو الأمر كفضول عابر لا استجواباً.

"وهو أن الجو هنا, داخل الطائفة, ألطف بكثير مقارنة بالخارج. لاحظت ذلك لحظة صعودي الدرج, وصباح اليوم, وأنا أستنشق الهواء, لفت انتباهي مجددأ. تشي النار نفسها في كل مكان, أو هكذا يتبادر لي, ومع ذلك الجو هنا منعش وتحت يحترق المرء. أتقدرين على إخباري بسبب ذلك, أم أنه أحد تلك الأسرار التي لا يحق لي السؤال عنها؟"

تبتسم سونغ يان.

"لا, ليس سراَ", تجيب دون تردد.

"إنه من الأمور التي يشرحها لك أي تلميذ دون مشكلة. أترى, عندما بدأت درجات الحرارة ترتفع على هذا النحو, لم يتأخر الشيوخ في إدراك أن تلك الحرارة تلحق الضرر بالمحاصيل. وليس قليلاً منها, بل غالبيتها الساحقة, لأن تقريباً كل النباتات الروحية التي تنمو في الطائفة لا تحتاج إلى تشي النار لتزدهر. لذا, لحمايتها, قاموا بتشغيل تشكيلة حماية الطائفة."

"وهذه التشكيلة تنظم درجات الحرارة؟"

أسال.

"ليس تماماً", تصحح لي.

"تشكيلة الحماية لم تُصمم لهذا الغرض, فوظيفتها شيء آخر. لكن يتبين أنه, بين الأمور التي تحمي منها, فإنها توفر أيضاً وقاية معينة ضد بيئة شديدة التطرف, ولهذا السبب, مع تشغيلها, يكون الجو هنا ألطف بكثير مقارنة بالخارج. الأمر ليس أنهم نصبوا التشكيلة ليتنعموا بالبرودة, بل إن البرودة وظيفة ثانوية."

في تلك اللحظة يتحرك الباب مجدداً, وتظهر ليانحوا صينية تحمل فوقها إبريق شاي وأكواباً. تتوقف سونغ يان وتنتظر في صمت بينما تركع ليانحوا بجانب الطاولة, تصب أولاً لسونغ يان ثم لي بتلك الحركات الدقيقة والمتأنية التي تجعل حتى صب كوب تبدو كطقس صغير, ثم تنسحب إلى جانب واحد مجدداً. ومع تقديم الشاي الآن, تلتقط سونغ يان كوبها, تحتسي رشفة وتستأنف الشرح من حيث تركه.

"ومع ذلك", تضيف خافضة صوتها قليلاً, بنبرة من يشارك حساباً أجرته على مسؤوليتها الخاصة.

"إبقاء تلك التشكيلة مشغلة ليلاً ونهاراً طوال هذا الوقت لا بد أنه يكلف ثروة حقيقية من الأحجار الروحية. لا أعرف الرقم الدقيق, لا أحد في رتبتي يعرفه, لكن مجرد تخيله يصيبني بالقشعريرة. مع أنني أفترض أن الشيوخ أجروا حساباتهم, وأن خسارة عدة مواسم كاملة من النباتات الروحية بالنسبة لهم ستكون خسارة أكبر بكثير مما ينفقونه على صيانة التشكيلة. في النهاية, إذا نظرت إلى الأمر من هذه الزاوية, يبدو حتى زهيداً بالنسبة لهم."

أقلب الأمر في ذهني لبرهة, لأنه نوع الحسابات نفسه الذي كنت لأجريه أنا نفسي, ولا أملك إلا أن أبتسم عند التعرف عليه.

"أنا من رأيك نفسه", أقول لها.

"إنه نفقة تبدو إسرافاً إلى أن تحسب ما سيكلفه عدم القيام بها. وحينها, فجأة, تصبح الخيار المعقول."

وهناك, مع حسم مسألة درجات الحرارة وبقاء الشاي يتصاعد بخاره بين يدي, أقرر أن الوقت قد حان للإيفاء بالدين المعلق لي تجاهها. ألتفت برأسي قليلاً نحو المنزل.

"يا ليانحوا", أنادي.

"أيمكنك إحضار حبر وريشة؟ لقد حان وقت توقيع كتاب سونغ يان."

تومئ ليانحوا, التي هي كالعادة قريبة مني, وتختفي داخل المنزل. ولا تستغرق وقتاً يذكر, إذ تخرج بعد لحظات حاملة محبرة صغيرة وريشة, تقترب من الطاولة, وتلتقط نسخة رحلة إلى الغرب التي تركتها سونغ يان هناك وتقدمها لي برفقة الباقي. أزن لبرهة أين أوقع. التصرف التقليدي سيكون بالتوقيع في الداخل, على إحدى الصفحات الأولى, بشكل حصيف وأنيق, لكنني أعيد التفكير وأقرر العكس, أنني سأوقع على الغلاف.

ففي النهاية, المغزى من توقيع كهذا, في هذا المكان, ليس التوقيع بحد ذاته قدر حقيقة رؤيته, والتوقيع المخفي في الداخل لا يراه أحد سوى من يفتح الكتاب. أغمس الريشة, وبعناية شخص أمضى سنوات معتاداً على تقييم خطه من قبل نصف الإمبراطورية, أكتب إهداءً موجزاً أذكر فيه سونغ يان باسمها وأترك سجلاً لامتناني على اللطف الذي أظهرته معي خلال الطريق. وفي الأسفل, بأمتن وأوضح ضربات قادرة على رسمها, أختم باسمي.

صن وين. أترك الحبر يستقر لحظة, ثم تلتقط ليانحوا الكتاب بكلتا يديها, تعيده إلى الطاولة, أمام سونغ يان, وتضع المحبرة والريشة بجانبه. تنحني سونغ يان فوق الغلاف وتتأمله بفضول. تدرسه باهتمام, تميل برأسها قليلاً لقراءة الإهداء جيداً, وتومئ ببطء, كمن يسجل حقيقة هامة. لكن لا يوجد شيء أكثر من ذلك. لا لمعان العيون, ولا الأنفاس المحبوسة, ولا ذلك الشعور الساذج والصادق الذي كان سيرافق في حياتي السابقة لحظة كهذه, حين يحصل أحدهم على توقيع مؤلف يعجب به.

تقيم سونغ يان الكتاب, وتقيمه كثيراً, لست أشك في ذلك, لكنها تقيمه بالطريقة نفسها التي يثمن بها المرء قطعة يشم نادرة أو تصريحاً يصعب الحصول عليه, لما يمثله ولمدى ندرته, لا للخط بحد ذاته. ويفاجئني تأكيد أن ذلك لا يزعجني, فقد مر وقت منذ أن توقفت عن توقع ردود أفعال الحياة السابقة من هذا العالم, وعليَّ الإقرار بأن هناك ما يشبه الراحة في التعامل مع شخص يقدر توقيعي لدوافع عملية صادقة إلى هذا الحد.

نشرب أنا وهي القليل من الشاي, وندع الصمت يخيم لبرهة, صمت مريح لا يتطلب أن يُملأ. وفي منتصف ذلك الصمت, والكوب دافئ بين يدي, أقرر أن اللحظة قد حان لجزء الذي يهم حقاً.

"يا سونغ يان", أقول لها وأنا أستريح بالكوب على ساقي.

"أتمانعين إن طرحت عليك سؤالاً حول سير العمل الداخلي للطائفة؟"

ترمقني بنظرة من فوق حافة كوبها الخاص.

"بالطبع لا", تجيب.

"اسأل ما شئت. مع أنني أحذرك مقدماً أنه, إن تبين أنه أمر لا أملك صلاحية إخباره لك, فلن أخبرك. أتمنى أن تتفهم ذلك."

"أتفهم تماماً", أؤكد لها.

"إنه أمر طبيعي للغاية, وحق لك. لا أنوي جعلك تقعين في أي مأزق لإشباع فضولي."

تومئ سونغ يان باستحسان, وأصوغ السؤال.

"ما أود معرفته هو كيف يحصل التلاميذ على التقنيات", أقول.

"لقد حذرتني مسبقاً على الطريق من أن التقنيات شأن خاص وألا أسأل عن تقنية أحد, وأؤكد لك أنني لا أنوي ذلك. لكن هذا أمر, وما يختلف عنه هو مصدرها. أقصد الإجراء, لا تقنيات أحد بعينه."

تستمع سونغ يان للسؤال, وما إن أفرغ من طرحه حتى ترتخى ملامحها بوضوح, فلا بد أنه ارتياح لتأكدها أنني لا أطلب منها شيئاً يعرضها للخطر.

"آه, هذا ليس لغزاً", تجيب.

"يمكنني شرحه لك دون مشكلة. أترى, لفهم طريقة عمل الطائفة ينبغي أولاً فهم أمر وحيد, وهو أن كل شيء هنا يدور عملياً حول الجدارح."

"الجدارح؟"

أردد.

"الجدارح", تؤكد.

"إنها, إن صح التعبير, العملة الداخلية للطائفة. ليست عملة معدنية كتلكم التي في الخارج, بل سجل, حساب تحتفظ به الطائفة لكل تلقي. وبهذا الحساب يُدفع كل شيء بإطلاق. الأطعمة الروحية, الحبوب, القطع الأثرية الصغيرة, الوصول إلى أمكنة معينة, ونعم, التقنيات أيضاً. لكل شيء ثمن بالجدارح, وكل شيء يُحصل عليه بإنفاقها."

"وكيف تُكتسب تلك الجدارح؟"

أسأل, مع أنني بدأت أتخيل الأمر.

"من خلال تنفيذ المهام والبعثات للطائفة", تجيب.

"تلك هي الطريقة الوحيدة. بعضها يمنح الكثير والبعض الآخر القليل, بحسب مدى صعوبتها, أو خطورتها, أو أهميتها. مرافقتك من القرية إلى الطائفة, على سبيل المثال, كانت مهمة, ومهمة منحت الكثير من الجدارح, لاسيما بسبب مدى حساسية التكليف. لكن هناك أيضاً مهام أكثر تواضعاً, مثل المناوبة في الأجنحة المختلفة, أو رعاية حقول الأعشاب الروحية, أو تولي مهام الصيانة. لكل أمر مكافأته, وهكذا, شيئاً فشيئاً, يكدس كل تلقي حسابه تدريجياً."

أحتسي رشفة شاي بينما أرتب القطع معاً, لأن الحقيقة هي أن النظام ذو منطق ساحق, ويبدو لي حتى مألوفاً بطريقة أود لو لم تكن كذلك.

"وبالنسبة للتقنيات, الآلية بديهية", تتابع سونغ يان.

"كل تقنية رُصدت لها تكلفة بالجدارح, ترتفع كلما كانت أقيم وأقوى. عندما يجمع التلميذ جدارح كافية لتلك التي يريدها, لا عليه سوى الذهاب إلى قاعة الأسفار ومقايضتها بها. يسلمون جدارحهم, يتلقون التقنية, وانتهى الأمر."

وها هي ذي, المنظومة كاملة مشروحة بوضوح يحسد عليه. تكسب نقاطاً بإنجاز المهام, ثم تبادلها بالمحتوى الذي تريد فتحه. لو أنهم أتاحوا متجراً لهذا بواجهة جميلة وضوء وامض صغير يعلن عن عروض الأسبوع, لكنت عرفته للوهلة الأولى في حياتي السابقة. طائفة أقدمية من المزارعين, ويتضح أنها من الداخل تعمل بناءً على مهام يومية ومتجر مكافآت, مع أملي ألا توجد آلية غاشا في مكان ما.

"أشكرك, بات الأمر أوضح بكثير الآن", أقول لها.

ثم, تاركاً وقتاً كافياً لئلا يلاحظ بوضوح إلى أين أتجه, أضيف بنبرة أكثر تحفظاً بقليل.

"أخبريني بشيء. هل هناك احتمال أن يتمكن شخص لا ينتمي للطائفة من الوصول إلى قاعة الأسفار تلك بطريقة ما؟"

وما إن أنهي الجملة, حتى أعلم أنها قد كشفتني. لأن سونغ يان تبتسم. لا ترد فوراً, بل تأخذ وقتها, وتأخذ رشفة مطولة وهادئة من شايها, وفقط حينها, والكوب لا يزال في منتصف الطريق, ترد عليّ.

"كنت أتسايل متى سنصل إلى هنا", تقول, وليس في صوتها عتاب, بل نوع من المرح الهادئ.

"اشتبهت في أن تلك كانت غايتك منذ اللحظة التي بدأت تسأل فيها عن التقنيات. أمر درجات الحرارة كان تمهيداً للأرضية, أليس كذلك؟"

أطلق الهواء, ضاحكاً نصف ضحكة على نفسي, فقد رأتني قادماً من مسافة بعيدة.

"الحقيقة نعم", أقر, وأهديها انحناءة رأس صغيرة كاعتذار.

"أرجو المعذرة على اللف والدوران. ولا داعي أبداً لكي تردي إن لم تحبي أو لم يكن مسموحاً, فقد ساعدتني بأكثر من الكفاية بالفعل."

لكن سونغ يان تلوح بيدها مهونة, دون أن تتوقف عن الابتسام.

"لا تعتذر, لم يزعجني الأمر على الإطلاق", تقول لي.

"ليست سؤالاً محظوراً, ولست أنت أول من يطرحه عليّ. وإجابتي كانت دائماً نفسها, وهي أن التلاميذ وحدهم يمكنهم كسب الجدارح, ولهذا السبب, التلاميذ وحدهم يمكنهم حيازة التقنيات. من ليس من الطائفة لا يملك وسيلة للحصول عليها, ودونها لن تمنح قاعة الأسفار شيئاً على الإطلاق. تلك هي القاعدة, وهي بسيطة بقدر ما تبدو."

تتوقف لبرهة, وشيء ما في تلك التوقف يضعني في حالة تأهب حتى قبل أن تتكلم مجدداً. لأنها حين تفعل, تفعل بصوت أخفض, ونبرة مختلفة, أقرب, شبه متواطئة.

"رغم أنه, في حالتك وتحديداً لكونك من أنت, قد توجد احتمال صغير", تضيف.

الجملة تجعلني أعقد حاجبي, وأخفض صوتي ليتطابق مع صوتها.

"ماذا تقصدين؟"

أسأل بالتبرة ذاتها. ترمي سونغ يان نظرة سريعة يمنة ويسرى, بالكاد مسح بعينيها للتأكد من عدم وجود أحد قريب, لا على الدرب ولا مطلّاً من باب المنزل. وعند تأكدها من أننا وحدنا, تميل قليلاً نحوي فوق الطاولة.

"إنه أمر معروف, رغم أنه لا يُقال جهراً", تبدأ.

"أعضاء قاعة الأسفار يديرون أعمالاً جانبية صغيرة. لأبناء نبلاء الإمبراطورية الذين يدخلون الطائفة, سواء لامتلاكهم قدرة حقاً, أو لوصولهم عبر معارف مناسبة, يبيعون بعض التقنيات الأساسية جداً مقابل أحجار روحية. دون المرور بالجدارح, دون مهام, دون أي شيء. أحجار روحية مقابل تقنية, والجميع سعداء."

"ولا أحد يفتح نقاشاً؟"

أسأل.

"يقتصرون على عدد قليل من التقنيات, ومنتقاة للغاية", تشرح.

"كلها رخيصة. لكنها رخيصة لسبب, وهو أنها تقنيات تفترض الطائفة أن كل تلميذ سينتهي بحيازتها عاجلاً أم آجلاً. إنها أولية للغاية, أساسية, لدرجة أنها تعتبر إلزامية عملياً. لا يمكن لمن يريد الازدهار في الطائفة الاستغناء عنها. لذا, في الجوهر, ما يفعلونه هو التقاضي مقدماً وبالأحجار مقابل شيء كان ذلك الشخص سينتهي بشرائه بالجدارح على أي حال. هم لا يبيعون كنزاً, بل يبيعون التجهيزات الأساسية. ولهذا يغضون الطرف."

وهناك, أخيرًا، أدرك تماماً إلى أين تريد قيادتي, وأسمح لنفسي بإتمام الفكرة بصوت عالٍ.

"إذن, لكوني من أكون, ربما أملك بعض الاحتمال بأن يبيعوني إحدى تلك التقنيات", أقول ببطء.

تحتسي سونغ يان رشفة أخرى, ومن فوق حافة الكوب ترمقني بتعبير نصفه تحذير ونصفه دعوة.

"إنه احتمال مستبعد", تشير.

"لسست تلميذاً ولا يُفترض أن تصبح واحداً, وهذا يعقد الأمور, لأن الأعمال الصغيرة تعمل مع من يدخلون الطائفة, لا مع ضيوف عابرين. لكنه احتمال."

إنه موجود. بهذا لدي أكثر من كافٍ. أبقى صامتاً لبرهة, أقلب الأمر, ناظراً إلى البخار المتصاعد بكسل من كوبي بينما أفكر, وحين أقرر, أرفع يدي وأقوم بإشارة لليانحوا. تقترب فوراً, تنحني, وأهمس في أذنها بجملتين, موجزتين ومحدودتين. تومئ ليانحوا مرة واحدة, تستقيم وتدخل المنزل دون كلمة, يتبعها بصر سونغ يان المتسائل علانية التي شاهدت الحركة. بعد لحظات, تخرج ليانحوا مجدداً. تحمل كيساً صغيراً من القماش, مغلقاً برباط, وتضعه على الطاولة, بين سونغ يان وبينّي.

ترمق سونغ يان الكيس بعينين ضيقتين, وأرى بتمام كيف تحسب, وكيف تبدأ بتساؤل نفسها عما أطلبه منها بدقة. لذا أتحدث قبل أن تتاح لها فرصة صياغة السؤال.

"يا سونغ يان, أخشى أنني سأضطر لمضايقتك مجدداً وأطلب منك خدمة", أقول لها.

ترفع بصرها عن الكيس, ترمقني, ويأتي ردها مباشراً, بلا لف ودوران.

"أحذرك حالاً أنني لا أنوي كسر أي قاعدة للطائفة", تقول لي.

"مهما يكن ما تريد طلبه مني, إن كان يمر عبر ذلك فالإجابة لا."

"لا أطلب منك كسر أي قاعدة", أردُّ عليها فوراً, وأنا أعني ذلك.

"على العكس, تحديداً ما أريده هو عدم كسر أي منها. أود ببساطة التمكن من التحدث مع أحد أعضاء قاعة الأسفار, لكن المشكلة هي أن أياً منا لا يمكنه الذهاب للبحث عنه. لذا ما أطلبه منك هو هذا, أن تذهبي, وتخبري أحد أولئك الأعضاء بأن هناك شخصاً في هذا المسكن يرغب في التحدث إليه وسؤاله إن كان بإمكانه المجيء لرؤيتي. لا أكثر. والمحادثة, إن قدر لها أن تحدث, فعلى حسابي."

أخفض بصري نحو الكيس, ثم أرمقها مجدداً.

"وأتفهم تماماً أن هذا النوع من الترتيبات لا يُنجز مجاناً", أتابع وأنا أحافظ على تواصلي البصري معها.

"وأنه يجب شد بعض الخيوط, وأن شد الخيوط يكلف دائماً شيئاً ما. في ذلك الكيس أحجار روحية, تكفي, آمل, لتغطية أي نفقة يفترضها عليك المشوار. وإن بقي شيء بعد تغطيتها, حسناً, فلنقل إن وسيطاً جيداً يستحق دائماً نيل حصته."

لا ترد سونغ يان فوراً. بدلاً من ذلك, تتبادل بصرها بين الكيس وبيني بينما تزن المقترح بوجه شخص يملك, تماماً مثلما فعلت أنا قبل لحظة, أفكاره الخاصة. ولا استعجلها, لأنني أعلم أن هذه هي اللحظة التي تحسم الأمر برمته واستعجالها سيكون أسوأ خطأ ممكن. في النهاية, تبتسم.

"حسنًا جداً", تقول, وتمتد يدها نحو الكيس بطبيعة تأكد لي أن القرار قد حان.

"سأسر بالتحدث مع أعضاء قاعة الأسفار ونقل اهتمامك إليهم. لكن أحذرك من أمر واحد, وأريد أن يكون واضحاً تماماً بيننا, وهو أن ما يقررونه لاحقاً شأنهم. أنا أنقل الرسالة وأجري التقديم, هذا أقصى ما أصله. إن قرروا المجيء سيأتون, وإن قرروا أنه لا يعنيهم فلن يأتي, وفي أي من الحالتين لا أتحمل مسؤولية النتيجة."

"هذا أعتبره مسلماً به", أردُّ عليها, مبادلاً إياها الابتسامة.

"لم أكن أتوقع غير ذلك, ولن أطلب منك تحمل وزر إرادة أي شخص آخر. طالما نقلت الرسالة فهذا يكفيني. حقاً يا سونغ يان, أشكرك. أعلم أنني أثقل عليك بمشوار لا يخصك, وأنك تفعلين ذلك دافع الكينونة أكثر من أي شيء آخر."

تقوم بحركة مهونة, وتخفي الكيس بين ثنايا لباسها بحركة حصيفة, ونعود نحن الاثنين إلى الشاي, الذي بدأ يصبح فاتراً لا ساخناً. لبرهة نشرب دون كلام تقريباً, متبادلين فقط تعليقات متفرقة وغير مهمة بين الحين والآخر, من تلك التي تخدم ترك محادثة ترتاح أكثر من قول أي شيء. وحين تصبح الأكواب فارغة عملياً تقريباً, ترمقها سونغ يان, ترمق موضع الشمس وتؤلف حركة صغيرة لمن يحسب الوقت.

"سيكون أفضل لي الانصراف", تقول أخيراً وهي تضع كوبها على الطاولة.

"لا يستحسن أن أتأخر كثيراً. ففي النهاية أنا تلميذة خارجية, وقضاء الكثير من الوقت هنا, في منطقة الداخليين, ليس محل استحسان تماماً. لا أود أن يبدأ أحدهم في طرح الأسئلة على نفسه عما أضاعني في مسكن ابنة الإمبراطور."

"بالطبع, وحق لك", أقول لها.

"أقل ما أتمناه هو جلب المشاكل لك, لقد فعلت ما يكفي من أجلي اليوم. اذهبي بسلام يا سونغ يان, وشكراً مجدداً لحضورك ولكل ما عداه."

تنهض سونغ يان على قدميها, تنفض لباسها, تلتقط من الطاولة نسختها الموقعة من رحلة إلى الغرب, تتأكد بحركة سريعة من بقاء الكيس محفوظاً جيداً, وتهدي لي انحناءة رأس أخيرة, أشد تهذيباً من سابقاتها.

"كان سروراً يا تشاوهوان صن وين", تقول.

"ستتلقى أخباراً مني."

وبذلك تلتزم بالالتفاف, وتنطلق نازلة الدرب بخطوة هادئة حتى ينحني قوامها عند منعطف الطريق ويختفي عن بصري خلف الأشجار. أبقى ناظراً إلى النقطة التي ذهبت إليها لبضع ثوانٍ إضافية, داعياً صمت الجبل يستقر مجدداً, وفقط حينها, حين أتأكد من استحالة سماع أحد لي سواي أنا والشخصين اللذين أثق بهما, أدع الهواء يخرج ببطء وألتفت برأسي نحو ليانحوا, التي ظلت طوال الوقت إلى جانبي, صامتة وساكنة كظل حسن التؤدة.

أرمقها بثبات.

"حسنًا جداً", أقول لها.

"الآن وقد وحدنا, أسأديك فضلاً بشرح أمر لي."

أقف لبرهة.

"ما اللعنة التي تقصدونها بمبارزة؟"

أسأل أخيرًا.