داو اللغة الفصل 128

اقرأ داو اللغة الفصل 128 باللغة العربية على مانجا تايم.

أطفو على ارتفاع نصف متر عن أرض غرفتي، لا يحملني سوى ذلك الشد والجذب الخفي بين إرادتي وتلك العارضة السميكة المتقاطعة في السقف، بينما تمضي ليانحوا في تسوية طيات الثوب المحيط بجسدي بتلك المنهجية المتعمدة التي تكفي لدفع أي شخص يجهلها إلى الجنون. قبل أيام قليلة، كان مشهد كهذا مستحيلاً تماماً. ففي المرة الأولى التي حاولت فيها تثبيت نفسي في الهواء عبر استرجاع صدى ألف يد لكي تتمكن ليانحوا من تلبيسي، كان التوازن بين العارضة وبيني يتغير مع كل مرة تشد فيها كمّاً أو تديرني قليلاً لربط عقدة، ليتوقف القوة عن كونها ملائمة تماماً ويترنح كل شيء ويهوي كبيت من ورق سُلبت ورقته السفلى.

لكن مران الأيام الأخيرة أتى أُكله. صرت قادرة الآن على تصحيح تلك القوة وهي طائرة، ومواءمتها دون تفكير مع كل حركة صغيرة تبثها ليانحوا في جسدي، بحيث تستطيع تحريكي بلطف دون أن ينكسر التكتيك ولا حتى لمرة واحدة. وما أكتشفه الآن، إذ بات بإمكاني السماح لنفسي بالالتفات إلى أمر سوى عدم السقوط، هو أن ترك نفسي أُكسى بهذه الطريقة أريح بكثير، بل وأكثر راحة بمرّات من المعتاد.

فما من ذلك الشعور المهين بأنني كيس أرز يجب تعديل وضعه مع كل خطوة، بل أكتفي بالطفو، خفيفة ومطيعة كلياً، بينما يلتف القماش حولي بيسر يكاد ينتزع مني تنهيدة رضا خالص. والمؤسف الوحيد، هكذا أُحدث نفسي بينما تُحكم ليانحوا صفاً من المشابك الصغيرة، هو أن وزني خفيف الآن، بل خفيف بالقدر الذي يترك لي هامشاً وافراً من الأيدي الطليقة للبقاء معلقاً في الهواء، لكن هذا الوزن سيزداد مع استمراري في النمو، ومعه سيزداد عدد الأيدي التي سيتحتم علي تخصيصها لمجرد تجنب السقوط، إلى أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه لاستخدامها جميعاً ولا يتبقى لي شيء لأي غرض آخر.

وهي حسرة حقيقية، إذ لولا ذلك، وكوني معلقة على هذا النحو مع زوج من الأيدي الفائضة، لكنت استطعت ارتداء ملابسي بنفسي. فالأزياء التي يتوجب علي ارتداءها لم تُصمم أصلاً لتكون سهلة الارتداء، بل صُممت عن قناعة راسخة بأن راحة من يرتديها تفصيل ثانوي تماماً مقارنة بواجب إبهار البلاط، بيد أنني لو امتلكت حفنة من الأيدي الخفية تحت تصرفي، لما عادت ألغاز الحرير والعقد هذه تمثل مشكلة البتة.

وما زلت أقلب هذه الفكرة في رأسي حين يُطرق باب غرفتي. لا أفزع ولا اسمح للتكتيك بالانكسار، لأنني، بصراحة، كنت أترقب هذا تحديداً، لذا أكتفي بالابتسام ورفع صوتي قليلاً.

أقول دون أن أتعب نفسي بالنزول إلى الأرض أولاً: "ادخل".

ينفتح الباب وتطل منه وصيفة، وفي اللحظة ذاتها التي تقع فيها عيناها علي وأنا أطفو في منتصف الغرفة بينما تضع ليانحوا اللمسات الأخيرة على ملابسي، تتسمر في مكانها على العتبة، عيناها واسعتان وأنفاسها محبوسة، كأن عقلها يرفض قطعاً استيعاب ما يمثله ماثل أمامها. لا يدم الأمر سوى لحظة، مع ذلك. بالكاد رمشة عين، فما إن يتولى ذلك التدريب الممتد لسنوات والمغروس في وصيفات القصر حتى يتحول إلى رد فعل مقوداً لزمام الموقف، حتى تمحو المفاجأة نفسها من وجهها كأنها لم تكن قط بينما تنحني الوصيفة أمامي باحترام لا عيب فيه.

تقول لي بصوت يكاد يرتعد: "أيها الظاهوان. بناءً على أمر المعشوقة شيان، جئت لأحضر لك هذا الكتاب".

وحينها فقط أنتبه إلى أنها تمسك كتاباً حقاً بين يديها، وتضمه إلى صدرها باعتناء يتباين بشكل مضحك مع وجه الدهشة الذي أفلت منها قبل لحظة برهة. أومئ برفق، دون أن أغادر موقعي في الهواء.

أقول لها وأنا أشير بذقني إلى الطاولة الملصقة بالجدار الخلفي، تلك التي شغلتها مسبقاً بعدة كتب قرأت نصفها: "اتركيه على تلك الطاولة من فضلك".

تطيع الوصيفة فوراً. تعبر الغرفة بخطوات سريعة وصامتة، وتضع الكتاب على الطاولة بجانب بقية الكتب، ثم تعيد خطواتها لترفع رأسها بانحناءة ثانية أمامي. بعدها تتراجع نحو الباب، تفتحه وتخرج متأهبة لإغلاقه خلفها، لكن ليس قبل أن تلتقي عيناها بي وتلقي نظرة أخيرة بالغة الوضوح على هيئتي المعلقة في جو الوسط، كمن يتحقق من أن عينيه لم تخدعاه. ثم ينغلق الباب بصوت جاف. أنتظر لحظة، بالقدر الكافي لابتعاد خطواتها بمسافة كافية في الممر، ثم أخاطب ليانحوا التي لم تقطع مهمتها في تلبيسي قط.

أقول لها: "حسناً. يبدو أن والدتي لم تنس طلبي بأن ترسل، بأي ذريعة كانت، أكثر وصيفة نمّامة بين يديها في إحدى هذه الصباحات".

ترد ليانحوا دون أن ترفع ناظريها عن المشابك: "يبدو ذلك".

أمدّ رقبتي قليلاً لأتأملها بشكل أفضل.

أتابع قائلة: "بما أنك تعرفينها بالتأكيد، كم من الوقت ترين سيستغرقه انتشار الشائعات حول ظاهر وان عائم ليطوف بأرجاء القصر الإمبراطوري برمته؟"

تأخذ ليانحوا ثانية قبل الرد، وحين تفعل تفعل ذلك باليقين الهادئ ذاته الذي تؤكد به أن الشمس تشرق من الشرق: "بالنظر إلى أن التي جاءت هي جي زيناي، سيعلم الجناح بأسره قبل انتهاء الصباح. ومن هناك، تصبح معرفة بقية القصر مسألة وقت لا أكثر".

أطلق تنهيدة، مع أن الجواب لا يمكن أن يرضيني أكثر من ذلك في قرارة نفسي.

أعقب قائلة بينما أستحضر كل تلك المحادثات في الحديقة بين ليانحوا وبقية المربيات حين كنت رضيعة: "طالما ظننت أن أحد أهم قيم الوصيفة هي الكتمان".

ترد ليانحوا دون أن يرف لها جفن: "وهو كذلك. لكن وجود شخص مثل جي زيناي بالقرب، أحياناً، قد يكون مفيداً إلى حد ما".

أنظر إليها من طَرْف عيني، وأدرك المنطق الكامن خلف كلماتها.

أقر قائلة: "أتخيل ذلك. لكنه يبدو غريباً لي مع ذلك".

لا تضيف ليانحوا شيئاً على هذا، تكتفي بمنح العقدة الشدّة الأخيرة، وبهذه الحركة تعلن انتهاء المهمة. تهدي لي نظرة كلها سؤال صامت، فأومئ. وما إن أفعل حتى تحيط ذراعاها بجسدي وتتلاشى قوة التكتيك، ليعود وزني فجأة وتضعني على الكرسي بعناية باتت تغنيها حتى عن التفكير. بمجرد جلوسي واستقراري، تتموضع ليانحوا خلفي وتحضر لي إفطاري. ويتبين أنه أحد تلك الأيام النادرة التي لا توجد فيها والدتي، وهو ما لا يمكن أن يأتي أفضل لخططي هذا الصباح.

لذا أنتهي من الإفطار بعجلة تفوق ما يليق بأميرة إمبراطورية، وبمجرد أن أخذ اللقمة الأخيرة ألتفت نحو ليانحوا.

أقول لها: "خذيني إلى غرفة الدراسة من فضلك".

تطيع ليانحوا دون سؤال، وتكون الرحلة قصيرة. وما إن نصير بالداخل حتى أنظر إليها.

أقول لها: "أغلقي الباب".

تفعل ليانحوا، وما إن تغلقه حتى تجذب الترباس الجديد، ذلك الذي كلفتها بتركيبه قبل بضع أيام لهذا الغرض تحديداً، لأحظى بمكان آخر لا يستطيع أحد التسلل إليه دون أن يمتلك مجاملة الطرق أولاً. بمجرد أن يستقر المزلاج في مكانه وتُحكم الغرفة إغلاقها، ألتفت نحوها.

أقول لها: "جيد. الآن وقد شرعت أخيراً في ممارسة ألف يد، علينا الشروع في وضع خطط للمستقبل القريب أيضاً".

لا تقول ليانحوا شيئاً، تكتفي بالوقوف أمامي، ويداهما متقاطعتان أمامها وتلك السكينة اليقظة التي تعد، في طبعها، أبلغ وسيلة انتباه.

أتابع حديثي: "الأمر الأول يجب أن يكون الشروع أخيراً في ممارسة صنع التعاويذ التي تعمل حقاً. لكنني أحتاج من أجل ذلك إلى حبر وورق. ورغم أنني أعرف كيف أصنع كلاً منهما، إلا أن إقامة مختبر خيمياء هنا، في الجناح، سيكون بارزاً أكثر من اللزم، لذا سيكون أبسط الحلول في الوقت الراهن هو شرائهما جاهزين".

أتوقف برهة وأحدق في عينيها.

أسألك: "هل لديك أي طريقة متحفظة، لا تجذب الانتباه، للحصول على الحبر والورق الخاصين بالتعاويذ؟"

تفكر ليانحوا لحظة، مستعرضة بالتأكيد جردة الاتصالات والخدمات التي تجمعها بصمت.

تقول أخيراً: "نعم. قد تكون لدي طريقة. لكنها، بطبيعة الحال، لن تكون رخيصة".

أرد عليها طارحة اعتراضها جانباً بحركة من يدي: "لا تقلقي بشأن ذلك. فلدينا الآن ما تبقى لي من مكافأة حقائب الظهر والمال الذي منحته لي أمي لاختراعاتي. ولاحقاً، تماماً كما يمكنني شراء الحبر والورق، يمكننا أيضاً بيع التعاويذ التي لا أود الاحتفاظ بها وبهذا نملك المزيد من الأموال لابتكار المزيد".

تتأمل ليانحوا الأمر لثانية قبل أن ترد: "قد يكون بيع التعاويذ أكثر تعقيداً بعض الشيء من شراء الحبر والورق. أعرف بعض الأشخاص القادرين على شرائها دون طرح أسئلة، لكننا سنضطر لبيعها لهم بسعر أرخص بقليل من المعتاد لأجل ذلك".

أقول لها رافعة كتفي: "هذه ليست مشكلة على الإطلاق. طالما كسبنا ما يكفي لاستمرار العمل وتمكيني من مواصلة التدرب، فهذا يكفي لي. لا داعي لأن تكون الأرباح عالية إلى أن أتمكن من بيعها دون الحاجة للاختباء".

تومئ ليانحوا ولا تضيف شيئاً، فأتابع.

أقول لها: "بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نبلغ شانشو بأنه، الآن وقد بلغت الثانية عشرة وكإعداد لوقتي حين أنتهي من تهيئة الجسد وأفتح بوابتي الأولى، تماماً كما تعلمت صناعة التعاويذ، أرغب أيضاً في تعلم صنع التشكيلات وفن السحر. وأن الترتيب لا يفرق معي، لأنني ما إن أعتبر أنني تعلمت ما يكفي عن الموضوع الأول، سأشرع في الثاني".

تستمع ليانحوا لي، وحين أفرغ ترجع لي نظرة أعرفها حقاً حقاً.

تذكرني قائلة: "الشانشو، تماماً كما حدث حين حاولت تعلم التعاويذ، سيقول غالباً إنه مخالف للعرف وسيعارض الأمر".

هذا التحذير، بعيداً عن إثارة قلقي، يجعلني أبتسم.

أرد قائلة: "لا مشكلة. إن أبدى الشانشو ممانعة، يمكن للمرء دائماً أن يشير عليه بأنه، إن لم أجد معلماً داخل البلاط، فلن يكون أمامي خيار سوى البحث عن واحد خارجه. ومن يدري، إن حالفني الحظ قد أجد مجدداً معلماً آخر بمستوى زراعة مجهول مستعداً لمنحي دروساً".

لا أستدعي ذكر الاسم، إذ نعرف كِلانا تماماً أي معلم أقصده، ويبدو واضحاً لكِلانا أن مجرد تذكر كيف ظهر المعلم مو في حياتي يكف ليحرم أكثر من موظف نومه. وبالفعل، أرى كيف ترتفع إحدى زوايا شفتي ليانحوا بمقدار مليمتر ضئيل، تلك الحركة الدنيئة التي تعادل قهقهة عندها وتؤكد لي أن المشهد الذي رسمته للتو يسلّيها بقدر ما يسلّيني.

تقول لي: "سأذهب شخصياً لإيصال الطلب إلى الشانشو في أقرب وقت أستطيعه".

أومئ براضية، وأبقى للحظة أفكر، ناكرة بأصابعها على خشب المكتب بينما أحاول عصر رأسي بحثاً عن شيء إضافي أضمه إلى القائمة. لكن، لمرة واحدة، لا يعنّ لي شيء، فأرفع ناظري نحو ليانحوا.

أسألها: "هل تخطر ببالك أي أمور أخرى يمكننا التركيز عليها على المدى القصير أو المتوسط؟"

تفكر ليانحوا لههيه.

تقول مقدرة كلماتها: "ربما يجدر بك محاولة ألا تقضي وقتاً طويلاً منغلقة وأن تبدئي في حضور المزيد من مناسبات القصر. عروض، حفلات، من هذا القبيل. أنا متأكدة من أن المعشوقة شيان ستشجعك إن قررت فعل ذلك".

أحني رأسي، مزنة ما تلمحه.

أسألك: "تعنين أن أكون أكثر استباقية عندما يتعلق الأمر بإظهار نفسي في البلاط عما كنت عليه حتى الآن؟"

ترد ليانحوا: "نعم. هذا ما أعنيه".

أتأمل في الأمر لحظة، إذ إن مجرد فكرة حشر نفسي في أحد تلك الأزياء الرسمية وقضاء ساعات أبتسم في أماكن تعج بأشخاص يراقبونني من طرف أعينهم لا تثير حماستي أدنى إثارة، لكنني أدرك المنطق الكامن خلف الاقتراح بقدر ما أدرك أن ليانحوا نادراً ما تقترح شيئاً دون سبب وازن، لذا أطلق تنهيدة استسلام.

أذعن قائلة: "حسناً جداً. احصلي لي على قائمة بالأنشطة التي ينظمها القصر الإمبراطوري في الأشهر القادمة، وبذلك يمكنني إجراء اختيار، برفقة والدتي، لتلك التي يكون حضورها عقلانياً".

تومئ ليانحوا لكلماتي، لكنها لا تضيف شيئاً، وهو ما أفسره بأننا قد انتهينا أخيراً. لذا أوجه ناظري نحو زاوية في الغرفة، وعلى الفور ترتفع سلة عن الأرض وتقترب مني، طافية بطاعة، حتى تظل معلقة تماماً على ارتفاع يدي. آخذها وأفتحها، لأرى أنها ممتلئة حتى حافتها بقصاصات القماش وبما يعد، بلا شك، أدوات خياطة. أرفع ناظري نحو ليانحوا وأبتسم لها.

أقول لها: "سأكون مشغولة طوال الفترة القادمة وحتى حصتي في البستنة. لديك الوقت لتذهبي وتعتني بمهامك الخاصة".

تحني ليانحوا رأسها، وتسحب ترباس الباب وتغادر الغرفة، مغلقة إياها بعناية خلفها. وما إن يؤكد لي صوت انغلاق الباب أنني صرت وحدي مجدداً، حتى أغمس يديّ في السلة وأدع نفسي أنقاد لسؤال كيف بحق الجحيم سأتدبر تطوير اختراعي التالي دون المواد الحديثة التي أحتاج إليها.