داو اللغة الفصل 132

اقرأ داو اللغة الفصل 132 باللغة العربية على مانجا تايم.

أتأمّل أمّي وهي نابتة في عتبة غرفة الدراسة وفمها ما زال نصف مفتوح وسط كلمة كانت ستلفظها وعيناها مسمّرتان على المشهد أمامها وتبدو غرفة الدراسة كلها كأنّها تحبس أنفاسها معها للحظة. وأعرف تماماً ما سيأتي الآن. أعرف ذلك لأنّني رأيته عشرات المرات طوال حياتي السابقة ولذلك أععرف علم اليقين ما سيكون عليه قانون هذا المشهد السيناريو الذي كان ليكتبه أيّ كاتب سيناريو للأفلام الكوميدية الرومانسية بأدنى حدّ من مسيرة مهنية لتلك اللحظة بالذات.

لكان دوري أن أحمرّ خجلاً كفانوس احتفال وأبدأ بالتأتأة وألوّح بيديّ في الهواء وأطلق سلسلة من الشروح المترابطة نصّاً بينما تغطي ليانhua صدرها بشهقة مستنكرة وأمّي النابتة في المدخل تستخلص عدة نتائج كلّ واحدة منها أغرب من الأخرى مما كانت تراه. غير أنّني لا أبتغي البتّة اتباع مراهق غبي ولذلك بدلاً من الامتثال للسيناريو أفعل الشيء الوحيد الذي ينبغي للمرء فعله حقاً في موقف كهذا وهو أن أتصرف كأنّ الأمر أشبه بالأشياء العادية في العالم.

قلت لها بنبرة كنت سأستخدمها لأعلق على أنّه يبدو أنّه ستمطر: "يا أمّي تفضلي بالدخول من فضلك. ودعي لينغشي تدخل هي الأخرى وتغلق الباب من فضلك".

ودون انتظار التحقق من أثر كلامي انحنيت فوق ليانhua مجدداً لأواصل مراجعة قياس الثوب تماماً حيث توقفت منزلقاً بإصبعي على حافة الكأس لأتأكد من أنّ القماش لا يغور فيها ولا يترك فراغاً إضافياً كأنّ أحداً لا يعاني انهياراً عقلياً بسيطاً في عتبة غرفة الدراسة. يبدو أن صوتي أحدث أثر دلو ماء بارد لأنّني سمعت كيف تتنفس أمّي وبعد ثانية تردد تجتاز العتبة. ودخلت وراءها لينغشي وأغلق الباب وراء ظهرها بنضد خفيف للمزلاج وهو يستقر في مكانه.

قالت لي أمّي فور دخولها ولاحظت بنبرتها أنها تبذل جهداً واعياً لاستعادة هدوئها: "يا وين هل لي أن أعرف ما الذي تفعلينه تحديداً؟".

رفعت بصري عن الخياطة طوال ما يكفي لأراها وأجيبها دون أن أغيّر إيقاع تفحصي: "أتذكرين محادثة دارت بيننا في اليوم الأيام؟ تلك التي ذكرت لك فيها أنني أعمل على اختراع لراحتي الخاصة".

رأيت كيف تعقد أمّي حاجبها قليلاً وهي تبحث في ذاكرتها وقبل أن تضطر لإجهاد نفسها أكثر واصلت: "حسناً هذا هو النتيجة أردفت مشيراً بذقني إلى الثوب الذي لا تزال ليانhua ترتديه. إنه قطعة مصممة لتحل محل السيي حتّى دون استخدامها قط من الواضح أنها غير مريحة لذوقي. لن يكون تسطيح الصدر مريحاً أبدا أياً ما يقوله أيّ شخص".

تعقد أمّي حاجبها أكثر قليلاً وتنزل بصرها نحو يديّ اللتين كانتا تتحققان في تلك اللحظة بالضبط من أن الشريط السفلي يستقر جيداً ضد الجذع دون أن يترك علامة في أيّ مكان ولمحت على وجهها بداية جملة ذلك التوتر الصغير في الشفتين الذي يسبق دائماً أي اعتراض. لكنّني لم أمنحها وقتاً لصياغتها إذ اعتبرت التفقد منتهياً بنظرة نقدية أخيرة وانحنيت للوراء في الكرسي وأومأت لنفسي راضياً عما أرى.

قلت لليانhua متجاهلاً عن قصد جملة أمّي العالقة في حلقها: "حسناً جديراً. ارتديه لأيام عدة واختبريه في الحركة. أريد أن أعرف كيف يسلك حين تمشين وحين تنحنين وحين تحملين وزناً. وإذا أمكن قومي أيضاً ببعض التدريبات القتالية به لأنّ ما يهمّني أكثر هو رؤية كيف يصمد أثناء التمرين العنيف وهو الموقف الذي قد يكون فيه السيي أفضل من اختراعي".

ليانhua التي ظلت طوال هذا الوقت واقفة بظهر أشد صلابة من المعتاد وحمرة تفضح كم تجد حضور أمّي غير المتوقع حرجاً لم تكن بحاجة لمن يخبرها مرتين. وما إن أتممت كلامي حتى جمعت بسرعة الجزء العلوي من لباسها وارتدته بسرعة وكفاءة أظنّهما ثمرة الرغبة في التوقف عن كونها نصف عارية أمام أمّي أكثر من كونها عادة. وحين انتهت من ارتداء ملابسها وأصبح الثوب في مكانه خصصت لحظة لتقييم النتيجة تماماً كما كنت أقيم أيّ اختراع آخر لي.

أخرجت النتيجة مني إيماءة رضا لأنّ الفرق على الرغم من دقته تحت طبقات الثياب موجود. فحييث كان السيي يسطح صدرها ضد الجذع قبل حتى تركها بصورة مسطحة وشبه مستقيمة يجمع الثوب الجديد قَوامَها ويحترمه بحيث أصبح خط ليانhua الآن بلا ريب أكثر أُنُوثة إلى حدّ ما من ذي قبل وهو أمر ليس بهيّن بالنسبة لنسخة أولى صُنعت بالعين وبمواد مرتجلة. أمّي التي اختارت حتى هذه اللحظة التزام الصمت واكتفاء بمراقبة العملية كلها بصبر أعرفه خطيراً تختار هذه اللحظة بالضبط لتتكلم.

قالت لي ونبرتها تحولت من الحيرة الأولى إلى ما يشبه التوبيخ تماماً: "يا وين. كان مفترضاً بك أن تكوني كتمان وتتوقفي عن اختراع أشياء جديدة لبعض الوقت".

تنهدت لأنّني تنبأت بهذا العتاب منذ لحظة عبور أمّي الباب وأجبتها بالهدوء ذاته الذي درت به المحادثة كلها: "وأنا كذلك. فكما شرحت لك في حينه ليس هذا أحد تلك الاختراعات. إنه ثوب أريده لاستخدامي الشخصي وراحي لا شيئاً مصمماً للتجارة".

توقفت برهة لأضع سلة الخياطة جانباً وأتابع: "وحتى لو أردت لكان أحد أصعب الأشياء تجارة التي يمكنني تخيلها. لأنه بخلاف ممسحة الأرضيات ليس هذا غرضاً يصنع بالطريقة نفسها للجميع. يجب أن تناسب كل قطعة المقاسات الدقيقة للشخص الذي سيرتديها لذا يجب أن تُصنع خصيصاً وما صُنع لليانhua بالكاد يناسب أيّ شخص آخر. ليس هذا بأيّ حال نوع الاختراع الذي يمكن لأحد أن يقים به عملًا مربحًا".

صمتت أمّي متفكرة في كلامي بتعبير لم يعد عتاباً بل حساباً ذاك الذي ترتديه حين يمنحها ما قلته ما تفكر فيه. وبينما أراقبها وهي تتفكر في كلامي قررت أن أطرح عليها السؤال الذي دار في رأسي برهة لأنّه بعد هدوء الاضطراب الأول أدركت أنّ ثمة ما لا ينطبق تماماً. لا تعادة تظهر أمّي في غرفة الدراسة في هذه الساعات وحين تريد التكلم معي يكون المعتاد أن ترسل جارية أو ليانhua لتجلبني.

ومجيئها بنفسها ماشية طوال هذه المسافة بدل استدعائي يعني أن ما حملها ليس أمراً هيّناً.

قلت لها تاركاً الخياطة للحظة: "يا أمّي لأيّ شيء جئت حقاً؟ إذ كان بإمكانك إرسال من يجلبتي بدلاً من مجيئك بنفسك طوال الطريق إلى غرفة الدراسة".

يبدو أن سؤالي أخرج أمّي من تأملاتها لأنّها هزّت رأسها قليلاً كأنّها تدفع الأفكار التي أثارها كلامي السابق وتسمّرت نظرتها عليّ بجدية متجددة.

قالت لي: "أنت محقّ لم آت للمتعة. جئت لأن عليك الاستعداد. على الرغم من كل الجهود التي بذلتها طوال هذا الشهر الأخير لتأجيله أو منعه قرر الـهوبو في النهاية استدعاءك لجلسة عاجلة".

عقدت حاجبّي لسماعها فمن بين مؤسسات الإمبراطورية التي قد تريد مني شيئاً لم يكن الـهوبو في صدارة قائمتي تماماً فالـهوبو هو أكثر أو أقل ما كان ليكون في حياتي الأخرى وزارة مالية وصناعة دُمجتا في المؤسسة نفسها. فهي تتعامل مع الضرائب والإحصاءات والمخازن والعملة وبطبيعة الحال كل ما يتعلق بإنتاج الإمبراطورية وتجارتها واسعة النطاق.

سألتها دون إزعاج نفسي بإخفاء حيرتي: "لعنة الـهوبو تريدني في ماذا؟ ولماذا هذه العجلة كلها؟".

اقتربت أمّي خطوتين إضافيتين واتكأت بيد واحدة على حافة مكتبي قبل أن تجيب: "الاستدعاء في الواقع يكاد يبلغ شهراً الآن. لكنّني كنت أحاول إبطاله حتى اللحظة الأخيرة ولم أُخبرك بشيء لئلا أُقلقك بلا داع طوال ما كان هناك أيّ احتمال لوقفه".

توقفت برهة وجيزة وحين عادت للتكلم لاحظت أنها تختار إحدى كلماتها بعناية متعمدة.

قالت لي: "السبب في رغبتهم بمقابلتك هو أن أحدهم ألقى ظلالاً من الشك عما إذا كان بمقدور شابة في سنّك ابتكار هذا العدد من الاختراعات المفيدة واحدة تلو الأخرى بنفسها. ومن هذا الشك صِيزغت تهمة محددة تماماً".

وهنا أطلقت أمّي شخيرًا صغيراً قبل أن تتابع: "يؤكدون أن اختراعاتك الأخيرة لم تُبتكر من قبلك بل طورتها نقابات التجار المسؤولة عن بيعها. بحيث يستخدمون اسم الـشاوخوان فحسب ليحتموا بمصالحهما التجارية تحت حماية مرتبتك".

شخرت مقلداً أمّي فور انتهائها من الكلام فالتهمجة خرقاء بقدر ما هي وقحة.

قلت بمسحة سخرية لم أكلف نفسي عناء احتوائها: "إذن قرر أحدهم أن ينسى المعداد براحة تامّة. وكل ما تلا ذلك ليخلص فجأة إلى أن النقابات تستخدمه كغطاء لي. من قبل ابتلاع قصة كهذه متجاهلاً مسيرتي فهو إما أحمق كامل أو قبض رشوة دسمة. وبصدق أميل إلى الأخيرة".

هزّت رأسي وتابعت فالنتيجة تبدو لي الأوضح.

أضفت: "ثم إذا كان يقلقهم الأمر لهذه الدرجة فلهم طريق أسهل بكثير لتجلية شكوكهم. يمكنهم سؤال شيخ طائفة سيئ الأدب ليس لديه أدنى شك في أنني من ابتكرها. وإن أرادوا فليذهبوا للبحث عنه ليخبروه في وجهه بأنه مخطئ. لنرَ من يجرؤ".

لكنّ أمّي بعيداً عن التشجيع بالاقتراح هزّت رأسها ببطء.

قالت لي: "الفكرة جيدة يا وين ولن أنكرها. في الواقع ذكر الشيخ فِنغ سيحرّرك من التهمة فوراً لأنه ما من عاقل يجرؤ على معارضة شخص بمكانته".

وتابعت ويصبح صوتها أكثر جدية: "لكن لهذا السبب بالتحديد هي ورقة لا يُنصح بلعبها ما لم يكن لدينا مفر آخر. إحضار الطائفة للنور سيجذب انتباهها إليك وهذا تماماً ما يهمنا تجنبه حالياً كما أخبرتك مر مرّات. لا يمكننا استدعاء تنوين فقط لإخافة بضع ذبابات".

تنهدت لأنني أعرف أنها محقّة وبهذا الطريق المُستبعد تمسكت بالذي يليه الذي خطر ببالي.

قلت: "حسناً لا طائفة. ألا يمكننا اللجوء إلى أبي ليحل الإمبراطور الأمر بضربة واحدة؟ لديه من السلطة ما يكفي لذلك".

هزّت أمّي رأسها مجدداً هذه المرة بسرعة من فكر في هذا الاحتمال مسبقاً واستبعده.

قالت لي: "تحدثت في الأمر مع الإمبراطور. ووصلنا كلانا إلى النتيجة نفسها وهي أن تدخله قد يكون أسوأ من عدم فعل شيء".

وقبل إيماءة عدم الفهم التي هربت مني شرحت نفسها.

وتابعت: "إذا تدخل الإمبراطور شخصياً للدفاع عنك يمكن للطرف الآخر قلب الأمر واستغلاله لصالحهم. يمكنهم الادعاء بأنّه إذا اضطر الإمبراطور نفسه للظهور لحمايتك فلابد أن التهمة كانت ذات أساس وهناك ما يخفى. سيحولون دفاعك إلى دليل ضدك ويزيدون صدى الأمر ويمرّرون سلسلة تحركات ستنتهي بإضرار الأعمال المعتمدة على اختراعاتك. أحياناً يكون الدفاع عن شيء بقوة مفرطة أفضل طريقة ليؤمن الجميع بأن السبب الابتدائي كان حقيقياً".

أطلقت تنهيدة طويلة واتكأت للوراء في الكرسي بينما أجمع القطع معاً وحين فعلت ذلك اتضح للرسم توقيع أعرفه تماماً.

سألتها ورغم أنني كنت أتلمس الإجابة: "يا أمّي. أهي فِيه لان من قدمت التهمة؟".

أجابتني أمّي: "ليس بشكل مباشر. من حرّك الأمر للجمهور كن مجموعة صغيرة من موظفي الـهوبو. لكنّني واثقة تماماً أنّه هي التي تقف خلفه تسحب الخيوط دون أن تدع نفسها ترى".

جعلني هذا أميل رأسي فلثمة ما لا ينطبق تماماً.

اعترفت: "حسناً لا أفهم ذلك. من الواضح أن التهمة واهية وأن ازدهارها سيكون صعباً. أستطيع الدفاع عن نسبة اختراعاتي دون جهد كبير. فما الذي تكسبه فِيه لان بمهاجمتنا بطريقة لها هذا القدر من الفرص للخروج بشكل سيء بالنسبة لها؟".

رسمت أمّي ابتسامة لا فرح فيها تلك الابتسامة المتعبة التي ترتديها حين تشرح لي واحدة من قسوات القصر العديدة.

قالت لي: "الفوز بالقضية ليس ما تسعى إليه يا وين. ما تسعى إليه هو زرع الشك. والشك متى زرع صعب إزالته تماماً مهما بَرِئت رسمياً لاحقاً. يبقى دائماً من يتذكر أن تحقيقاً فُتح وأن حيث كان هناك حريق يبقى رماد".

صالبت ذراعيها قبل أن تتابع: "وهذا الشك يحدث خدشاً في سمعتنا. من الآن فصاعداً أيّ شخص يفكر في الارتباط بك لأحد اختراعاتك القادمة سيعلم أنّه بذلك يعرض نفسه للشكوك نفسها لأنه لمن أراد إيقاع الأذى به يكفي تحريكها مجدداً لتلطيخ شركائك أيضاً. لذا سيفضل الكثيرون ببساطة عدم المجازفة والبقاء على الهامش. يكلف فِيه لان أرخص بكثير تلويث اسمك مرة واحدة من قتالك كلما اخترعت شيئاً جديداً".

وبينما أستمع إلى أمّي استقرت القطعة الأخيرة في مكانها بنقرة تكاد تُسمع داخل رأسي. لأنني أرى الأمر بوضوح الآن. لا تنتظر فِيه لان حتى الفوز بهذه المعركة فليس لها حاجة بذلك. كل ما تنويه ترك بقعة صغيرة لكن دائمة على سمعتي ظل كامن تستطيع تنشيطه لاحقاً حين يناسبها وعليها تواصل بناء شيء آخر. ليست ضربة بل بذرة. تحرك طويل المدى صبور وبارد يليق بمن أمضت ثمانين عاماً تلعب هذه اللعبة وتستطيع تحمل بذخ انتظار الوقت الذي تحتاجه الثمار ليطول نضجها.

تلك المرأة تبدو لي مزعجة بصراحة. ولكن للأسف بالنسبة لي ليست حمقاء والاعتراف بذلك هو أكثر ما يغضبني من بين كل شيء. هزّت رأسي لأدفع الإعجاب الممتعض الذي تسلل وسط السخط فسيكون عندي وقت لكره فِيه لان بهدوء لاحقاً إذ توجد الآن مشكلة أشد إلحاحاً يجب حلها.

قلت لأمّي بحزم: "حسناً. لا تقلقي بشأن التهمة إذ يمكنني الدفاع عن نسبة اختراعاتي بسهولة. لكن للقيام بذلك عليّ أولاً الاستعداد وارتداء ملابسي بشكل لائق. لا نية لدي لتقديم نفسي أمام الـهوبو بملابس يومية مهما كرهت ملابسي الرسمية".

طمأنتني أمّي: "لديك وقت. الجلسة ليست قبل منتصف النهار. في الواقع بالتحديد لتكون لديك مساحة وفيرة للاستعداد جئت لأخبرك فور تلقي رفض الـهوبو القاطع هذا الصباح لإلغاء المثول".

ابتعدت عن المكتب وسوّت ملابسها بحركة أنيقة قبل أن تضيف الأمر الأخير: "حين تفرغين تعالي لتجدينا. لأنه على عكس بعض مفتشي اليوشيتاي يتبع الـهوبو القواعد. وتقول القواعد إنّه بما أنك ما زلت قاصراً فلا يمكنهم مقابلتك وحدك. ستذهبين مصحوبة وسأكون إلى جانبك طوال فترة المثول بأكملها".

أخرجت ذكرى اليوشي شوان ووظيفته المسرحية الصغيرة في غرفة الدراسة للرُوِيي جونينغ نصف ابتسامة مني وأومأت ممتنة للفرق.

قلت لها: "لا تقلقي يا أمّي. سأكون جاهزة حالاً".

أهدتني أمّي نظرة أخيرة واحدة من تلك التي تختلط فيها القسوة بعاطفة نادراً ما تضعها في كلمات ثم استدارت. لينغشي التي شهدت المحادثة كلها بصمتها المعتاد فتحت لها الباب وتبعتهما للخارج. وما إن صمتت غرفة الدراسة مجدداً حتى بقيت مفكرة برهة مستعرضة عقلياً أفضل طريقة لمواجهة المثول واتضح لي تماماً من أين أبدأ.

قلت منفتلة نحو ليانhua التي استعادت هدوءها تماماً الآن بعد مغادرة أمّي: "يا ليانhua. افتحي الصندوق الذي نحفظ فيه أوراقنا القديمة جميعها وأخرجي منه كل الاسكتشات التي احتفظنا بها. أريد اسكتشات ممسحة الأرضيات واسكتشات المطبعة وأيضاً اسكتشات حقيبة الظهر تلك التي لم نسلّمها لمكتب الشؤون العسكرية في حينه".

أومأت ليانhua دون حاجة لمزيد من الشروح وتوجهت نحو الصندوق المستقر في إحدى زوايا غرفة الدراسة. فتحته وانحنت فوقه وراحت تنقب لبضع لحظات بين محتوياته حتى وجدت ما تبحث عنه ثم اقتربت من الطاولة مجدداً. ولكن قبل ترك أي شيء فوقها أزالت أولاً سلة الخياطة التي لا تزال تحتل جزءاً كبيراً من المكتب جاعلة إياها تطفو في الهواء وإيداعها بحرية على الأرض لتفريغ السطح. وحينها فقط وضعت على الطاولة الخالية حزمة الأوراق التي أخرجتها من الصندوق.

جلب الأوراق نحوي ودققتها بسرعة. هناك أثر عملي كله ورؤيته تريحني أكثر مما توقعت. الاسكتشات الأولى الخرقاء لممسحة الأرضيات بشطبها وملاحظاتها الهامشية عن المواد النافعة وتلك التي لا تنفع إضافة إلى الاختبارات المتعاقبة التي قمت بها حتى أصبت نظام الإسفين والعارضة الذي صنعه النجار بسهولة. رسومات حقيبة الظهر التخطيطية بأشرطتها ومقاساتها. وأخيراً الصفحات التي راحت أنقل فيها المطبعة فوقها.

بخطي وحدي بالشكوك والأخطاء والتصحيحات التي لا يقترفها سوى من يبتكر شيئاً من الصفر حقاً وليس من يكتفي بنقل نتيجة منجزة سلفاً. أعدت تنظيمها بعناية من المحاولات الاستكشافية الأولى إلى النسخ النهائية بحيث يتمكن كل من يلقي نظرة عليها من تتبع خيط التفكير ورؤية مسيرة كل فكرة وهي تولد وتتعثر وتصحح نفسها بعينيه فشيء هو التأكيد بأنك اخترعت شيئاً وشيء آخر تماماً هو القدرة على إظهار الطريق الكامل الذي قطعته للوصول إليه.

قلت لليانhua بينما أضرب بضع ضربات راضية فوق كومة الأوراق: "بهذا وبالنظر إلى أنني قادرة على الإجابة عن أي سؤال قد يفكرون في طرحه حول كيفية عمل كل من هذه الاختراعات ولماذا اتخذت كل قرار سيكون أكثر من كاف لتجاوز هذه التهمة دون مشاكل كثيرة. فليسألوا عما يرغبون فيه. يصعب اتهام شخص بأنه محتال وهو يعرف عمله أفضل من أي شخص في الغرفة".

تركت الأوراق مكدسة جيداً على الطاولة والتفتت نحو ليانhua بابتسامة خفيفة.

قلت لها: "والآن ألبسيني. كلما أسرعت في الذهاب لإيجاد أمّي انتهينا من هذا الأمر المزعج عاجلاً. وبصراحة لدي اليوم أشياء أمتع بكثير لأفعلها من الذهاب لإثبات أنني أعرف كيف أجمع لمجموعة من الموظفين المرتشين".