أتأمل الفراغ الذي تشكّل داخل تشكيلة جمع الطاقة. بوابة اليين التي ظللت أمتصّها دون توقف مع تفعيل الرنين أدّت عملها. النتيجة كالعادة مساحة خاوية عملياً. تظهر فيها بضع جسيمات فحسب هنا وهناك. تقترب بتوجّس من حافة إدراكي في تيار أوهن من أن يستحق الاسم. لذا وبدون سبب يطيل الجلسة وقبل أن تمتص طاقة أحجار الروح، أُعطّل بوابة اليين. ثم أُذيب رصْد الطاقة الحيادية في عقلي فأُعطّل الرنين.
أبقى لحظة أتأمل الفراغ الذي تشكّل في تشكيلة جمع الطاقة. تلك الفسحة التي مهما اجتهدت التشكيلة فستستغرق وقتاً طويلاً لتمتلئ مجدداً. أُطلق تنهيدة أخرى هذه المرة ليست عقلية فحسب إزاء هذا المشهد. ثم أُوقف تركيزي فتظهر الغرفة أمامي مجدداً. لينهوا التي تعرف إيقاع جلساتي أفضل مني على الأرجح قد شرعت في الحركة قبل أن أفتح عيني تماماً. أراها تقترب من مكان حراستها بجانب الباب بخطوتها المنتظمة التي لا تتغيّر أبداً.
تنحني فوقي وتحيطني بذراعيها بسسهولة من كرّر هذه الحركة آلاف المرات وترفعني من الكرسي المنخفض لتضعني في الكرسي ذي العجلات حيث تنزلني بعناية. وبينما تفعل ذلك يتجه بصري تلقائياً نحو التشكيلة. لا تزال نشطة رغم عدم وجود من يستخدمها. ومثل كل مرة أُلاحظ فيها ذلك التفصيل لا أستطيع منع فكرة مزعجة عن التكلفة من الإفلات مني. فإضاءة التشكيلة طوال اليوم سواء أُستخدمت أم لا تعني تيارات مستمرة من أحجار الروح التي تُصرف لتغذيتها.
والجزء العقلاني من رأسي يصرّ على تذكيري بأنها نزيف مستمر للموارد. لكن مهما أزعجتني الفكرة فأنا أعلم تماماً أنه لا بديل. بقاؤها نشطة باستمرار هو الطريقة الوحيدة ليعمل النظام بأسره. فوحدها هكذا تجمع طاقة كافية لأتمكن من الزراعة، ولتتمكن لينهوا من الاستفادة منها لمواصلة التقدم في زراعتها في أوقات فراغها، إضافة إلى وجوب شغْل شيا لها كل صباح لكي تُبقي شوائب زراعتها أمام أي ناظر قصة مقنعة ومريحة بأنني أنا من يطلقها.
لذا فالتكلفة مهما ثقلت عليّ هي ثمن الكذبة. والكذبة حتى الآن تظل أرخص من الحقيقة. مع ذلك الرضوخ لتكلفة ضرورية شيء وترك تلك التكلفة تفاجئك شيء آخر. أمر أرفضه رفضاً قاطعاً. لذا وما إن انتهت لينهوا من ترتيبي حتى رفعت نظري إليها.
"ينهوا"
قلت لها.
"أظن أنه حان الوقت لنفكر في شراء المزيد من أحجار الروح".
نظرت إليّ دون أن يتبدل تعبير وجهها قط بينما تنتظر أن أتابع كعادتها.
"لسنا في ضيق كما تعلمين"
أوضحت فوراً.
"لا تزال لدينا احتياطيات وفيرة للغاية لذا لا عجلة أبداً. لكن لهذا السبب بالتحديد أُفضل العناية بالأمر الآن وبهدوء بدل انتظار بلوغ الحد والاضطرار للشراء باستعجال. أودّ دائماً الاحتفاظ بصندوق سليم للطوارئ ولا يتحقق ذلك إلا بالاستدراك قبل نفاذها".
تومئ لينهوا ببطء تزن كلماتي وترد أخيراً بتلك النبرة المقاسة التي تبدو كل جملة فيها مراجعة قبل النطق.
"إنه تدبير حصيف يا ژاوحوان وين"
قالت لي.
"مع أنني يجب أن أحذّرك من أنني أستطيع الحصول عليها بمفردي وليست مشكلة. لكن أحجار الروح الموجودة في السوق باهظة وليست نادرة فحسب بل شحيحة. لا يصل التجار العاديين إلا النزر اليسير وغالباً ما تقرر عائلات النبلاء أو الحكومة عرضهه للبيع حين تحتاج لجمع أموال بهدوء لذا فالسعر مرتفع دائماً".
"إذن الشراء من السوق ليس الفكرة الأفضل"
استنتجت متابعاً الخيط.
"ليس كذلك"
أكدت.
"لهذا أجرؤ على اقتراح مسار مختلف. والأرجح أن تطرح الأمر على السيدة شيانغ. فهي تتحرك في دوائر البلاط والنبلاء الكبار. وهناك تتداول أحجار الروح بسعر معقول أكثر والأهم دون أن تثير الصفقة أدنى انتباه. شراء تتمه هي سيممر تماماً دون ملاحظة بينما نفس الشراء مني سيكون بالضبط نوع التصرف المستحسن تجنبه الآن".
أتأمل الأمر لحظة لكن الحقيقة أنها محقّة تماماً ولا يخطر ببار ضده سوى عناد مني بحت.
"أنت محقّة"
اعترفت.
"إذن سأتحدث مع أمي. متى سنحت اللحظة المناسبة لأطرح الموضوع بهدوء سأذكره لها ونرى ما تستطيع فعله".
تحني لينهوا رأسها معتبرة الأمر منتهياً وفي تلك اللحظة بالضبط أسمع طقّات على الباب تتبعها صوت أعرفه جيداً مكيّف بكل رسمية تطيقها.
"ژاوحوان وين"
قالت شيا من الطرف الآخر.
"ألي إذن بالدخول؟"
لا أستطيع منع ابتسامة من الإفلات مني ففي التناقض بين تلك الرسمية الشائبة والشخص الذي أعرفه تماماً ينطق بها متعة بالغة.
"إنها تزداد انضباطاً كل يوم"
علّقت لينهوا بصوت منخفض.
"أدخليها".
تقترب لينهوا من الباب تسحب المزلاج وتفتحه كاشفة عن هيئة شيا التي انتظرت بالجانب الآخر بظهر مستقيم ويدين مجتمعتين بالوضع الدقيق الذي يفرضه البروتوكول. وما إن ينتهي الباب من الانفتاح حتى تخطو خطوة للأمام وتدخل وتهدين انحناءة مثالية كأنها مقتضبة من كتيب.
"ژاوحوان وين"
كررت محنية. أتنهد لرؤيتها فلم تعد فتاة تتصنع الجسارة بل شابة جعلت تلك الجسارة جلداً ثانياً وتنسى أحياناً خلعها حين تنتفي الحاجة.
"شيا"
قلت لها.
"نحن وحدنا هنا. لا حاجة لكل هذا الجهد".
ترفع رأسها وما إن تتقاطع عيناها مع عينيّ حتى يتشقق قناع الخادمة المثالية من زاوية وتطل تحته الابتسامة المشاكسة التي عرفتها طوال عمري.
"لا يدر المرء من يسمع يا ژاوحوان وين"
ترد عليّ دون التخلي تماماً عن اللقب ومستمتعة بذلك جلياً. أرفع يديّ الاثنتين بلفتة استسلام تام.
"حسناً حسناً أنت الفائزة"
قلت لها.
"استسلمت. افعلي ما تشائين".
"على العموم لدي أشياء لأقوم بها لذا أترك لك المكان"
أضفت تالياً وأنا أشير لينهوا ببدء استدارة كرسيي نحو الباب.
"المكان كله لك".
"لا تقلق يا وين"
ترد شيا.
"لدي ما يكفي من الممارسة الآن".
"أعلم"
قلت لها وصحيح أنني أعلم فقد قضت شهوراً تدخل وتخرج من هذه الغرفة بعفوية من يعدّها نصف ملكه ثم التفتّ نحو لينهوا.
"خذيني إلى غرفة الدراسة"
طلبت منها. تدفع لينهوا كرسيي ونغادر غرفة التشكيلة ون خلفنا أسمع صوت المزلاج ينزلق لمكانه بينما تغلق شيا الباب وتبقى بالداخل مستعدة لبدء جلستها ولمواصلة إسناد الكذبة التي ترتكز عليها ججل طمأنينتي. الرحلة إلى غرفة الدراسة قصيرة وما إن صرت بداخلها حتى لم أكلّف نفسي عناء طلب إغلاق المزلاج من لينهوا فما أنوي فعله الآن لا صلة له بالزراعة. بدلاً من ذلك أوجّه بصري نحو سلة الخياطة المستقرة فوق المكتب وأفتحها لأشرع بالتنقيب عما أبغيه.
"ينهوا"
أعلنت بينما أبقي اختراعي داخل السلة.
"لقد انتهيت أخيراً من نموذج الثوب الذي كنت أعمل عليه منذ فترة".
تقترب لينهوا خطوة مهتمة وأتابع لوجود عقبة يجدر توضيحها منذ البداية.
"المشكلة أنني لا أستطيع قياسه الآن"
أوضحت لها ودون إضافة السبب.
"لذا ومع أسفي الشديد سيتعين عليك أنتِ تجربته".
تطلق لينهوا تنهيدة خفيفة من اللواتي تخصصهن لنزواتي وتنحي بصعوبة.
"كما تأمر يا ژاوحوان وين"
ترد باستسلام وديع يبدو كأنه عادة. وهنا أعترف لا أستطيع المقاومة. أنظر إليها مطولاً أدع أخبث ابتسامة في جعبتي تظهر على شفتي وأطلق الجملة بكل براءة مصطنعة يمكنني جمعها.
"ممتاز"
قلت لها.
"لأنك لأجل ذلك ستضطرين للتعري".
يهبط الصمت على غرفة الدراسة دفعة واحدة مفاجئاً وكاملاً لدرجة أنني أكاد أسمعه. تبقى لينهوا ساكنة تماماً وتنظر إليّ وأعرف تلك النظرة فوراً فهي نظرة من يراجع عقلياً للتوّ ما سمعه ليتأكد من سماعه بدقة وأنه ليس مزحة أو فخاً. حين رأيت أثر كلماتي قررت أنني استمتعت بما يكفي على حسابها وصرت أكثر جدية لتوضيح سوء التفاهم قبل أن تبدأ المسكينة بجدية بتقدير أي نوع ثوب مستحيل جهزته لها.
"لست مضطرة للتعري بالكامل"
خصصت.
"فقط من الخصر صعوداً بما أن الثوب الذي صنعته صُّمِّم ليحل محل الـ شيي وللتحقق من عمله أحتاج لخلعه وارتداء هذا مكانه".
تغمض لينهوا عينها لحظة وتطلق تنهيدة أخرى هذه المرة بصبر خالص ودون مزيد من التعليقات تبدأ بالتعري وإن كانت تعتني بالجزء العلوي فقط مزيلة بحركات كفيلة الملابس الخارجية حتى يبقى الـ شيي وحده محيطاً بجذعها. وبينما أراها تفعل لا أستطيع منع تفكير نحو إحباطي الأبدي فهم هنا لا يملكون حتى الدودو القطعة الأبسط بل الـ شيي الأقدم إلى حد ما والتي تمثل في جوهرها نوعاً من المشد المسطح شريط قماش يضغط الصدر للجسم دون أدنى اعتبار لشكل أو راحة مرتديه.
بالنظر إليه اتضح لي جلياً أن التحزم به لا بد يبدو قريباً من تحزم الصدر بأشرطة قماش كما يفعل أبطال أي شونين يستحق احترامه ونتيجته رغم أداء غرضه عذاب. وتلك القناعة تحديداً قادتني قبل فترة للبدء بتقليب البديل الذي أحمله الآن بين يديّ. حين أنهيت تفكير بكل هذا كانت لينهوا قد انتهت من نزع الـ شيي وباتت عارية من الخصر صعوداً وألاحظ أن كفّيها رغم حفظ هدوئهما كالعادة اصطبغتا بحمرة خفيفة تؤكد لي أن غرائبي هذه المرة بالذات تبدو محرجة لها أكثر من المعتاد.
لذا وحتى لا أطيل اللحظة أخرجت أخيراً الثوب المنجز من سلة الخياطة وأريتها إياه. يبدو ظاهرياً وجوهرياً حمالة صدر وإن تطلب الأمر تنازلات ليست قليلة للمواد المتوفرة لدي. فلم أستطع الحصول على ما يشبه سلكاً معدنياً مرناً لمنح الكوبين شكلاً دون غرز فاستبدلته بالقنب المعالج حتى صار بصلابة لينة. زد على ذلك استبعادي القاطع لأي محاولة لجعلها قابلة للتعديل فدون مادة مطاطية يستحيل الأمر والباقي صنعته من الحرير ليكون ملمسه مريحاً قدر الإمكان على الجلد.
وأخيراً ولإحباطي اضطررت لجعلها تربط من الخلف بعقدة فربطها أبسط بكثير من ابتكار مشابك قابلة للتعديل بالخلف مع اعتبار أن الـ شيي تربط هكذا ولا يشكل فارقاً كبيراً عن النظام الحالي. تأخذها لينهوا حين أمدّها بها وتفحصها بحاجب مقطب تقلبها بين أصابعها دون إدراك تام لما بين يديها. ومن باب الشفافية وبما أنه لا يبدو منصفاً طلب تجربتها دون دراية بما هيّته، كلّفت نفسي بشرحها بهدوء محترساً من إفلات أي مصطلح حديث ومترجماً كل فكرة للغة تتوافق وعادات هذا المكان.
"إنها قطعة داخلية صُمّمت لدعم الصدر دون تسطيحه"
قلت لها.
"فبدل ضغطه كله نحو الجسم كما يفعل الـ شيي تجمعه وتحمله مانحة إياه مساحة بحيث لا يتحرك حين لا ينبغي ولا يبقى مضغوطاً. هذان الجزآن المجوفان هما ما يغلف كل ثدي وهذه الأشرطة تحمل الثقل على الكتفين وهذا الحيط يُربط بالخلف لتبقى القطعة كلها بمكانها".
تستمع لينهوا للشرح بانتباه وتنظر مجدداً للثوب بعينين مختلفتين بعد معرفة ماهيته وتأخذها استعداداً للتجربة وإن اتضح قريباً غياب أي فكرة لديها عن البدء بارتدائها وهو مفهوم كلياً لكونه شيئاً لم تره قط. لذا رحت أرشدها خطوة بخطوة مبناً كيفية إمرار الذراعين وكيفية استقرار كل جزء بمكانه وبالترتيب الصحيح وبعد بعض التردد والتعديل العرضي نجحت أخيراً في ارتدائها بشكل صحيح وعندها جلبَت يديها لظهرها وربطت حبل التثبيت بعقدة متينة وإن لاحظت ككلفتها لصعوبتها لارتفاعها عن الوضع العادي للـ شيي.
أراقبها بعين ناقدة مقدماً النتيجة كأي اختراع آخر والاستنتاج الذي توصلت إليه أنه لنموذج أول مصنوع بالعين وبموارد مرتجلة لم يخرج سيئاً قط.
"كيف تشعرين بها؟"
سألتها دون توقف عن دراسة تناسبها.
"أتشعرين بأي إزعاج؟ أسأل لأنني لم آخذ قياساتك قبل البدء لذا جزء الصدر كان عليّ حسابه بالعين وهناك تحديداً يحتمل إزعاجك".
تتنظر لينهوا لنفسها تدير جذعها قليلاً لاختبار حركة الثوب وتفكر لحظة قبل الرد.
"ما يبدو أغرب هو طريقة احتضانه"
قالت أخيرًا منتقية كلماتها بعناية معتادة.
"تعودت تسطيح تلك المنطقة وبدلاً من ذلك يحملها بطريقة لست معتادة عليها. لكن بعيداً عن غرابة الأمر فأقول لا مشكلة سوى صعوبة عقدة الظهر لارتفاعها".
أومأت برضا فتلك تماماً الإجابة التي توقعتها.
"هذا جيد"
قلت لها.
"لكن بما أننا هنا اقتربي لحظة أريد التحقق من أمر. إن كان جزء تجمع الصدر مصمماً جيداً فيجب أن يتلاءم بإحكام دون ترك فجوات أو غرز بأي حافة وأفضل التحقق من ذلك قبل اعتماد النموذج فالأفضل معرفة الحاجة لإعادة الكوبين الآن وليس لاحقاً".
تقترب لينهوا مطيعة وأميل للأمام لمراجعة ملائمة الثوب متأكداً بعناية من استقرار حواف الكوبين حيث ينبغي دون تجاعيد أو مساحة زائدة مسجلاً عقلياً التعديلات الطفيفة للإصدار القادم. كنت بمنتصف الفحص مركزاً كلياً على الخياطة وما إن كان ذلك الخط هنا مشدوداً جداً حتى انفتح باب غرفة الدراسة على مصراعيه بلا سابق إنذار.
"وين أردت إخبارك..."
بدأت أمي القول وهي تدخل بثقة من اعتادت حضور غرفتي دون إعلان لكن الجملة بدأت وانقطعت منتصف الطريق. ولم أكن بحاجة لرفع بصري لأدرك الفوري السبب فقادر تماماً على تخيل المشهد تماماً كما ظهر لعينيها مع ابنتها المنحنية للأمام بيديها الموضوعتين على صدر فاي يي تقف أمامها عارية تقريباً من الخصر صعوداً. ساد صمت تام غرفة الدراسة وبقيت أمي مسمّرة بالعتبة وفمها نصف مفتوح بمنتصف الكلمة وعيناها مثبتا علينا وبتعبير لا أعرف وصفه سوى أنه لشخص توقف عقله تماماً بانتظار التعليمات.
وأنا بين ذلك لا أستطيع تجنب الفكرة الوحيدة العابرة لعقلي بوضوح تام بهذه اللحظة الدقيقة وهي أنني لست بأي نوع أنيمي كوميدي رومانسي لأجد نفسي ببطولة هذا النوع من المشاهد تماماً.