داو اللغة الفصل 154

اقرأ داو اللغة الفصل 154 باللغة العربية على مانجا تايم.

مغادرًا في أعقاب الدورية، انطلق جيانغ لي بعجلة من لا يطيق صبراً على البداية. وتعقبته ليان هوا على بعد خطوات، من دون أي عجل، والحقيبة على ظهرها ووجهها هادئ كأنما يقتادونها لشراء الأرز لا إلى نزال. كانت الرحلة قصيرة، إذ عبروا باحة الجناح، وانعطفوا في درب من بلاط الحجارة، وفي دقائق معدودة، بلغوا مكانًا عرفته ليان هوا فورًا، فهو أحد الزوايا القليلة من الطائفة التي رسبت بوضوح في ذهنها منذ اليوم السابق، حين كانت تدفع كرسي ظهوان في المنحدر الواقع خلف التلميذ حجرِي الملامح.

كانت منصة حجرية دائرية، ترتفع شبراً ونصف الشبر عن الأرض، ملساء وعارية، تقع إلى جوار ساحة التدريب الكبرى ذات التراب المدكوك، حيث كان عشرات التلامذة يكررون الحركة نفسها بلا توقف بسيوف خشبية. بدت المنصة خالية ذلك اليوم وتساءلت ليان هوا عابرة عن الغاية منها، وها قد أتتها الإجابة اليوم. لم ينتظر جيانغ لي إشارةً من أحد. وما إن وصلوا حتى وثب فوق المنصة، وانصب في الوسط واستل سيفًا، داعيًا النعل لتعكسه لكي يراه الجميع.

والتفت قائد الدورية حينئذ نحو ليان هوا.

قال: "إن كنت لا تزالين راغبة في القتال، فما عليك سوى اعتلاء المنصة".

وبدا في نبرته الآن أثر لم يكن موجودًا من قبل، كأنه يبلغها أن هذه قد تكون فرصتها الأخيرة للتراجع بغير مهانة. لم تتردد ليان هوا، بل خلعت الحقيبة عن كتفها ببساطة، وتركتها على الأرض، إلى جانب أحد أفراد الدورية، بعناية منزلية شبه مألوفة تبدو غريبة في مثل تلك اللحظة، ثم صعدت المنصة بحركة نظيفة. وكانت المحيطات في ذلك الحين آخذة في الاكتظاظ، إذ تفرق التلامذة الذين تتبعوها من جناح المؤن حول المنصة، وانضم إليهم تدريجيًّا الفضوليون العابرون الذين ما إن رأوا التجمّع حتى اقتربوا ليستجلو ما يجرى.

سرت الكلمة بين الأفواه، نزال بين جيانغ لي وغريب، وفي لمح البصر تضاعف الحشد المحيط بالمنصة، حلقة من الأردية والرؤوس المشرئبة التي تدفع لتفسح فرصة الرؤية الجيدة. صعد قائد الدورية إلى أحد طرفي المنصة ورفع صوته ليسمعه المتنافسان والجمهور معًا.

قال: "استمعوا جيدًا للشروط. لن يطول هذا النزال إلا حتى يستسلم أحد الاثنين أو يُعجز عن المتابعة. ليس نزالًا حتى الموت، ولن يكون، فما يحيز أمراً كهذا سوى شيخ".

ومرر نظره بين الاثنيْن.

سأل: "أفهمتما؟".

قال جيانغ لي: "فهمت".

وتسرب إلى صوته تلميح خائب مستتر بسوء، إذ كان جزء منه يمني النفس بالمضي أبعد.

كررت ليان هوا: "فهمت".

وأغمضت عينها لحظة بعد ذلك، بنبرة يستشف منها من يحسن التأويل خيبة أمل مطابقة. راقبهما القائد، وأومأ، وتراجع خطوة إلى حافة المنصة.

قال بلا إبطاء: "إذن، ابدآ".

ولم يُتم نطق الكلمة حتى كان جيانغ لي قد انطلق. إذ لم ينو منح الغريب ثانية واحدة من التقسب، ولا هنيهة للاستعداد. تخيل أن طريقة إذلاله سريعة وصاعقة، لينهي الأمر في تبادل واحد ويثبت أبدًا الهوة التي تفصل تلميذ الطائفة عن خادمة بسيطة تجرؤ فوق ذلك على إغماض عينيها. وهكذا، وما إن سمع الأمر، حتى فعّلت تقنية حركته وقذفت جسده إلى الأمام بتلك التسارعات القصيرة والمفاجئة التي تتيح له قطع المسافة دفعة واحدة، والسيف في المقدمة، مبتغيًا النصر في الضربة الأولى.

بيد أن النصر لم يأتي، لأنه في اللحظة ذاتها التي انطلق فيها جيانغ لي، كانت ليان هوا تتحرك بالفعل، لا إلى الوراء كما يُتوقع ممن تفاجأ، بل إلى جانب واحد، منزلقة خارج مسار الطعنة باقتصاد في الحركة يقترب من حد الإهانة. شق السيف الهواء حيث كانت قبل نصف ثانية، وجيانغ لي، الذي جره زخمه، تجاوز الهدف. وفي تلك اللحظة الدقيقة، ودون أن يدرك الجمهور تمام الإدراك كنه ما حدث، أوقعه شيء ما.

لم ينزلق، فلم يكن على الأرض شيء. كان الأمر كأن قدمه علقت في منتصف الخطوة بشيء غير موجود، ليجد نفسه فجأة مجبرًا على خطوتين سريعتين وخرقائين لئلا يقع على وجهه. استعاد توازنه بصعوبة، ودار حول نفسه، وهجم بغضب مجددًا، عاجزًا عن فهم ما جرى. ما حدث، وإن خفي عليه، هو أن ليان هوا أخذت تنسج. إذ لم تكن ليان هوا سيافة تبتغي الصدام، ولا همّها قياس قوتها بقوة جيانغ لي في تبادل نظيف.

تقاتل بطريقة أخرى، وحين تتفادى لا تكاد يداها تتحركان، ولكن من بين أصابعها المشدودة وغير المرئية تقريبًا تحت الضوء، تنطلق أرق الخيوط التي تنشرها عبر المنصة بدقة بفضل «ألف يد»، أيدي طاقة خالصة تخفى عن الجميع فتقبض على الخيوط وتشدها وتبدلها وتضعها في رقصة مستمرة تقودها ليان هوا بفكرة واحدة.

إنها استراتيجية ولدت من رحم قصور، إذ تعلم ليان هوا حقًّا أن قوة أيدي الطاقة لا تملك كبح ممارس فنون، لذا لم تكلف نفسها عناء المحاولة. بدل القبض عليه، أعاقتْه. بدل وقفه، ورّطته. الخيوط الموجهة بأيدي الطاقة تشابكت حول كاحليه لتتعثر خطوه في وسط الجري، وتشد عند علو معصمه ساعة همّ بإطلاق ضربة لتنحرف سيفه بالقدر الذي يخطئ الهدف، وتتعلق بطيات ثيابه لتبطئ التورط، وتعترض طريقه في اللحظة الأشد سوءًا.

لم تكن أي من تلك العراقيل عظيمة بذاتها. لكنها مجتمعة، متسلسلة بلا راحة، حولت كل حركة من حركات جيانغ لي إلى صراع ضد عدو لا يراه ولا يدركه. أما جيانغ لي، فهاجم كرة تلو أخرى مستخدمًا تسارعاته لمحاولة تقليص المسافة ومحاصرة الغريبة قرب حافة المنصة، واثقًا أن ضربة ما ستصيب عاجلاً أم آجلاً، وإذا حدث ذلك، وحين يبلغها أخيرًا، كانت لديه ورقة أخرى مخبأة، إذ فعّل تقنية تعزيز تصلب الجلد لتزيد مقاومة.

كان ذلك تأمينه، شبكته، واليقين بأن الغريبة إن حملت سلاحًا خفيًّا ونجحت في لمسه، فلن تبلغ أكثر من خدش هزيل الشأن. وبالفعل، كانت ليان هوا تحمل سلاحًا خفيًّا. اثنين لنتوخى الدقة. ففي لحظة من المعركة، حين انطلق جيانغ لي بأسرع تسارعاته واثقًا هذه المرة من بلوغها، تركته ليان هوا يقترب أكثر مما ينبغي وخرج من كميها، كأنه انبثق من العدم، زوج من النصال القصيرة التي لم تكن مرئية لأحد حتى تلك اللحظة.

صعد أحدها في قوس قصير دقيق نحو خاصرة جيانغ لي، ومع أن تقنيته أدت دورها فجعلت النصل يتزلج على جسده دون إلحاق جرح جسيم، فإن فزع الإحساس بالنصل قريبًا هكذا دفعه للوثب للخلف، حيث أوقعته خلفه خيوط مشدودة على عقبه إلى الأرض على ظهره. من هنا، صار المال مَسألة وقت لا أكثر. إذ بات الفارق بين الاثنين، ذاك الذي أبى جيانغ لي تصوره حتى، جليًّا أكثر فأكثر لأعين الجميع. الغريبة لا تكاد تهاجم، فلا حاجة لها بذلك، إذ تقتصر على الحركة والتفادى، ومع ذلك تهيمن على النزال من أوله لآخره بسلطة هادئة تبدو مهينة حين تُرى.

وفي المقابل، ينتهي كل هجوم لجيانغ لي بالطريقة ذاتها، متعثراً، منحرفًا، ساقطًا أو متوقفاً في منتصف الضربة، أشد إحباطاً، وأوفر إنهاكاً، وأبعد عن فهم ما يجري. تتباطأ تسارعاته تدريجيًّا، وتغدو طعناته يائسة، وتنفسه أثقل، وفي حلقة التلامذة المحيطة بالمنصة يتبدل لون الهمسات تدريجيًّا من السخرية الأولى إلى صمت أشد انتباهًا، صمت من أدرك للتو أنه يشاهد ما لم يتوقعه. وصل الختام بلا أي دراما تذكر.

شن جيانغ لي، الأعمى بغضبه وإرهاقه، هجومًا أخيرًا ميئوسًا منه، هجومًا أماميًّا صبّ فيه كل ما بقى له. وتلقت ليان هوا، التي انتظرت ذلك الخطأ برهة، الأمر دون أن ترتجف. أحكم خيط معصم سيفه لصرفه، وأمسك خيط آخر بكاحله، وفي الفجوة ذات نصف الثانية المفتوحة بين الزخم المحبط والسقوط، ولجت ليان هوا دفاعاته، وقلصت المسافة التي حفظتها طوال النزال وأنزلت ضربة واحدة في قفا رقنته بمقبض إحدى نصليه.

بعد الضربة، هوى جيانغ لي على الحجر بلا صوت وجمّد بلا حراك. لبرهة، لم يُسمع في ساحة التدريب سوى صدى ذلك السقوط، لكن قائد الدورية تقدم، وانحنى لحظة فوق جيانغ لي ليتحقق من غيبوبته فقط، ثم اعتدل ليعلن ما بات جليًّا لكل الحاضرين.

قال بصوت واضح: "عاجز. النصر للغريبة".

ثم التفت إلى ليان هوا، وحين حدثها، تبدلت نبرته. لم تكن دافئة بعد، فهو ليس ممن يلينون بسهولة، لكن سرى فيها ما لم يكن موجودًا من قبل، بقايا احترام رغمًا عنه، ذلك النوع من الاحترام الذي لا يسع رجلاً اعتاد الأسلحة إلا أن يشعر به حين يرى الأعمال تُؤدى باتقان.

قال لها: "يمكنك العودة إلى جناح المؤن لإتمام ما جئتِ لأجله. لكن استمعي لي جيدًا، لا تفتعلي مزيدًا من المشاكل. هذه يمكنني تمريرها، رغم النزال، لأنه استفزك والقواعد حماتك. لكن مرة ثانية ستلزمني باتخاذ تدابير، ولا يناسبك قدوم تلك اللحظة. أفهمتِ؟".

أجابت ليان هوا: "فهمت. أشكر لك عدلك وصبرك. لن تتكرر من جانبي".

وقد صدقت القول، فأقل ما تريده هو منح الطائفة أسبابًا للاهتمام أكثر مما فعلت. أخفت نصليها، فتلاشيا بين كميها بذات الطبيعة التي ظهرا بها، وهبطت المنصة بوثبة صامتة، واستعادت حقيبتها من الأرض وألقتها فوق كتفها مجددًا. وحين انطلقت عائدة نحو جناح المؤن، تنحى التلامذة الذين احتشدوا في طريقها، هم أنفسهم الذين نظروا إليها بازدراء قبل قليل، ليفسحوا لها الدرب، وفعلو ا ذلك بصصمت يبلغ أضعاف ما كانوا ليبوحوا به علانية.

عبرت ليان هوا الحشد دون أن تنظر لأحد، بذات الخطى الهادئة المعتادة، وما إن خلفت الجموع وراءها واتجهت نحو الدرب المنحدر مجددًا نحو الباحة حتى شعرت بأن شخصًا يقترب منها بخطى سريعة من جانب. أدارت رأسها بجهد، وصادفت وجهًا مألوفًا. كانت سونغ يان، التلميذة الوحيدة بين المجموعة التي واكبتهم في الرحلة، الوحيدة التي عاملت ظهوان بما يشبه اللطف، والتي انتهى بها المطاف خلال تلك الأيام الخمسة إلى الألفة معها.

بلغت سونغ يان مستواها وعيناها تلمعان حماسة وبابتسامة تملأ وجهها.

قالت بلا مقدمات: "كان أمرًا مذهلاً! راقبتك منذ البداية. حسناً، حاولت مراقبتك بالأحرى، بالكاد تمكن المرء من تمييز ما تفعلين، لكنني رأيت ما يكفي. تهانينا على النزال، حقًّا".

مالت رأس ليان هوا قليلاً بلا توقف عن السير.

أجابت باقتضاب: "شكرًا".

لكن سونغ يان لم تكن ممن يقنعن بكلمة واحدة، فبقيت إلى جانبها تتحدث نيابة عنهما.

تابعت قائلة: "لو علمت أنك بارعة هكذا لطالبتك ببضع مباريات تدريبية خلال الرحلة. خمسة أيام وأنت بقربي ولم يخطر لي اقتراح الأمر ولا لمرة. يا له من ضياع حقًّا، ويا لها من فرصة فائتة".

ليان هوا، التي لم توقف سيرها لحظة، اكتفت بإصدار صوت قصير قد يكون موافقة أو عدماً، ولم تزد الكثير، فلم يكن لديها ما تقوله. أما سونغ يان، فلم تبد محتاجة للكثير من التشجيع من محاورها لإبقاء الحديث حيًّا، فاستمرتا لطعح صالح، هذه تتكلم وتلك تمشي، حتى بلغت سونغ يان ما يعنيها حقًّا.

قالت متغيرة النبرة: "اسمعي، بالمناسبة. أين أسكنوك؟ أريد معرفة مقر إقامة ظهوان سون وِن".

أجابت ليان هوا: "في الجزء العلوي من الطائفة. في أحد الكهوف المخصصة للتلامذة الداخليين، بجوار المنحدر".

قطبت سونغ يان جبينها لدى سماع ذلك، لا تبرمًا بل حسابًا، كمن عثر لتوه على عقبة لوجستية صسيرة وشرع فورًا في تدبير مخرج لها.

تمتمت: "منطقة التلامذة الداخليين. تلك مشكلة".

تفكرت لحظة، وقررت سريعًا.

قالت: "انظري، إن لم تمانعي، فلنفعل شيئًا. سأجري لأحضر كتابي الآن ثم أنزل لأبحث عنك في جناح المؤن لنصعد معًا. أنا تلميذة خارجية، أتعلمين؟ ولا أستطيع دخول منطقة التلامذة الداخليين بمفردي. لكن إن صعدت برفقة مقيم هناك، كحالك أنت، فلا مشكلة حينئذ".

تأملت ليان هوا الأمر لثانية واحدة، لتذكرها التام بدعوة ظهوان لسونغ يان لجلب كتابها، ولسبب ما عجزت ليان هوا عن إدراكه بالكامل لكنه لا يخصها بالسؤال، بدا أن ظهوان تضمر اهتمامًا حقيقيًّا بوقوع تلك الزيارة. لذا، إن أرادت سونغ يان الصعود معها، فما ذلك بعائق، بل عين ما تريده ظهوان.

ردت: "لا أمانع. سأكون في الجناح، فتعاني حين تحضرين الكتاب".

أشرق وجه سونغ يان.

هتفت: "ممتاز! لن أبطأ أبدًا، أعدك بذلك"، ودون انتظار رد التفتت وانطلقت صعوداً في الدرب، لتضيع بين المباني.

راقبتها ليان هوا تغادر لحظة، ثم واضعت مسيرها نحو جناح المؤن. وبينما كانت تهبط الشطر الأخير من الدرب، والحقيبة على ظهرها وقد طوت أمر النزال في ركن ما من ذهنها بوصفه إزعاجًا طفيفًا ومحسومًا، فاجأت نفسها وهي تضمر الأمل القديم ذاته، وهو أن يقدم جناح المؤن، إلى جانب الطعام، نوعًا آخر من المؤن، كالأسرّة مثلاً.