يسري في عروقي شعور بالانتصار، وهو شعور مبالغ فيه بعض الشيء تجاه ما ليس في النهاية سوى قطعة ورق بسيطة، بينما أملي ناظري في تميمة الحماية الأولى التي أتممتها على الطاولة. وبعد تردد لم يدم سوى ومضة، التقطتها بحذر لأخفيها بين طيات ثيابي، عازماً على الاحتفاظ بها تذكاراً لكونها الأولى التي أنجحت صنعها. ثم إن الأمر شيء أن ينجح المرء صدفة مرة، وشيء آخر تماماً أن يكون قادراً على تكرار ذلك، فأخذت ورقة أخرى لأتأكد من أن الأمر لم يكن محض حظّ.
وأخفت مجدداً، فأطلقت زفرة دون تفاجؤ يُذكر، وحاولت مرة أخرى. وكما لم يتفاجأ أحد، وأنا أولهم، أخفقت مجدداً، فواصلت المحاولة. ولحسن الحظ، نجحت في المحاولة الخامسة أخيراً في دفع طاقة تشي لتتغلغل في الحبر كما ينبغي، وتمكنت من إتمام تميمتي الثانية لحاجز الهواء. تأملتها بفخر هذه المرة سمحت لنفسي بإظهاره، وقررت فوراً أن هذه الثانية ستكون من نصيب ليانحوا. ففي النهاية، بما أنني صانع تمائم حواجز الهواء، فمن الإنصاف تماماً أن تكون الشخص الوحيد الذي يستفيد منها هي الأجدر بها وقت الطوارئ.
وحينها، بينما كنت أنحي التيممة الثانية جانباً وأهمّ بأخذ ورقة أخرى، انتبهت فجأة لتفصيل جعلني أقطب جبيني؛ فقد غابت ليانحوا ولم تعُد. أجريت حساباً سريعاً وأدركت أن أربع أو خمس ساعات على الأقل قد مضت منذ ذهابها لإبلاغ معلمي، وأن استغراقها كل هذا الوقت في أمر قامت به آلاف المرات لا يعد طبيعياً بأي حال. تصاعد القلق في داخلي كمدّ صامت، لكني قررْت أن التحقق مما يجرى أفضل من الاسترسال في أسوأ الاحتمالات، لا سيما بعد محادثتي المبطنة بالكآبة مع أمي أثناء الفطور.
تصرّفت بسرعة وأعدت الحبر والفرشاة وما تبقي من رزمة الأوراق إلى الصندوق بأقصى سرعة، مع كومة الرماد الصغيرة التي جمعتها بيدي قدر المستطاع، لأغلقه وأتركه في ركن المكتب. ثم وجهت انتباهي نحو المزلاج، وبقبضة التنين، سحبته للخارج مجدداً لتصبح الباب قابلة للفتح من الخارج. وأخيراً، التقطت الجرس الصغير الذي أستدعي به ليانحوا وأخذت أرجحه. انتظرت، لكن الوقت مرّ ولم يأتِ أحد.
قطبت جبيني وأعدت قرعه، لكن هذه المرة بإصرار أكبر، مهزوزاً حتى أصبح رنينه قريباً من عدم اللياقة. وأخيراً، بعد برهة، فتح الباب وظهرت خادمة انحنت فور رؤيتي، لكنها لم تكن ليانحوا، وما هذا إلا مؤكد، بدلاً من أن يطمئنني، أن شيئاً غير عادٍ قد حدث.
سألت الخادمة بلا مقدمات: "أين ليانحوا؟"
أجابتني الفتاة بصوت حذر لمن يعلم أنه ينقل خبراً قد لا يسرّ سامعه.
قالت لي: "لقد غادرت فاي يي ليانحوا الجناح منذ وقت ليس بقليل يا زهاوهوان. خرجت على عجالة بعد تلقيها رسالة من شانغشو".
زادني ذلك تقطيباً وأنا أحاول استعراض أسباب رسالة من شانغشو، وتحديداً تلك التي تدفع ليانحوا للمغادرة بهذه السرعة. لكن لم تخطر ببالي أي إجابة تريحني تماماً، ناهيك عن تفسير لتأخر ليانحوا طوال تلك الساعات. وبدون معلومات إضافية وما من يد حيلة في الوقت الحالي، لم يكن أمامي سوى ابتلاع قلقي.
قلت للخادمة: "حسناً، يمكنك الانصراف".
انحنت الخادمة مجدداً وغادرت، مغلقة الباب خلفها. لفظة قصيرة فكرت في العودة لتدريب التيمائم لأشغل نفسي، لكني طردت الفكرة فوراً لعلني أدرك تماماً أن تفكيري المعلق بليانحوا وما قد يريده شانغشو منها لن يمكنني من ضبط طاقة تشي بالاستقرار الكافي لئلا أحرق ما تبقى من الرزمة إلى رماد. لذا، وبدلاً من ذلك، استدعيت صندوق الخياطة الذي جاء يطفو بطاعة نحو يدي، وشرعت في مقارنة الخامات المتاحة بينما أفكّر في أيها البديل الأنسب لما أنويه، والأهم، كيف أنفذه بالطرق اليدوية المتاحة.
كنت منغمساً في ذلك، بقطعة قماش في يد ونصف دستة حسابات مستحيلة في رأسي، حين سمعت أخيراً طَرقات خفيفة على الباب وصوت ليانحوا من الخلف.
قالت: "أنا هي، زهاوهوان وين. هل ندخل؟"
لاحظت فوراً صيغة الجمع التي تفضح دون شك قدومها بصحبة أحد، لذا وبعد نظرة سريعة لأتأكد من إخفاء كل ما قد يعد مريباً، رددت عليها بسرعة.
قلت لها: "ادخلي، الباب مفتوح".
فتح الباب ودلفت ليانحوا، لكن صورتها أدهشتني؛ إذ دخلت محملة بالكتب حتى ذقنها، بكومة شاهقة بالكاد تكفيها لرؤية ما أمامها. وخلفها، وكأن ذلك لم يكفِ، ظهرت عدة كتب أخرى تطفو بانتظام عبر الهواء، وخلف تلك الكتب الطافية، مختتمة الموكب، ظهرت خادمة أخرى محملة هي الأخرى بالمزيد من الكتب. رفعت حاجباً أمام هذا الاستعراض الكتبي، ورغم أنني لم أشتكِ قط من كثرة الكتب، إلا أن الكمية بدت لي هذه المرة، حتى بالنسبة لي، مبالغاً فيها بعض الشيء.
سألتها بفضول واضح: "ما حكاية كل هذه الكتب؟"
تقدمت ليانحوا خطوات نحو الداخل قبل أن ترد.
قالت لي: "سلمني إياها شانغشو. إنها رده على طلب تلقي دروس في إنشاء التشكيلات والتعاويذ".
بدأت أفهم سبب تأخرها.
شجعتها: "تابعي".
أوضحت ليانحوا وهي تبدأ بوضع الكتب في أماكن متفرقة من غرفة الدراسة، لأنها أكثر من أن تتسع لها الطاولة: "يبدو أن هذه هي التسوية التي توصل إليها. لن يوفر لك أي معلم، لكنه في المقابل سلّمك كافة الكتب التي قد تحتاجها للدراسة بمفردك. وحجته أنه إلى أن تفتح بوابتك الأولى، لا يليق تعيين معلم لك، لذا فهذه الكتب تتيح لك التقدم بمفردك حتى تلك اللحظة، والتي سيوفر لك فيها معلماً".
وبينما كانت تخبرني كيف تهرب شانغشو من طلبي، راحت توزع المجلدات بحذر في أرجاء الغرفة ثم أشارت بإشارة خفيفة للخادمة التي وضعت كتبها بدقة حيث أشارت ليانحوا، قبل أن تنحني باحترام وتغادر الدراسة بهدوء مغلقة الباب خلفها. وما إن اختفت الخادمة حتى بقيت لحظة أتأمل الكتب التي غطت الآن جزءاً معتبراً من أسطح الغرفة، ثم نظرت إلى الباب، وبإشارة ما كنت لأكلف نفسي عناءها عادة، جعلت المزلاج ينغلق من تلقاء نفسه بققبضة التنين.
ثم التفتُّ نحو ليانحوا، إذ بات واضحاً أن عليّ تغيير بعض الأمور.
قلت لها: "لقد حان الوقت لأعيد تنظيم جدولي. فبهذه الطريقة، لن أجد وقتاً لكل شيء. عليّ التدرب المتقطع ليتيح لوقت غرفة التشكيلات أن يتجدد، وممارسة آلاف الأيادي وقبضة التنين، وصنع التيمائم، وفوق ذلك إيجاد وقت لتطوير أفكاري الخاصة. والآن يضاف للقائمة قراءة كل هذا عن التشكيلات والتعاويذ".
قمت بحركة تشمل المكتبة الصغيرة التي غزت غرفة دراستي.
وأكملت: "وعلى الأرجح، حين أنتهي من قراءتها، سأبدء بالتطبيق بمفردي دون معلم يرشدني. فللحصول على واحد بالطريق الرسمي، وكما صاغها شانغشو، سأضطر لانتظار عدة سنوات، إذ إن أقراط المعلم مو تعني أن ظهور فتح بوابة يانغ لن يتضح إلا بعد سبع سنوات من استخدامها. لذا، إن انتظرت لحظة الإعلان علناً عن فتح بوابتي الأولى، فسأكون قد أضعت سنوات من الدراسة".
استمعت ليانحوا لكل ذلك باهتمامها المعتاد، وحين انتهيت، أومأت برأسها ببطء. أطلقت زفرة واتخذت القرار الذي كنت أفكر فيه منذ وقت، لكن الحدث الأخير جعله الطريق الوحيد أمامي بلا منازع.
قلت لها: "ليانحوا، أبلغي شانغشو أنني منسحب من دروسي الرسمية".
نظرت إليّ ليانحوا، وللمرة الأولى سمحت لومضة شك بعبور ملامحها.
سألتني: "هل أنت متأكد من أن هذه فكرة سيدة يا زهاوهوان وين؟"
رددت بلا تردد: "أنا متأكد. وأنت تعرفين ذلك مثلي تماماً. لقد مضى وقت طويل منذ أن أصبحت تلك الدروس مجرد مراجعة لا أكثر. لا أتعلم شيئاً جديداً في أي منها، أنا أكتفي بتكرار ما أعرفه بالفعل ليُسجَّل حضوري. وبما أنني لا أنوي التفرغ بجدية لأي من تلك التخصصات، فالأعقل هو الكف عن إهدار وقتي ووقت المعلمين".
وزنت ليانحوا كلماتي للحظة، ثم رمت بوجهي التذكير الوحيد الذي خطر ببالها.
أشارت قائلة: "أحد أولئك المعلمين هو غويفي شيانغ".
أجبتها بتهتف كتفي: "سأتعامل مع أمي بنفسي. حين أطرح عليها الحقائق كما هي، أشك كثيراً في أنها ستعترض. وأنا أعرفها، الأرجح أنها ستوافق أيضاً على أن الاستمرار في التظاهر أمر عبثي".
اكتفعت ليانحوا بالإيماء بلا تعليق إضافي، فاعتبرت الأمر منتهياً. وهناك، في تلك اللحظة بالذات، تذكرت، فالتقطت من فوق الطاولة تميمة حاجز الهواء الثانية التي نجحت في صنعها ومدرتها نحو ليانحوا.
قلت لها: "خذي، هذه هي التميمة الثانية التي نجحت في صنعها هذا الصباح. إنها لك".
تناولتها ليانحوا بحذر، وأمسكت بها بحرص وتأملتها للحظة بذلك الانتباه الدقيق الذي تنظر به إلى كل شيء، ثم رفعت نظرها نحوي.
قالت لي وفي صوتها نبرة أدركت أنها استحسان صادق: "أهنئك يا زهاوهوان وين. إن صنع تميمة فعالة في صباح واحد هو إنجاز لا يُستهان به".
رددت متهرباً، رغم أن استحسانها في داخلي ريحني أكثر مما قد أقرّ به بصوت عالٍ: "الأمر ليس بذلك القدر من الأهمية. لقد أحرقت كمية هائلة من ورق التمائم للحصول على هاتين التميمتين، لذا إن لم أحقق نسبة نجاح أفضل مستقبلاً، فسنجد أنفسنا قريباً بلا أموال مجدداً".
لم ترد ليانحوا على ذلك، لكني أقسم أن إحدى زاويتي شفتيها ارتفعت بمقدار مليمتر شحيح.
قالت لي: "لا تقلق يا زهاوهوان وين. بما أجنيه من بيع إحدى هذه التمائم، يمكن للمرء شراء ورق وحبر كافيين لتجري دزينة محاولات أخرى".
لم أكن قد سألت ليانحوا بجدية بعد عن الأسعار المحددة لشراء المواد وبيع التميمات، لكن تأكيدها بأن الحفاظ على حد أدنى من النجاح يكفي لاستمرار الدورة كان كافياً لي.
قلت لليانحوا: "يسعدني سماع ذلك. لقد رفعت عن كاهلي عبئاً بهذا".
وبعد تلك الكلمات، وجهت ناظري أخيراً نحو الكتب التي استعمرت غرفة دراستي.
قلت لها: "والآن، لاستراحة قصيرة من كثرة صنع التيمائم، أعتقد أنني سأبدأ قراءة شيء عن التشكيلات".
مررت نظري سريعاً على عناوين المجلدات القريبة، مستبعداً عدداً غير قليل منها مما تبين، من اسمائها وحدها، أنها كتب لذوي المعرفة المتقدمة في التشكيلات. لكن نظري استقر أخيراً على واحد بعينها.
قمت بإشارة صغيرة نحوه، فارتفع الكتاب بطاعة وطفح إلى يدي، بينما فكرت، بابتسامة لم أستطع كبحها، أنه لبدء من الصفر لا يوجد غالباً أفضل من كتاب عنوانه يكافئ إلى حد ما: "التشكيلات للمغفلين".