أستمع إلى الأصوات وهي ترتفع وتنتشر في القاعة بعد إعلاني، مثل تموجات الماء حين يلقي أحدهم حجرًا في بركة ساكنة. هو صوت خفيض، يتألف من تعليقات مهموسة ونظرات متبادلة تبحث عن تأكيد لدى الجار، ولكنها حين تتجمع من ألف فم في وقت واحد، تملأ المكان بأسره كطنين خلفي يستحيل تجاهله. ومع ذلك، يظل الأمر عند هذا الحد لأنني توقعت ذلك مسبقًا، فما من أحد من أصحاب تلك الهمسات يجرؤ على بلورتها في شيء أكثر صلابة.
لا أحد يجرؤ على رفع صوته، لا أحد يخطو خطوة للأمام، لا أحد يخاطر بوضع الكلمات الواضحة للاعتراض الذي يكاد يختنق في صدور الكثيرين هنا، وأنا على يقين من ذلك. والسبب بسيط بقدر ما هو قاسٍ، فالشكوى الآن، وبصوت مرتفع، تعني توجيه اعتراض على هدية قُدمت لأبي أمام البلاط بأسره في يوم مولده، وهذا انتحار اجتماعي لا يجرؤ أي من هؤلاء الحاشية على ارتكابه من أجل فتاة مقعدة وكتاب ذي غلاف قبيح، مهما بلغ حجم الإزعاج الذي تسبب فيه خطابي القصير عن الكتب والمعرفة المتاحة للجميع.
لقد حسبت حساب هذا، ورؤيته تتحقق تلد في نفسي رضا هادئًا، ففي بلاط كهذا، لا يعني الصمت موافقة، بل يعني ببساطة أن أحدًا لم يجد بعد وسيلة آمنة لمهاجمتك، وهذا يكفيني في الوقت الراهن. لذا، وبتجاهل الهمسات نفسها وبذات اللامبالاة المتعمدة التي يتعامل بها المرء مع حشرة لا تكلفه عناء حك لسعتها، أعيد الكتاب إلى صندوقه وأغلق الغطاء بصوت خفيف يشبه في رأسي نقطة النهاية لجملة نطقْتُها لتوّي على أكمل وجه.
وحينها، لبرهة قصيرة، ينجرف بصري نحو صف طاولات المزركش بالديباج المرتفعة أمام منصة العرش، المكان الذي من المفترض أن أضع فيه هديتي لتظل معروضة بجانب الهدايا الأخرى. أبقى هناك لبضع ثوانٍ بينما تسألني صوت داخلي ساخر كيف لي بحق الجحيم أن أفعل ذلك تمامًا، لكنه لا يمنحني الوقت الكافي ليتفاقم القلق داخلي، وقبل أن يتجسد المشكل، تتخذ الوصيفة التي دفعتني إلى هنا مكانها بصمت إلى جانبي مجددًا.
أخمّن نواياها شبه فوري، ودون حاجة لكلمة واحدة تمر بيننا، أُناولها صندوق الكتاب. تأخذه الوصيفة بانحناءة تامة وتحمله بين يديها باحترام مهيب، ثم تتقدم نحو الطاولة وتضع الصندوق بعناية في الفراغ الذي أتخيل أن موظفًا ما قد حدده قبل أسابيع ليكون مكاني المخصص. وما أن تؤدي مهمتها، حتى تعود وتتخذ مكانها خلف كرسيّ مجددًا وتبدأ في إرجاعي نحو موضع إلى جانب أمي. وهنا ألاحظ التفصيل الذي ينتزع مني ضحكة جافة داخلي، فهي تفعل ذلك إلى الوراء.
أو بالأحرى، تتراجع دون أن تمنح ظهرها للإمبراطور في أي لحظة، ساحبة كرسيّ إلى الوراء بسلاسة خالية تمامًا من التردد، مما لا يترك سوى تفسير واحد محتمل، وهو أن الوصيفة قد دربت على هذه المناورة. وليس مرة ولا مرتين، بل بما يكفي لتنفذها الآن دون النظر إلى الخلف، دون تعثر ودون انحراف شبر واحد عن المسار، مقيسة كل خطوة بثقة عمياء لشخص كرر المسار نفسه حتى حفره على قدميه.
أستطيع تقريبًا تخيل المشهد السابق، موظف من وزارة المراسم يقف في غرفة فارغة ومسطرة في يده، مصححًا زاوية كعبها وإيقاع تنفسها لساعات، وكل ذلك من أجل هذه اللحظة. وبينما أنزلق بهدوء إلى الوراء تحت نظرات نصف الحاشية المموهة، لا أستطيع إلا أن أفكر، بكل السخرية التي أملكها، في أنه كان سيكون أبسط بكثير لو أنهم سمحوا للينهوا بالدخول لتدفعني. ولكن لا، بدلًا من ذلك، فضلت الآلية الإمبراطورية إقصاء الشخص الوحيد الذي يعرف حقًا كيف يحركني واستبدالها بوصيفة دُرِبت على مدى لا أعلم كم من الأيام، وكل ذلك من أجل فعل لا يستغرق سوى خمس دقائق شحيحة.
بينما تؤدي الوصيفة رقصتها، لا أستطيع إلا أن أفكر في أن البيروقراطية الإمبراطورية ليست معقدة، بل سخيفة. من ذلك النوع من السخافة الذي لا يولد إلا في ثقافة صقلت طقوسها عبر قرون حتى نسيت غرضها الأولي. هنا، يتجسد فعل بسيط كدفع كرسي في مراسم كاملة، ببروتوكولاتها الخاصة، وتدريباتها، وبالتأكيد، بميزانيتها الخاصة أيضًا. تتركني الوصيفة أخيرًا بجانب أمي وتختفي دون أن تنطق بكلمة واحدة، لتندمج مجددًا مع ذلك الجيش الخفي من الأيدي الخدمة التي بدت أنها خرجت منها.
بعد تقديمي، تتابع المراسم مجراها، مع بقاء بعض الهمسات المتفرقة هنا وهناك والتي لا تخمد تمامًا، والتي أظن، بناءً على الطريقة التي تنجرف بها بعض النظرات نحوي حين تظن أنني لا ألاحظ، أنها لا تزال مرتبطة بهدية القنبلة الصغيرة التي ألقيتها للتو في منتصف القاعة. تستمر الفعاليات الواحدة تلو الأخرى، بذلك البطء المهيب الذي يكسو هذا النوع من المناسبات حتى يرفع الوزير صوته أخيرًا معلنًا انتهاء المراسم الرئيسية ومشيراً إلى وجود فترة راحة قصيرة قبل مأدبة الاحتفال.
وما أن ينطق بتلك الكلمات حتى ينهض أبي من عرشه. وحين يفعل، تنحني القاعة بأسرها كمخلوق واحد، ألف رأس تنخفض بتوافق في حركة منسقة تمامًا، وأقوم أنا بالفعل الوحيد المتاح لي، وهو الانحناء إلى الأمام في الكرسي قدر ما يسمح لي جسدي حتى تختفي هيئة الإمبراطور عبر الباب الواقع في مؤخرة المنصة. حينها فقط، وبعد التحرر من الحضور الإمبراطوري، تبدأ الجموع بالتفرق إلى جماعات. وألاحظ كيف تفعل ذلك متبعة خطوط قوة واضحة لدرجة أنني أستطيع رسمها على مخطط، إذ تتشكل الدوائر الكبرى، ودون أدنى مفاجأة، حول الأمراء الإمبراطوريين والقرينات.
يصبح كل واحد منهم مركز نجمة صغيرة تحيط بها حاشيته المناسبة من الموظفين والنبلاء، الذين يدورون حولهم بابتسامات مقيسة بعناية، بحثًا عن كلمة، أو نظرة، أو خدمة، أو ببساطة فرصة لرؤيتهم عن قرب لاحقًا. أتأمل المشهد باهتمام ضئيل للغاية، مصنفة الوجوه والمواقع بدافع العادة الخالصة، حين أدرك أمرًا غريبًا، وهو أنه على عكس الجميع، لا يقترب مني أو من أمي أحد. وكأن كلينا وُسِمنا بعلامة خفية يعرف الجميع هنا قراءتها تمامًا سواي، نوع من دائرة الإقصاء التي يحترمها باقي الحاشية بإجماع، وبدلًا من أن يزعجني، يثير فضولي.
أميل قليلاً نحو أمي وأخفض صوتي حتى أحيله إلى همس.
قلت: "أمي، لماذا لا يقترب أحد لتحيتنا؟ ظننت أن بعض شركائك التجاريين على الأقل سيستغلون الاستراحة ليأدوا للدردشة معك قليلاً".
تجيب أمي دون أن تتغير تعابير وجهها، محتفظة على وجهها بذلك القناع الودود والبعيد الذي ارتدته منذ دخولنا.
أجابتني بصوت منخفض وبالكاد تحرك شفتيها: "غالبية هؤلاء لا يملكون مكانة عالية تكفي لدعوتهم لحفلة كهذه يا وين. الاستقبال في القاعة الرئيسية للقصر الإمبراطوري ليس في متناول أي تاجر، مهما بلغ حجم الذهب الذي يديره. والقلة التي تملك مرتبة كافية للتواجد هنا تفضل، وبفارق كبير، ألا ينكشف أمر تحالفنا. الاقتراب منا أمام الحلاقة بأسرها يشبه الصراخ به في وجه الريح، وآخر ما يناسبهم، ويناسبنا، هو إثارة قلق عائلة فاي لان".
أومئ ببطء لكلماتها. فبعد كل شيء، على لوحة كهذه، يعد التكتم شكلًا من أشكال الدروع، وإظهار أوراقك مبكرًا هو أسرع طريق لشخص أسوأ نوايا لانتزاعها من بين يديك. كانت أمي تلعب هذه اللعبة منذ فترة، حاكة شبكة من التحالفات التجارية الصامتة بقدر ما هي صلبة، وأدرك فجأة أن هذا الفراغ المحيط بنا ليس علامة ضعف، بل العكس تمامًا، الدليل على أن شبكتها تعمل بدقة بالغة بالتحديد لأنه لا يمكن رؤيتها.
بعد ذلك، أقوم بإشارة صغيرة لإحدى الوصيفات اللواتي يتجولن بين الجماعات حاملات صواني المشروبات الخفيفة، وأطلب منها شيئاً بارداً. تخدمني الوصيفة بانحناءة وتختفي، وما أن أخذ الرشفة الأولى، مسمحة للسائل البارد بالنزول في حلقي، حتى ألاحظه. يقترب منا رجل، ويفعل ذلك بطريقة تجبني على إنزال الكوب ببطء شديد. فعند مروره، يفسح الحاكم بأكمله الطريق. ليس بتخف، ولا بالدقة المحسوبة التي يُفعل بها كل شيء هنا تمامًا، بل بطريقة مكشوفة، تكاد تكون مهيبة، وكأن اتجاه تقدمه البسيط أمر صامت لا يفكر أحد بمخالفته.
تذوب المجموعات أمامه، يتراجع النبلاء، يتحرك الموظفون إلى جانب منخفضين رؤوسهم، ويفتحون جميعاً له ممرا نظيفا ومستقيماً ينشق أمامه تماماً مثل مياه البحر الأحمر أمام موسى، ممر أدركه بوخز من القلق، يؤدي مباشرة إلى حيث نقف أنا وأمي. بحيرة، أنظر أولاً إلى الرجل ثم ألتفت نحو أمي بحثاً عن أي دليل فيها. وما أراه يضعني في أقصى درجات الحذر، لأن أمي، التي كانت قبل لحظة مرتخية، تدردش معي بهمس، قد تغيرت كلياً، إذ تيبست، وأجزم أن، للمرة الأولى منذ تذكراتي، تبدو حتى خائفة قليلاً.
إنه تغير خفيف، يكاد يكون غير ملاحظ، من تلك التي لا ألاحظها إلا لأنني أعرف أمي جيداً، لكنه لنفس السبب يثير فزعي تماماً. أنظر إلى الرجل مرة أخرى، واستنتاجي قاطع وفوري. أياً يكن، من الواضح تماماً أنه شخص خطير، فشيء أو شخص ينجح في إخافة أمي ليس علامة جيدة البتة. أراقبه باهتمام وهو يقترب، محافرة كل تفصيل في ذاكرتي، لأني إن اضطررت للتعامل مع شخص يخيف أمي، فأنا أفضّل معرفة ما أواجه.
هو رجل مسن يتحرك ببطء هادئ، ويداه متشابكتان بهدوء خلف ظهره ودون أدنى عجلة. يرتدي ثياباً من الحرير الأزرق العميق، رصينة في تفصيلها ولكن بنهاية باهظة التكلفة بوضوح لدرجة أن الفخامة تظهر فيه بالتحديد في التكتم، مع شعار الشمس السماوية المطرز بخيط ذهبي على الصدر والأكمام، متألقاً برقة كلما وصله الضوء. تعابير وجهه تطفو في نقطة غير محددة بين اللامبالاة والملل، وكأن وجوده هنا، بيننا، شكل بالنسبة له شكليات شاقة كان يفضل توفيرها على نفسه.
عيناه صغيرتان وداكنتان، وحين تستقران علي أخيراً، ينتابني شعور مزعج بأني مقاسة ومصنفة، تماماً مثلما كنت أصنف بقية القاعة قبل قليل. يصل الرجل أخيراً إلى حيث نقف، فتنحني أمي له باحترام لم أره تقدمه لأحد سوى أبي.
حيته بصوت محايد بعناية قائلة: "الشيخ فينج".
بعد رؤية سلوكها، أقرر أن الأصح، حتى أفهم ما يجري، هو تقليدها بحرفية، فأميل في كرسي بقدر ما يسمح جسدي وأكرر الاسم.
قلت: "الشيخ فينج".
لا يكلف الشيخ فينج نفسه عناء رد تحية أمي، وكأنها ببساطة غير موجودة بالنسبة له. بدل ذلك، يرفع يداً ويقوم بإشارة كسولة في الهواء، مجرد حركة للأصابع، وفجأة يتشوش العالم من حول الثلاثة، وكأن ستارة دقيقة من الهواء قد تداخلت فجأة بين دائرتنا الصغيرة وبقية القاعة، مموهة الأصوات وهيئات الآخرين. أتعرف على الأثر شبه فوري، لأنه شبيه تماماً بأثر تعويذة الخصوصية. وذلك، تلك الإشارة العابرة التافهة لتحقيق هذا الأثر، تشير لي بسرعة إلى أن ما يستخدمه هو، على الأرجح، تقنية لها تأثير يشبه التعويذات.
وحينها ينظر إلي بصمت ودون نطق بأي شيء إطلاقاً. ويستمر في النظر إلي، بعينيه الصغيرتين والداكنتين المسمرتين علي، لوقت يكفي لتصبح الأمور محرجة بصراحة. أصمد أمام نظرته قدر استطاعتي، مقاوماً رغبة التحرك في الكرسي أو إبعاد بصري، لأن شيئاً يخبرني أن الاستسلام الآن سيكون خطأ، حتى، تماماً حين أبدأ أتساءل بجدية نصفية عما إذا كان العجوز قد غط في النوم وعيناه مفتوحتان، ينطق أخيراً.
قال لي، وقلبي يخفق بخفة عند سماعه ينطق اسم أبي المجرد بذات الطبيعية التي قد أذكر بها اسم زميل في الصف، ودون تلميح للاحترام أو اللقب: "بعد هديتك لسن هاو، بدأت أفهم ما رآه مبعوث برج التنانين الخمسة فيك على الأرجح. رغم نقائصك الواضحة تماماً".
وحين يصل إلى الكلمة الأخيرة، النقائص، تتلون نبرته بازدراء واضح لدرجة تجعل من الواضح أنه يقولها عمداً، ولا شك لدي إطلاقاً فيما يقصده حين يجتاح بنظراته ساقي العديمتين الفائدة والكرسي الذي يحملهما. أفتح فمي مستعداً للاعتراض، لأنه شيء أن يتجاهلوني وشيء آخر أن يلقي غريب كامل بحالتي في وجهي هكذا فجأة، لكني أتوقف تماماً قبل أن تفلت المقطوعة الأولى مني، لأن شخصاً يشير إلى أبي، إمبراطور إمبراطورية تيانجين، باسمه المجرد هكذا، ليس شخصاً عادياً أسمح لنفسي بترف مجادلته بخفة.
لذا أبتلع الرد، أشبك يدي فوق حجري بكل هدوء أستطيع افتعاله، وأقرر، لغياب الخيار الأفضل، كبح نفسي ومعرفة إلى أين يريد هذا العجوز الذهاب، الذي يجب القول إنه بدأ يبدو لي مزعجاً للغاية.
يتابع قائلاً، مسقطاً كلماته كشخص يضع أحجاراً في جدار: "لدي أمران لأبلغهما لك. الأول، اذهبي وجهزي المرأة في خدمتك التي دخلت شظية الرمال السماوية. حين ينفتح ذلك العالم مجدداً، ستكون هي من يقود أعضاء الطائفة إلى الغرفة التي وجدتها، فتأكدي من أنها جاهزة بحلول ذلك الحين، فأنا لا أفر في المفاجآت".
كلماته عن لينها تفاجئني أولاً ثم تملؤني بالاستنكار، فأستعد للرد على هذا العجوز الحقير حين أشعر بكيف تضغط أمي على كتفي بيدها، بنية واضحة في كبحي لأنها تعرفني جيداً، فأعض لساني وأدعه يتابع. هنا يتوقف العجوز وقفة تكاد تكون غير ملاحظة، وحين يعاود الكلام، يظهر ازدراء حالتي مرة أخرى، هذه المرة بفارق دقيق، يكاد يكون للمساومة، لشخص يقيّم سلعة مشكوكاً فيها.
قال لي: "الثانية هي أن كل ما اخترعته حتى الآن ليس سوى تفاهات تافهة، ألعاب صغيرة كان أي حرفي ذي صبر كاف لينتهي بابتكارها. ولكن، مع ذلك، يظهر الكل أنك تمتلكين درجة معينة من القدرة على تطوير أشياء جديدة، وهذا النوع من العقول لا يكثر كما تظنين. لهذا السبب، حين يستقر الوضع ويتحسن استنباتك بما يكفي لئلا تكوني نفايات مطلقة للموارد، سأقترح على مجلس الشيوخ نقلك إلى الطائفة، وهناك سنرى إن كانت قدرتك هذه صالحة لتطبيقها على شيء ذي فائدة حقيقية وليس فقط لصنع الحلى".
وهنا يتوقف مرة أخرى، كأنه يفكر في شيء، ثم يتابع.
وختم قوله لي أخيراً: "وسأتحدث مع أبيك ليخصص لك موارد إضافية، بطريقة يرتفع بها مستوى استنباتك بأكبر سرعة ممكنة".
وهو بالتحديد الجزء الأخير، جزئية رفع مستوى استنباتي بأكبر سرعة ممكنة، ما يكاد يدفعني لإطلاق قهقهة مباشرة في وجه الشيخ. لأني مذهول، مذهول ببساطة، من أخلاق هذا العجوز الذي غرس نفسه أمامي ليخبرني، دون موافقتي، بكل مستقبلي ومستقبل لينها وكأن الأمر حفر في الصخر. وأمام هذا العرض من التعجرف، الشيء الوحيد الذي يخطر بفكرتي، بذلك الفكاهة السوداء وهي الشيء الوحيد الباقي لكي لا أنفجر وأقول فظاعة قد أندم عليها لاحقاً، هو أنه إن سرّعت سرعة استنباتي أكثر مما أفعله أصلاً، فمن المحتمل جداً أن تقراط المعلم مو نفسها ستنتهي بالانفجار في أذني لعدم قدرتها المطلقة على مجاراة النسق، غير القادرة على مواصلة تمويه تقدم ينافي كل منطق أصلاً.
لكنني أصمت، أطبق شفتي وأستمر في الاستماع، لأن شيئاً ما يخبرني أنه لم ينته بعد. وبالفعل، بعد إخباري بكل ذلك، يوجه الشيخ فينج بصره أخيراً نحو أمي، ومن تغير نبرته أدرك أن هذا مجرد ملحق بالنسبة له، تعليمات للخدم.
قال لها: "أما أنت، فباعتبارك أمها، مهمتك هي توجيهها لترفع مستوى استنباتها بأسرع ما يمكن لكي تكون يوم تناديها الطائفة قادرة بحد أدنى وليست العائق الذي تجعله حالتها الآن".
تنحني أمي، بعد سماعه، أمامه مرة أخرى، بعمق أكبر حتى من تحيتها له.
أجابت بصوت حازم وخاضع في آن واحد: "سأنفذ أوامرك بكل ما تسمح به قدراتي يا شيخ فينج".
يوجه الشيخ فينج نظرة أخير إلينا، واحدة تحتضن كلينا بالانتباه المشتت ذاته الذي يراجع به أحدهم سطرين في قائمة قبل الانتقال لمسألة اليوم التالية، ثم يرفع يده مرة أخرى، يقوم بإشارة كسولة في الهواء وتختفي ستارة الهواء التي لفتنا دفعة واحدة، معيدّة إيانا إلى ضجيج القاعة ونورها لتكشف، عرضاً، أن ما يقرب من نصف القاعة يتجسس علينا فوق حافة كؤوسهم ومن زاوية أعينهم. ودون كلمة إضافية، دون وداع أو إيماءة، يستدير العجوز ويغادر من حيث أتى، بذات البطء الهادئ الذي وصل به، وعند مروره يفسح الحاكم الطريق أمامه مجدداً، فاتحاً له الممر النظيف مرة أخرى، متراجعاً وكأن مجرد البقاء في طريقه شيء من الأفضل تجنبه.
أتبعه ببساطة حين يبتعد، دون تفويت تفصيل، وفقط حين تختفي هيئته كلياً بين الجموع، بعيداً بما يكفي لئلا يسمعني مهما بلغت حدة سمعه، أميل نحو أمي وأخفض صوتي للحد الأدنى.
همست لها: "أمي، من هذا العجوز الذي غرس نفسه هنا ليقرر مستقبلي ومستقبل لينها بمثل هذا التعجرف، وكأننا ملكيته؟"
تطلق أمي الهواء ببطء شديد، وكأنها كانت تحبسه لوقت قبل أن تجيبني بهمس بالكاد مسموع.
قالت لي: "إنه الشيخ فينج يا وين. حلقة الوصل بين الطائفة والإمبراطورية والمسؤول عن نقل أوامر الطائفة مباشرة إلى الإمبراطور، دون وسطاء. حين يتحدث، فهو لا يتحدث عن نفسه، بل عن الطائفة بأسرها".
أصررْتُ: "وهو قادر على فعل ذلك هكذا؟ الظهور في أي يوم وتحديد حياتنا وكأن كل شيء قد تم وكُتب، دون إمكانية رد واحد، دون أن يقدر أحد على قول أي شيء؟"
تأخذ أمي لحظة قبل أن تجيب، وحين تفعل، تتنهد أولاً، تنهيدة عميقة ومتعبة، وتتلون نبرتها بشيء لم أسمعه منها، شيء يشبه الشفقة كثيراً.
قالت لي بلطف: "أخشى جداً أن ما قاله عن لينها على الأرجح قد تقرر وأنه لا شيء يمكن لكلينا فعله لتغييره. تلك الأمور، حين تأتي من حيث تأتي، لا تُناقش. أما مستقبلك أنت، فهذا شيء أكثر مرونة. هناك لا يزال هامش وربما يستطيع الإمبراطور التأثير على كيفية تطوره. لكنه سيكون معقداً يا وين، معقداً جداً. لا أود خداعك".
أعقد حاجبي لكلمات للمرة الأولى منذ وصولي لهذا العالم، ومنذ استيقاظي في جسد فتاة، أبدأ بجدية تامة، ودون المسافة الساخرة التي أحيط بها كل شيء عادة، التفكير فيما سأفعله بالضبط بمستقبلي. وقبل كل شيء، فيما سأفعل بمستقبل لينها. لأنه بناءً على نبرة صوت أمي عند الحديث عنها، ذلك التلوين المحتوى والحزين الذي يفضح أكثر بكثير مما تقوله الكلمات، أخشى أن قصة قيادة لينها لأعضاء الطائفة ليست بحال من الأحوال شيئاً بسيطاً ونظيفاً وغير مؤذ كما صوره العجوز بنبرة الشكلية البحتة.
هناك شيء خلف هذا لم تخبرني إياها أمي، أو لا تجرؤ على إخباري به، ومجرد فكرة أن لينها، التي أصبحت أقرب شيء لصديقة حقيقية أمتلكها في هذا العالم، ستُجر إلى شيء تتحدث عنه أمي بتلك النبرة، يعكر معدتي. وإذا أضفت إلى ذلك أن أخلاق ذلك العجوز، ازدراءه، طريقته في إملاء حياة الآخرين كشخص يوقع سندات تسليم، لم تفعل سوى تعزيز الرأي الذي كان يدور في رأسي منذ فترة، وهو أن سلوك وعمل الطائفة يشبهان عصابة مافا أو كارتل مخدرات أكثر بكثير من أي مؤسسة محترمة.
وبتراتبيتها غير القابلة للمس، وأوامرها التي لا تُسأل إلى جانب عادتها، إن لم تكن أمي كذبت علي حين شرحت لي عمل الطائفة، في التخلص من البشر وكأنهم قطع يمكن التخلص منها، فالنتيجة التي أصل إليها لا تعجبني أبداً. لأنه إن انتهى الأمر بمستقبلينا، أنا ولينها، بالوقوع حقاً في أيدي أناس كهؤلاء، فأنا أخشى جداً أن نكون أمام مستقبلات لطيفة، ولا حتى عن بعد. وللمرة الأولى منذ مدة طويلة، بينما تستمر المشروبات حولي وسط ضحك وحديث الآخرين، أشعر بأن الساعة قد بدأت بالركض، وأنه من الأفضل لي أن أبدأ بالتفكير بسرعة.
لكن عندئذ يتردد صدى تحطم غامض وعميق، لشيء هائل ينكسر في مكان ما بعيد في القصر، مخترقاً جدران القاعة ومجعلًا الهواء يرتعش لبرهة قبل أن يموت في صدى يبدو أنه يسافر عبر المبنى بأكمله. والأثر على الغرفة فوري ومطلق، إذ تنقطع الضحكات قصيرة، وتظل الكؤوس معلقة في منتصف الطريق إلى الشفاه وينطفئ ذلك الطنين الثابت لألف محادثة متقاطعة كانت تملأ القاعة دفعة واحدة، وكأن يداً خفية انتزعت صوت العالم من جذوره.
لا يدوم الصمت، إذ ترتفع من الأبواب وجوانب القاعة أصوات الحرس الإمبراطوري شبه متزامنة ناهقة بأوامر الإخلاء فوق الذعر الذي يبدأ في الاستيقاظ بين الحاضرين. أراهم ينتشرون بسرعة تفضح بروتوكولاً دُرِب ألف مرة، موزعين أنفسهم بين المخارج المختلفة، رافعين أذرعهم، موجّهين الجموع نحو الأبواب في تدفق يسعى لأن يكون منظماً، مدركين على الأرجح أن الخطر الحقيقي لغرفة مليئة بالناس الخائفين ليس الانفجارات البعيدة، بل الهاربين أنفسهم الذين يتدافعون ضد بعضهم حتى لا يتركوا مساحة حتى للهواء.
لكن يأتي الانفجار الثاني، وقبله الثالث بفترة قصيرة، وفي تلك اللحظة بالتحديد أرى العديد من ني وي، الذين أتعرف عليهم كحاشيتنا، يقتحمون القاعة دافعين جانباً أي نبيل يعترض طريقهم ويشقون طريقهم في خط مستقيم نحو حيث أنا وأمي. تتفاعل أمي وأشعر بيدها تنقبض على مقبضي كرسيي حين تبدأ، دون قول شيء، بدفعي نحو كتلة الأجساد التي تتزاحم بالفعل عند المخرج الأقرب.
قلت لها: "أمي، توقفي".
لا أرفع صوتي، لكن هناك شيئاً في نبرتي يوقفها تماماً.
تابعت مشيراً بذقني إلى عنق الزجاجة المتشكل عند الباب، ذلك المد من الظهر والمرفقين المتصارعة للمرور دفعة واحدة من فجوة لا تحتمل الكثير: "انتظري، لا تأخذينا إلى هناك. الدخول إلى تلك الجموع وأنا في الكرسي أخطر بكثير من البقاء حيث نحن. إن بدأ الناس بالدفع حقاً، يكفي تعثر أحدهم بعجلة، لمرة واحدة، لينقلب الكرسي. وإن سقطت على الأرض هناك في المنتصف، مع دفع الجميع، فمن الواضح ما سيحدث لي. ليس النار ما يقتل في أمكنة كهذه يا أمي، بل الذعر".
تبقى أمي بلا حركة لبرهة وبصرها مسمر على الجموع، خائضة بصمت المعركة بين الغريزة التي تصرخ فيها بالهرب والسبب الذي منحته لها لكي لا تفعل. لكن يديها ترتخيان أخيراً عن المقبضين وتطلق تنهيدة فحسب. وتماماً حين أظن أنني استعدت شيئاً يشبه السيطرة على الوضع، ينفجر ذلك الوهم الهش حين يقتحم أحد جدران القاعة للداخل. يجتاحه جسد في مطر من الركام والتراب، يصف تحليقه قوساً لا ينبغي لأي إنسان أن يصفه وينهار على الرخام بصوت ثقيل ورطب، متدحرجاً بين الأنقاض حتى يستقر وجهه للأسفل على بعد أمتار قليلة من الصف الأول من الحاشية.
تلتفت القاعة بأسرها نحو الحزمة كمخلوق واحد، ولثانية واحدة لا يُسمع سوى صوت استقرار الركام. وحين تبدأ السحابة بالانقشاع، أميزه. ملطخاً بالدماء، ممزقاً بالارتفاع ولكن لا يمكن تخطئه تماماً، حرير الأزرق العميق والوميض الذهبي للشيخ فينج. ذات الرجل الذي غرس نفسه للتو أمامي ليحدد مستقبلي ومستقبل لينها وكأنهما مراسيم، يرقد الآن ممدداً بين أنقاض القاعة، ولا تستطيع أي جزء مظلم وتافه من رأسي سوى التفكير في أن الكون، من حين لآخر، يمكنه منح أفراح صغيرة لفتاة.
لكنه لا يمنحني سوى وقت قصير للإمساك بتلك الفكرة لأنه عبر تلك الثقب ذاته، مرسوماً ضد الغبار والضوء الداخل من الغرفة المدمرة على الجانب الآخر، متقدماً بهدوء متمهل لشخص يتنزه في حديقته الخاصة ولا يعبر جداراً منهاراً لغرفة في أطلال، يظهر أبي، الإمبراطور.