داو اللغة الفصل 143

اقرأ داو اللغة الفصل 143 باللغة العربية على مانجا تايم.

لا أستطيع الجزم بمن بدأ الأمر. أهي أمي التي استفسرت بلطف عن ترتيب الزيارات أم هي الزعيمة ذاتها التي دسّت الكلمة لترصد ردّ الفعل. لكن الحقيقة أن الاسم سقط على المائدة. وجاء ردّ الزعيمة مغلفاً بالنبرة الخفيفة نفسها التي يتحدث بها المرء عن حالة الطقس. قالت وهي تضع العصاتين بعناية على حافة الطبق. آه الفاي لان. لحسن الحظّ لن نضطر إلى تحمّلها لفترة أطول بكثير. قالتها عابرةً بلا توكيد كمن يذكر تفصيلاً عديم الأهمية.

وواصلت الأكل كأنها علقت لتوها على أن الظهيرة تنذر بانخفاض الحرارة. لكنني التقطت تماماً ما يكمن تحت تلك الجملة. ولم يخفَ عني اليقين الذي نطقت به. طمأنينة من لا يعبر عن أمنية بل يتوقع واقعاً. لم تقل أمي شيئاً. اكتفت بأن سكبت لنفسها المزيد من الشاي بالهدوء المنيع الذي تبرعه كأي أحد. وقررت أن أُقلدها. فهذا بالضبط نوع الحديث الذي يكون أذكى ما أفعله فيه هو ألا أشارك. فأومأت بابهام مبهم بابتسامة مهذبة وفارغة تماماً.

وتركت التعليق يذوب في الهواء بلا تناول. كنت استطيع أن أسال الكثير عن تلك الجملة لكنني أفضل ألا أعلّق. تواصل الغداء لفترة أطول قليلاً على القنوات الهادئة نفسها. وكنت أشرع في الظن بأنني سأخرج من هذا اللقاء بلا ذعر إضافي حين خاطبتني الزعيمة مجدداً. وغيّرت هذه المرة الموضوع نحو تضاريس كان يفترض أن تكون الأكثر راحة لي مبدئياً. قالت وبصوتها ما يشبه الموافقة الحقيقية. بالمناسبة يا تشاوهوان وين.

يجب أن أهنئك على كتابك رحلة إلى الغرب تلك. وصلت أصداؤها حتى جينيانغ. والآن وقد تيسر لي قراتها أدركت الضجة. إنه عمل لافت وأكثر من ذلك لصدوره عن شخص في عمرك. أجبت وأنا أميل رأسي قليلاً. أنت لطيفة جداً ايتها الزعيمة. يسعدني أن أعلم أن القراءة نالت إعجابك. وحينها أفسدت كل شيء. تابعت وميلت رأسها بالكاد. رغم أن هناك أمراً يحيرني. في لحظة معينة من الكتاب يُذكر بوذا معين وتوجد إشارة إلى بوذي.

أعترف أنني لم أدر ما أفهم من ذلك. ماذا تقصد تلك الجملة بالضبط. وأصيب عقلي بالفراغ. عجزت لثانية عن صياغة فكرة متماسكة واحدة. لأن هاتين الكلمتين بوذا وبوذي لم يكن مفترضاً أن توجدا في كتابي. كان يفترض أن أمحو حتى آخر إشارة بوذية من النص. وأن أعيد كتابة كل راهب بوصفه ممارساً. وكل نص مقدس بوصفه خلاصة تقنيات. وكل شيطان بوصفه وحش روح. وأن أكرس أسابيع كاملة لتطهير العمل من كل أثر لديانة لا وجود لها في هذا العالم.

والآن تخبرني احداهن وبكل هدوء أن بقايا قد تبقت. وميض من الذعر الخالص سرى داخلي. أفللت مني هفوة. كم أُخرى ستكون موجودة. وكيف يُعقل ألا يخبرني أحد حتى الآن مع عدد من كانت تلك الكتاب بأيديهم بدءاً من أمي شخصياً. لكن في اللحظة التي عبرت فيها تلك الفكرة الأخيرة رأيتها. من طرف عيني رأيت أمي تحول نظرتها. حركة طفيفة ثانية بالكاد. التفصيل الذي كان سيفلت مني تماماً لو لم أكن اعرفها لتلك الدرجة.

لكنني أعرفها. وبه أدركت كل شيء دفعة واحدة. ليس أن أحداً لم يلاحظ بل لاحظوا ولم يخبرني أحد. لم يخبرني أحد لطفاً محضاً ليوفروا علي هذا الموقف السيئ تحديداً مفترضين أن خروج تلك الكلمات من قلمي كان لسبب لم يكن من حقهم المساءلة فيه. وذلك الإدراك أعاد إلي هدوئي بغرابة. تنفست بعقلي وطلبت من الهواء تنظيم الفوضى بداخلي. وركبت إجابتي بكل الطبيعية التي استطعت جمعها. قلت مخففاً الأمر بحركة صغيرة من يدي.

آه ذلك. تلك بقايا فكرة درست اعتبارها أثناء كتابة العمل ثم نبذتها في النهاية لعدم انسجامها تماماً مع بقية القصة. لكنني ظننت أنني محوتها تماماً مع أنني أرى الآن أنني عجزت عن تنظيف بعض بقايا تلك الفكرة. راقبتني الزعيمة لبرهة تزن الإجابة ثم أومأت أخيراً بحركة تعد الأمر محسوماً. فهمت وقالت لتعود إلى طبقها. أمور تحدث حين ينمو العمل أكثر من المتوقع على ما أظن. أثبت ذلك. وأطلقت داخلي كل الهواء الذي حبسته.

باستثناء هاتين اللحظتين لحظة تعليق الفاي لان ولحظة السؤال الذي كاد يقلب معدتي بقي باقي اللقاء بلا ذعر إضافي وديعاً ومؤدباً حتى النهاية. تحدثنا قليلاً وأنهينا الغداء بلا عَجَل. وبعد قليل رأت الزعيمة أنها استوفت المدة الملائمة لزيارة أولى وأعلنت رحيلها. ودعناها بالميول والصيغ المعتادة. وراقبته تبتعد عبر الحديقة مع فاي يي الخاص بها خلفها بخطوة. بهيئة منتصبة لمن عادت مصممة على استعادة كل ما فقدته وشيء آخر.

لحظة اختفائها عن الأنظار وبعد تبادل نظرة خاطفة مع أمي لا تحتاج منا نحن الاثنتين إلى ترجمة إلى كلمات. قررت أنني اكتفيت من المخالطة لليوم. قلت وأنا ألتف برأسي قليلاً إلى الوراء. خذيني إلى غرفتي يا ليانحوا. أجابت. نعم يا تشاوهوان وين. وأخرجتني من الحديقة. ولحظة اجتيازي عتبة غرفتي وتمركز ليانحوا بي قرب المكتب نبذت كل ما عداه وألقيت بنفسي على الأمر الوحيد الذي دار برأسي منذ تلفظت الزعيمة هاتين الكلمتين الملعيونتين.

أغمضت عيني ووجهت جزءاً من عقلي نحو نص اقتباس رحلة إلى الغرب مستعرضاً إياه من الذاكرة صفحة بصفحة. وهنا لعنت مجدداً للمرة المئة أن نعمتي لا تأتي بشريط بحث مدمج. لأن تذكري لكل كلمة قرأتها أو سمعتها شيء والقدرة على القفز المباشر إلى ما يعنيني شيء آخر تماماً. لا اختصارات لذا لا خيار لي سوى قراءة النص عقلياً من البدء فقرة فقرة باحثاً بصبر بين عشرات آلاف الرموز عن إبر بوذية ملعونة مخبأة في كومة قش.

استغرق الأمر وقتاً صالحاً لكنني وجدتها في النهاية. ها هي متربصة في زوج مقاطع راجعتها ألف مرة ورغم ذلك تسللت مني. إشارة لبوذا بقيت طليقة في فقرة أعدت كتابتها بوضوح في المنتصف. وإشارة إلى بوذي في حوار ظننته مصححاً بينما صححته في الواقع جزئياً فحسب. بقايا دقيقة للنسخة القديمة. تلك التي قصدتها الزعيمة والتي نجت بين بقية النص كزوج حشرات متشبث بالوجود. أطلقت زفرة تنبع من أعماقي.

لا شيء يمكن فعله. الواضح أني مجبر على إعادة كتابة الكتاب لتصفية تلك الإشارات القليلة التي بلا شك تجعل أكثر من قارئ يحك رأسه متسائلاً شأن الزعيمة عما يكون بحق الجحيم بوذا. ولبرهة هربت مني فكرة كسولة وفارغة تماماً تلخص بكمال كم أود الشروع في نسخ النص بأسره مجدداً. وليست سوى أنها خسارة عدم القدرة على جعل أيدي الملاي وضع الطيار الآلي لتقوم بالنسخ بنفسها لما أحوزه في رأسي بينما أتفرغ لأي شيء آخر.

خيال عبثي نوع الشكوى العاطلة التي يسمح بها المرء لنفسه حين يثقله فرض مكرر. ومع ذلك لحظة صياغتي لها بقيت ساكناً جداً لأن تلك الفكرة قادتني إلى غيرها. بقيت لحظة بصمت أقلب تلك الفكرة مع شعور وخز بامتلاك أمر هام على حافة الإدراك تماماً. وفجأة وبلا كلمة أخذت من درج زوج أوراق وفراتين ومحبرة ورتبتها على المكتب ووجهت كلامي إلى ليانحوا. قلت لها. أغلقي الباب. لم تسأل شيئاً لأنها تعلمت قديماً تمييز حين أهم بفعل ما أفضّل حفظه بين هذه الجدران الأربعة.

اقتصرت على الاقتراب من الباب ورمي الترباس بعارضة صلبة والتمركز قربي مجدداً منتبهة وصامتة. وحينها تركزت. استخدمت تقنية أيدي الملايا سريعاً لكنني لم أكتفِ هذه المرة برفع الأشياء ولا بنقلها من مكان لآخر. جعلت فراتين ترتفع دفعة واحدة عن المكتب كل فوق ورقتها وشرعت في الكتابة. ليس الصفحة ذاتها مكررة بل صفحتين مختلفتين من كتابي كل فرشة على حيدتها بينما أمسكت بهما في الذاكرة بالوقت ذاته وأوجه كل ضربة منفصلة.

نجح الأمر في البداية. بدأت الفرشان معاً تغطسان في الحبر وتنزلان على الورق لترسما الرموز بالتوازي. صفحة اليسار وأخرى اليمين. ولحظات رائعة عاينت فكرتي تتشكل أمامي. نصان مختلفان يكتبان أنفسهما معاً ويخرجان من عقل واحد لكن رأسي بدأ يؤلمني فوراً ويا للأسف. ولم يكن ألماً عادياً. بل وجعاً محدداً جداً وواضحاً للغاية. ألم لم أعه