نهض أبي فوق الأنقاض بهدوء يكاد يكون فاحشاً بالنظر إلى أنه دفع للتو شخصاً عبر جدار، وتوقفت القاعة بأسرع من البرق عن التنفس دفعة واحدة.
قال للشيخ فين: "أنت ضعيف"، ولم يحتاج صوته إلى الارتفاع ليمتلئ المكان حتى آخر زاوية منه.
"مثل أبي، تمرّغت طويلاً في مزايا منصبك حتى أهملت صقل طاقتك".
اعتدل الشيخ فين في جلسته، مستنداً إلى ذراع ترتجف تحت ثقلها، وبصق وميضاً من الدم قبل أن يرد بخيط صوت ما زال يحتفظ بسمومه رغماً عن كل الظروف.
لهاثاً قال: "لن تدع الطائفة هذا التطاول يمر".
تأمله أبي من علٍّ دون أن تحرّك جبهته عضلة واحدة، ثم فعل ما فرض عليّ أن أنحني إلى الأمام قليلاً في الكرسي لكي يفوتني حرف واحد، إذ طرح عليه سؤالاً.
رد عليه: "وما الذي ترجحه أكثر أيها العجوز؟ أستدعم الطائفة شيخاً عتيقاً تقاعس بسبب رغد عيشه عن بلوغ مرحلة تناغم نوى العناصر، وحين يلوح في الأفق مبعوث من برج التنانين الخمسة يلوذ بالفرار كالكلب؟ أم تدعم شيخ مستقبل أنهى بالفعل تناغم نواة، ولا تزال سنه تسعفه لمدى أبعد؟"
لم يرد الشيخ فين، واكتفى بمطالعة أبي بحقد نقي وصامت يكاد يُلمس. غير أن أبي كان قد طرحه جانباً من اهتماماته، إذ رفع بصره نحو بقية القاعة وأعلن بطبيعة مذهلة أن الوليمة ستقام كما خطط لها تماماً بغض النظر عن المقاطعة البسيطة. ثم وجّه بصره نحو الشوخو، فبلع المسكين ريقه بورعيّة شاحبة تكفي بالكثير من الثبات لمنع سقوطه، وأعلن بكل جلال استطاعه إن الإمبراطور أمر بمواصلة الوليمة وبأن يقود الحرس الإمبراطور الحاضرين إلى صالة الاحتفالات.
وفي تلك اللحظة بالضبط، بينما شرع الحرس في الانتشار لتنظيم الحشد، لاحظت بصر أبي يقف عند حدودي. ومضة قصيرة، بالقدر الذي يكفي لألا يلحظها سواي، لكنها هناك، مستقرة على كرسيي وعليّ بثقل لا أُحسن فك طلاسمه. ثبتُّ بصري في بصره لأنه الفعل الوحيد المتاح لي، ثم استدار دون إيماءة أخرى ليختفي ثانية عبر الفجوة التي شقها بيده في الجدار، ملتحفاً بتلك الكرامة الإمبراطورية التي يرتديها كما يرتدي غيره عباءة.
بقيت أتأمل الفجوة التي غادر عبرها لثانية، محاولاً المواءمة بين الرجل الذي شهدته لتوّي والفكرة التي رسمتها عن أبي، وخرجت بنتيجة مزعجة تفيد بأنني أمضيت كل هذا الوقت في الاستهانة به على نحو شديد الخطورة. لم يعد لدي متسع للفلسفة لأن الني وي التابعين لمرافقتنا، والذين اقتحموا القاعة مسبقاً، نجحوا أخيراً في الوصول إلينا وتطويقنا، مشكلين حولنا حلقة من أجساد مسلحة وصامتة تحل محل الحرس الإمبراطور.
وجّه أحدهم إيماءة سريعة لأمي، فأومأت بدورها، وفجأة صاروا هم من يمهدون لنا طريقاً وسط الحشد، ليقودونا صوب صالة الوليمة بكفاءة لا تقبل الجدال. بقيت صامتاً طوال الطريق لكثرة الأفكار المتزاحمة في رأسي. وبينما كانت عجلات كرسيي تقرقر بنعومة فوق الحجر المصقول، لم أكن أفكر سوى فيما شهدته لتوّي، وفي الحدس المزعج بأنني على الأرجح كنت ضلعاً فيه أكثر مما أبتغي. فمهما يكن مبلغ الجفاء القديم بين أبي والشيخ فين، لم تكلفنيلملمة الخيوط المبعثرة عناءً يذكر.
يزرع العجوز نفسه في وسط الحفل ليعلن، بلا استشارة أحد، أنني سأُنقل إلى الطائفة عاجلاً لا آجلاً، وبعد دقائق معدودات يرسله أبي طائراً عبر نصف القصر. ولا بد للمرء أن يتذكر أن مسرحية المنفى في شيآن، وتلك الأعوام القريبة من السنتين خارج القصر تحت ذريعة العقاب، كانت تهدف بالتحديد إلى إبعادي عن رادار الطائفة لإنهاء تمطيط الجلد على عجل. وإن كان أبي قد تكبد عناء تدبير أمر كهذا، فذلك لأن احتمال انتهاء أمري بين أيدي الطائفة بدا له جسيماً لدرجة فضّل معها انتزاعي من قلب الإمبراطورية لأعوام عوضاً عن المجازفة.
لذا لم يفاجئني إطلاقاً أن تصرف الشيخ فين اليوم، وقد أطاح بكل ذلك الجهد أرضاً، قد استنفد صبر أبي. وما يثير الفضول أكثر من سواه، ما أكتشفه بينما أدع نفسي أقاد وسط الهمسات والنظرات، هو أنني لا أعارض الأمر حتى، فشيء واحد أن يزعجني، وبقدر كبير، أن يأتي غريب ليقرر حياتي وكأنها ملكية تخصه، وشيء آخر تماماً أن يساورني أدنى اهتمام بالانتهار إلى ذلك المكان. حسب كل ما روي لي، تشبه طائفة الشمس السماوية عصابة أكثر من أي مؤسسة محترمة بالحد الأدنى، وفكرة ججري إلى هناك لأختلق أشياء تحت التهديد، إنجازاً لنوع من مؤشرات الأداء الصوفية مع وعد ضمني بالتخلص مني بطريقة مميتة للغاية إن قصرت في العطاء، لا تبدو لي مستقبلاً شهياً بأي مقياس.
إن خُيّرت بين ذلك وبين البقاء حيث أنا، فقرار أبي الأحادي بتحطيم العجوز جداراً بصراحة يبدو لي الخيار الأعقل بين الاثنين. ظللت أقلب كل ذلك في رأسي حين انفتحت أبواب صالة الوليمة أمامنا دون أن أدري، فقادنا الني وي إلى الداخل. ما فعلته أولاً، من باب الاعتياد الخالص، هو تفحص الغرفة، وأدركت فوراً أن تخطيطها يبدو عجيباً نوعاً ما. هائلة الحجم ككل شيء هنا، لكنها لا تترتب كما توقعت.
في أحد الطرفين ترتفع منصة صغيرة تبدو مغطاة بستارة شبه شفافة، وأمام هذه المنصة، بانتظام تام، تنتشر اثنتا عشرة طاولة فردية. وتكتظ بقية الصالة بما يغدو بلا شك طاولات ولائم طويلة وجماعية، إلى جانب منصة ثانية في الطرف المقابل تماماً، في مواجهة الأولى مباشرة. لم أملك وقتاً لاستخلاص المزيد من الاستنتاجات، فما إن عبرنا العتبة حتى تجسد من العدم جيش مصغر من الوصيفات ليعفين فوراً الحرس الإمبراطوري والني وي الذين رافقونا.
انحنت إحداهن أمامنا ودون تفوه بكلمة تقريباً قادتنا إلى إحدى الطاولات الفردية عند سفح منصة الستارة. وضعت أمي كرسيي بحذر عند الطاولة ثم جلست بجواري، مصلحة طيات ثوبها بحركة أنيقة بقدر ما هي آلية. اغتنمت الفرصة لأمسح بقية الصالة ببصري، ولم أستغرق طويلاً لفهم منطق التخطيط. الطاولات الفردية مخصصة بوضوح للقرينات وأبنائهن، واحدة لكل منهن، مرتبة على شكل مروحة أمام منصة الإمبراطور.
إلا أن تفصيلاً جعلني أعقد حاجبي قليلاً، إذ كانت إحدى الطاولات الاثنتي عشرة فارغة، كأنما خُصصت لشخص إضافي. وحينها أدركت أنها لابد طاولة القرينة الغائبة. قررت تجاهل الأمر، فلدي ما هو أفضل من تحليل خصوصية لم تدون في كتب البروتوكول التي قرأتها. راحت الصالة تمتليء، وعاد معها ذلك الهمس لألف صوت يرتد عن الأسقف ويصطدم بالأعمدة ليتحول إلى طنين ثابت في الخلفية، لذا ملت قليلاً نحو أمي وخفضت صوتي للحد الأدنى، واثقاً بأنه وسط كل هذا الضجيج لن يسمعنا أحد.
همست: "أمي، أترين ما حدث نتاجاً لما قاله لي الشيخ في الحفل؟"
رمقتني أمي للحة، تزن السؤال، وحين أجابت فعلت دون أن تبدل تعبيرها الودود والبعيد.
قالت بصوت خفيض: "الإمبراطور والشيخ فين لم ينسجما يوماً بشكل جيد يا وين. وقرار الشيخ بأخذك إلى الطائفة ربما كان ببساطة القرة التي فاض بها الكأس".
أومأت ببطء، فهذا يتطابق مع ما استنتجته بنفسي في الطريق، لكن أمراً آخر كان يقلقني بأضعاف مضاعفة مقارنة بالسبب، وهو النتيجة.
أصررت، لا زلت هامساً: "وما الذي قد يصيب أبي الآن جراء أمر كهذا؟ إذ أتخيل أنه لا يمكن للمرء أن يبرح الشيخ ممثل الطائفة ضرباً ويمر الأمر بسلام".
أخذت أمي لحظة للرد، وحين فعلت، انتقلت بحذر بين الكلمات.
أقرت قائلة: "لا أستطيع الجزم. لكن الكلمات التي وجهها الإمبراطور للشيخ فين في الختام صحيحة أيضاً. الطائفة، فوق أي شيء، تقدر الموهبة. تقدرها أكثر من المظاهر، والأهم، أكثر من كرامة أحد شيوخها الأقل شأناً. ويزيد على ذلك ضرورة حسبان اقتراب نهاية عهد الإمبراطور، وأمر شظية الرمال السماوية، وموجة تشي النارية التالية. مع كل هذه الجبهات المهمة الدائرة، فالمرجح غالباً أن يقرر شيوخ الطائفة غض الطرف ضمنياً. لا لنسيانه يا وين، بل للتصرف وكأنه لم يكن".
تنفسفت الصعداء بارتياح طفيف، لكن أمي لم تنهِ كلامها بعد، ومن برود صوتها أدركت أن الجزء الجيد من الإجابة قد انقضى.
تابعت: "مع ذلك، وحتى إن قررت الطائفة كمؤسسة عدم فعل شيء، فهذا لا يعني أن شيوخها جميعاً يفكرون بالوتيرة ذاتها. وقبل كل شيء أولئك الأقرب للشيخ فين. عدم تحرك الطائفة رسمياً يترك لهم، تحديداً، المساحة لفعل شيء بمفردهم، ثأر صغير، طالما حرصوا على ألا يمس ذلك الإمبراطور أو الإمبراطورية مباشرة".
بلعت ريقي، إذ بدأت أبصر إلى أين يتجه الحديث، ولم يعجبني بتاتاً.
سألت: "وما الذي بوسعهم فعله إذن؟"
نظرت إليّ أمي، ولبرهة تصدعت ذلك القناع الودود بالقدر الكافي لتمرير ما يشبه قلقاً مفرطاً.
أردفت: "كمثال، بإمكانهم تقييد وصول الإمبراطور إلى موارد معينة لا تملك سواها الطائفة. مواد، تقنيات، ومعارف لا سبيل له لحيازتها سواه".
توقفت هنيئة، ثم سددت نظرها نحوي مباشرة، بلا رمش، بالطريقة التي تخصصها للمرات التي تريد التأكد فيها من أنني أنصت إليها حقاً.
قالت أخيراً: "أو، في أسوأ الأحوال، يستطيع الشيخ فين الضغط لنقلك إلى الطائفة قبل أن يختتم أبوك عهده ويغدو هو نفسه شيخاً جديداً. بهاته الطريقة ستصل إلى هناك وحدك، دون واقٍ أو ظهير، رهينة تامة لرحمة الشيخ فين. أو جدك".
أطلقت ذكر جدك وكأنها تنهيدة، لكنها هوت عليّ بثقل بلاطة، فقد سمعت ما يكفي عن الرجل الذي حاول اغتيالي مراراً لأكون فكرة جلية عن مدى بشاعة الوقوع تحت رحمته. بلعت ريقي ثانية وفتحت فمي، ففي حلقي تكدفت أسئلة وافرة، لكن أمي قاطعتني قبل أن أنطق بحرف بوضع يدها على ذراعي بنعومة.
قالت بصوت خفيض للغاية: "لاحقاً يا وين. الإمبراطور هنا بالفعل، وعليه، ستبدأ الوليمة".
وبالفعل، ما إن نطقت بتلك الكلمات حتى شعرت بالهمس الملازم للقاعة يتلاشى دفعة واحدة ليتقلص إلى صمت مترقب. رفعت بصري نحو منصة الستارة شبه الشفافة وتبينت، عبر القماش، خيالاً يتحرك لينتهي جالساً على ما خمنت أنه عرش خلفها. لا تتضح ملامحه، الظل وحده، لكني لم أشك لحظة في أنه أبي. وما إن استقر الخيال، انفتحت الأبواب الجانبية للصالة ليدخل عبرها جيش جديد من الوصيفات المحملات بصواني الطعام يشرعن في توزيعها على الطاولات، بينما راحت مجموعة من الموسيقيين الذين لم أرهم يتخذون مواقعهم على المنصة المقابلة لتعزف لحناً ناعماً كموسيقى تصويرية خلفية.
حين قُدّم الطعام برمته، شرع الناس في الأكل، وأنا بين لقمة وأخرى، رحت أراقب الغرفة ثانية. ولمحت فوراً أمراً غريباً، وهو أن الصالة صامتة. أو بالأحرى، تبدو أشد صمتًا مما ينبغي لوليمة تضم هذا الحجم من البشر، حيث الطبيعي ضجيج المحادثات. وهنا، في المقابل، يأكل الناس بصوت خفيض، كأنهم يخشون إحداث ضجيج مفرط. استغرقني الأمر قليلاً لأدرك السبب، وحين وجهت انتباهي بصدق نحو الوجوه، فهمت فجأة.
الجميع متوتر. ولا أعني الموظفين الأدنى رتبة فحسب، بل الجميع، بما في ذلك إخوتي والقرينات. رأيت ذلك في تصلب أكتافهم وفي النظرات المتبادلة بتعجل مفرط. والاستنتاج جلي، وهو أن ما دار بين أبي والشيخ فين أرعبهم جميعاً، إذ لا أحد يعلم التداعيات المحتملة لوصول الإمبراطور ومبعوث الطائفة للتشابك بالأيدي أمام البلاط بأسره. تنهدت باطناً إزاء ذلك الاستنتاج، لكن لما لم تكن هناك حيلة بيدري، واصلت تناول الطعام.
ومن حين لآخر، ودون قصد، كانت عيناي تنجرفان نحو خيال أبي المرتسم خلف الستارة، ذلك الشكل الساكن الجالس على عرشه والذي لا يرى منه سوى ظله. ولم أستطع منع نفسي من التساؤل عما إذا كان هو حقاً الجالس هناك، أم أنه استغلالاً لكون الستارة لا تكشف سوى عن ظله، أرسل بديلًا يغطي الشكليات بينما يتفرغ هو لما هو أهم. سيكون هذا، يقيناً، ما أفعله في موضعه، فلست أرجح وجود أي حافز لقضاء ساعات جالساً بصمت خلف قماش أراقب نصف البلاط يأكل.
كنت مسترسلاً في تلك النظرية تطوف برأسي حين أخذت الوليمة تقترب من منتهاها، وآنذاك، قرب طاولتي، ظهرت وصيفه. تعرفت عليها فوراً لكونها ذاتها التي دفعت كرسيي أثناء مراسم تقديم الهدايا، انحنت أمامي بخشوع تام وتحدثت بصوت خفيض.
قالت: "تشاوهوان، لقد حان وقت عرضك".
نظرت إلى أمي مبتسماً.
قلت لها، وإن بدا الأمر جاداً بعض الشيء: "لقد جاء دوري".
بادلتني أمي النظرة، ولبرهة، اختفى قناع البلاط وردت ابتسامتي.
قالت: "ما دامت أديته بأفضل ما يمكنك فحسبك يا وين".
أومأت، فصادر منها يمثل حرفياً ما احتجت لسماعه، واستدرت صوب الوصيفة.
طلبت منها: "خذيني إلى المنصة أرجوك".
أطاعت الوصيفة فوراً، وبعد هنيهة وجدتني أعلى المنصة في الطرف المقابل لجهة أبي، حيث تكلف أحدهم وضع الغوجينغ الخاص بي، وفوق ذلك، انتظرني هناك الموسيقيان ذاتهما مع طبلتيهما الشياوتانغو اللتين عزفتا معي يوم عيد ميلادي. استنشقت بعمق، تركت الهواء يملأ كياني بالكامل، وبعد أن أومأت لهما بالإشارة، غمر إيقاع سموث كريمنال قاعة الوليمة. بينما جرت أصابع على الأوتار ورسمت الطبول ذلك النبض الذي لا يُخطأ، لم أستطع منع نفسي من شعور طفيف بالأسف، متمثل في غياب الراقصين الذين أردتهم حقاً والذين كانوا ليحيلوا كل هذا إلى ذكرى خالدة.
لكن، وعلى الفور تقريباً، عزيت نفسي بالتفكير أنه بدون مايكل جاكسون في المركز، لم يكن التأثير ليكون ذاته، فليكتفِ البلاط بما أستطيع تقديمه، وهو بالفعل أكثر مما سمعه أي منهم من قبل. حين خبت النغمات الأخيرة وأبقيت يدي ساكنتين فوق الأوتار، سرى تصفيق مهذب في أرجاء الغرفة. مهذب ومحتبس، تصفيق أناس لا يزالون يخشون إبداء الحماس بعد ما جرى اليوم، لكنه تصفيق على أي حال. قادتني الوصيفة ذاتها ثانية نحو الطاولة حيث انتظرتني أمي، والتي ما أن رأتني حتى ملت نحوي.
قالت: "لقد أبليت بلاء حسناً يا وين".
أجبتها: "أشكرك على كلماتك يا أمي"، وقلتها بصدق، ففي يوم كهذا، تساوي كلماتها أكثر من كل تصفيق الصالة مجتمعاً.
ما إن انقضى وقت قصير على انتهاء حفلتي الصغيرة، حتى ارتفع خيال أبي خلف الستارة وغادر الغرفة بذات الكرامة الهادئة التي جلس بها، وهو ما يعد لأي ذي عقلين العلامة القاطعة على بلوغ الوليمة نهايتها. وبالفعل، ما إن توارى حتى انطلقت الوصيفات مجدداً للاقتراب من الضيوف بدءاً بتوجيههم نحو المخرج بلطف صارم لا يحتمل الرد. بعد برهة حان دوري ودور أمي، فسمحنا بأن نقاد إلى الباب حيث انتظرتنا مرافقة الني وي، لنشرع في رحلة العودة إلى جناح شحوب الغيوم.
وبينما مضينا قدماً، لم يفتني أن الموظفين والنبلاء الذين تقاطعنا معهم رمقونا بنظرات جانبية، نظرات خلسة استقرت علي لبرهة قبل أن تسارع في الابتعاد. وأدركت أنه مع مرور كل هذا الوقت منذ الحدث، لا يحتاج المرء لفرط ذكاء كي يبدأ في ربط الخيوط والاشتباه في أن المواجهة بين أبي والشيخ فين لها صلة بما جرى بين العجوز وأمي وبي خلف حاجز الخصوصية. لذا تركت نفسي أحمل عائداً إلى الديار وسط الهمسات والنظرات الجانبية، برأس بات بعيداً جداً عن الوليمة ليحسب بدقة الوقت المتبقي قبل أن تنفد تعبئة الساعة التي بدأت عدها الليلة لي ولليانحوا.