داو اللغة الفصل 136

اقرأ داو اللغة الفصل 136 باللغة العربية على مانجا تايم.

ارتشف الشاي بانتظار أن تحدد أمي ذلك الطلب الصغير الذي تريد مني قضاءه. أمي، وكعادتها المعهودة، تدع لحظة أخرى تمضي. مقدار ما يكفي تماماً لبدء الفضول بنهش دواخلي. وحينها فقط تقرر الكلام.

"أنت تعلم"، تقول لي وبابتسامة تزداد حدتها بدرجة بالكاد تلاحظ.

"قضيت هذه الأيام في أحاديث عديدة ممتعة للغاية مع ليانحوا."

أرفع بصري عن الإناء بحذر معين. لأن اسم ليانحوا في فم أمي برفقة تلك الابتسامة لا ينبئ عادة بأي خير.

"أحاديث"، أكرر ومئكلي معلق في المنتصف.

"حول ماذا، إن كان لي أن أعلم؟"

"حول اختراعك الأخير"، ترد بكل هدوء الدنيا.

"ذلك الثوب الداخلي الذي صنعته لها وصارت ترتديه منذ بضعة أيام. كنت أسألها عنه، عن شعور ارتدائه، وعما إذا كان يضغط عليها، وعما إذا كان مريحاً طوال اليوم، وأثناء التدريب، وباختصار أخبرتني بأمور تكشف الكثير."

وهنا، أعترف بذلك، أتجمد لحظة واللقمة في منتصف الطريق. إنه لأمر مختلف تماماً أن تفاجئني أمي في ذلك اليوم وهي منحنية فوق صدر ليانحوا شبه العار وكادت تصاب بالاستنكار كما تقتضي القواعد. وأمر آخر تماماً أن أكتشف الآن أنها ومنذ ذلك الحين كانت تجري ما لا أستطيع تخيله إلا كسللسلة من المقابلات الدقيقة مع فيي إي خاصتي حول محاسن ومساوئ حمالة الصدر. صورة كليهما، أمي بكأس شاي بين يديها وليانحوا باستقامتها ورسميتها المعتادة وهما تتبادلان الآراء حول ما يناسب وما لا يناسب، تبدو لي مشوشة لدرجة أنني أستغرق ثانية أطول من اللازم لأستعيد استواء وجهي.

"على أي حال، لقد وصلت إلى نتيجة مفادها أن ثوبك هذا يحمل طاقة أكبر بكثير مما تمنحه إياه بنفسك"، تتابع أمي غير عابئة البتة بالتماس الكهربائي القصير الذي حدث للتو في رأسي.

"لذا فالطلب هو الآتي. حين تذهب لرؤية خياطتي، وعلاوة على طلب أغراضك الخاصة، أريِد منك أن تشرح لها بالتفصيل التصميم الكامن خلف الثوب وكيفية صنعه بدقة. دعها وفريقها يأخذان فكرتك ومن هناك يطوران نموذجاً أكثر تهذيباً، لنكن صادقين، فهن أفضل منك بكثير في تلك الأمور."

يستل مني ذلك التعليق الأخير تكشيرة بين الإهانة والاستسلام، لكن لا خيار لدي سوى كتمها، فمهما آلمني الأمر فهي محقة تماماً في ذلك. ما صنعته كان نموذجاً أولياً خيط بالعين، ويمكن لخياطة حقيقية أن تفعل بالفكرة نفسها ما لن يخطر لي على بال. مع ذلك، هناك أمر واحد يقلقني، لذا أطرحه قبل الالتزام بأي شيء.

"أمي"، أقول لها بعد أن أبتلع اللقمة أخيراً.

"ألا تخشين أن ينتهي أمر كهذا بلفت انتباه الطائفة؟"

لا ترمش أمي البتة لسؤالي. بل على العكس، تصبح ابتسامتها متسامحة تقريباً.

"أبداً"، ترد بيقين لا يترك ثغرة للرد.

"ما دام لم يخطر ببالنا الشروع في بيعه واقتصرناه حصرياً على الاستخدام الشخصي داخل الجناح فلا خوف البتة. فكر في الأمر جيدا يا وين. هل تتخيل شيخاً من الطائفة يتقدم ليسأل عن الملابس الداخلية لنساء حريم الإمبراطور؟ سيكون الأمر مفضوحاً لدرجة تجعل المسكين عاجزاً عن النظر في وجه أحد طوال بقية حياته."

أبقى أقلب كلامها لحظة، ومهما تفحصته لا بد أن أعتراف بأن التفكير لا غبار عليه. يمكن للطائفة المطالبة بآلة طباعة أو ممسحة أو أي من اختراعاتي الأخرى دون أن يرف لها جفن، فهي أغراض عامة ومحادية يمكن الحديث عنها جهراً دون أن يحتدم لون وجه أحد. لكن ثوباً داخلياً نسائياً يقع مباشرة في تلك المنطقة التي يعرفها الجميع ولا يتحدث عنها أحد، والشيخ الذي يقرر إبداء اهتمام رسمي به سيلبس نفسه عاراً لن يتعافى منه أبداً.

"حسنٌ، امنحك الحق الكامل في ذلك"، أقر.

وحينها، بما أننا في خضم الطلبات والرتم، أقرر استغلال اللحظة لأندس طلبي الخاص.

"بالمناسبة يا أمي، هناك مسألة أردت سؤالك عنها."

"اسألني ما تشاء"، ترد بحركة لامبالية بيدها وهي تلتقط كأسها مجدداً.

أبتسم لها، أترك المئكلين جانباً وأطلق الكذبة التي أعددتها بكل طبيعية أستطيعها في مثل هذا الوقت من الصباح.

"المعلمة مو، قبل رحيلها، تركت لي كومة جيدة من التمائم"، أقول لها.

"تمائم، بحسب قولها، يمكن أن تخدمي في مكافحة حرارة موجة النيران. وما أود معرفته هو رأيك حول مدى فائدتها الحقيقية."

تراقبني أمي برهة من فوق حافة الكأس بنظرة أعرفها حق المعرفة. إنها النظرة ذاتها التي ترتديها حين تلتقط طائرة تماماً ما أرمي إليه وتقرر بكل هدؤ كيفية متابعة هذه المسرحية.

"لأستطيع منحك رأياً علي أولاً أن أرى ما تفعله تلك التمائم"، تقول أخيرة وهي تنتقي الكلمات بعناية.

"أحضرت واحدة معي تحديداً لأريك إياها"، أرد بسرعة.

وبعد قول هذا، ألتفت برأسي نحو إحدى الوصيفات المنتظرات بصمت بجانب جدار قاعة الإفطار.

"أترينك لطيفة بما يكفي لتجلبي لي دلواً مليئاً بالماء؟"

أسألها. ترمش الوصيفة واضحة عدم استيعابها لما أريده بحق الجحيم بدلو ماء وسط مائدة الإفطار، لكنها تنحني وتخرج من القاعة بأقصى سرعة. لا تأخذ وقتاً طويلاً للعودة حاملة دلواً خشبيّاً ممتلئاً حتى حافته تقريباً لتتركه بعناية على الأرض بجانب مقعدي قبل أن تنسحب مجدداً إلى مكانها الملاصق للجدار. أنزل بصري نحو الدلو وأقدر بالعين أنه سيحوي نحو خمسة لترات من الماء، ربما أكثر قليلاً.

إنه في الجوهر إهدار، فالتميمة التي أنوي استخدامها قادرة على التأثير في كمية أكبر بكثير، تقارب العشرين لتراً إن لم تخنئي حساباتي، لكن لما أنويه، والذي لا يعدو كونه عرضاً، فالخامسة لترات أكثر من كافية لي.

"ليانحوا"، أقول لها ملتفتاً نحوها.

"استخدمي التميمة على ماء الدلو من فضلك."

تومئ ليانحوا دون كلمة واحدة، تسحب من بين ثنايا لباسها التميمة التي سلمتها إياها قبل النزول للإفطار وتنحني بجانب الدلو. تفعلها بحركة ويكون التأثير شبه فوري. الماء، الذي عكس قبل ثانية ضوء الصباح، يبدأ بالتغير. أولاً تظهر طبقة رقيقة من الصقيع تزحف عبر السطح من الحواف نحو المركز، ثم يصبح الماء غائماً وحليبياً، وأخيراً بصرخة مكتومة ومريحة، يتجمد محتوى الدلو بأسره دفعة واحدة في كتلة صلبة من الجليد لا تشقق الدلو لحسن الحظ.

أنظر إلى أمي التي تابعت العملية برمتها بانتباه لا تكلف نفسها عناء إخفائه، وأشير إلى الدلو بحركة.

"من بين كل ما أعطتني إياه، هذه هي الأكثر فائدة"، أقول لها.

"تميمة التجميد. وما رأيته ليس حدها بأي حال، فواحدة من هذه قادرة على تجميد ما يقارب داناً من الماء دفعة واحدة."

تنحني أمي بالكاد نحو الدلو لتتأمل كتلة الجليد عن قرب، تتأملها برهة بتعبير متأمل وتومئ ببطء.

"قد تبدو تلك مفيدة للغاية بالفعل"، تقر بذلك، وألاحظ أنها تقولها بجدية دون السخرية التي كنت أترقبها.

"على الأقل، ستخدم في حفظ الطعام. مع هذا الحر، ستفقد المطابخ على الأرجح كمية معتبرة من الطعام كل يوم، وبضع كتل جليدية موضوعة بحكمة يمكنها أن توفر علينا جزءاً جيداً من ذلك الهدر."

مشجعاً برد فعلها، أقرر شد الخيط وإظهار بقية أوراقي.

"لكن الأمر هو أنني أملك أنواعاً أخرى من التمائم أيضاً"، أضيف.

"لدي تميمة أخرى تولد تياراً هوائياً وتجعله يهب لنصف فترة. بحد ذاتها ليست شيئاً عظيماً، لكن إن جعلت ذلك التيار يهب فوق كتلة جليد فمن المحتمل جداً أن تخدم في تبريد غرفة بأكملها."

تستمع إلي أمي، وحين أفرغ من الكلام ترتسم على محياها ابتسامة أعرفها جيداً، تلك التي ترتديها قبيل جعلي أهبط دفعة واحدة من إحدى أفكاري البراقة.

"يا وين"، تقول بلطف.

"بدل التجوال بإنفاق مئات التمائم لتبريد غرفة، سيكون أرخص لك بلا حدود أن تطلب تشكيلة تنظيم حرارة. صحيح أننا لا نحتاجها أبداً تقريباً وأنها لم تكن تحظى بشعبية كبيرة حتى الآن، لكنها موجودة. وشيء ما يخبرني أنه ابتداء من هذه الموجة ستشرع في كونها إحدى أكثر الأشياء طلباً في الإمبراطورية."

أبقى صامتاً إثر سماعها بينما أسدد لنفسي ضربة عقلية جيدة لعدم إدراكي أمراً جلياً كهذا. فبالتأكيد تشكيلات تنظيم الحرارة موجودة، فالتشكيلة المجردة التي تحافظ على برودة غرفة لا يمكن أن تكون بأي حال شيئاً معقداً للغاية لدرجة ألا يفكر فيه أحد من قبل. وبينما أنا في غمرة جلد الذات هذا، أدرك أيضاً أنه توجد بالتأكيد تعاويذ للملابس قادرة على فعل الشيء ذاته تماماً، محتفظة بالبرودة لمن يرتديها.

مواجهًا هذه القائمة من البديهيات التي أفلتت مني، لا أملك سوى التنهد والتقاط المئكلين مجدداً لمواصلة الإفطار بكرامة مشدودة قليلاً. مع ذلك، لا تدعني أمي أغرق تماماً.

"على أي حال، وجود سبل أفضل لمكافحة الحر لا ينفي حقيقة أن تمائمك ستكون بالغة الفائدة في الوقت الحالي"، تتابع ويخف نبرتها.

"تلك التي تصنع الثلج فوق كل شيء ستكون الأكثر طلباً ما دامت الموجة مستمرة نظراً لتعدد استخداماتها. والأكثر من ذلك، إن استطعت بين الحين والآخر استخدام بعض ما تركته لك المعلمة مو في غرف المطابخ الباردة فأؤكد لك أن الطباخين سيشكرونك على ذلك."

"سأقول لليانحوا أن تعتني بذلك ما إن تجد متساعاً من الوقت"، أرد الآن بمزاج أفضل بعد تشجيع أمي لي.

وحينها، ناظراً إلى كتلة الجليد في الدلو ومن ثم إلى كوب الشاي الفاتر الخاص بي، تخطر لي فكرة تبدو لي في هذه اللحظة بالذات ومع هذا الحر الشديد رائعة ببساطة.

"ليانحوا"، أقول لها.

"أيمكنك كسر بضعة أجزاء صغيرة من الثلج ووضعها في شايي من فضلك؟"

في القاعة تحدث إحدى تلك الوقفات التي تقال فيها كل الألفاظ. ترفع أمي حاجباً، ترفع لينغشي بصرها بحذر، وحتى الوصيفات على الجدار تنظرن إلي بتعبير يتأرجح بين الذهول والقلق الصريح على قواي العقلية، إذ لا يفكر عاقل في هذا العالم بوضع قطع ثلج داخل مشروب ساخن. ليانحوا، من جهة أخرى، وفية لعادتها في عدم التشكيك بغرائبي، لا تبدي أي اعتراض. تقترب من الدلو، تكسر بعناية بضعة أجزاء بحجم إصبع وتدعها تسقط في كبي برتين نظيف قبل أن تعود لمكانها خلف مقعدي.

أتابع الإفطار بكل هدوء بانتظار أن يفعل الثلج فعله، وحين أقدر أن الشاي قد برد بما يكفي الآن أرفعه وآخذ رشفة طويلة. وأبتسم. لأنه لا يوجد أبداً أي شيء في العالم، لا في هذا ولا في السابق، يمكن مقارنته بمشروب بارد جيد حين يذوب المرء من الحر. تنحدر البرودة في حلقي وتتركني لثوان مجيدة بأحساس أن موجة النيران ليست، بعد كل شيء، كارثة لا تطاق. أستمتع ببقية الإفطار بذلك النصر الصغير والمكتسب حديثاً، وحين أعتبر الوجبة منتهية أخيراً، أترك المئكلين على الطبق وأوجه بصري نحو الوصيفة التي جلبت لي الدلو.

"خذي الثلج إلى المطابخ"، أوجهها.

"دعي هم يستخدمونه فيما يناسبهم."

تسرع الوصيفة بالطاعة رافعة الدلو بالكتلة داخله، وألتفت نحو ليانحوا.

"خذيني لأرى خياطة أمي"، أقول لها.

ومن ثم، ملتفتاً نحو أمي، أضيف بانحناءة.

"بعد إذنك يا أمي."

"بالتأكيد"، ترد.

لكن قبل أن تتحرك ليانحوا بالمقعد، ترفع أمي إصبعاً بابتسامة لا تترك لي مهرباً.

"ولا تنس ما طلبته منك يا وين."

"لا تقلقي"، أؤكد لها بينما تبدأ ليانحوا بدفعي نحو الخارج.

"سأفعل، أعدك."

رحلة الجناح نحو منطقة الحرفيين تغدو، كالعادة، عرضاً صغيراً. كل وصيفة وكل موظف وكل حارس نعبر بجانبه يبقى ناظراً إلى لباسي بمزيج من المفاجأة والفضول الذي لا ينجح أحد في إخفائه، وأنا الذي قررت في هذه النقطة من الصباح أن هذه ستكون القاعدة لفترة جيدة، أتجاهلهم بسطنية من يعرف أنه في غضون أسابيع قليلة سيكون نصف القصر مرتدياً زياً قريباً من هذا أو ذاك. ليراقبوا وينتقدوا الآن ما استطاعوا، فسرعان ما سيغيرون رأيهم بمجرد أن يضغط الحر حقاً ولا يستطيعون تحمل ثياب مزودة بتعويذة تتيح لهم ألا يشعروا بالحر.

تتوضع ورشة خياطة أمي في إحدى أهدأ مناطق منطقة الحرفيين، وتخرج امرأة في منتصف العمر، دقيقة اليدين ويقظة النظرة، لاستقبالنا فور الإعلان عن هويتي، منحية بانحناءة منضبطة تفضح فوراً خبرتها الطويلة في التعامل مع النبلاء.

"إنه لشرف لي استقبالك يا زهاوهوان"، تقول لي.

"أنا الجيانغشي يون. لقد حذرتني الغويفي شيانغ بأنك ستأتي لزيارتي."

"الشرف لي يا جيانغشي يون، فمن دواعي سروري أن ألتقي أخيراً بشخص مسؤولة عن صناعة ملابسي"، أرد بابتسامة.

"وأحذرك منذ البداية أنني أتوت لأمنحك أغرب تكليف في مسيرتك المهنية بأكملها."

الخياطة، بعيداً عن الارتباك، ترسم ابتسامة مهنية صغيرة تكشف بوضوح أنها قضت عقوداً في سماع سيدات القصر يطلبن نزوات مستحيلة ونادراً ما صادفت طلباً عجزت عن حله.

"في تلك الحالة، سيكون ذلك ساراً"، ترد.

"إن تفضل الزهاوهوان بشرح ما يدور بذهنه، فأؤكد لك أننا سنفعل كل ما في وسعنا."

وحينها يبدأ الجزء الصعب، لأن ما يدور بذهني لا يشبه أي شيء صنعته قط. تضعني ليانحوا أمام طاولة عمل واسعة وواضحة، والخياطة مستبقة تجلب لي ورقة وفرشاة ومبراة محبرة، مستشفة بعين جيد أن الكلمات لن تكفي. وهي تحسن الاستشفاف، فلحظة أحاول وصف ما أريده بالكلمات أصطدم بالجدار ذاته كالعادة، جدار محاولة شرح شيء لم يره أحد هنا قط باستخدام مفاهيم موجودة حصراً هنا. لذا ألجأ إلى ما أتقنه وهو الرسم.

أبدأ بثيابي الخاصة، فرتبتي تفرض أن تكون الأكثر تفصيلاً، وأشرع في تتبع التصاميم العالقة برأسي على الورق، أردية من قماش خفيف وانسدال مستقيم، مطوية بطيات دقيقة ومحكمة تدع الجلد يتنفس. أرسم لها التنانير القصيرة المشدودة عند الخصر، الشالات العابرة فوق الكتف وأشرح لها رسماً برسم أي قماش أريده لكل قطعة، وكيف يجب أن تنسدل الطيات، وأين تذهب الحواف الذهبية واللون الذي يجب أن يكون عليه التطريز، مصرّاً على أنه فوق المظهر يجب أن يصمم كل شيء ليكون بارداً ومريحاً تحت هذا الحر.

تثبت جيانغشي يون أنها المحترفة التي تبدو عليها تماماً. لا تناقش أفكاري ولا تفزع أمام المجهول، بل تتلقاها وتدرسها وتشرع فوراً في طرح أسئلة تفضح أنها باتت تحسب كيفية وضعها موضع التنفيذ. تسألني عن عرض الطيات، عن الطريقة الدقيقة لعبور الأشرطة فوق الكتف، وفي كل مرة أرسم فيها شيئاً تعتبره مستحيلاً تقترح بديلاً يقترب بما يكفي. بمجرد حل طلبياتي، أنتقل إلى طلبات ليانحوا وشيا.

هنا النمط ذاته، الخطوط ذاتها والقماش الخفيف ذاته، لكن مكيّفاً وفق رتبة كل منهما، فمهما قدرتهم فلن يكون حكيماً ولا مناسباً إلباس فيي إي خاصتي ووصيفة النمط ذاته كالزهاوهوان. بالنسبة لليانحوا أرسم أردية رصينة وأنيقة، ذات صنع جيد لكن بلا كثرة زينة كمثل خاصتي، بقصات مصممة لتستطيع الحركة، وإن دعت الحاجة، القتال دون إعاقة الثياب لها. وبالنسبة لشيا، الأبسط بين الثلاثة، عملية ومقاومة لصخب المطابخ لكن باردة هي الأخرى، إذ ولدت هذه القصة برمتها من شكواها لسبب ما.

أشير بوضوح للأقمشة والتشطيبات الخاصة بكل منهما ليتضح الفارق بلمح البصر دون تضارب أي منهما مع الكل. هذه المهمة برمتها، بين رسوم وشرح وتعديلات واقتراحات تقترحها جيانغشي يون طائعة على الطائر، تمتد لعدة ساعات. لقد قطع الشمس مسافة جيدة في السماء حين نعتبر كتالوج الأردية مغلقاً، ويدي ملطخة بالمحبرة وظهري يؤلمني قليلاً لكثرة الانحناء فوق الطاولة، لكن النتيجة تستحق العناء، فأنا أعرف أن ما سيخرج من هذه الورشة سيكون أفضل بلا حدود مما قد أستطيع خياطته يوماً.

وحينها فقط، حين تُسوَّى مسألة خزانة الثياب، أتذكر طلب أمي.

"هناك أمر أخير يا جيانغشي يون"، أعلن لها.

"وهذا ليس لي، بل تكليف يأتي نيابة عن الغويفي شيانغ."

تستقيم الخياطة في ظهرها قليلاً فور سماع ذكر أمي، مستعدة لإعارة كل انتباهها، وألتفت نحو ليانحوا.

"ليانحوا"، أقول لها بلطف.

"سيتعين عليك إظهار الثوب لها."

تطلق ليانحوا إحدى تلك التنهدات الخافتة التي تحتفظ بها لأفكاري البراقة الأكثر إزعاجاً، لكنها لا تحتج. بعد طلبها من الخياطة إخلاء المتدربات من الغرفة لمزيد من التحفظ، تنسحب لحظة نحو زاوية منعزلة وحين تعود تحمل الثوب بيديها لإظهاره، معفية نفسها هذه المرة من محنة الاضطرار للتعري أمام غريب. تلتقطه جيانغشي يون بعناية وتتفحصه مقلبة إياه بين أصابعها، بجبين مقطب وتعبير مركز لمن يملك أمام عينيه غرضاً لا تستوعبه تماماً.

وأنا، قبل أن ترتبك، أشرع في شرح كل شيء بهدوء تماماً كما شرحته لليانحوا في ذلك الوقت، مترجماً كل فكرة للغة تصنع معنى هنا وحريصاً تماماً على ألا يفلت مني أي مصطلح لا يفترض بي معرفته. أشرح لها أنه قطعة مصممة لاستبدال الزي، وبدلاً من مسطحة الصدر ضد الجسم فهو يجمعه ويحتويه مانحاً إياه مساحة. أشير لها إلى الجزأين المجوفين المحيطين بكل ثدي والأشرطة الموزعة للوزن فوق الكتفين والخيط المربوط بالخلف لإبقاء الكل في مكانه.

أخبرها أيضاً أنه لعدم امتلاك مادة مرنة وثقيلة تمنح الكؤوس شكلاً دون غرز فقد لجأت للقنب المعالج حتى تحقيق قساوة ناعمة، وصنعته من الحرير ليكون الملمس ناعماً قدر الإمكان ضد الجلد. كما أحذرها من القيود التي واجهتها بقدراتي، كأن العقدة في الخلف تنتهي بشكل مرتفع ومزعج للربط، عيوب أثق بأنها ستعرف حلها أفضل مني. وقبل كل شيء، أؤكد لها المبدأ الواجب توجيهه لكل ما عداه.

"أريدك أن تفهمي شيئاً واحداً فوق كل شيء يا جيانغشي يون"، أقول لها، وأضمن حمل النبرة لمدى أهميته.

"هذا ثوب يختفي تحت الثياب، ولن يراه أحد سوى، كحد أقصى، زوج المرأة المرتدية له. ولهذا السبب، غرضه الأساسي وما يهم حقاً هو أن يكون مريحاً أثناء تأديته لوظيفته. تلك هي الأولوية المطلقة والتي يجب ألا تضحى من أجل أي شيء. إن أراد أحدهم إجعله أجميل بعد ذلك، ممتاز، يمكن تحقيقه بالتطريز أو بتفصيل حصيف. لكن أبداً، تحت أي تصور، على أساس زينات أو مبالغات تجعله غير مريح. الثوب الجميل الذي يغرز أو يضغط لا فائدة منه على الإطلاق."

تستمع الخياطة لكل كلمة بانتباه أقدره، مومئة من حين لآخر بينما تدون على لوح صغير النقاط التي أشير إليها على الثوب ذاته. وحين أنهي، ترفع بصرها وتنحني أمامي بانحناءة رسمية.

"لقد فهمت تماماً يا زهاوهوان"، تقول لي.

"سأتتبع تعليماتك بحرفيتها تماماً كما طلبت الغويفي شيانغ. أعطيك كلمتي بأن الراحة ستأتي أولاً دائماً، وأن كل تحسين ندخله سيحترم ذلك المبدأ."

راضياً بردها، ومدركاً أنني أتممت طلب أمي أخيراً، أعتبر الزيارة منتهية. والحقيقة أنها كانت صبيحة طويلة ومثمرة، وما يزال لدي أمر أخیر معلق قبل أن أعتبر اليوم منطلقاً على نحو معقول.

"أشكرك كثيراً على صبرك يا جيانغشي يون"، أودعها بانحناءة رأس.

"أعلم أنني لم أقدم لك تكليفاً بسيطاً على الإطلاق."

"التكاليف البسيط لا متعة فيها أبداً يا زهاوهوان"، ترد علي بابتسامة تبدو للمرة الأولى صادقة تماماً وليست مهنية فحسب.

أرد ابتسامتها، ثم ألتفت نحو ليانحوا.

"ليانحوا"، أقول لها.

"خذيني إلى الدراسة. أريد التحقق من عدد تمائم التجميد المتاحة لدينا، فبين المطابخ والغرف الباردة وشايي، شيء ما يخبرني أنني سأحتاج لكل ما أملكه."