داو اللغة الفصل 142

اقرأ داو اللغة الفصل 142 باللغة العربية على مانجا تايم.

أتأمّل الكتب المرصوفة على الطاولة برضا من يدّخر الأشياء التي كلّفته جهداً يفوق ما تبدو عليه. هي ليست أمراً عظيماً للوهلة الأولى، بل مجلدات قليلة الغلاف رصينة، بلا زخرفة على الأغلفة، بلا حرير، بلا حروف ذهبية، بلا ما يدعو إلى إطالة النظر فيها. ومع ذلك، قضيت وقتاً طويلاً أتأمّلها كأنها كنز لأنها، بطريقتها المتحفّظة والصامتة، كنز لي. ما بين يدي هو اقتباسِي لليوُوين.

أو، لدقّة أكبر، نسختي لهذا العالم من تلك الأدلة التي يتعلم الأطفال القراءة بها في الصين الحديثة، كتب أثبتت فعاليتها بكثرة حتى إنها عبرت أجيالاً بلا تغييرات تقريباً وقاومت سيلاً من الإصلاحات التعليمية. إن تيقّنت من شيء بعد قضاء عمر كامل في اللغات، فهو أنه لا توجد قاعدة أفضل لتعليم القراءة من طريقة أثبتت نجاحها بالفعل مع مئات الملايين من البشر. لكن المشكلة، وكيف لا تكون، كانت في التفاصيل.

لأن أدلة اليوُوين تستند إلى البينيين، والبينيين يُكتب بالحروف اللاتينية، وهو خط لا يستعمله أحد في هذا العالم. أو يكاد لا يستعمله أحد إن أخذت أحصي نقوشاً معينة على حجر معين أفضّل عدم تذكّره في مثل هذه الساعة من الصباح. وبدون تلك الحروف في المتناول، هددت السقوطَ الهيكليةُ الصوتية برمتها كبيت تداعت أركانه. لأيام غير قليلة ظننت أن تلك الجزئية ستطيح بالفكرة برمتها. فبعد كل شيء، وبدون طريقة واضحة لتدوين النطق، يظل دليل تعلم الحروف منقوصاً، مختزلاً إلى قائمة رسومات يجب حفظها واحدة تلو الأخرى، وهي الطريقة البطيئة والخرقاء نفسها التي نوى بها معلّمي الأول غير الموثوق أن أتعلم القراءة بها قبل عمر كامل الآن.

لكن يتبين أن هناك ما أتقن فعله، وهو هذا بالضبط. لذا فعلت ما بوسعي وحده، إذ فككت جزء البينيين تماماً وأعدت بناءه من الأسداس مستعيناً بالأبجدية الموجودة في هذا العالم، أرقع صوتاً بصوت حتى تتوافق المقابلات. لم يكن النقل نظيفاً بحال، لأن مخزون الأصوات لا يتطابق، والعلامات لا تتطابق، وأكثر من مرة اضطررت لابتكار أعراف جديدة لتغطية ثغرات لا وجود لها حتى في النظام الأصلي.

اضطررت لتغيير ذلك الجزء تغييراً واسعاً حتى صار شيئاً آخر لا يشاركه سوى النية، بمعناه الدقيق. ومع ذلك كله، وحين أنظر إلى النتيجة، لا أملك منع تلك الوخزة الصلبة من الكبرياء المهني، وخزة اللغوي الذي يواجه لغزاً بدا مستحيلاً ثم ينتهي بحلّه. لأن ما بين يدي، بكل رقعة وحل بديل، اقتباس أكثر من مقبول. لأنه يعمل. يمكن لطفل أن يتعلم بهذه الكتب، وسيتعلم بسرعة. أمرُّ بأصابعِي على كعب المجلد الأقرب إلي وأسمح لنفسي بابتسامة طفيفة، لأن أجمل ما في هذا كله ليس الإنجاز اللغوي نفسه، مهما بلغ رضاي عنه.

أجمل ما في هذا كله هو المال الذي سيوفره. والتفكير بأن الفكرة أهدتني إياها أمّي بنفسها دون قصد منها. حدث ذلك قبل أيام، في إحدى تلك الأحاديث العابرة على الفطور، حين ذكرت عرضاً أن وزارة المراسيم بدأت تصدر طلبيات للكتب. تعليق تافه، واحد من آلاف، ومع ذلك كفى ليحدث صدى في رأسي، لأن وزارة مخصصة للمراسيم والامتحانات وتعليم الموظفين هي، بحكم التعريف، وزارة تحتاج إلى تعليم الكثيرين القراءة وإتقانها.

ورأيت الأمر بوضوح جلي فجأة. حين يعرض المسؤولون عن المطبعة هذه الكتب على موظفي وزارة المراسيم، سيريدونها. ليس لأنني أظن أنهم سيريدونها، بل لأني متأكد تماماً من ذلك، لأن طريقة تعلّم القراءة بسرعة أكبر وبجهد أقل تمثّل، لوزارة كهذه، زيادة مباشرة في الكفاءة. والزيادة في كفاءة وزاراتهم هي زيادة في السمعة للموظفين القادة، ذلك النوع من الجدارة الذي يصنع المسيرات المهنية ويتحول إلى ترقيات.

وما إن يفهم أحدهم وحده ما بين يديه حتى يرغب في نشره في كل مكان، ويجرّ البقية خلفه طمعاً خالصاً. لكن الشيء الجميل حقاً، ما يجعل من هذه الفكرة شيئاً أفضل بكثير من مجرد مصدر دخل، هو كتمانها، فهذه الكتب ليست مثل رحلة إلى الغرب. كانت رحلة إلى الغرب صاخبة. رواية ملحمية، مسليّة، ببطل جذاب ومغامرات تصرخ طلباً للقراءة، قُدّمت إلى الإمبراطور أمام البلاط بأسره كأول كتاب يصدر عن المطبعة.

كانت، بكلمتين، واجهة، وعملت تماماً كما أردت لها أن تعمل. المشكلة أنها عملت بأكثر مما ينبغي، لدرجة أنها لفتت انتباه الشخص الذي كان أقلّ من ينبغي لي أن يثير انتباهه، ولا تزال ذكرى الشيخ فنغ حيّة جداً حين اتخذ من المطبعة ذاتها حجة لمحاولة إقناع مجلس شيوخ الطائفة بضمّي، بحجة أن عقلاً قادراً على ابتكار شيء كهذا لا ينبغي أن يهدر خارج أسوارهم. هذه الكتب، في المقابل، عكس الصخب تماماً.

هي أدلة لتعلّم القراءة. رمادية، وظيفية، بلا قطرة مجد واحدة. لن تنتشر في صالونات النبلاء ولن تُرشح في الاستقبالات، بل ستظل محصورة في النطاق الأكاديمي لوزارة المراسيم، وستنتهي، في الغالب الأعم، مرتبطة بالطبقات الدنيا، بأبناء الموظفين الصغار والمطمحين بلا ألقاب الذين يدرسون للاختبارات. لا أحد ينظر مرتين إلى كتاب تُرجا به القراءة للعامة. لا أحد يراه جديراً بالاهتمام.

وهذا الخفاء هو تحديداً ما سيُبقيها بعيدة عن رادار الطائفة بينما يبدأ الدخل في النمو، لا رويداً بل تصاعدياً، لأن طريقة تعمل ويريد وزير بأكمله تبنّيها لا تُباع بالقطعة، بل بالآلاف. هي، باختصار، الطريقة المثالية لجني المال. صامتة، ثابتة، ومملة تماماً في أعين من لا يعرف ما يفتش عنه. أنحني إلى الوراء في الكرسي، راضياً جداً عن نفسي، وأتناول قدح الشاي الذي جلبته لي لينحوا قبل قليل، وما زالت بارزة فيه بعناد قطعتان من الثلج تأبيان الذوبان تماماً.

أرتشف رشفة، وأقدر البرودة بكل روحي في وسط هذا القيظ الذي استقر في الجناح كضيف لا نية له بالرحيل، وأقرر أنه مهما بدت الفكرة مكتملة، يظل الجزء الأكثر دقة قائماً. لأن شيئاً هو تجهيز الكتب وشيئاً آخر تماماً هو إطلاقها في التوقيت المناسب. ولهذا، فإن الأحزم هو استشارة أمّي سلفاً، فهي تعرف مواقيت البلاط أفضل مني بلا قياس وستحسن إخباري متى يناسب إيصال الكتب إلى المطبعة لتصل إلى وزارة المراسيم بلا إثارة للشكوك.

كنت أقلّب أفضل السبل لطرح الأمر عليها حين انفتح باب الدراسة ودخلت لينحوا. رفعت بصري نحوها بحيرة، ففي مثل هذه الساعة لا أراها عادة إلا إن ناديتها، وما كنت أتوقع حقاً أن تدخل هكذا دون تحذير مني بشيء.

سألتها تاركاً القدح على الصحن: "أحدث شيء؟".

أجابتني بذاك السدو الذي يبعث الطمأنينة حتى قبل أن تشرح ما الأمر: "لا شيء سيء يا تشاوهوان وين. لكن المعلمة الكبرى شيان أصدرت أمراً بوجوب تجهيز نفسك، فستكون هناك لاحقاً مأدبة صغيرة مع المعلمة الكبرى تشي".

رفعت حاجب البصر ما إن سمعتها، فلم أكن أتوقع تلك الكلمات البتة.

كررت: "اجتماع مع المعلمة الكبرى تشي؟ أحدث شيء ليُرتَّب هكذا فجأة؟".

هزت لينحوا رأسها قليلاً.

أخبرتني: "على حد علمي، لا. وحسب ما تمكنت من معرفته، فإن المعلمة الكبرى تشي، والآن بعد أن عادت من منفاها، ستشرع ببساطة في زيارة القرينات الأُخريات واحدة تلو الأخرى. وأول من قررت زيارتها هي المعلمة الكبرى شيان".

بقيت لحظة أستوعب ذلك الجواب، وكان فيه ما لم يناسبني تماماً.

سألت ولاحظت كيف ارتفع حاجبي أكثر بعد: "الأولى؟ وكيف لها أن تزور أمّي قبل المعلمة الكبرى لان؟ المعلمة الكبرى لان هي القرينة الأولى، وأقدم نساء الحريم. إن كانت المسألة مجرد مجاملة، فالترتيب المنطقي هو البدء بها".

أقرت لينحوا قائلة: "لا أعلم يا تشاوهوان وين"، واعترف نبرها هذه المرة بأن هناك حداً لمدى ما بلغته معرفتها.

"لكن ما أعلمه هو أن المعلمة الكبرى لان هي الأخيرة في جولة الزيارات بأسرها. وما عدا ذلك، لا تبدو تلك الزيارات تابعة لأي ترتيب ذي معنى بلمحة بصر".

بقيت سارحاً لحظة أقلّب الأمر، لأن جولة زيارات بلا ترتيب ظاهر تترك، مصادفةً، القرينة الأولى إلى النهاية ليست مصادفة، بل رسالة.

قلت أخيراً، لنفسي أكثر مما للينحوا: "ما يخطر لي هو أن المعلمة الكبرى تشي تريد إهانة المعلمة الكبرى لان. أن تزور البقية قبلها، وتتركها في المكان الأخير كأنها واحدة أخريات لا القرينة الأولى، هو ذاك النوع من الإيماءات الذي يهين دون النطق بحرف واحد".

وختمت وأنا أضيف البديهي: "إن خطر هذا ببالي، أنا الذي لا علاقات لي ولا خبرة في هذه الأمور، في ثوانٍ معدودات، فمن الجلي تماماً أن نصف البلاط دار في خلدِه الشيء نفسه تماماً".

كان بإمكانِي مواصلة شد الخيط. كان بإمكانِي أن أسأل لمَ قد تختار المعلمة الكبرى تشي العودة من منفى امتد عشراً وتكرّس خطوتها الأولى، ما إن تطأ قدماها القصر، لإهانة المعلمة الكبرى لان تحديداً. كان بإمكانِي أن أسأل عما تعلمه المعلمة الكبرى تشي ولا أعلمه أنا، أو أي الحسابات العالقة بين الاثنتين. لكني قررت عدم فعل ذلك، لأن مؤامرات البلاط أفضل ترْكها لمن يعرفونها بعمق ولديهم علاقات أفضل مني، وأنا أعلم أن التدخل فيما لا يعنيك لم يأتِ بخير لأحد قط.

لذا دفعت الأمر من رأسي وعدت إلى العملي.

قلت للينحوا: "على أي حال. إن أرادت أمّي أن أجهّز نفسي، فخذيني إلى غرفتي لنبدأ".

أومأت لينحوا بلا كلام، واتخذت موقعها خلف الكرسي ودفعته بنعومة المعتاد لتخرجني من غرفة الدراسة. مرّت الرحلة عبر ممرات الجناح في الصمت المعهود، مع ضوء الصباح يتسلل بين الأعمدة والوصيفات ينحنين بحذر عند مرورنا حتى بلغنا غرفتي وشرعت لينحوا في عملها. والحقيقة أنها أخذت وقتها، فالاجتماع مع قرينة، حتى وإن سموه صغيراً، ليس مسألة حضور بأي هيئة. ألبستني أحد أفضل الأزياء التي فصلتها خياطة أمّي لي، وتلك القطع التي يكفي قماشها وحده لتغطية ما تراه عائلات كثيرة في عام، وهذّبتني بذلك التأنّي الصبور الذي تدخره للمناسبات التي تعلم أنني سأكون فيها تحت نظر من يلاحظ كل شيء.

كنت أنهي تجهيزي حين سمعت جلبة في باحة الجناح، بأصوات تتداخل، وخطوات تأتي وتذهب، ذلك الهمس المميز الذي يعلو حين يصل شخص مهم ويحاول الجميع الظهور بانشغال يفوق ما كانوا عليه قبل لحظة.

قلت للينحوا وأنا أرمق النافذة بطرف عيني: "يبدو أن المعلمة الكبرى تشي قد وصلت. سيكون أفضل لنا أن ننتهي ونكون جاهزين حين تناديني أمّي".

ولم أضطر للانتظار طويلاً، وما إن وضعت لينحوا اللمسة الأخيرة على تسريحة شعري حتى ظهرت وصيفة على عتبة غرفتي، انحنت وأعلنت بصوت دقيق أن المعلمة الكبرى شيان تناديني وعليّ القدوم إلى حديقتها الخاصة. أشرت للينحوا بمجرد أن غادرت الوصيفة، فاتخذت موقعها ثانية خلف الكرسي لتحملني إلى الحديقة التي تفضل أمّي قضاء الساعات فيها، تلك الزاوية من الجناح التي صممتها بنفسها وترعاها بالعناية نفسها التي ترعى بها رسوماتها، فلو أُمرت أمّي لقضت عمرها بين الفرش والزهور دون أن يزعجها باقي العالم.

وحين وصلنا، ألقيت نظرة سريعة على المشهد. هناك أمّي، ومعها لينغشي على خطوة خلفها، في مكانها المعتاد، متحفظة ومنتبهة كظل حسن الأداء. وإلى جانب أمّي امرأة أخرى لا أكاد أعرفها إلا نصف معرفة، وجه أذكره بضبابية حين كنت في العامين تقريباً، غبش عليه الزمن والمسافة، ولا يمكن أن تكون سوى المعلمة الكبرى تشي. ويرافقها بدورها امرأة ثانية أظنها ستكون يي الخاصة بها، واقفة خلفها بذات التحفظ الذي ترافق به لينغشي أمّي.

وحولهن، تشاغلت عدة وصيفات بتقديم مأدبة على الطاولة توقظ رائحتها شهيتي في مثل هذه الساعة من الصباح. قربتني لينحوا حتى صرت على مسافة ملائمة، فأنحيت رأسي بالرسمية الواجبة.

حييت أولاً: "أمي"، ثم وجهت التحية نحو الضيفة: "المعلمة الكبرى تشي. إنه لشرف".

ردّت أمّي تحيتي بإحدى ابتساماتها التي تدخرها لحين تحيط بنا الجماعات وتريدني أن أعلم أنها ما زالت نفسها.

قالت: "وين. لقد وصلت في الموعد تماماً. تعالي، اقتربي معنا من الطاولة".

راقبتني المعلمة الكبرى تشي بينما وضعت لينحوا كرسيي في المكان الذي أشارتا إليه، وفعلت ذلك بانتباه هادئ، بلا فجاجة من يفحص رجليّ من أهل البلاط أول مرة يرونني فيها، بل بنظرة تقييم من يزن الخيارات دون أن يترك الأمر يظهر كثيراً.

قالت أخيراً: "إذن هذه هي تشاوهوان الصغيرة، ولصوتها أناقة مصقولة، محسوبة حتى المقطع الأخير، لكن تحت تلك المجاملة يمكن لمس حافة شحذتها عشر سنوات من المنفى بدلاً من أن تثلمها: لم أكن قد رأيتها منذ بلغْت عامين، لكن يجب الاعتراف بأنك لست بتاتاً ما يحكيه البلاط عنك. ومع كل ما يُهمس هناك، توقعت أن أجد أي شيء إلا شخصاً بهذه الرزانة".

أجبْت بكل خفة قدرت عليها: "البلاط يُهمس بالكثير يا معلمة الكبرى تشي. ويصيب بالقليل، على الرغم من كون ذلك إحدى هواياته المفضلة".

عبرت شفتيها شبه ابتسامة، وللحظة ظننت أني حدست بأن ذلك التعليق أرضاها أكثر مما أبدت. سارت المأدبة من هناك في مجاري هادئة. تحدثنا في أمور صغرى، تلك التي تصلح لملء الفراغ بين لقمة وأخرى دون الالتزام بشيء، عن الحر المستحيل الذي نجرّه منذ حلّت طاقة النار، وعن لوحات أمّي التي أثنت عليها المعلمة الكبرى تشي بما بدا تقديراً صادقاً، وعن مستجدات القصر الصغيرة التي تحتاج قرينة عادت لتوها من منفى عشري إلى الإحاطة بها لكيلا تتعثر.

وفي لحظة ما، وكيف لا يكون، لامست المحادثة اسم المعلمة الكبرى لان.