أتحرك بين ملاءات السرير متذمراً بصوت خافت وأنا أطارد تلك الزاوية الباردة من الوسادة التي وُجدت في لحظة ما ثم بدت كأنها تلاشت، بينما يتوافد سلسلة من الشكاوى حول صيف العام وحرارته في عقلي النعس. أوشك على إضافة العرق الذي يبلل مؤخرة عنقي إلى قائمتي حين يرفع ذلك الجزء الصغير من رأسي الذي لا ينطفئ تماماً يده بأدب ويتحنحن ليُلفت انتباهي إلى تفصيل مزعج في قائمة لعناتي، وهو أنه ليس هناك صيف هنا.
أفتح عيني دفعة واحدة عند ذلك ومعها ينقشع النعس تماماً، ففي هذا الركن من العالم الذي أعيش فيه منذ اثني عشر عاماً لا توجد فصول تستحق الاسم ودرجة الحرارة هي نفسها طوال العام، بتغيرات طفيفة لدرجة تعجزني عن ملاحظة الفرق. أبقى ساكناً لحظة وأنا مستلقٍ على ظهري بينما أشعر بالحرارة، حرارة لا تتناسب مع أي شيء عرفته، كأن شخصاً ما شغل التدفئة ثم نسي أمرها. وحينها وقد استيقظت تماماً أقوم بالحسابات.
قال المعلم مو في ذلك اليوم بينما كانت السحابة الحمراء تبتلع السماء إن المدّ سيستغرق ما بين عام وعام ونصف ليبلغ هنا. أجمع الشهور المنقضية منذ ذلك الحين وأراجعها مرة ثانية من باب العادة الخالصة، ولا أملك في النهاية سوى أن أطلق تنهيدة طويلة باتجاه سقف السرير. الحسابات دقيقة. لقد وصل مدّ تشي النار أخيرًا إلى هنا بعد أن جاب العالم. من باب الفضول أكثر من أي شيء آخر أغلق عيني مرة أخرى وأركز لأبدأ بإدراك التشي المحيط بي.
وما إن أفعل حتى أدرك أن ثمة خطباً ما، فالتيي الذي أمامي ليس كما ينبغي. تمتلئ بيئة محيطي بجسيمات تشي النار بكمية هائلة لدرجة أنني حين أحاول إجراء إحصاء تقريبي يتوجب علي التوقف وإعادة العد، لأن الانطباع الأول يبدو لي مبالغاً فيه. لكنه ليس كذلك والحقيقة هي أن نصف التشي الذي يملأ غرفتي تقريباً هو تشي النار. أبقى ناظراً إلى ذلك المدّ من تشي النار لحظة أخرى ومفتوناً رغم أنفي، إذ لم يقتصر تشي النار على الإضافة إلى البيئة بل غزاها واستبدل تشي المحايد لدرجة أن الأخير كف عن أن يكون الأغلبية في المحيط، وهو أمر وحسب علمي لا ينبغي أن يحدث أبداً في الظروف الطبيعية.
وكدائماً حين أرى شيئاً جديداً لا يضيع رأسي وقتاً في البدء بفك تشابك التداعيات. تصلني الأولى فوراً تقريباً وهي ليست سارة، لي على الأقل. فلأجل الزراعة وفي النقطة التي أبلغها ما أحتاجه هو التشي المحايد. أما تشي النار وبالنسبة لشخص مثلي لا يملك نواة ولا سبيلاً للاستفادة منه فهو ليس أكثر من شيء عديم الفائدة يسبح في الهواء. وإذا كان نصف تشي الغرفة الآن ناراً وهو ما لا ينفعني بشيء فهذا يعني أن كمية التشي المحايد المتاح قد انخفضت إلى النصف تقريبا.
أما التداعيات الثانية فهي الوجه المعاكس للعملة نفسها، وهي בדיוק ما أسماه المعلم مو بابتسامة حزينة نِعمة لقلة قليلة. فكل هذا التشي الناري الذي يعد عقبة بالنسبة لي يعد هدية حقيقية هبطت من السماء لأي شخص يملك نواة نارية ويفعرف كيف يستخدمها. وفي الوقت الذي أجر فيه نفسي جامعاً فتات التشي المحايد المتبقي سيتمكن أولئك من امتصاص ذلك النار حفنات بحفنات وبأقل مجهود ويرون زراعتهم تحلق عالياً، على الأقل في كل ما يتعلق بالنار.
لقد بدأ صعود مزارعي النار، على الأقل في هذا الجزء من العالم. أطلق تنهيدة أخرى مستسلمة وأفكر في الأمر المعتاد، أنه حين لا يكون المشكلة هذه تكون غيرها، وأن الكون يبدو وكانه يتمتع بقدرة خاصة على إيقاعي في ورطط لا أطلبها. أتوقف عن التركيز وأفتح عيني لأتأمل الغرفة التي باتت فرناً الآن، وأول ما أفعله هو تذكر وحدات تكييف الهواء بحنين. كنت سأمنح في هذه اللحظة الدقيقة كمية محرجة من أحجار الروح مقابل مكيف هواء جيد، واحد من تلك التي تستطيع بضغطة زر تحويل يوم لا يُطاق إلى أمر حضاري.
ولكن بما أن التكييف ليس خياراً والتذمر لن يخفض درجة الحرارة ولو درجة واحدة فأنا أفعل الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله حقاً، وهو مراجعة كتالوج التمائم عقلياً التي أكون قادراً على صنعها وتحديد تلك التي قد تنفع في موقف كهذا. كنت أصنف القليل منها بينما أراجعها حين فتح الباب ودخلت لينهوا ككل صباح. تدخل باعتيادها المعهود وأول ما أفكر فيه عند رؤيتها لا علاقة له باليوم الذي ينتظرني، بل بمدى ظلم العالم بعمق، فليينهوا مثالية.
لا توجد قطرة عرق واحدة على جبينها ولا خصلة شعر واحدة في غير مكانها ولا أدنى مؤشر على أن الحرارة التي تذيبني على الملاءات تؤثر عليها ولو قليلاً. تمشي نحو خزانة الملابس بالخطوة الهادئة نفسها كالعادة، منتعشة كأنها لتوها تتنزه في حديقة صباح ربيعي، ويعود ذلك إلى أن لينهوا وعلى عكسي تمتلك بوابة النار مفتوحة، تلك التي يُفترض أن تمنح مقاومة أكبر لدرجات الحرارة. أراها من السرير بكل الحقد الذي يستطيع شخص غارق في العرق جمعه وأصدر أنيناً.
قلت لها: "لينهوا. أقسم أن لولا أنني حين أنتهي من فتحها سيكون المد قد مر على الأرجح بالفعل لكنت شرعت في فتح بوابة النار الآن تماماً."
لينهوا التي بلغت الخزانة بالفعل وشرعت في فتح الأبواب لإخراج ملابسي لم ترتجف حتى لكلامي.
أقرت بتلك الحيادية التي تخدمها بالتساوي لتوافقني أو لتشير لي بأقصى درجات الأدب إلى أنني أقول شيئاً سخيفاً: "ستكون تلك وسيلة لحل المشكلة، تشاوهوان وين. مع أن فتح بوابة يستغرق وقتاً بالطبع ولن تنتظر الحرارة على الأرجح حتى أفرغ منها."
أومئ برأسي دون حماس زائد فهي محقة، وأراها تبدأ في إبعاد الملابس عن الخزانة لتجهيز ملابس اليوم، تلك الملابس التي تبدو لي في يوم عادي مزعجة بالفعل وتبدو اليوم مع هذا الحر تعذيباً مباشراً. وتلك الفكرة بالذات، فكرة قضاء اليوم متعرّقاً تحت طبقات عدة من القماش، هي ما يجعل المصباح يضيء في رأسي.
قلت لها رافعاً يدي: "انتظري. ليس تلك الملابس، ثمة تغير في الخطة."
تتوقف لينهوا وبيدها قطعة ملابس أُنزلت نصف نزول وتلتفت نحوي بحاجب مرفوع منتظرة.
قلت لها: "أخرجي الزي الذي استخدمته في عيد ميلادي العاشر. ذاك الذي صنعته مستوحى من شظية الرمال السماوية."
يرتفع حاجب لينهوا قليلاً وهو ما يوازي في مخزونها من الإيماءات المحتوظة صرخات الآخرين نحو السماء أكثر أو أقل.
سألتني بحذر وهي تعيد قطعة الملابس إلى مكانها: "أيبدو لك ذلك فكرة جيدة، تشاوهوان وين؟ انها ليست مناسبة خاصة لارتداء ذلك الزي."
أجبتها مشيراً بإيماءة واسعة نحو الغرفة بأسرها والعرق والملاءات المجعدة: "أليست مناسبة خاصة؟ ألا تبدو لك هذه الحرارة استثنائية بالقدر الكافي؟ لأنها تبدو لي كذلك يقيناً."
أتوقف مؤقتاً بالقدر الكافي لالتقاط الأنفاس وأتابع قبل أن تتمكن من إبداء أي اعتراض.
قلت لها: "فكري في الأمر لحظة. ذلك الزي الذي نسخته من ملابس استخدمتها طائفة عاشت في مكان ترتفع فيه الحرارة هكذا أو أكثر طوال العام. أشخاص اضطروا للتعامل مع درجات الحرارة هذه يومياً واستنبطوا بناءً على قرون من المعاناة منها أنسب ملابس لتحملها. ها أنا ذا أوشك على الموت حراً لكي أثير إعجاب بلاط لا يهمّه بالمناسبة مطلقاً إن كنت سأُحرق حياً. أخبريني أي الخيارين يبدو أكثر منطقية."
تحافظ لينهوا على نظراتها لي لحظة تزن الأمر وتطلق في النهاية تنهيدة خفيفة، تلك التي تحتفظ بها لتوقيت تقرر فيه أنه لا جدال معي لأنني قررت ما سأفعله بالفعل.
قالت لي: "كما تأمر."
وشرعت في النبش في مؤخرة الخزانة بحثاً عن الزي.
"رغم أنني يجب أن أحذرك من أن غويفي شيانغ ستخبرك على الأرجح بأنه لا يليق بك ارتداء تلك الملابس."
أجبْتُ دون أدنى تردد: "لتقل ما تشاء. من السهل جداً إبداء الآراء في ملابس الآخرين حين تكون بوابة المرء مفتوحة ولا يشعر بالحر. أنا من يعاني ولذا أنا من يملك الحق في اتخاذ التدابير الضرورية لتخفيفه. وإذا كانت تلك التدابير تعني ارتداء ملابس تفزع نصف البلاط فليفزعوا."
لم ترد لينهوا على ذلك وهو ما يعد طريقتها في إخباري بمعرفتي بها بأنها لا تنوي منح المزيد من النصائح، واكتفت أخيراً بإخراج الزي من مؤخرة الخزانة والبدء في إلباسي إياه. الفارق فوري وفاضح تقريباً. يلامس القماش الخفيف كتفيَّ بلا أدنى إزعاج، وتترك الأشرطة المتقاطعة والتنورة القصيرة ذراعيَّ مكشوفتين وتسمح لجلدي بالتنفس بطريقة لا تسمح بها ملابسي الاعتيادية أبداً، ورغم بقاء الحرارة فإنها تتحول بغتة إلى أمر أكثر احتمالاً بكثير.
أشرت برأسي نحوها بعد ارتدائها: "صندوق الحلي. أخرجي بعض الجواهر التي جلبتها من شظية الرمال السماوية، فبما أنني فاعل هذا فأنا أنويه حقاً."
تطيع لينهوا دون تعليق وتفتح صندوق الحلي وتشرع بعد لحظة بحث في إخراج القطع التي تتلائم أفضل مع الزي. قلادة اللازورد والذهب العريضة التي وضعتها على صدري بعناية، والأساور ذات نقوش الجعارين التي ضبطتها على معصميَّ. حين فرغت تفحصت نفسي بالقدر المستطاع وأومأت لنفسي برضا، فالفرق مع ملابس النوم التي كانت خفيفة أصلاً بالمعايير المعتادة ملحوظ. وإذا قارنت هذا الإحساس بما سيكون عليه حالي الآن محشوراً في زيي المعتاد فلا مقارنة ببساطة.
كنت أستمتع بهذا الانتصار المنزلي الصغير وأتتلذذ بمدى تحضر الصباح بغتة حين انفتح الباب دفعة واحدة مرة أخرى ودخلت شيا. تدخل متكلمة كالعادة تقريباً وفي منتصف عملية تذمر.
احتجت قبل إغلاق الباب حتى وهي تروح وتروح بيدها: "وين، الجو حار بشكل مرعب. لا يمكنك التنفس حقاً، يبدو في المطبخ وكأن..."
وتتوقف جملتها هناك دفعة واحدة لأنها رفعت بصرها للتو وتسمرت وسط الغرفة وفمها ما زال مفتوحاً بالكلمة التي تركتها نصف مكتملة ناظرة إليَّ من رأس حتى أخمص القدمين بعينين تتسعان باستمرار.
أصدرت صوتاً لم يبلغ حد الكلمة وتطايرت عيناها ببصرها ثم استأنفت: "..."
هتفت مشيرة إليَّ بإصبعها مستنكرة: "مهلاً! هذا ليس عادلاً! أنت بملابسك الجميلة المنعشة وأنا أطبخ بالزي الرسمي. أريد ارتداء شيء يشبه ما ترتديه ولا يجعلني أحترق حراً أيضاً."
ودون أن تدرك مطلقاً منحتني للتو أفضل فكرة خطرت لي منذ زمن طويل.
قلت لها وأنا ألمح ابتسامة ترتسم على وجهي: "شيا. ما قلته للتو هو أذكى ما سمعته اليوم حتى الآن."
تسمرت شيا المستعدة للرفض أو لكي أضحك عليها ثانية واحدة قبل أن يضيء الاهتمام عينيها.
تابعت والفكرة تتبلور أثناء حديثي: "أنا جاد. أنت محقة تماماً. واستغلالاً لامتلاكنا أفضل عذر في العالم المتمثل في مدّ تشي النار وهذه الحرارة الآتية من ألف شيطان، ستؤسس تشاوهوان وخدمها موضة جديدة في القصر الإامبراطوري."
يضيء وجه شيا تماماً كأنني أخبرتها لتوِّها أن المطابخ ستشرع في تقديم الحلوى مع كل وجبة، وبدات تقفز في مكانها عاجزة عن ضبط نفسها. ولكني لاحظت تحت جمود لينهوا المعتاد التي شهدت الحوار بأسره صمتاً شبيهاً جداً بالاستسلام، تعبير من أدرك لتوه أنه سيضطر للإشراف على العواقب العملية لإحدى أفكاري. لذا أهديتُها ابتسامة أثق تماماً أنها لا تخدعها قط.
قلت لها: "لينهوا. خذيني إلى غرفة الدراسة من فضلك. ليس إلى غرفة الزراعة اليوم، فبين الحرارة وكمية تشي النار السابحة في كل مكان فقدتُ تماماً أي رغبة في الزراعة حالياً."
أجابت متخذة موقعها خلف مقعدي وداعة نحوالباب: "كما تأمر يا تشاوهوان وين."
ولكن عند المرور بجانب شيا التي واصلت القفز تذكرت شيئاً فالتبرت برأسي قليلاً نحوها.
قلت لها: "بالمناسبة. حتى تجهيز الملابس الجديدة، لديك أيام إجازة. لا حاجة لك للذهاب إلى المطبخ لتحمل حرارة أكبر مما هي عليه بالفعل."
كان الأثر فورياً. أطلقت شيا صرخة فرح خالص سمعت على الأرجح في الطرف الآخر من الجناح، وشكرتني على عجالة بثلاثة أو أربعة إصدارات من الجملة ذاتها وركضت خارج الغرفة كأنها مطاردة قبل أن يتسنى لي إضافة أي شيء. بقيت ناظراً إلى الباب الذي اختفت دونه وساورني لثانية تساؤل حول ما يمكن أن تحيكه بحق الجحيم، لأنني أعرف شيا وأعلم أن وجه السعادة هذا مجتمعاً مع سرعة الخروج تلك لا يبشر بأي خير هادئ.
ولكن بما أنه ليست لدي وسيلة لمعرفة ذلك من هنا أيضاً فقد دفعته خارج عقلي وسمحت لينهوا بإخراجي إلى الممر. وهناك يبدأ الاستعراض، فبينما نتقدم عبر ممرات الجناح تظل كل جارية نصادفها ناظرة إليَّ بخليط من الدهشة والفضول الذي لا ينجح أي منها في إخفائه تماماً، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى أن آخر مرة رأوني فيها بهذا الزي كانت أثناء حفلة تنكرية محاطة بكثبان رملية وهمية وبالتأكيد ليس في أول الصباح في الطريق إلى غرفة الدراسة.
تفتح لينهوا الباب وتضعني أمام المكتب وتسحب الترباس ما إن نصبح بالداخل. وما إن يستقر المزلاج في مكانه حتى أخرج من الدرج صندوق أوراق التمايم وقلم الحبر والفرشاة وأرتب كل شيء على الطاولة بينما أقرر أخيراً التميمة التي سأحاول صنعها. وحينها تبدأ المشاكل، فحتى الآن كانت كل ممارساتي تمايم بسيطة والأبسط مما أعرف، وتلك التي أحاول صنعها ذات تعقيد مختلف، إذ بدلاً من وظيفة بسيطة واحدة فلها وظائف متعددة يجب أن تتناسق فيما بينها.
أغمس الفرشاة وأتنفس بعمق وأبدأ بالكتابة. ودون مفاجأة لأحد أفشل. تستهلك الورقة الأولى بين أصابعي فور انتهائي من الجزء الأول وبدئي في الثاني لأنني أهملت توزيع التشي فانكسر التوازن تاركة كومة رماد صغيرة على المكتب. أقطب حاجباي وآخذ ورقة أخرى وأبدأ من جديد، عاقداً العزم على التحكم الأفضل بالتدفق عند تلك النقطة. رماد مرة أخرى. أحاول مجدداً مرة بعد أخرى كما حدث حين حاولت صنع تممتي الأولى، ولكن النتيجة هي ذاتها دوماً.
غير أنني لا أستاستسلم، فإذا كان ثمة شيء تعلمته بممارسة هذا الانضباط فهو أنه لا سبيل آخر. فكل فشل يعلمني بدقة في أي نقطة بالغت وكل ورقة محترقة تتركني أقرب قليلاً لفهم كيفية إدارة ذلك الانتقال الذي يستعصي علي بشدة. لذا أشد على أسناني وأفرغ عقلي من كل شيء آخر وأركز حصرياً على الفرشاة والحبر وتدفق التشي. وأخيراً بعد عدد من المحاولات التي أفضل عدم حسابها يحدث الأمر.
تنهي الفرشاة الرونو الأخير وأصب قطرة التشي الأخيرة بالكمية الدقيقة ولا تستهلك الورقة بل تظل هناك على الطاولة مثالية ومشحونة وجاهزة للتفعيل حين يحتاجها أحدهم. تميمة التجميد الأولى لي. بقيت ناظراً إليها وغمرتني موجة رضا أكثر حدة بكثير من تلك التي شعرت بها مع تمايم الحاجز الأولى، إذ أن هذا أمر مختلف. فحاجز التميمات حققته بإتقان التحكم في التشي بتخطيط بسيط، لكن هذه التميمة أشد تعقيداً بكثير، وهو ما يعني أنه بينما كنت أحرق ورقة تلو الأخرى خطوت خطوة أخرى في تطوير الانضباط، والدليل على ذلك ماثل أمامي على المكتب في هيئة قطعة ورقة مكتوبة.
كنت ما زلت أتلذذ بالإحساس حين لمست الضوء الداخلي عبر النافذة، وبحساب سريع أدركت أن وقت الإفطار قد وافاني بين فشل وآخر.
قلت والتفتُّ نحوها: "لينهوا. خذيني إلى الإفطار."
وبقولها ومن باب العادة المحض قمت بحركة دس التميمة بين طيات ملابسي تماماً كما أفعل عادة مع أي شيء صغير أود حمله معي. ولكنني أوقفت يدي في منتصف الحركة. لأنني بالطبع لا أرتدي ملابسي المعتادة. أنا أرتدي زياً بتصميم يترك نصف جسدي مكشوفاً والذي أياً كانت ميزته في مقاومة الحرارة لا يملك مكاناً واحداً لإخفاء تميمة. بقيت لحظة ويدي معلقة في الهواء أشعر بسخافة طفيفة، ولم أملك في النهاية سوى أن أطلق تنهيدة وأستسلم.
قائلاً ماداً التميمة إليها: "احمليها أنت الآن. ودوني في القائمة أن عليَّ إيجاد حقيبة ما أو محفظة أو ما شابه تسمح لي بحمل الأشياء عليَّ."
تأخذ لينهوا التميمة بعناية وتدسها في موضع ما من زيها وتومئ دون تعليق على حقيقة اكتشافي للتو وبعد فوات الأوان عيباً جلياً للغاية في فكرتي الصباحية العظيمة. أظن أحياناً أن أعظم فضائلها ليست الولاء ولا الكفاءة، بل الكمية الهائلة من التعليقات التي تحتفظ بها لنفسها. ثم تأخذ موقعها خلف مقعدي وتأخذني أخيراً إلى صالة الإفطار. حين ندخل كانت أمي ولينغشي تجلسان بالفعل على الطاولة تتناولان الإفطار.
ولينغشي بجانبها المعتاد ن بالكاد رفعت بصرها لسماع دخولنا وعادت فوراً لشأنها باعتيادها. أما أمي فنظرت إليَّ وما إن وقعت عيناها عليَّ حتى رفعت حاجبها بتلك الأناقة الخاصة بها التي تنجح في جعل إيماءة واحدة جملة كاملة.
قالت لي بينما كانت لينهوا تقربني من الطاولة: "وين. أيمكنني معرفة سبب ارتدائك لزي عيد ميلادك العاشر؟"
ابتسمت لها مستقراً في مكاني.
أجبتها بكل هدوء العالم: "انه ليس زياً يا أمي. أو لم يعد كذلك. هذه ملابس استخدمتها طائفة عاشت في بيئة ترتفع فيها الحرارة هكذا تماماً الآن، ولكن طوال العام. بمعنى أنها بالدرجة الأولى الملابس الأنسب لدرجة الحرارة التي نعيشها. كان أمر عيد الميلاد تمثيلاً، لكن فائدتها الحقيقية تكمن في ظروف كالحالية."
ترمش أمي متفاجئة وأراها تعاجل استيعاب كلماتي للحظة قبل أن يطل الفهم على وجهها، ذلك الفهم الذي أعرفه جيداً ويعني أنها حدست لتوِّها ما أحيكه.
سألتني ببطء: "أترغب في ارتداء تلك الملابس دائماً ما دام مدّ النار مستمراً؟"
أجبتها دون إخفاء مثقال ذرة: "لا أنوي وحدي ارتداءها. بل أنوي أن ترتدي لينهوا وشيا أيضاً أزياء شبيهة ومكيفة بحسب رتبهما بالطبع. وأفضل ما في الأمر، الشيء الجيد حقاً في الخطة، هو أن هذا لن يلفت انتباه الطائفة على الإطلاق."
تعقد أمي حاجبها قليلاً غير فاهمة تماماً فأوضحت لها.
قلت لها: "لأنه ليس اختراعاً جديداً. لو أخرجت من كمي زياً غريباً لم يره أحد لطرح أحدهم أسئلة مزعجة حول مصدر الفكرة. لكن الجميع يعلم أن هذا شيء نسخته من شظية الرمال السماوية ورأوه في عيد ميلادي وضد ذلك لا معترض."
أرى أمي تأخذ نفساً لتبدأ بالرد، ذلك الرد الذي توقعته لينهوا لي في الغرفة بحذافيره، لذا قررت إعفاءها من الجهد ومقاطعتها قبل أن تبدأ.
قلت برفق: "لا تتعبدي نفسك يا أمي. أعلم تماماً ما ستخبرينني به، أنه غير ملائم وأن البلاط سيتمتم وأنه لا ينبغي لتشاوهوان تخطي قواعد اللباس. وسأفعلها على أية حال مهما قال البلاط."
وهنا لم أستطع منع نفسي فابتسمت بمكر قبل إطلاق أفضل حججي.
وتابعت: "بل أكثر من ذلك. أراهنك على ما تشائين أن كل من ينتقدون ملابسي الآن سيغيرون لحنهم قريباً جداً. فشيء هو الاستنكار براحة امتلاك بوابة النار المفتوحة، وشيء آخر هو قضاء أشهر متعرّقاً تحت خمس طبقات من الحرير لعدم امتلاكها. أؤكد لك أنه بعد أساتيع قليلة من الحر سيقف أولئك الذين يشيرون إليَّ اليوم بأصابعهم ولا يمتلكون البوابة المفتوحة عن القلق بشأن تخطي قواعد اللباس ليبدؤوا بالقلق بشأن كيف بحق الجحيم يغيرون ملابسهم دون أن يبدو أنهم يقلدونني. وبحلول ذلك الوقت ستكون الموضة قد أرسيت."
تستمع أمي وأرى في عينيها تلك الشرارة التي تظهر حين يروق لها ما تعرف أنه لا يجب أن تقره برغم حزنها. لم تقل إنني محق فهذا كثير، لكنها لم تعود لإعادة الرد المجهز وهو ما يعد سيان.
مستأنفاً الجزء العملي من المسألة: "على أي حال، صنع زي واحد لنفسي في مقدوري ويمكنني تدبره. لكن صنع خزانة كاملة لثلاثة أشخاص قصة أخرى. لذا سأضطر لاستعارة خياطتك لأجل ذلك."
قالت لي: "بما أنك مصر إلى هذا الحد فلا مشكلة علي الإطلاق."
وظننت للحظة أن الأمر انتهى هناك. لكنها توقفت قليلاً ووضعت فنجان الشاي على الطاولة بحركة متعمدة وابتسامة مختلفة جداً ومحسوبة بكثير عن السابقة لمعت على شفتيها.
مستأنفة: "والآن إذن."
ومستشعراً تغير النبرة تماماً.
"بما أنك ستذهب لرؤية خياطتي، فهناك خدمة صغيرة أود طلبها منك."