"وأي شيء قلتَ إنك سميتَ به هذا الاختراع العجيب؟"
تسألني شيوشي وينشوي بعد بضعة أيام، وهو يفحص المعداد الذي وضعته على الطاولة، معداداً على الطريقة الغربية بأربعة قضبان أفقية، لا المعداد الصيني التقليدي بثلاثة عشر قضيباً عمودياً.
"معداد، أيها الشيوشي وينشوي الجليل. واتتني الفكرة لتكون وسيلة تجعل العمليات الحسابية أكثر سهولة، فإحضار كومة من العصي للقي ن حسابات أمر مزعج، هذا فضلاً عن أنك تعرضها دائماً لخطر الانزلاق"، أرد وأنا أنظر إلى معلمي بزهو.
"وكيف يفترض به أن يعمل، مع أنني أظن أنني أدرك الفكرة العامة؟"
يتابع وهو يحرك عدة خرزات ملونة نظمتها على المعداد.
"اسمح لي أن أقدم عرضاً عملياً"، أقول لشيوشي وينشوي، وأشرع في إجراء حسابات عديدة تحت نظراته المتزايدة الاهتمام.
بعد برهة يوقفني ويسأل: "أيمكنني استخدامه لحظة لأرى بنفسي كيف يعمل؟"
أشير بيدي نحو المعداد: "أحضرته هدية، أيها الشيوشي وينشوي. هو لك تفعل به ما تشاء".
يرمش بضع مرات ويقفز واقفاً، ثم ينحني لي: "أنا ممتن للغاية لزهوهوان وين على هذه الهدية. وسأظل أذكرها طوال ما بقي من عمري".
يستقيم في قامة وهو يأخذ المعداد، ويقول لي: "زهوهوان، لك أن تفعل اليوم ما شئت. حسْبُك أن تطلب من رونُو ليانحوا أن تحضر لك أي كتاب ترغب في قراءته".
وبعد تلك الكلمات يسرع عائداً إلى طاولته بينما أشير لليانحوا لتتقدم.
تقترب ليانحوا وتقول لي: "أخبرتك أن هذا سيحدث، زهوهوان وين".
وأنا أراقب معلمي يبدأ بإجراء حسابات على المعداد ويقارنها بلوحة عصي العد، أرد: "عندما حدثتك عن فكرتي قلت لي إن نصف الأكاديميين في الغوتسيجيان يقتلون من أجل الوصول إلى اختراعي. لم أصدقك، لكن حُكْماً من رد فعل شيوشي وينشوي، يبدو أنك كنت على حق".
ألتفت إلى ليانحوا وأتابع: "لكن ما إن يراه المرء ويفهم الفكرة، حتى لا يعود نسخه بالأمر الصعب. يمكنهم صنع واحد متى شاءوا".
"لن يجرؤ أحد على فعل ذلك، زهوهوان وين"، ترد ليانحوا.
"لماذا لا؟"
أسأل ليانحوا بفضول، إذ أشك في وجود أي شيء يشبه براءة الاختراع في هذا العصر، فنظام الرعاية النبيلة يبدو أكثر ترجيحاً بكثير.
فجأة أسمع صوت شيوشي وينشوي من طاولته: "ربما يجدر بي شرح بعض الأمور، زهوهوان".
حين أنظر إلى طاولته أراه يقف، ويلتقط المعداد مجدداً، ويمشي عائداً إلى طاولتي، ليجلس بجانبي واضعاً إياه بين يدينا.
"نقص معرفتك في هذا المجال خطئي أنا. ونظراً لسنك، لم أجد داعياً لتعليمك مراتب البلاط وامتيازاتها بعمق، لا سيما تلك المتعلقة بمرتبتك الخاصة، زهوهوان"، يبدأ بنبرة جادة.
"أول ما يجب أن تعرفيه وتضعيه نصب عينيْك هو أنك الزهوهوان، ابنة الإمبراطور المفضلة"، يقول لي مشيراً إليّ.
"وفيما يخص المتبعة داخل العائلة المالكة، فالشخصان الوحيدان فوقك هما الإمبراطور وولي العهد".
"ولم يرَ جلالته مبرراً بعد لتعيين أحد رسمياً".
يصمت ليدعني أستوعب ما يخبرني به قبل أن يتابع: "على الرغم من اعتبار عديد من إخوتك ورثة مفترضين، فهذه ليست مرتبة رسمية. إنهم يملكون نفوذاً فقط داخل دوائرهم وبين مؤيدي ترشيحهم لولاية العهد. وفيما يخص النفوذ النسبي، فالشخص الوحيد فوقك نظرياً هو الإمبراطور. وأعظ ظنّي أن شخصاً بذكائك يمكنه أن يرى سريعاً أين يكمن المشكلة".
بعد دقيقة من الصمت استوعب فيها ما أخبرني به للتو، أجيب بصوت هادئ: "أنا وريثة الإمبراطور".
"نعم ولا، زهوهوان"، يتابع شيوشي وينشوي وهو يرمقني بنظرة فاحصة.
"في الحقيقة الأمر أتعقّد من ذلك، فالإمبراطور القادم تعينه الطائفة في الواقع عندما تنتهي فترة حكم الإمبراطور الحالي التي تبلغ مئة عام. ولقب ولي العهد، أو لقبك، لا يشير إلا إلى تفضيل يملكه الإمبراطور الحاكم بين أبنائه".
"إذن فاللقب لا يهم إلا إذا حدث مكروه للإمبراطور الحاكم ولم ترغب الطائفة في التعامل مع وصي ريثما تجري محاكمات اختيار الإمبراطور التالي، إذ سيمنحون المنصب في تلك الحالة مباشرة للوريث الذي اختاره الإمبراطور السابق"، يمضي شيوشي وينشوي في حديثه، لكن كل كلمة يقولها تبدو وكأنها تضيف مسماراً آخر إلى نعشي الافتراضي.
"لذلك، ما دام لم يُعيّن ولي للعهد، وإذا قُدر للإمبراطور أن يموت، معاذ السماوات، فسيكون لديك المكانة واللقب اللازمان للمطالبة بمنصب الإمبراطورة من الطائفة"، يختتم شيوشي وينشوي.
أفهم فجأة الوضع المحيط بي وبوالدتي. الفراغ الصامت الذي تشكل من حولنا، مع قدوم نفر قليل من ذوي المراتب الدنيا فقط، أشخاص أدرك الآن أنهم انجذبوا نحو عائلتي لأن مرشحين أمراء آخرين رفضوه. هذا ناهيك عن حراسة الني في الدائمة التي تحيط بي كلما غادرت الجناح. وما حدث في عيد ميلادي الأول، حين أتى جنرال ليقدم لي هدية تلاه ظهور أبي ليمنحني بركته، ربما لم يؤدِ إلا إلى تضخيم ذلك التصور.
وليس الأمر أنني لا أستطيع تفهم موقفهم، لا سيما في بلاط إمبراطوري. سنوات من المكائد، من حشد النبلاء والمسؤولين لزيادة نفوذهم كي تتوفر لأبنائهم فرصة أفضل لإعلانهم ولياً للعهد، وفجأة تظهر فتاة من العدم، ومعاقة فوق ذلك، فتتخطى في المتبعة كل واحد من أبنائهم. لا بد أنهم يغلي غيظاً.
وبينما أتأمل كل ما قيل لي، أبقى ناظرة إلى شيوشي وينشوي، الذي ألمح في عينيه نظرة شفقة، وأكاد أسمع كلماته غير المنطوقة: "إن نجَت من البقاء".
يصفق شيوشي وينشوي بيديه فجأة، مفزعاً إياي خارج أفكاري المظلمة، ويتابع: "الآن وقد غطينا النقطة الأهم بخصوص مكانتك، أظن أن الوقت قد حان لأخبرك لماذا يهم ذلك بالنسبة للمعداد".
يشير إلى المعداد ويمضي يقول: "أنتِ من اخترعتِه وبنيتِه بنفسك، لذا فهو فكرتك. لن يجرؤ أحد على نسخه أو صنعه دون إذن صريح منك. لو كنت نبيلة من مرتبة دنيا، أو مسؤولة عادية، أو عامية، لوجد من يحاول سرقة الاختراع ونسبه لنفسه، لا سيما كبار المسؤولين أو النبلاء العظام. لكن فعل ذلك بك أنتِ، الزهوهوان، يعد جريمة بحق العائلة المالكة. والجميع يعلم كيف يُعاقب على تلك الجرائم".
أتلفت ببصري مراراً بين شيوشي وينشوي والمعداد، وأثبت بصري أخيراً على معلمي: "وماذا تنصحني أن أفعل، بما أنني بالغة قلة الخبرة ولا أدري كيف أتعامل مع هذا دون توريط نفسي في مشاكل أكبر مما أنا فيه أصلاً؟"
يفكر برهة ويسأل: "أهذا هو المعداد الأول الذي تصنعينه، وهل تعرف والدتك شيئاً عنه؟"
"كلا الأمرين، أيها الشيوشي وينشوي"، أرد.
"صنعت هذا هدية لك. والمعداد الأول الذي صنعته في دراستي لاستخدامي الشخصي. ولا أظن أن والدتي تعلم، رغم أنني طلبت المواد من رونُو ليانحوا، فلعل إحدى الخادمات ذكرت لها شيئاً".
تلوح على وجهه مسحة ارتياح عابرة قبل أن يتابع: "ممتاز. حين تعودين إلى المنزل، امنحي ذلك المعداد لوالدتك، واشرحي أن المواد التي طلبتِها كانت لصنعه، وأريها ما يفعل. ثم أخبريها أنه لما كان المعداد الأول الذي تصنعينه على الإطلاق، فإنك ترغبين في تقديمه هدية للإمبراطور".
"لمَ الأهمية البالغة في أن يكون المعداد الأول المصنوع، لا سيما لدرجة الحاجة إلى التشديد على ذلك؟"
أسأل شيوشي وينشوي.
"الرمزية"، يجيب شيوشي وينشوي.
"والأهم من ذلك، سيعلم الإمبراطور باختراعك منك مباشرة، فالسماع به من آخرين قد يكون شديد التقلب، وسيعتمد انطباعه على دوافع من جلب له النبأ".
يضع يده على المعداد القابع على الطاولة ويتابع: "سأبقي المعداد الذي أعطيتني إياه مخبأ ولن أظهره لأحد حتى تخبرني أن الإمبراطور حصل على خاصته".
ثم يلتفت محيطاً بنظره ويثبته على عديد من أمناء المكتبة الذين يراقبوننا قبل أن يتكلم مجدداً: "زيادة على ذلك، سأأمر أمناء المكتبة بإبقاء ما حدث هنا سراً. لكني أنصحك بتسليم الهدية في أقرب وقت، فكما يقول المثل، إن عرف اثنان عرف العالم كله".
"أقدر نصحك، أيها الشيوشي وينشوي"، أقول له، منتحنية بأفضل ما أستطيع من مقعدي.
"لا داعي لذلك، زهوهوان. فبصفتي معلمك، من واجبي تثقيفك في هذه الأمور. وفوق ذلك، وكما قلت، سأظل أذكر هذا المعروف طوال ما بقي من عمري"، يرد وعيناه معلقتان على المعداد.
ينهض من المقعد، ويلتقط المعداد، وينظر إليّ بجدية قائلاً: "لهذا اليوم وللأيام القليلة القادمة أنت معفاة من دروسك لتعودي إلى جناحك سريعاً وتتحدثي إلى والدتك مباشرة. ولا تعودي حتى تتاكدي من أن الإمبراطور قد تلقى هديته. سأعتني بكل شيء هنا لأتأكد من ألا يتكلم أحد".
أنظر إلى ليانحوا التي كانت إلى جانبي طوال الوقت، وأقول لها: "سمعتِ شيوشي وينشوي. لنذهب، سريعاً".
"مفهوم، زهوهوان وين"، ترد، ناهضة لترفعني من المقعد، لنغادر المكتبة على أثر ذلك مسرعين، وتتبعنا حراسة الني في.
وبينما نتحرك لا أستطيع إلا أن ألاحظ شيوشي وينشوي يخطو للخارج ويقول شيئاً لجين في الواقفين حراسة عند الباب. وحين نبتعد أراهم يتجادلون لفترة قصيرة، لكنهم يبدون في النهاية موافقين على ما يخبرهم به معلمي. يعود إلى الداخل ويغلق الباب وراءه، وبعدها يأخذ أحد الحراس موضعاً أمامه كأنه يمنع الطريق، بينما ينطلق الآخر راكضاً. أعتقد أن معلمي قد حبس نفسه للتو داخل المكتبة رفقة أمناء المكتبة حتى يوم عودتي.
أشفق على أمناء المكتبة، بصراحة، لكني أظن أنه بالنسبة لمعلمي، كلما زادت الأيام التي أستغرقها للعودة، كان أكثر امتنان لي لتركه محبوساً طوال اليوم مع جبل من الكتب. نعبر الحديقة سريعاً، حيث لن تحصل البتات المسكينات على وجبتهن المجدولة اليوم، ونصل إلى الجناح. أطلب من ليانحوا أن تأخذني إلى غرفة الدراسة، حيث ألتقط المعداد الذي تركته هناك، وبعد أن سألت خادمة عن مكان والدتي، نتجه إلى فناء حيث تجلس بجانب فاي يي لينغشي وعديد من الوصيفات، يرسمون شيئاً على قطعة من القماش، حرير، على ما أظن.
"أماه، عندي ما أقوله لك"، أقول وأنا أراها تتوقف عن الرسم لتنظر إليّ فور ملاحظتنا دخول الفناء.
"تعلمین أن بإمكانك إخباري بأي شيء، وين"، ترد، مشيرة لإحدى الوصيفات بإخلاء الكسي الذي تجلس عليه وإفساح المجال لي.
"على انفراد، أماه. الأمر مهم"، أقول لها بعد أن أجلستني ليانحوا على الكرسي.
تنظر إليّ بجدية، ثم تلقي نظرة عابرة على المعداد في حِجري قبل أن تقوم بحركة بيدها: "اتركوني وحدي مع ابنتي".
تنهض الوصيفات، وبعد انحناءة خفيفة، تخرجن من الفناء فرادى وتغلقن الباب خلفهن. تراقبهم والدتي وهم يغادرون، ولم يبقَ الآن سواي ووالدتي وليانحوا وفاي يي لينغشي.
تلتفت والدتي لتنظر إليّ وتُشير إلى المعداد: "أظن أن هذا هو سبب إزعاجك لجميع وصيفاتنا لثلاثة أيام بطلباتك غير المعقولة. أفتترض أنك ترغبين في أن تشرحي لي ما الغرض منه؟"
"نعم، أماه"، وأشرع في شرح وظيفته مع عرض عملي.
وقبل أن تتمكن من مقاطعتي بالأسئلة، أحكي لها ما أخبرني به شيوشي وينشوي عن أفضل مسار للعمل.
تصمت والدتي برهة وأنا أراها، ومع كل دقيقة مرور صمت أزداد تواتراً وعصبية، حتى أصير عاجزة عن التحمل أخيراً: "أماه؟"
ترفع والدتي يداً لتمنعني من الاستمرا، وتأخذ جزءاً من لفافة الحرير التي كانت ترسم عليها، فتكتب عليها شيئاً، ثم تطويها وتختمها بختم تخرجه من جيب داخلي في ثوبها.
تناوله لفاي يي لينغشي وتقول لها: "اذهبي سريعاً إلى البلاط وأعطي هذه الرسالة للشانغشو. أخبريه أنها مني، إلى الإمبراطور، بخصوص زهوهوان وين. وفي طريق خروجك، أصري على الني في بأن الجناح مغلق، ولا يُسمح لأحد بالمغادرة ما لم آذن بذلك".
تأخذ فاي يي لينغشي الرسالة، وتتخني، وتسرع خارجة من الفناء.
وبعد أن تتابعها بعينيها، تلتفت والدتي إليّ مجدداً: "أما أنتِ يا أيتها الآنسة، فيجب عليك في المرة القادمة التي ترين فيها شيوشي وينشوي أن تشكريه على الولاء الذي أبداه لك. كثيرون كانوا سيستغلون جهلك بطريقة تصرفك في موقف كهذا لاستغلالك أو إهانتك".
"سأفعل، أماه"، أرد، قبل أن أطلق تنهيدة داخلية وأمضي قدماً في سؤال آخر أراه ضرورياً.
"أماه، أحيح حقاً أنني الآن وريثة الإمبراطور الرئيسية؟"
تبدو والدتي متفاجئة من سؤالي المفاجئ ثم تتنهد، دالكة جبهتها.
"ممن سمعتِ هذا؟"
تسأل.
"من شيوشي وينشوي. حين شرح كيفية التعامل مع وضع المعداد، شرح أولاً كل ما يمثله لقب أبي"، أجيب.
"حتى مع كونك مباركة من السماوات وتتعلمين بالسرعة التي تملكينها، فما زلت أصغر من أن تقلقي بشأن أمور كهذه. لكني أظن أن شيوشي وينشوي وجد الأمر ضرورياً، لا سيما بالنظر إلى كل الاهتمام الجديد الذي توشكين على تلقيه"، ترد والدتي، ثم تسألني: "لكن الأساس هو أمر عليك تقريره بنفسك. أتريدين الآن أن تكوني الإمبراطورة؟"
"ماذا؟ كلا!"
أجيب بسرعة. في حالتي، محاولة دخول السباق على العرش تعد انتحاراً عملياً.
"إذن هذا ما يجب أن تقوليه، دائماً، بغض النظر عمن يسألك، في حال تجرأ أحد على إثارة الموضوع. قد يكون هناك من لا يصدقك أو من يغار، ما دمتِ تؤكدين أمام الجميع أنك لا تريدين ذلك، فلن يكلف عناء إزائك إلا أشد الناس حماقة"، تقول لي والدتي بجدية.
تنتظر برهة، مانحة إيَّاي وقتاً لأستوعب كلماتها، ثم تتابع: "لكن إلى أن تبلغي الثامنة على الأقل، وبحسب ما يحدث حينها، لست بحاجة للقلق بشأن الأمر بعد الآن. لذا سنتركه هنا".
الثامنة من العمر. من المؤكد تقريباً أن الأمر يتعلق بالزراعة. لكن بما أن والدتي، لسبب غريب، لا ترغب في مناقشة الموضوع معي، وليس الوقت مناسباً للضغط عليها فيه، أقرر التزام الصمت وتركه لوقت لاحق.
تلتفت والدتي إلى ليانحوا: "رونُو ليانحوا، خذي وين إلى غرفتها وجهزيها لزيارة الإمبراطور. لا أدري كم سيستغرق ليأتي، لكن حتى لو كان بعد عدة أيام، فيجب أن يكون كل شيء جاهزاً كي لا نجعل ه ينتظر حين يصل. وخُذي المعداد، فمن الأفضل بكثير أن يتلقاه الإمبراطور من يدها".
تنظر إليّ وتضيف: "أما أنتِ يا أيتها الآنسة، فحري بك أن تتصرفي بأدب. ستكون هذه المرة الأولى التي تقابلين فيها الإمبراطور وجهاً لوجه، وخير لك أن تظهري الإتيان المناسب".
لا يمكنني إخبار والدتي أن هذه ليست في الواقع مقابلتنا الأولى وأنني أتذكر زياراته لي منذ أن كنت رضيعة، لذا أمتنع عن السؤال عما إذا كان بإمكاني شد لحيته بينما أناديه بابا، لأنني أظن أن هذا ما سيستمتع به، وأجيب بخنوع: "حسناً، أماه".
بعد تلك الكلمات ترفعني ليانحوا من الكرسي وتحملني إلى غرفتي، حيث تبدأ هي وعديد من الوصيفات باختيار زي لأرتديه عندما يصل الإمبراطور، وتشرعن في شرح كيف يجب أن أتخاطب خلال اللقاء. تنتقي ليانحوا زياً أخيراً لي بينما تواصل تلقيني بروتوكولات لقاء أبي، بروتوكولات أنوي تجاهلها، إذ أرسم في عقلي خطة ستزيد إما من عطف أبي عليّ وإما تؤدي بي إلى قطع رقبتي، أحدهما أو الآخر. وبينما نشغل ليانحوا وأنا كلٌّ بهمومها، تدخل خادمة فجأة وتخبرنا أن الإمبراطور أرسل رسولاً ليقول إنه سيصل قريباً.
وأفكر بتوتر أنني استخففت بأبي، نظراً للعجلة التي أتى بها رداً على ملاحظة بسيطة حول امتلاك هدية له. ليانحوا، وما إن تسمع الخادمة، حتى تسقط درس الإتيكيت وتهديني بمساعدة عديدات من الخادمات في وقت قياسي، لتُحملني بعدها إلى غرفة الدراسة، حيث أزيح معداداً نصف مجمع لأفسح مكاناً للمكتمل. بعد برهة نسمع جلبة في الخارج، ولا ألعن للمرة الأولى عجزي عن الوقوف والنظر بنفسي. الضجيج، الذي أفترض أنه ناجم عن وصول أبي، يتردد صداه في الجناح بأسره.
وسريعاً يحل صمت نسبي، وأنتظر بتوتر بجانب ليانحوا ريثما يأتي أحد. وبعد ما يبدو وقتاً طويلاً جداً، يفتح الباب ليكشف عن طيف أبي. يرمقني بنظرة فاحصة وهو يراني جالساً على الطاولة حيث المعداد المكتمل وأجزاء المعداد الذي أبنيه موضوعة.
يدخل الغرفة، ودون أن ينظر إلى ليانحوا التي هوت على ركبتيها فور دخوله، يقول: "اخرجي. نود الانفراد بزهوهوان وين".
تنهض ليانحوا، ودون أن تعطي ظهرها لأبي، تغادر الغرفة مغلقة الباب خلفها.
يجلس أبي في مقعد مقابل لي، وناظراً إليّ، يبدأ بالكلام بنبرة ملكية: "الملاحظة التي أرسلتها غويفي شيانغ أشارت إلى أن لديك هدية لنا وشيئاً تقولينه. وقالت أيضاً إنه سيكون أمراً هاماً. وبما أن بعض الوقت الفراغ قد أُتيح لنا اليوم، فقد قررنا المجيء لنرى ما الأمر".
"أنا ممتنة لمجيئك السريع، أبي"، أندفع قائلة، عاقدة أصبعي في داخلي متمنية أن يكون الانطباع الذي تركه أبي عليّ ليلة من يوي وفي عيد ميلادي الأول، فضلاً عن المرات القليلة التي دخل فيها غرفتي ليراني عندما كنت رضيعة، حتى وإن توقف عن المجيء كلما كبرت، هو الانطباع الصحيح.
يقطب أبي جبينه: "ماذا دهاك فدعوتنا للتو؟ ألا تعرفين من نكون؟"
أحتفظ بنظراتي إليه دون خوف وأرد: "أنت الإمبراطور، ابن السماء لسكان إمبراطوري تيانجين لا حصر لهم".
أخفض رأسي ونظراتي في حركة محسوبة بينما أراقبه من طرف عيني.
"لكن بالنسبة لي، أنت أبي".
أرى طرف شفتيه يختلج برهة وهو يحارب ألا يبتسم ويجاهد للحفاظ على تعبيره الرصين، وأبدأ بالصراخ انتصاراً داخل رأسي.
"ندرك ذلك"، يقول لي ملاطفاً لحيته.
"نشعر اليوم بنوع من السخاء، نظراً لأنه يُفترض أن تكون لديك هدية لنا. لذا سنسمح لك بأن تدعينا أباً، ولكن فقط حين نكون وحدنا".
أنحني حتى تلامس جبهتي الطاولة: "أنا ممتنة لتفهمك، أبي".
وما إن أرفع رأسي حتى أراه يغطي فمه بيده متظاهراً بالسعال الخفيف، ثم يرمق المعداد المكتمل والآخر شبه المجمع بنظرة فضول، فهما الشيء الوحيد على الطاولة.
"نفترض أن تلك هي الهدية التي ذكرتها والدتك"، يسأل.
"نعم، أبي"، أرد، ملاحظة أنه توقف عن إشارة إلى والدتي بلقبها.
"وأيضاً سبب ما عليّ قوله. إن سمحت لي، فسأقدم لك عرضاً عملياً لكيفية عمله".
يقوم بحركة بيدي ليشير إلى أن بإمكاني المضي قدماً، وللمرة الثالثة في ذلك اليوم أقدم عرضاً لوظيفة المعداد. وحين أفرغ، يكون وجهه قد تخلص من رباطة جأشه المعتادة ليعكس بوضوح الاهتمام الذي يشعر به.
يلتقط المعداد من الطاولة، وبعد عبث به لحظة، ينظر إليّ ويسأل: "أيعلم أحد آخر، سوى من في هذا البيت، بأمر هذا... المعداد؟"
"نعم، أبي"، أرد، ظانة أن الأفضل هو الصدق في هذا.
"يعلم أيضاً معلمي، شيوشي وينشوي. عرضت عليه كيف يعمل هذا الصباح وكان هو من نصحني بإخبارك في أقرب وقت، إذ بمعرفتي القاصرة لم أكن أدري كيف أمضي قدماً. وهو حالياً في المكتبة، حيث حبس نفسه بمحض إرادته".
"وحين عدت من المكتبة أخبرت والدتي أيضاً، لكونها الشخص الوحيد الذي عرفت أنه يستطيع التواصل معك"، أختتم، منحنياً مرة أخرى.
"لا تقلقي بشأن ذلك"، يقول لي، مستقراً بعينيه على المعداد شبه المجمع على الطاولة.
"إذن هذا هو الوحيد الذي تمتلكينه؟"
"كان الأول الذي ابنته، أبي. وهو هدية لك"، أرد.
"لكن معلمي يملك آخر، ذات المعداد الذي استخدمته لأريه كيف يعمل".
يبدو وكأنه يقبض على المعداد بقوة أكبر بعد سماع تلك الكلمات، لكنه لا يقول شيئاً. وبعد برهة يقف ناظراً إليّ.
"نحن راضون عن هديتك"، يقول لي بنبرة ملكية.
"لكن الوقت الفراغ الذي نملكه شحيح، لذا يجب أن ننصرف".
أنحني لأبي مرة أخرى، وبادياً عليه الرضا، يلتفت ويغادر الغرفة. أطلق تنهيدة بعد رحيله، وأنا أراقب ليانحوا تعود للدخول، مرتاحة لأن حدسي أثبت صحته وأن رأسي، في الوقت الحالي، ما زال ثابتاً بقوة على كتفي.