أنهت الفرشاة الرمز الأخير ولم يمزق الورق بين أصبعي. أطلقت ببطء الهواء الذي لم أدرك أني احبسته وأتأمل النتيجة برضا هادئ لمن أحرق ما يكفي من الورق ليدرك قيمة النصر. تلمع الرموز لحظة بالكاد ونور خافت يسري عبر الخطوط كأن الحبر يتنفس ثم تخبو وتبقى كامنة تنتظر من يوقظها ساعة الحاجة. تم إنجاز تعويذة تجميد أخرى. أتركها جانبا بجوار ما أنجزته طوال الصباح وأستند إلى الخلف في المقعد بينما أمد أصابعي المتيبسة من كثرة الإمساك بالفرشاة.
على يميني في ركن المكتب تقبع فنجان الشاي الذي أحضرته لي لينهوا منذ قليل وما زالت تبرز منه بتبجح قطع ثلج ترفض الذوبان تماما. ربما يكون الاستخدام الأكثر عبثية لتعويذة تجميد هو الاستفادة من الثلج لتبريد مشروباتي ولكني وسط هذا الحر أرفض تماما أن أشعر بالذنب إزاء ذلك. إن كنت سأعيش محاطا بهذا القيظ فسأشرب شاي باردا على الأقل. كنت أهم بغمس الفرشاة لأبدأ التالية حين انتبهت للأمر.
أصوات خادمات تتقاطع وتتداخل وخطوات عجلى تجيء وتذهب في ممرات الجناح باضطراب يخلو تماما من هدوء العادة المدروس. قطبت حابي وأبقيت الفرشاة معلقة فوق محبرة دون أن أغمسها إذ أعرف إيقاع هذا البيت جيدا لأدرك أن الخادمات لا يثرن مثل هذه الجلبة بلا سبب وأنهن إن فعلن فذلك لأن شيئا ما يحدث. لم أضطر للانتظار طويلا ليوكد لي أحدهم الأمر إذ طرق الباب طرقات حازمة ومنتظمة ومن الطرف الآخر صوت أعرفه حتى وأنا نائم يعرّف عن نفسه بهدوئه المعتاد.
قالت لينهوا: "تشاوهوان وين، أنا هي".
لم تضف كلمة واحدة عما إذا كان أحد يرافقها وهو ما يعني بمعرفتي بها أنها جاءت وحدها فلن تقدم لينهوا نفسها أبدا دون تحذير من أنها تصحب رفيقا إلى غرفة تعرف تماما ما أنا فاعل فيها. لذا لم أتكلف حتى عناء جمع أدوات التعويذة المنثورة على الطاولة بل وجهت بصري نحو مزلاج الباب وبجهد يسير من قبضة التنين جعلته ينزاح منزلقا من مبيته بنقرة جافة.
قلت: "يمكنك الدخول".
انزلق الباب ودخلت لينهوا بتعقل وما إن عبرت العتبة حتى وجدت نفسي أحدث نفسي مجددا بأن الزي الذي صنعته لها الخياطة وفقا لإرشاداتي يناسبها بحق. إنه أحد التصاميم التي كلفت بها لمكافحة هذا الحر وهو أخف وأكثر جرأة بكثير مما تعود البلاط على تحمله وأنا واثق تماما أن نصف البلاط ما زال مستاء من الأسلوب يهمسون خلف المراوح بشأن انعدام لياقة التشاوهوان وخادماتها. لكني واثق أيضا من أمر آخر وهو أنه كلما طال أمد هذا الحر بما يفوق ما اعتاد هؤلاء البشر احتماله ستبدأ أساليب مشابهة في الظهور ربما أكثر تحفظا في البداية لكنها متشابهة في النهاية.
أمور كهذه لم تكن غريبة في عالمي السابق لم يكن الزمن مهم ولا مدى تواضع المجتمع المعني فمتى ضغط الحر حقا تنتهي الراحة بالفوز في المعركة ضد الحياء دوما. ولا أرى سببا لاختلاف الأمر هنا. يستاءون اليوم ويقلدون غدا وفي غضون عام سأفاجأ إن لم يكن هناك نصف دઝين تنويعات من التصميم ذاته تتجول في الحدائق كأن الفكرة لم تكن سوى فكرتي. أنهت لينهوا دخولها بينما أَتأملها وأغرق في أفكاري وما إن صارت بالداخل حتى استدارت وألقت المزلاج مجددا خلف ظهرها ووحدها حينها التفتت نحوي.
قالت لي: "لدي أخبار مهمة".
رفعت حاجباط سماعها وألقيت نظرة عابرة صوب الباب صوب الضجيج الذي ما زال يتسرب من الممر.
سألتها: "أهذا الخبر هو سبب إثارة الخادمات لكل هذه الجلبة هناك؟".
أكدت لينهوا وقالت قبل أن تستأنف وسط وقفة قصيرة: "بلى. لقد وصل للتو خبر مفاد أن فاي تشي على وشك الوصول للقصر بعد إتمام فترة نفيا لعشر سنوات".
بقيت لحظة أزن كلماتها بينما أسترجع تلك المسألة المزعجة برمتها مع أخ غير الشقيق ذلك المتعلق بالصبي الذي سمحت له ببدء الزراعة مبكرا جدا ولم ينجو منها. حدث ذلك حين كنت في الثانية من عمري وإن كنت الآن في الثانية عشرة فقد انقضت السنوات العشر أو تكاد. الحساب يتطابق مرة أخرى. ويعود لتجول في ذهني ذلك الاستنتاج الذي توصلت إليه خلال مراسم لا تنتهي أحصي فيها رؤوس الأخوة والأزواج حتى أدركت أن فاي تشي لا بد أنها أنجبت طفلا آخر سوى الذي توفي صبي رافقها على الأرجح في منفاه.
وهو ما يعني أنها لا تعود وحدها بل تعود ومعها أخ غير شقيق آخر بالكاد رأيته تربى بعيدا عن البلاط مجرا خلفه عشر سنوات من المنفى وغالبا ضغينة بحجم الجبل. رائع. هذا ما كان ينقصه هذا المكان مزيدا من العابثين بعش الزنابير.
سألت متنحيا بتلك الأفكار جانبا: "أقالت أمي شيئا عن الأمر؟ أأصدرت أي أمر بعينه؟".
أجابت لينهوا: "قالت غويفي شيانغ أنه لا داعي لأن نفعل شيئا ما لم تُنظم احتفالية لعودتها. لكن بالنظر إلى أنه لم يُقم شيء عند عودتنا من منفانا فمن المستبعد تدبير أي شيء في هذه الحالة".
أومأت ببطء فما إن عدنا أنا وأمي من هذين العامين تقريبا في شيآن حتى لم يخرج أحد لاستقبالنا وإن كانت غويفي الإمبراطورية لم تحظ حتى بوليمة استقبال بائسة فإني أشك بشدة في أنهم سيفرشون السجادة الحمراء لقرية ساقطة تعود من منفى مدته عشر سنوات. البرود في البلاط رسالة أيضا وهذا ما يفهمه الجميع بلا حاجة لأن ينطق به أحد جهرا. لكنني قررت أن فاي تشي وابنها مشكلة ليوم آخر وغيرت الموضوع صوب ما يروق لي أكثر.
قلت لينهوا: "حسنا، بعيدا عن جلبة عودة فاي تشي المصغرة، كيف تسير مسألة بيع تعويذات التجميد؟".
بدا لي للحظة أني أرى شيئا شبيها بالفخر المهني يطل برأسه من تحت هدوء لينهوا المعتاد.
أخبرتني: "على أفضل وجه يا تشاوهوان وين. حين قالت غويفي شيانغ أن تعويذات التجميد ستكون مرغوبة بشدة كانت محقة تماما. يشترونها فور طرحها للبيع رغم أننا نواصل رفع السعر حتى كدنا نضاعفه ومع ذلك لا نكفي الطلب. بل وأكثر من ذلك بدأ أشخاص يظهرون باحثين عن وسطائي وبوضوح نية العثور على مصدر التعويذات".
محت تلك الجملة الأخيرة الابتسامة من وجهي دفعة واحدة.
سألت على الفور مستقيرا في مقعدي: "أهناك أي خطر على هؤلاء الوسيطاء؟ أهناك احتمال بأن يتتبع أحدهم أصل التعويذات ويصل إلينا؟ فلو وجد، أفضل إيقاف البيع الآن قبل وقوع أمر خطير. المال حسن كله لكن ليس بأي ثمن".
هزت لينهوا رأسها وذلك بهدوء يعلن أن كل شيء تحت السيطرة.
أكدت لي: "لا مشكلة من تلك الناحية. تتبع الأثر إليك أمر بالغ الصعوبة ناهيك عن استحالتة. والوصول إليك من خلالهم ليس في متناول أولئك القوم الذين يشترون التعويذات لتبريد قبو خمرهم".
أومأت مستقرا بعض الشيء وما زالت هناك شوكة عالقة بي.
أصررت: "وهل سيكون هؤلاء الوسيطاء بخير وسط كل هذا العدد ممن يلتفتون إليهم بغتة؟ لا تروق لي بتاتاً فكرة أن يمس سوء أحداً بسبب تجارة تخصني في النهاية".
أجابت لينهوا ونبرتها لا تقبل الشك: "لا تقلق بشأن ذلك أيضا. إنهم أناس يعرفون تماما ما يفعلون وبما يعرضون أنفسهم. يجنون قدرا وافرا من المال لقاء تحمل هذا النوع من المخاطر وأؤكد لك أنهم لن يخونوك ببيع اسمك إذ يدركون أفضل من أي شخص أن سلامتهم أنفسهم موقوفة على إبقاء أفواههم مغلقة".
أطلقت تنهيدة طويلة وانتهيت بالاستسلام فمن الواضح أن هذه معركة لا جدوى من مواصلة خوضها.
قلت لها: "حسنا. أنت المحترفة وتعرفين أفضل مني بكثير كيف تديرين هذا الجزء من التجارة. إن قلت إن كل شيء تحت السيطرة فأنا أثق بك".
انحنت لينهوا برأسها بالكاد معتبرة الأمر محسوما والتفتت مجددا نحو الطاولة مستعدا لاغتنام الزخم وبدء تعويذة أخرى ما زلت في السِياق. لكني لم ألبث إذ جاء طرق آخر على الباب.
قال هذه المرة صوت شاب وعجل عرفته فورا: "تشاوهوان وين، ألي إذن بالدخول؟".
تمتمت: "شيا"، وأشرت إلى لينهوا التي سحبت المزلاج وفتحت الباب لتسمح لها بالدخول وأغلقته مجرد أن صارت الفتاة بالداخل.
لم أستطع كتم ابتسامتي عند رؤيتها. دخلت شيا بأحد الأزياء التي صممتها لها أيضا وهي تنويعات خفيفة أخرى لثورتي الصغرى على الحر وأنا أنظر إليها أفكر وليس للمرة الأولى أنها حين تكبر ستصير فائقة الجمال بحق. حتى الآن ومع ذلك المزيج من الطاقة الفائضة والملامح التي تبدأ بالتشكل تبدأ تعطي دلالات أكثر من واضحة حول مآل الأمور. لكني دفعت الفكرة بعيداً قبل أن تبدو بجلاء على وجهي فآخر ما تحتاجه هذه الطفلة هو أن ينتفخ رأسها.
سألتها: "لأي غرض جئت لرؤيتي؟".
استقامت شيا محتوية بوضوح رغبة في القفز وألقت الخبر بجدية لم تعمر معها حتى كلمتين.
قالت وابتسامتها تفلت من الزوايا: "جئت لأخبرك أني أتممت ترويين العظام والأوتار هذا الصباح، لذا لن أستطيع مواصلة مهمتي في خلق الشوائب".
نظرت إليها والابتسامة المرتسمة عليّ صادقة تماما إذ أعرف جيدا ما يكمن خلف تلك الكلمات.
قلت بإخلاص: "مبروك يا شيا. لقد أديت بشكل جيد للغاية وأسرع بكثير مما قد يجرؤ أغلبهم حتى على الحلم به لا سيما في الظروف الحالية. أنا فخور بك".
أشرقت الفتاة برمتها إزاء الثدي ولحظة خشيت حقا أنها ستشرع في الوثب وسط غرفة الدراسة. لكني قبل تفاقم الأمور التفت نحو لينهوا.
قلت لها: "إذن حان الوقت لإعلان الأمر على الشانشو بأنني أنهيت ترويض الجسد، ولنستغل الفرصة للتفكير في الحفلة التي يفترض إقامتها في مثل هذه الحالات".
لكن كلمة حفلة بالكاد خرجت من فمي حتى فكرت بالحر السائد هناك فقطبت حاجباي.
أضفت: "مع أني أتساءل أهذه فكرة صالحة حقا لتنظيم حفلة في هذا الحر؟ أتخيل ضيوفي جميعهم في الحديقة يذوبون داخل أفخر ملابسهم ويتظاهرون بأنهم يقضون وقتا ممتعاً بينما يتصببون عرقاً بغزارة. يبدو الأمر كعقاب أقرب منه لاحتفال".
ردت لينهوا بلا رفشة: "لهذا حل يا تشاوهوان وين. يمكن للمرء طلب الإذن للاحتفال في إحدى مناطق القصر الإيواني حيث نُصبت بضرورة بالغة تشكيلات تنظيم الحرارة حصرا لتأكيد مواصلة إقامة الفعاليات الرسمية دون أن يفسدها الحر".
صالحني ذلك كثيراً مع فكرة الحفلة.
قلت: "ممتاز. إذن حين تذهبين للقاء الشانشو لإعلان أمر ترويض الجسد استغلي الفرصة لسبر أغواره بشأن تلك الإمكانية. إن أمكن الظفر بإحدى تلك القاعات فنحن نحتفل، وإلا فننسى الأمر رغم كونه متوقعاً منا".
اقتصرت لينهوا على الإيماء مدونة التعليمات بجانب ألف أمر آخر تحتفظ به دائماً بانتظام في ذلك الرأس الذي تخصها. بعد ذلك خفضت بصري مجددا صوب المكتب، صوب أوراق التعويذات، زجاجة الحبر، الفرشاة، والصف الصغير من تعويذات التجميد المركونة مكتملة فوق الخشب. ومع أن كل واحدة منها تمثل كما من المال لو توقفت عن جمعه لربما أصابني دوار، فالحقيقة أنني بتنهيدة قررت أنه ليس لدي اليوم رغبة في مواصلة صنع ولو واحدة إضافية.
ثمة أيام يمكن للانضباط فيها أن ينتظر ويبدو هذا اليوم بهذا الحر وأخبار شيا الطيبة العالقة بالهواء أحدهما في نظري.
أعلنت شارفاً على الترتيب: "سأترك الأمر لليوم. أخبريني هل يخطر ببالك ما يمكن فعله لبقية اليوم؟ إن أمكن شيء ينطوي على الوجود في مكان أقل حرارة من هنا".
لينهوا التي يبدو أن لديها إجابة لكل شيء لم تخيب ظني.
أجابت: "كما أخبرتك آنفاً، ثمة عدة أماكن في القصر الإيواني نُصبت فيها تشكيلات تنظيم الحرارة، وأنا أعلم بيقين أن المسرح الإيواني أحدها. إن شئت يمكنني التحقق مما إذا كان ثمة عرض مجدول، وإن وجد فيمكننا الذهاب لمشاهدته".
وزنت الفكرة لبرهة فاحتمال قضاء الظهيرة في مكان بارد جالساً ومستمتعاً بلا الحاجة لتحريك إصبع يبدو لي مغرياً للغاية. والآن وقد فكرت في الأمر لم تطوِ وقتاً طويلاً منذ أن أصرت أمي علي بضرورة أن أجعل نفسي مرئياً أكثر، وأن أميرة تقضي حياتها حبيسة في جناحها تثير شتى أنواع الثرثرة. والظهور في المسرح الإيواني في فعالية عامة ومحترمة سيضرب عصفورين بحجر واحد: البرودة لي، والإيماءات للجماهير لأجل أمي.
قررت أخيراً: "يبدو الأمر حسناً لي. تحققي من الأمر، وتبعاً لما إذا كان ذلك ممكناً سنقرر".
أومأت لينهوا وسحبت المزلاج وغادرت غرفة الدراسة بعادتها المعهودة تاركة إياي وحدي مع شيا وكومة الأدوات شبه المرتبة. الفتاة وبحسب طبعها لم تنتظر طلباً للشروع بمساعدتي. شعت في جمع أوراق التعويذات التي لا تزال غير مستخدمة وأحكمت غطاء زجاجة الحبر محذرة ألا تلطخ شيئاً، ونظفت الفرشاة تاركة إياها في موضعها، وبيننا صرنا نخزن كل شيء في صندوقه الموافق بينما تحدثني بعجلة وسعادة عن تفاصيل صباح مجدها.
وحين أنهينا إخلاء المكتب كانت قد روت لي بتفصيل دقيق الإحساس التام الذي خالجها عند إدراكها اكتمال آخر خطوة من ترويض العظام. وفي تلك اللحظة بالذات وكأنها ضبطت وقتها جاء طرق آخر على الباب وعادت لينهوا.
قالت فور دخولها: "نعم يا تشاوهوان وين. المسرح الإيواني يقيم عرضاً على الجدول. ووفقاً لغويفي شيانغ فهو ليس مجرد عرض عتيادي بل مسرحية غدت بالغة الشهرة مؤخراً. بل والأكثر من ذلك أوصتني أمك صراحة بأن أزكيه لك إذ يبدو أنها كانت تنوي ذكره بنفسك لتذهب لمشاهدته".
أخذني ذلك على حين غرة. أن تكلف أمي التي لا تهتم عادة سوى برسمها عناء ترشيح مسرحية لي فهذا أمر نادر بالقدر الكافي ليثير فضولي فوراً.
سألت ولم أعد أكلف نفسي عناء إخفاء اهتمامي: "وما هي تلك المسرحية التي تريد أمي حتى أن أذهب لرؤيتها؟".
استقرت لينهوا في بصري لحظة ثم لاحت على شفتيها اللتين غالباً ما تكونان محسوبتين ابتسامة خفيفة لم أعهدها طوال الصباح.
أخبرتني دون التخلي عن تلك الابتسامة: "اسم المسرحية مغامرات ملك القردة".