أنا جالس داخل العربية وأنتظر. يتسلل عبر النافذة الصغيرة هواء شديد الحرارة حتى كأنَّه يخرج من فم فرن. وأثناء انتظاري لا أملك إلا أن أراجع للمرة التي لا تُحْصَى النقاش الذي خسرتُه بعد ظهر اليوم. لأنني حاولت، كم حاولت. شرحتُ لـ ليانهوا بكل المنطق والصبر اللذين أملكهما إن المسرح الإمبراطوري ليس بعيداً جداً عن الجناح، وإن الليل مع حرارته كان أرحم بكثير من جحيم منتصف النهار، وإن التنزه الهادئ سيكون طريقة كريمة تماماً للوصول إلى هناك.
عرضتُ عليها الحجج والمعلومات وحتى أبسط قواعد الحس السليم. وليانهوا، وفيةً لنفسها، هزمتني بجملة واحدة.
قالت لي بهدوء شديد لا يحتمل رداً: "الذهاب إلى المسرح الإمبراطوري يتطلب قدراً من الأناقة يا ژاوحوان وين. والأناقة تعني الذهاب بالعربية".
ولم يكن لدي ما أردُّ به على ذلك، فمهما كنتُ من أولئك الذين يفضلون الراحة على المظهر، فأنا أعلم جيدا أن المظهر في هذا العالم، وخصوصاً في مكان كذاك الذي سنقصده tonight، عملة تعادل في قيمتها أحجار الروح. لذا استسلمتُ وابتلعتُ خطبتي عن مزايا التنزه ليلياً وها أنا ذا، محبوس داخل صندوق من الخشب المطلي بالورنيش. بجانبي، تتحمل شيا بصبر عجيب بالنسبة لمن هم في سنها، مع أنني أراها تروح عن نفسها بيدها كل ثانية وتنفق على خصلات شعرها الملتصقة بجبهتها.
ترتدي نسختها من الزي، تعديلاً أبسط وأكثر تواضعاً لزيِّ وُضِع خصيصاً لرتبتها وقامتها، ومع ذلك فهي أكثر راحة بمرّات مما كانت ستكون عليه في زيها المعتاد، وهي تعرف ذلك تماماً لكن هذا لا يمنعها من التذمر على أي حال.
قالت لي شيا أخيراً بصوت منخفض: "يا وين، هل مطارنا إلى الخروج ما زال بعيداً؟ أنا أُحرق هنا".
أردُّ عليها: "وأنا أيضاً. لكن لوم وجودنا هنا وعدم السير تحت النجوم ليس عليَّ. تذكري ذلك في المرة القادمة التي تخطر في بالكِ فيها موافقة ليانهوا".
تُطلق شيا ضحكة خفيفة، وفي تلك اللحظة بالضبط يفتح باب العربية ويظهر وجه ليانهوا الهادئ مرسوماً على خلفية ضوء الفوانيس البرتقالي في الخارج.
أعلنت لي قائلة: "كل شيء جاهز الآن يا ژاوحوان وين".
بعد تلك الكلمات، تمرر ليانهوا ذراعاً خلف ظهري والأخرى تحت ركبتيَّ، وترفعني من المقعد وتضعني في الكرسي بعناية، مع أنها معتادة، إلا أنها ما زالت تحرك مشاعري قليلاً. تضع ساقيَّ في مكانهما، وتُملِّس التنورة القصيرة للزيِّ لكي تسقط كما ينبغي، وحين ترضى عن النتيجة تخخطو خطوة إلى الوراء. وعندها أرفع نظري وأتأمل المحيط. أول ما أتأكد منه هو أننا حقاً محط أنظار الجميع. لقد تشكل أمام المسرح الازدحام المعتاد للعربات التي تصل وتفرغ ركابها، وقد استغل أكثر من راكب لحظة وصوله ليلقي نظرة فاحصة عليَّ.
ألاحظ النرات تمر بي، وتتوقف عند كرسيي، وفوق كل ذلك، تتوقف عند ملابسي. لكنني مضيت وقتاً طويلاً منذ تعلمتُ أن الطريقة الوحيدة لتجاوز هذا النوع من الفحص دون جنون هي أن تقرر سلفاً أنك لا تكترث أبداً، لذا أستقيم في جلستي وأصنع لوجهي ملامح كأنهم غير موجودين. المبنى الماثل أمامي فاخر بلا شك. يبدو ذلك في جودة الحجر، وفي ارتفاع الأعمدة، وفي الطريقة التي صُمِّم بها كل خط ليوحي بالهيبة.
لكن الغريب أنه ليس مبالغاً فيه، بل يخلو تماماً من النقوش والتنانين الذهبية والأسطاف المستحيلة التي تحاول بها مباني القصر الإمبراطوري إثبات أهميتها. إنه وقار من لا يحتاج لإثبات شيء، أناقة من يعرف أن هيبته تدعم نفسها بنفسها. فوق المدخل الرئيسي، لافتة وحيدة، كُتبت بخط لا تشوبهن شائبة ودون زخرفة زائدة، تعلن كلمتين لا أكثر: المسرح الإمبراطوري. وهذا كل ما في الأمر، مما يجعلني أقطب حاجبي إذ لا يصح أمر ما في حساباتي.
يستغرق مني الأمر لحظة لأدرك ما الذي يزعجني تحديداً في هذه الصورة، حتى أهتدي إليه، وهو أنه لا توجد لافتة واحدة تشير إلى المسرحية التي ستعرض اليوم، ولا من يؤديها، ولا وقت بدايتها، ولا أي شيء يشبه ذلك. في حياتي الأخرى، كان مسرح من هذا الطراز ستغطي واجهته ملصقات ضخمة ولافته، مع اسم المسرحية بأحرف عملاقة، وربما وجه ممثل شهير ينظر إليك بتعبير درامي. هنا، في المقابل، لا توجد شائبة من ذلك.
وبعد التفكير في الأمر ثانية، أفهم السبب، ويبدو لي بمنتهى المنطقية والقسوة في بساطته. لا حاجة هنا للإعلان عن شيء، لأنه إن كان شخص مهماً لدرجة تحضره، فهو أيضاً، بحكم التعريف، شخص يعرف تماماً المسرحية المعروضة الليلة. إن معرفة ما يدور في الداخل جزء من الامتياز، ومن لا يعرف، ببساطة، لا مكان له هنا. وبينما أُقلِّب في ذهني ذلك الاكتشاف السوسيولوجي البسيط، أسمع خلفي صوت خطوات، وبعد لحظة تظهر شيا في مجال رؤيتي بعد أن نزلت من العربية على قدميها.
تنفض تنورتها، وترفع رأسها لتتأمل المبنى تماماً مثلما فعلتُ للتو، وللحظة، تبدو لي ملامحها كفتاة مندهشة أكثر بكثير من كل الوقار الإمبراطوري في العالم.
قلتُ لـ ليانهوا: "حسناً، لقد استمتعنا بحر الشارع بما يكفي، وعرضنا أنفسنا بالقدر الذي يجعلنا حديث الشهر بأسره. وبما أن أحد أسباب مجيئنا الليلة هو تشكيلة تنظيم الحرارة المباركة، فأظن أنه قد حان الوقت لندخل ونتاكد إن كانت حقاً تعمل أم أنها مجرد دعاية".
لا ترد ليانهوا شيئاً، بل تتموضع بهدوء خلف كرسيي، وتضع يديها على المقابض وتبدأ في دفعي نحو المدخل بحزمها المعتاد. وخلفنا تنطلق شيا واثنان من الحرس الخاص للموكب، بينما يبقى الآخرون لحراسة العربية، وهكذا، في موكب صغير، نعبر عتبة المسرح الإمبراطوري. وما إن نعبرها حتى يضربني التغيير بكامله. إنه فوري، شبه مادي، شعور الانتقال من عالم إلى آخر بخطوة واحدة. يبقى في الخلف هواء الشارع الكثيف الحارق، والهواء الذي يستقبلني بالداخل بارد ونظيف، وقبل كل شيء، قابل للتنفس.
أُطلق صغيراً دون قصد من الصدر تنهيدة راحة، لأنه بعد أيام من معاناة القيظ، تبدو هذه البرودة النسبية كنعمة. لكنني، كالعادة، لا أبطئ في الشروع بتحليل الموقف بدل الاكتفاء بالاستمتاع به، لأن الهواء أبرد نعم، لكنه لا يبلغ بأي حال درجة الحرارة اللطيفة والثابتة التي تمتعنا بها في كل مكان قبل أن يقلب تدفق طاقة النار العالم رأساً على عقب. كأن التشكيلة قد نجحت في اقتطاع جزء ضئيل مما كسبته من الحر، تاركة الجو في نقطة وسط بين بؤس الخارج وحضارية الماضي.
وبينما تدفعني ليانهوا نحو الداخل، أُسلّي نفسي بالبحث عن تفسير. الاحتمال الأول هو أن التشكيلة، مهما بلغت من تطور، لها حدودها، وأنها ببساطة لا تعطي أكثر من ذلك حين يكون الهواء نفسه مشبعاً بطاقة النار. إنه أمر معقول، لكنني أميل كثيراً إلى الاحتمال الثاني، وهو أقل نبلاً وأكثر واقعية. وهو أن خفض الحرارة درجة أخرى سيكلف ثمناً باهظاً للغاية من أحجار الروح أو مما يغذي التشكيلة، بحيث أن الوزارة المسؤولة عن إبقائها تعمل ببساطة لا ترغب في دفع ذلك.
لماذا تنفق ثروة لتحقيق برودة مثالية مادامت برودة مقبولة تحافظ على رضى الزبائن بالفعل. وعند الوصول إلى تلك النتيجة، لا أملك إلا أن أسمح لابتسامة خفيفة بالهروب مني. لأنه يبدو مريحاً للغاية تأكيد أن هناك أشياء تتطابق في كل عالم. تلك المعركة الأزلية والتافهة بين التكلفة والكفاءة، تلك التي كانت تحكم في حياتي الأخرى ترموستات أي مبنى مكتبي، تصل هنا حتى إلى أقرب مكافئ لما يملكه هذا العالم ليكون مكيّف هواء.
في الأعماق، لا يمت بصلة إن كان تقني صيانة يضغط زرّاً أم موظفاً إمبراطورياً يغذي تشكيلة سرية، ففي النهاية هنالك دائماً شخص يحسب الحسابات ويقرر أن تلك الدرجة الأخيرة من الراحة لا تستحق الدفع من أجلها. وما زلت أبتسم لنفسي بهذه الفكرة، حتى أرفع نظري ولأول مرة ألاحظ محيطي حقاً، وما أراه يمسح الابتسامة عن وجهي دفعة واحدة بينما يتركني بشعور الألفة المسبقة (déjà vu).
لأنني أجد نفسي في ردهة ضخمة، ذات أسقف عالية وأرضيات مصقولة تعكس ضوء المصابيح، وتلك الردهة ممتلئة عن أخوتها بالناس. لكن ليس بناس جالسين، ولا بناس ينتظرون في طابور، ولا بناس يبحثون عن مقاعدهم كما تخيلت -ساذجاً مني-. كلا. ما يوجد هنا هو مجموعات. عشرات المجموعات، موزعة في أنحاء القاعة بأسرها، تشكلها نساء ورجاة يرتدون ملابس أنيقة ويتبادلون الدردشة بينما يمسكون، بوضعيات مدروسة لمن يعلم أنه مراقب، أكواباً صغيرة فيها مشروبات ملونة.
والمشهد يشبه إلى حد كبير، إلى حد كبير جداً، ذاك الذي عشته أثناء مزاد نقابة التجار الذي حضرته مع المعلم مو، لدرجة أنني تطلبت لحظة لأذكر نفسي أنني لم أسافر عبر الزمن.
سألتها دون فهم كامل: "يا ليانهوا، هل لي أن أعلم سبب تجمع كل هؤلاء وقوفاً وشرباً، بدل الذهاب للجلوس في مقاعدهم لمشاهدة المسرحية؟".
أجابتني دون أن يرف لها جفن وكأن السؤال بدا طبيعياً للغاية: "إنها العادة يا ژاوحوان وين. قبل بدء العرض، توجد دائماً فترة مخصصة لتفاعل الحضور فيما بينهم ريثما ينتهي الجميع من الوصول وتستكمل اللمسات الأخيرة للمسرحية. الجلوس قبل انتهاء تلك الفترة يعد، إن صح التعبير، دليلاً على سوء الذوق".
أطلقتُ تنهيدة طويلة حتى كادت تفاجئني. لأنه مرة أخرى، وقعت في الخطأ نفسه دائماً، وهو التسليم بأن الأمور هنا تسير كما كانت في عالمي الآخر. تخيلتُ الأمسية كما كنتُ أتخيلها هناك، أعني الوصول، وإيجاد المقعد، والجلوس بانتظار إطفاء الأنوار وبدء العرض، وربما قراءة البرنامج. لكن من الواضح أن هنا مناسبة تتجمع فيها شخصيات مهمة لا تُهدر أبداً وكل حدث، سواء كان مزاداً، أو مراسم، أو ليلة بسيطة في المسرح، هو أولاً وقبل كل شيء حذلقة لتكوين دوائر وشلل صغيرة، ونسج التحالفات، ودون أدنى شك، للنميمة حتى الإرهاق بشأن شؤون البلاط.
أقرر حينئذٍ أن المعقول هو الابتعاد عن هذا الحشد الاجتماعي في أسرع وقت، وأكاد أطلب من ليانهوا أن تأخذني إلى زاوية خفية أنتظر فيها بأمان بعيداً عن الأنظار والمحادثات حتى يبدأ العرض، عندما ألاحظ حركة. مجموعة صغيرة انفصلت عن الحشد وتتقدم، بخطى حازمة، مباشرة نحوي، فأدير رأسي لأرى من يكونون، ويهوي قلبي إلى القاع. لأن على رأس المجموعة يأتي أخي الأمير الثاني سون روي، بتلك الوقفة العسكرية والثقة العالية لمن يعلم أنه مدعوم بواحد من أكبر جيوش الإمبراطورية.
وخلفه بخطوة، يرافقه أخ آخر لي، سون هونغ، الذي يلتصق بسون روي دائماً كظله. وتكمل المجموعة امرأتان لا أعرفهما، ترتديان حرائر باهظة وتصفيفات شعر معقدة، تتبعانهما بحذر من وُجدوا للمراقبة أكثر من الكلام. بمعرفتي بإخوتي، أنا متأكد، متأكد تماماً، أن هذه الزيارة لا تحمل أي خير. لكن الحياة في هذا البلاط علمتني، من بين أمور كثيرة، أن الابتسامة درع مفيد كأي درع آخر، لذا أرسم واحدة، ودودة تماماً، وأحييهم فور وصولهم لمستواي.
قلتُ لهم بميل خفيف في الرأس، متجنباً هذه المرة أي لقب تعظيمي في مناداتهم بالإخوة: "الأخ سون روي، والأخ سون هونغ. يا له من أمر غير متوقع لقاؤكم هنا".
رد عليَّ سون روي التحية بلطف لا يقل إتقاناً، وأظن أنه لا يقل تصنعاً عن تحيتي: "المسرّة لنا أيتها الأخت".
ومن هناك تبدأ إحدى تلك المحادثات التي تمثل اللغة الأم الحقيقية لهذا البلاط. ودودة على السطح، مليئة بالثناء الفارغ، بأسئلة لا تبغي جواباً وأجوبة لا تجيب عن شيء. نتحدث عن الحر، وهو موضوع يطول فيه الكلام. نتحدث عن المسرحية التي سنشاهدها، دون أن يعترف أحدنا بالكثير عما نعرفه عنها سوى أنها مبنية على كتابي. نتحدث عن تفاهات البلاط التي أنساها بمجرد سماعها، حتى يميل سون روي رأسَه قليلاً في لحظة معينة ويدع تسقط، بنبرة تتظاهر باللا مبالاة، أول تعليق ذي مغزى في الدردشة بأسرها.
قال لي وهو يمرر نظره عليَّ صعوداً ونزولاً: "يجب أن أعترف أيتها الأخت، إن هندامك وهندام وصيفاتك يبدو لي فريداً جداً. ليس معتاداً رؤية هذا الزي في مكان كهذا".
وهناك أخيراً، بعد كل التفاهات، أجد موضوعاً لديَّ ما أقوله بشأنه.
أجبته بهدوء: "لا أرى فيه شيئاً فريداً يا أخي. الغريب، لو فكرت في الأمر، سيكون العكس. مع هذا الحر القائم، ودون فتح بوابة النار لكيلا نشعر به، الشيء الغريب حقاً هو الإصرار على ارتداء ملابس لا تزيدك إلا حراً، بدل استغلال حكمة طائفة من العالم السماوي تختص بالملابس المناسبة لدرجة حرارة نعيشها الآن. لقد نسختُ هذا الزي من ذاك الذي تستخدمه طائفة مماثلة، أشخاص عاشوا تحت هذا الحر، أو أسوأ منه، طوال العام. لا أقول إن هذا فريد، بل أقول إنه عملي ببساطة".
يرمش سون روي، وللحظة أرى الدهشة تتسلل إلى وجهه، كأنه لم يتوقع أن يحمل ردي حجة معقولة، لكنه يستجمع قواه فوراً، فهو سياسي للغاية لكي يدع نفسه ينجر لالتزام برأي حول أمر زلق كخرق قواعد لباس البلاط.
اعترف أخيراً بغموض مدروس لا يعني شيئاً قط: "طريقة غريبة حقاً في النظر للأمور. لقد كانت لكِ دائماً أفكارك الخاصة في كل شيء يا أختي".
ردّ مهادن لا يقول نعم ولا لا، وهو بالضبط ما كان متوقعاً. ولكن بينما يتسلل بغموضه، تنحرف عيناي لحظة نحو المرأتين اللتين ترافقانه، وهناك أجد ما هو أكثر إثارة للاهتمام، فهما لا تنطقان بشيء بالطبع إذ ليس ذلك مكانهما، لكن الطريقة التي بقيتا تنظران لي بها، ببريق اهتمام محدد جداً في عينيهما وإيماءة تفضح أنهما تحفظان كل كلمة قلتها، تكشف لي أن خطبتي الصغيرة عن الملابس الباردة قد ترسبت في نفسيهما بعمق أكبر بكثير مقارنة بأخي.
لا يفاجئني ذلك، ففي النهاية هما، لا هو، من يعانيان من هذا الحر أكثر من غيرهما. نواصل لفترة أطول قليلاً الحديث الخفيف، وبينما نتبادل العبارات الجوفاء، يعمل رأسي في الباطن بأقصى طاقة، محاولاً معرفة ما الذي يريده أخي حقاً، لأنني على يقين تام من أن سون روي لم يعبر نصف الردهة ويقف أمامي لمجرد إبداء رأيه في ملابسي. ولم أضطر للانتظار طويلاً لأكتشف ذلك، ففي لحظة معينة، يرشف سون روي من كوبه وبطبيعة متقنة للغاية، يلقي بورقته الحقيقية.
قال لي: "بمناسبة يا أختي، كنتُ مهتماً بمعرفة رأيك في العرض الذي أُرسل إلى المحظية شيانغ".
يفاجئني السؤال لدرجة أنني أرمش، إذ ليست لدي أي فكرة عما يقصده.
سألته دون أي محاولة لإخفاء حيرتي: "أي عرض؟ أخشى أنني لا أعرف عما تتحدث".
يبدو سون روي الآن متفاجئاً بدوره، ويرفع حاجبيه ناظراً إليَّ كأنني قلتُ للتو شيئاً سخيفاً.
سألني: "ألم تذكر لك المحظية شيانغ شيئاً؟".
أجبته بصدق: "ليس لدي أدنى فكرة عما تقصده".
راقبني سون روي لحظة، مقدراً إن كنت أقول الحقيقة، ويبدو أنه خلص إلى أنني أفعل، لأنه قرب الكوب إلى شفتيه مجدداً، وأخذ رشفة أولى بطيئة ومتعمدة، كمن يأخذ وقته قبل إطلاق أخبار يستمتع بقولها، وبعدها فقط تكلّم.
قال برضا واضح: "العائلة التي تنتمي إليها أمي، عائلة كانغ، أرسلت للمحظية شيانغ عرض زواج. يريدون منحك منصب الزوجة الرئيسية لأحد أفراد فرعهم الرئيسي".
وعند سماع تلك الكلمات، يتبادر إلى ذهني فجأة الحوار الذي أجريته مع أمي قبيل مغادرتي للمزاد مع المعلم مو، حاداً كأنه حدث البسة. تلك المرة حين ألقت بمزيجها من العودة والتحذير بأن العائلات الكبرى ستلاحظني عاجلاً أو آجلاً، ليس لما أنا عليه بل لقيمتي، وحين يحدث ذلك ستبدأ عروض الزواج في الانهيال ممن يرغبون في استيعابي لأنفسهم. ولا أملك إلا أن أفكر، بجرعة جيدة من السخرية، بأن تنبؤها قد تحقق بحذافيره، حتى وإن تأخر بضع سنوات.
لكن مهما صدقت نبوءتها، لست أنوي السماح للخبر بأن يرعبني ولو قليلاً، لذا ثبت نظري في نظرات سون روي دون أن أرمش وسألته السؤال الوحيد الذي بدا لي مناسباً.
أجبته بنبرة لا مبالاة واضحة: "ولماذا يتوجب عليَّ الزواج من مجرد عائلة كانغ؟".
كان أثر سؤالي فورياً، ويجب أن أعترف أنه مرضٍ إلى حد ما. لأن سون هونغ، الذي لم يفتح فمه حتى تلك اللحظة مكتفياً بترك كل ثقل المحادثة لسون روي والاكتفاء بالإيماء من حين لآخر، اختار تلك اللحظة بالضبط ليتجرع من كوبه. وكلماتي أخذته والشراب في منتصف الحلق، مما جعله يختنق بشدة ويدخل في نوبة سعال، واضعاً يده على صدره بينما يحاول، دون نجاح كبير، استعادة هدوءه. أما سون روي، فما فعله هو تضييق عينيه قليلاً، وحين تحدث مجدداً فقد نبرته الكثير من تلك المجاملة المصطنعة في البداية.
قال بنبرة استجواب أكثر: "عائلة كانغ هي إحدى أهم عائلات الإمبراطورية بأسرها. سيكون شرفاً لأي شخص التمكن من الزواج بأحد أفرادها الرئيسيين".
نظرت إليه بثبات وتركت الصمت يخيم لحظة قبل الرد، لأنني أردت لكل كلمة أن تحسب.
قلت له أخيراً: "هذه هي المشكلة بالتحديد يا أخي. أنني لست أي شخص. أنا من عائلة سون وأنتمي للعائلة الحاكمة، وبالتالي، العائلة الأهم في الإمبراطورية. وكأن ذلك لا يكفي، وكأن ثمة حاجة لإضافة المزيد من الوزن لكفة الميزان، فيتضح أنني ژاوحوان الإمبراطورية".
فتح سون روي فمه، مستعداً للرد بوضوح، لكنني لم أمنحه الفرصة. واصلت قبل أن ينطق بحرف واحد، وهذه الأيلة سمحت لابتسامة، حلوة على السطح فقط، أن تطل على شفتيَّ.
أردفت قائلاً: "وفي غياب الإمبراطورة، أيها الأخ العزيز، يجعلني ذلك أهم امرأة في الإمبراطورية بأسرها، باستثناء وحيد محتمل وهو أمي، المحظية شيانغ. ما المعنى في أن أخفض مقامي بالزواج واتخاذ لقب عائلة كانغ مجردة؟ إذا التزمنا بالمنطق، فالأمر المعقول هو العكس تماماً، أن يكون فرد من عائلة كانغ هو من يتزوجني ويحمل لقب عائلة سون".
حققت كلماتي أثرها، وأريت كيف تشنج فك سون روي. ما قلته أزعجه، وأزعجه حقاً، لأنني لمست النقطة التي يتسرب منها الماء لعرضه.
رد ببعض الجمود: "هذه ليست العادة".
وهذا الرد، بعيداً عن إغلاق فمي، جعلني أبتسم أكثر، لأنه قدّم لي الرد على طبق من فضة.
رددت بنعومة: "أليست العادة؟ إن شئت يا أخي، يمكنني أن أعدد لك هنا والآن ودون التحرك من هذه الردهة، المائة حالة بالضبط التي حدث فيها ذلك طوال تاريخ عائلة سون الطويل. واحدة بواحدة، بالأسماء والتواريخ، إن رغبت في سماعها. أؤكد لك أن لدي من الوقت والذاكرة ما يكفي".
بعد كلماتي، أصبح الجو بيننا كثيفاً لدرجة يمكن معها قطع بسكين. استمر سون روي في تحديق بي، وثبتُّ نظري فيه، ولفترة بدت لي أبدية، لم يتنازل أي منا عن مليمتر واحد بينما سون هونغ، الذي تعافى من اختقامه، ينظر بالتناوب بين الواحد والآخر دون جرأة على فتح فمه، وظلت المرأتان ساكنتين لدرجة كادت توحيان بأنهما توقفتا عن التنفس. كان يمكن للتبارز الصامت أن يطول، لكن قاطعه، بشكل ميمون، صوت عميق ومهيب تردد في أرجاء الردهة بأسرها، يتبعه صوت يعلن، بدقة لفظ لمن فعل ذلك ألف مرة، أن العرض على وشك البدء ويُرجى من الحضور التوجه إلى أماكنهم المخصصة.
كسر الإعلان التوتر دفعة واحدة، كمن يفقس فقاعة. أطلق سون روي حينئذٍ زفيراً من أنفه، قصيراً ومكبتاً، وهو على الأرجح أقرب ما سيكون إليه من الاعتراف أمامي بأنه لم يحصل على ما جاء يبحث عنه. ودون كلمة وداع، ودون صيغة مجاملة واحدة مما يطلبها هذا البلاط حتى للتنفس، استدار ببساطة وابتعد، مأخوذاً معه سون هونغ. واستدارت المرأتان لاتباعه، بطاعة، لكن قبل مغادرتهما أهدتا لي، في اللحظة ذاتها تقريباً، نظرة أخيرة من فوق الكتف.
وفي تلك النظرة، لا يوجد هذه المرة فضول ولا حكم، بل شيء مختلف تماماً، شيء يشبه الاحتمال كثيراً. بقيت أراقب كيف يذوب مجموعة إخوتي مجدداً في تيار الناس الذي بدأ يتحرك نحو القاعات، وفقط حين فقدتهم عن أنظار تماماً أطلقت الهواء الذي لم أكن أدرك أنني أ حبسه.
قلت لـ ليانهوا حينئذٍ: "حسناً، يبدو أن الوقت حان لنذهب نحن أيضاً. أين بالضبط علينا الذهاب؟".
ليانهوا، التي شهدت المشهد بأسره من خلف كرسيي بجمودها المعتاد، دون تدخل ولكنني متأكد دون تفويت كلمة واحدة، تموضعت مجدداً في مكانها وبدأت تدفعني برفق نحو داخل المسرح.
أبلغتني بينما نتقدم: "لدينا مقصورة خاصة محجوزة يا ژاوحوان وين. في الطابق العلوي. ومع ذلك لا داعي لقلقك بشأن السلالم، فقد أخذت احتياطي بإحضار بعض تعويذات الرفع الصغير التي نحتفظ بها خصيصاً لمثل هذه الحالات".
أومأت ببطء، ولم أملك إلا أن أشعر بوخزة إعجاب بحسن تدبرها، لأنني، بكل صخب اليوم، لم أفكر فيها حتى رغم أنني ابتكرتها خصيصاً لمواقف كهذه.
قلت لها بإخلاص: "أحسنتِ الصنع يا ليانهوا. من الجيد أن أحدنا يفكر في هذه الأمور".
ومع هذه الكلمات، بينما تشدو شيا بجانبي ويتبعنا الحرس عن كثب، دخلت أخيراً إلى جوف المسرح الإمبراطوري، مخلفاً ورائي الردهة، وأخي، وعرض الزواج -الذي أتمنى أن يكون فاشلاً- بينما أهيئ نفسي لاكتشاف، مرة وإلى الأبد، ماذا فعل اللعناء بروايتي.