ترشح ضوء الظهيرة عبر النوافذ ليرسم خطوطاً مائلة فوق المكتب المطلي بالورنيش في دراسة ناظر الرقابة تشانغ وي حيث يقبع تقرير منفرد مفتوحاً بين محبرة وأختام ناظر الرقابة الشخصية وفنجان الشاي الصغير الذي توقف عن نفث البخار قبل زمن غير قصير. خلف ذلك المكتب يسند تشانغ وي مرفقيه إلى الخشب وشبك أصابعه عند مستوى ذقنه في وضعية تعد لكل من قضى تحت إمرته أكثر من بضعة أشهر دلالة لا تخطئها العين على أن أمراً مزعجاً على وشك الوقوع.
أمام المكتب يصطف أربعة رجال وقوفاً يرتدون جميعاً أزياء الرقابة الرسمية ويحافظون على استقامة سليمة ويشتركة أولئك جميعا في ذلك التيبس الغريب الذي يصيب الموظفين حين يعلمون أن رئيسهم غاضب لكنهم لا يدركون تماماً مع من تحديداً. غير أن نظرة ناظر الرقابة لا تترك مجالاً للشك حول موضع وقوع اهتمامه في هذه اللحظة إذ استقرت على الرجل الثاني من الرجال الأربعة جهة اليسار رجل متوسط العمر شحب وجهه وارتسمت على محياه مسحة تذكر بخصائص ابن عرس ولو حضر أصحاب السهام لعرفوه فوراً على أنه المراقب شوان الموظف الذي استجوبها قبل يوم واحد فحسب في دراسة الجوهرة في معهد الطب الإمبراطور.
يترك تشانغ وي الصمت يمتد لفترة أطول قليلاً تكفي لجعل الأمر جلياً بأنه متعمد قبل أن يتكلم.
قال بصوت موزون لا يتبين خطورته سوى من عملوا معه طويلاً: "المراقب شوان. أبلغني أنك حظيت بالفكرة البارعة المتمثلة في الظهور دون سابق إنذار في معهد الطب الإمبراطور لاستجواب الفتاة بمعزل عن والدتها وأثناء تلقيها العناية الطبية".
توقف وقفة قصيرة تكفي لمنح كل كلمة في الجملة التالية المساحة التي تستحقها.
تابع تشانغ وي بالنبرة ذاتها: "كمين. لأن ذلك يا مراقب شوان هو ما كان عليه بغض النظر عن مدى وصفك له في مذكراتك الرسمية بأنه مجرد إدلاء باقوال روتيني. وأنت محظوظ للغاية حظاً لا تستحقه لعدم ظهور أحد في ديوان الرقابة للتظلم رسمياً إذ لو قررت المحظية شيان رفع شكوى رسمية لكانت هذه المحادثة جارية في دراسة مختلفة بعض الشيء وبنهاية أقل ودية بكثير من تلك التي أنوي منحك إياها".
يميل المراقب شوان برأسه قليلاً في حركة تسعى لتبدو محترمة لكنها تعجز عن إخفاء تيبس فكه تماماً.
أجاب بصوت منضبط: "يا ناظر الرقابة. إن سمحت لي فاعتبر أن معهد الطب الإمبراطور كان المكان الأفضل للحصول على تقرير صادق لا تشوبه حضور المحظية. إن إدلاء بالأقوال جرى في جناح عبير الغيوم مع جلوس والدة الفتاة على بعد ثلاث خطوات لم يكن ليحمل أبداً القيمة الإثباتية ذاتها وأنت تعلم ذلك تماماً مثلي".
ينظر إليه تشانغ وي مطولاً دون أن يرمش ثم يمد يده دون أن يحول نظره عنه نحو التقرير المفتوح على المكتب ويلتقطه ويرفعه ويهزه في الهواء باتجاه المراقب شوان.
سأل تشانغ وي بصوت فقد اتزانه واكتسب مجاملة حادة تسوء أكثر بكثير: "صادق تقول؟ أخبرني أرجوكي يا مراقب شوان. بحكمك المهني هل تقرير تدان فيه تقريباً كامل الأسرة الإمبراطورية دون تسميتها بنشاط يُفترض أنه غير قانوني مارسته لعقود يعد صادقاً بما يكفي لإرضائك؟".
وضع الأوراق بحزم على مكتبه بتعبير يوحي بأن السؤال بلاغي وأن إجابة المراقب شوان أهون الأمور في هذه اللحظة.
تابع تشانغ وي دون أن يمنحه فرصة للرد: "لأن ما أملكه هو سجل موقع ومختوم تشرح فيه فتاة في الحادية عشرة من عمرها بوضوح مثير للإعجاب أنها قررت مغادرة القصر دون تصريح لأن إخوتها الإمبراطورين يفعلون الأمر ذاته تماماً وفعلوا ذلك لسنوات. وبما أن هذا محرر بقلم ناسخك ومؤرشف تحت ختمك وموثق بتوقيعك فليس لدي الآن خيار سوى إمراره عبر الوزارة أو تدميره وتعريض نفسي شخصياً لعواقب فعل كهذا".
فتح المراقب شوان فمه مستعداً بوضوح للدفاع عن شرعية إجرائه أو مناقشة قيمة التقرير المعني لكنه أخفق في نطق المقطع الصوتي الأول قبل أن يستطرد تشانغ وي بنبرة تحسم أي محاولة للرد.
قال له تشانغ وي بصوت فقد كل مجاملة: "حتى الآن تسامحت مع مناوراتك السياسية الصغيرة يا مراقب شوان احتراماً لسنوات خدمتك وللاحترام الذي أكنه لعائلتك. لقد غضضت الطرف مرات أكثر مما ينبغي لسلامتي الشخصية ووقعت عمليات نقل داخلية لمحو أثر بعض مبادراتك المتحمسة أكثر من اللزوم لكنك تجاوزت الحدود هذه المرة بطريقة لم تعد تحتمل التفاوض".
توقف وقفة وحين تحدث مجدداً فعل ذلك بالبرودة ذاتها التي بدأ بها.
اختتم تشانغ وي دون أن يرفع صوتَه: "غادر دراستي. وانتظر في مقر إقامتك حتى تتلقى أخبار منصبك القادم".
يستقيم المراقب شوان قليلاً لدى سماع الحكم وتنضغط شفتاه لبرهة وجيزة في خط متوتر يوحي بأنه يزن جدوى الرد لكن نظراته تتقاطع مع نظرات تشانغ وي فيجد في تعبير ناظر الرقابة ما يقنعه بأن أي محاولة لإطالة المحادثة لن تؤدي إلا لتفاقم وضعه لذا يكتفي بانحناءة جامدة ودون تفوه بكلمة إضافية استدار على عقبيه وغادر الدراسة. يراقب تشانغ وي الباب المغلق لبرهة ثم يحول بصوت نحو الثاني من الرجال الثلاثة المتبقين في الغرفة.
قال له بنبرة عادت إلى اتزانها المعتاد وإن لم تهدأ تماماً: "المراقب جينغ. أخبرني بما قاله حرس المدينة حول أسباب تأخرهم في الظهور بمكان الأحداث".
يخطو المراقب جينغ رجل النحيل واللحية العناية بدقة نصف خطوة تنظيمية قبل أن يتكلم.
بدأ بالإيقاع المهني لمن صاغ ونطق هذا النوع من التقارير مراراً: "يا ناظر الرقابة. يصر حرس المدينة على أنهم حضروا موقع الأحداث بأسرع ما استطاعوا لكنهم اكتشفوا عند بلوغ المنطقة نشوب قتال دائر بين ممارسين رفيعي المستوى انعدمت أمامهم أي فرصة لمواجهة ناجحة بحسب تقديرهم".
أوقف المراقب جينغ حديثه وقفة قصيرة متأكداً من تتبع تشانغ وي لشرحه ثم تابع: "بناء على تقرير قائد المخفر الأقرب فقد أرسلوا طلباً عاجلاً بتعزيزات إلى قيادة حرس المدينة واكتفوا بطرد المدنيين المتواجدين بالجوار لتفادي وقوع إصابات إضافية. ولم يجرؤوا على الاقتراب من المباني المهارة إلا حين لاحظوا توقف القتال كلياً ومغادرة الممارسين للمنطقة".
وهنا تنحنح المراقب جينغ قليلاً بحركة من ينقل أمراً لا يكاد يصدقه بنفسه.
وتابع بنبرة جافة بدرجة بالكاد: "أضاف حرس المدينة أعذاراً عدة. أعذار يصرون فيها على جهلهم بوجود الفتاة في المنطقة ولو علموا لحضروا الموقع فوراً رغم الخطر الذي يمثله الممارسون المعنيون".
أطلق تشانغ وي تنهيدة طويلة لدى سماعه الجزء الأخير من التقرير.
أجاب أخيراً وهو يدلك أصل أنفه بإصبعيه: "لا أستطيع لومهم أيضاً. في مكانهم من المحتمل أن أفعل ذات الشيء تماماً. إرسال دورية من حرس المدينة ضد ممارسين في تكثيف الجواهر الأولية بحسب الفتاة يعني إرسال عشرة رجال للموت بلا طائل. وأما الجزء الأخير من تقريرهم ذاك المتعلق بحضورهم رغم الخطر فضعوه في المكان الذي نحفظ فيه المجاملات الرسمية للسجلات".
يومئ المراقب جينغ برأسه حركة تكفي لتأكيد الأمر دون الظهور بمظهر الساخر من الفيلق المعني ويعود لموقعه الأصلي بينما يحول تشانغ وي بصره نحو الرجل الثالث.
قال له: "المراقب وو. ماذا قالت الحراسات السرية التي كانت تتبع الفتاة؟".
يخطو المراقب وو رجل الأضخم هيئة وصاحب مظهر من أمضى سنين في الميدان أكثر من الدراسة نصف خطوة بكفاءة تفضح ماضيه العسكري قبل أن يأخذ الكلمة.
بدأ بصوت حازم: "يا ناظر الرقابة. تفاجأت الحراسات السرية المكلفة بحراسة الفتاة تماماً بالانفجار والانهيار المتزامن اللاحق للمباني. يصرون في تقريرهم على أن دافعهم الأول كان سرعة حضور موقع الأحداث لمحاولة تحديد مكان الفتاة وسط الأنقاض وقد شرعوا بالفعل في التحرك بذلك الاتجاه حين اضطروا للتوقف".
أخذ المراقب وو وقفة قصيرة مختاراً الكلمات التالية بعناية واضحة.
وتابع: "في تلك اللحظة بالذات ومن بين أنقاض المبنى الذي انطلق منه الانفجار برز ممارسان قدّر الحرس من خلال التقنيات والحركات المرصودة بلوغهما مرحلة متقدمة على الأقل من تكثيف الجواهر الأولية. وعلاوة على ذلك استخدم الممارسون خلال المواجهة تقنيات ورقى فاقت بكثير قدرتهم على التعامل معها. وتحت تلك الظروف قيّم الحرس أن أي تدخل من طرفهم لن يكون غير مجد في حماية الفتاة فحسب بل قد يعجزهم عن نقل الخبر إلى القصر الإمبراطور".
تنشق المراقب وو الهواء قبل المتابعة لعلمه بأن الجزء اللاحق من التقرير يحظى بأكبر اهتمام لدى ناظر الرقابة.
وتابع: "لم تتبق خيارات كثيرة فقرر الحرس فعل الأمر الأخير واتجهوا بسرعة نحو القصر الإمبراطور لإبلاغ الوضع. وفور وصولهم أبلغوا المحظية شيان مباشرة والتي ودون إضاعة أي لحظة في النحيب ورغم الأخبار المقلقة وبحسب الحرس أنفسهم سارعت لتنظيم مفارز من الحرس الداخلي المكلفين بجناح عبير الغيوم لحضور موقع الأحداث بأقصى عُجالة ممكنة".
ابتسامة صغيرة تكاد تكون غير مرئية ظهرت في زاوية شفتي المراقب وو من تلك الابتسامات المرتسمة بلا إذن عند نقل خبر عن شخص يُكنُّ له المرء احتراماً مهنياً معيناً.
وتابع: "كانت المفرزة جاهزة عملياً للانطلاق. لكن في تلك اللحظة بالذات وصل حارس مدني إلى جناح عبير الغيوم مخبراً بسلامة الفتاة وأنها تولت زمام الأمور في المنطقة وتكفل حرس المدينة بمهام الإنقاذ والطوق بأمرها فانطلق الحرس الداخلي فوراً بتعليمات لاتباع توجيهات الفتاة".
يومئ تشانغ وي ببطء متمعناً في التقرير بتعبير يوحي بتراصف قطع كثيرة في لغز ذهني حاول حله لأيام.
قال للمراقب وو حين انتهى: "إنه تقرير شبه متكامل. تأكد من عدم تعليق الحرس على التفاصيل مع أي شخص خارج هذا التحقيق".
يومئ المراقب وو بانضباط جندي قبل التراجع لموضعه. ثم يوجه تشانغ وي بصره أخيراً إلى الرجل الرابع والأخير المتبقي في دراسته.
قال له: "المراقب ليو. وأنت؟ هل تمكنت من معرفة شيء عن القتيل أو الهارب الذي نملك وصفه بفضل الفتاة أو الأوراق المعثور عليها على الجثة؟".
المراقب ليو أصغر الأربعة مظهرة بتعبير مزعج لمن يعلم حمله أسوأ تقرير في الاجتماع يؤدي انحناءة أعمق من الضروري قبل الحديث.
بدأ بنبرة حذرة: "يا ناظر الرقابة. لم يمض سوى يومين على الحادثة وفيما يتعلق بالهويات بالكاد نبدأ بالبحث عن أشخاص يتعرفون على المتوفى أو يطابقون وصف الهارب بوجه معروف. للأسف لا جديد لدينا للتبليغ عنه في هذا الجانب".
توقف ليلتقط أنفاسه ويهيئ نفسه للجزء الأزعج من التقرير.
وتابع المراقب ليو: "أما عن الأوراق. فقد تمكنا بعد فحص مبدئي من خبرائنا من تأكيد تشفيرها بتقنية إخفاء تفوق بوضوح قدرات ديوان الرقابة. ولم يفلح فاحصونا في إحراز أي تقدم يذكر لكسر التشفير لذا وفق الإجراء المعتاد لهذه الحالات أحلنا الأوراق إلى الطائفة لعلهم يقدرون على فعل ذلك في زمن معقول".
يميل المراقب ليو برأسه أكثر كمن يتوقع توبيخاً يظنه واقعاً.
وأضاف: "أعتذر يا ناظر الرقابة لعدم تمكني من المساهمة بأكثر في هذا الاجتماع الأول".
لكن تشانغ وي عوض توبيخه هز رأسه بحركة خفيفة بيده.
أجاب بسيرورة فاجأت المراقب ليو قليلاً: "يومان لتعريف جثة بلا اسم أو مهنة أو انتساب معروف وقت قصير جداً. والأوراق المشفرة بتقنيات متقدمة ليست شأناً لديوان الرقابة بل تخص الطائفة. لقد فعلت الصواب يا مراقب ليو واصل العمل".
يستقيم المراقب ليو قليلاً لدى سماع كلمات رئيسه وتجتاح ملامحه راحة ظاهرة قبل عودته للوضع الرسمي. ينظر تشانغ وي بعدها إليهم الثلاثة لبرهة ثم يستند بظهر قليلاً على كرسيه مشابكاً أصابعه فوق حجره.
قال لهم: "أريد تقاريركم مصاغة وكاملة وفي دراستي في أقرب وقت ممكن. وحين أقول في أقرب وقت فأنا أعني قبل غروب شمس غد".
يومئ الرجال الثلاثة معاً ويؤدون انحناءة محترمة ودون نطق كلمة زائدة يغادرون الدراسة واحداً تلو الآخر لتغرق الغرفة في صمت. وحين خلا لنفسه سمح تشانغ وي بتهديل كتفيه بحركة لم يسمح لنفسه بإظهارها طوال الدقائق الأخيرة. انساقت نظراته نحو التقرير المفتوح على المكتب التقرير المكتوب الوحيد الذي يملكه حالياً عن كارثة العاصمة الإمبراطورية بأكملها ذلك السجل الموقّع والمختوم من المراقب شوان والذي نجحت فيه فتاة في الحادية عشرة من عمرها بابتسامة ودودة وبراءة متظاهرة ببراعة في تحويل محاولة تجريم إلى حقل ألغام سياسي يضع الأسرة الإمبراطورية ذاتها في وضع حرج.
يراقبه تشانغ وي طويلاً وبدون حراك من مقعده يفكر بجدية بالغة فيما إذا كان عليه إحراق التقرير قبل انقضاء اليوم ثم إرسال شخص بلباقة تفوق المراقب شوان لاستجواب الفتاة بأسئلة أعمق معقولية وأكثر ودية والأهم أوعى بطبيعة الفتاة التي يتعامل معها ديوان الرقابة ظاهرياً. يتنهد بعمق ويمد يده نحو فنجان الشاي البارد المنسي في زاوية المكتب ويشربه دفعة واحدة لكونها ظهيرة بالغة الطول.
الغرفة الخاصة التي يجد الإمبراطور صون هاو نفسه فيها حجرة صغيرة ومتقشّفة، تقع في جناح جانبيّ للدراسة الرئيسة ولا تُبْلَغ إلا عبر ممرّ خفيّ يجهل معظَم موظفي القصر وجوده. في وسط الغرفة، على طاولة منخفضة من الخشب المطليّ تحتلّ معظَم المساحة، يستقرّ الهدية التي أرسلتها ابنته صباح هذا اليوم بوصفها عربوناً لعيد ميلادها الوشيك. وصون هاو، الواقف بجانب الطاولة ويداه مستقرتان خلف ظهره، كان يتأمّلها منذ فترة طويلة الآن، إذ إنها نموذج مصغّر لفتات الرمال السماويّ، منجَز بمستوىً من الدقّة يفضح عمل أبرع صنّاع القصر الإمبراطوريّ، بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة بالكاد تكاد تُرى.
يعرف صون هاو أن النموذج نفسه عُرض في وسط الحديقة حيث احتفلت وين بعيد ميلادها العاشر، متصدّراً حفلة ذات طابع عبثيّ محاطة بتماثيل ملوك ذات رؤوس حيوانات ورمال مرتبة في كُثبان. لكنّه الآن يمتلكه أمامه، مغذّياً بعناية، مرسلاً رسمياً بوصفه هديّة ومشحوباً بملاحظة قصيرة كتبت فيها وين، بخطّ يدها المُعتنى به تماماً، اعتذاراً عن استحالة تقديمه في وسط استقبال بلاطيّ لأسباب تتعلّق بالحجم وتطلب منه قبوله بوصفه عربون عيد ميلاد على حدة.
وبالنسبة إلى صون هاو، بعيداً عن إزعاج حقيقة أن ابنته تعطيه غرضاً كان له استخدام سابق، فإن الأمر يسلّيه بالأحرى. لأنه، إذ يعرفها كما يعرفها، يعلم تماماً أن الهدية نفسها ليست الشيء الوحيد المخفيّ في اللفتة، بما أن النموذج يمتلك، إضافةً إلى ذلك، منفعة عمليّة ستكون قد خطرت على بال وين يقيناً في الوقت نفسه تقريبا مع الفكرة الأصليّة. ينحني صون هاو قليلاً فوق الطاولة، مفحصاً بمزيد من التفصيل الهرم الصغير في وسط الكُثبان، وتتّسع الابتسامة أكثر قليلاً.
تلك الابنة التي له، يفكّر، لا تخيط خيطاً بلا إبرة. الصوت الناعم لفتح الباب، بلا مجاملة طرق مسبق، يقاطع أفكاره. لا يحتاج صون هاو إلى الالتفات ليعرف من هو، إذ في الإمبراطورية بأسرها وُجد القليل جداً من الناس الذين يملكون امتياز دخول أجنحته بلا إعلان أنفسهم، ومن أولئك القلّة، واحد فقط سيكون لديه سبب لتقديم نفسه الآن. يدخل الشيخ فنغ الغرفة بالبطء اللائق بشخص ترك العجلة خلفه لعقود.
يحمل يديه مشبوكتين خلف ظهره ويرتدي لباساً من الحرير الأزرق العميق، رصيناً ولكن بلمسة نهائية باهظة بوضوح، مع شعار الشمس السماوية مطرزاً على الصدر وعلى الأكمام بخيط ذهبيّ. وجهه، محفور بخطوط مميزة لُمزارِع رأى جيلين أو ثلاثة يمرّون بلا حوادث كبرى، يحافظ على ذلك التعبير الواقع في منتصف المسافة بين اللامبالاة والملل الذي يبدو الحالة الطبيعية لشيوخ الطائفة حين يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع أمور دنيوية.
تسافر نظراته أولاً فوق صون هاو، ثم النموذج، ومرة أخرى فوق صون هاو، بلا أن يتغيّر تعبيره في أي لحظة.
"صون هاو"، يقول أخيراً، متوقفاً على بعد خطوتين من الطاولة.
"أهذا النموذج الغريب هو سبب استدعائك لي؟"
لا يكلف الإمبراطور نفسه عناء تصحيح صيغة المخاطبة، لأنه تعلّم قبل عقود أن طلب مجاملات بروتوكولية من شيوخ الطائفة هو الطريقة الأسرع لجعلهم يتصرفون بشكل أسوأ.
"بالتأكيد، الشيخ فنغ"، يجيب صون هاو ملتفتاً أخيراً نحوه.
"لقد دعوتك تحديداً بسبب هذا النموذج".
يصنع توقفاً صغيراً قبل المتابعة، مانحاً الشيخ وقتاً لمراقبته بمزيد من التفصيل، وحين يتكلم مرة أخرى، يمتلك صوته النغمة المقاسة لشخص يساهم بمعلومات لم تُطلب.
"ما تراه هنا هو تمثيل مصغر لفتات الرمال السماويّ، منجَز بمستوىً بارز إلى حدّ ما من الأمانة"، يتابع صون هاو.
"الكلّ يعيد إنتاج الأطلال المعروفة، التخطيط العام للتضاريس والنقاط المرجعية الرئيسية".
ثم يرفع يده ويشير، بحركة دقيقة، إلى الهرم الصغير من الحجر الشاحب الذي يرتفع وحيداً فوق الكُثبان، مزاح قليلاً نحو جانب واحد من النموذج.
"وهذا البناء هو، وفقاً للمعلومات المتاحة لدينا، الذي يضم الغرفة ذات التشكيلة"، يقول موسماً كلماته بتأكيد طفيف.
يميل الشيخ فنغ جسده إلى الأمام بالكاد، بالقدر الكافي لملاحظة الهرم بمزيد من التفصيل، ويبقى هكذا لثوانٍ قليلة في صمت. عيناه، صغيرتان ومظلمتان، تسافران فوق هندسة البناء المصغر بانتباه، للحظة، يمكن الخطأ فيه واعتباره اهتماماً. لكن للحظة فقط، لأنه حين يستقيم أخيراً، يكون تعبيره هو نفسه كالذي قبله ويمتلك صوته النغمة ذاتها من الانزعاج الطفيف الذي به سيعلق أي شيخ على رسم حسن النية لحفيد.
"كفضول ليس سيئاً"، يقول الشيخ فنغ مع هزّة كتفين تحرك لباسه بالكاد.
"لكنه لا يخدم أي غرض. امتلاك المرأة التي وجدت التشكيلة لترشد ناس الطائفة حين يحين اللحظة، لا شيء أكثر مطلوباً".
لا يرد الإمبراطور فوراً، بدلاً من ذلك، يدع العبارة تستقر في الهواء لثوانٍ معدودة، وفي هاتين الثانيتين يتغيّر وجهه، المرتخي حتى الآن، إذ يحفر جبينه بطريقة لا تخطئها عين أي محاور منتبه بالحد الأدنى.
"الشيخ فنغ"، يقول حينئذ بالصوت المقاس الذي يستخدمه حين يريد تذكير شخص بأنه، مهما لم تتضمن صيغة المخاطبة اللقب، فهو لا يزال الإمبراطور.
"تلك المرأة هي الفي يي التابعة لابنتي. وبسبب حالتها، تحتاجها وين لكي تتمكن من التحرك في حياتها اليومية".
يستمع الشيخ فنغ للعببارة بانتباه شخص يقوم بمعروف عدم المقاطعة، ولكن حتى قبل أن ينهي الإمبراطور إغلاق المقطع الأخير، يكون محركاً يداً في الهواء بحركة كسلانة، مثل شخص يبعد ذبابة ملحة.
"إذن دع ابنَتَكَ تذهب وتدرب شخصاً آخر"، يجيب بلا توتر.
"ليس ضرورياً البتة أن تكون شديد الرهاقة لتمتلك شخصاً يدفع كرسياً بسيطاً بعجلات، يا صون هاو. أي خادمة بحد أدنى من التحفظ ستخدم لتلك المهمة، وفي القصر هناك المئات منهن".
يصنع توقفاً صغيراً، بالقدر الكافي لتكون للعبارة التالية الوزن الملائم، وحين يتكلم مرة أخرى، يكون نغمنه قد تخلّت حتى عن الأثر الصغير من الصبر الذي امتلكته قبل.
"أن المرأة التي اكتشفت التشكيلة يجب أن ترشد أعضاء الطائفة حين ينفتح فتات الرمال السماويّ مجدداً قد تقرر بالفعل من قِبل مجلس الشيوخ"، يضيف.
"وهذه حقيقة".
يعمق جبين صون هاو عند سماع كلمات الشيخ، ويبقى هكذا لثوانٍ عديدة، لكن، في النهاية، لا يقول شيئاً. لأنه إذا كان القرار يأتي من مجلس الشيوخ، إذن ليس هناك إطلاقاً أي شيء يستطيع إمبراطور إمبراطورية تيانجين فعله حيال ذلك. كان بإمبراطوره الاحتجاج، كان بإمبراطوره طلب تفسيرات، كان بإمبراطوره حتى محاولة تفاوض على شروط، وفي كل الحالات لكانت النتيجة هي نفسها تماماً، مع الفارق الوحيد بأنه على طول الطريق لكان قد أحرق رأسمالاً سياسياً سيحتاج إليه لأمور يستطيع فيها تغيّر شيء فعلاً.
لذا يبتلع الردّ، وبدل الجدال، ينحرف عقل صون هاو نحو مشكلة فورية أكثر بكثير، وفي الوقت الراهن، معقدة بشكل ملحوظ. سيتوجب عليه إعطاء الأخبار لوين، وتلك، بمعرفته لابنتِه، لن تكون محادثة لطيفة. مع ذلك، يعزي نفسه بفكرة أنه لا يزال هناك ثماني سنوات قبل أن ينفتح فتات الرمال السماويّ مجدداً. ثماني سنوات أبدية لطفلة في الحادية عشرة من عمرها، وهي وقت أكثر من كافٍ لابنته، تلك الابنة ذاتها القادرة على تخطيط هدايا مثل التي أمامه قبل عام مقدماً، لتجد، وتدرب، وترقي بديلاً لوانغ ليانروا يلبي كل متطلبات المنصب.
وبمعرفته لها، لن يفاجئه إن كانت تمتلك حتى حلاً مفكراً فيه لحين حلول اللحظة، رغم أنه لأجل ذلك عليه إخبارها أولاً. وبعد ذلك، تماماً حين يكون على وشك صرف الشيخ فنغ بأي عذر، يجلب خيط الفكر حول فتات الرمال السماويّ إلى عقده مسألة أخرى، واحدة كان يجرها على قائمة بنود المعلقة لفترة ما والتي، مستغلاً وجود الشيخ، يقرر حسمها مرة وإلى الأبد.
"الشيخ فنغ"، يقول ملتفساً بجسده نحوه.
"بما أننا نتحدث عن فتات الرمال السماويّ، هناك مسألة أخرى اردت التطرق إليها معك، الآن وقد تذكرتها".
يقوس الشيخ فنغ حاجباً بفضول طفيف، مؤدب بدقة.
"الأمر يتعلق بمدينة شيآن والرجل الذي كان يسبب اضطرابات فيها"، يتابع صون هاو.
"كيف سارت الأمور بالنسبة لتلاميذ الطائفة الذين أرسلتموهم للبحث عنه؟"
عند السؤال، يطلق الشيخ فنغ تنهيدة طويلة، ثم يحرف نظره للحظة نحو نقطة غير محددة على الجدار.
"لقد كانت كارثة"، يجيب بلا مزيد من اللف والدوران.
"من التلاميذ الخارجيين الثلاثة الذين أُرسلوا، مات واحد وجُرح الاثنان الآخران. وفوق هذا كله، الشيء الوحيد الذي حققوه هو أن الرجل هرب".
لا يعلق صون هاو، داهماً الشيخ لينهي.
"لهذا السبب هناك أوامر جديدة الآن"، يتابع الشيخ فنغ مع حركة جديدة لليد.
"والطائفة ترسل تلميذين داخليين مصحوبين بستة تلاميذ خارجيين للتأكد، هذه المرة، من أسره أو قتله، حسبما تعرضه المناسبة".
يومئ صون هاو ببطء على كلمات الشيخ، مستوعباً المعلومات بلا السماح لأي تعليق بالظهور على وجهه. يرشف صون هاو ذهنياً كل المعلومات، يومئ مرة أخرى بحركة أثبت من السابقة وباعتبار أنه أخرج بالفعل من الشيخ كل ما سيحصل عليه في هذه الزيارة، يرخي قليلاً وضعيته ليفهم الآخر أن المحادثة قد انتهت. الشيخ فنغ، الذي قضى عقوداً يقرأ هذا النوع من الإشارات في الملوك، الشيوخ، والمرؤوسين، يلتقط الفارق الدقيق بلا حاجة لجعله صريحاً له.
"إن لم يكن هناك شيء آخر، صون هاو، أنا أنسحب"، يقول مع انحناءة صغيرة للرأس هي، في الوقت ذاته، المجاملة الوحيدة التي سيوزعها في الزيارة بأسرها.
"لدي أمور لأحضرها".
"بالتأكيد، الشيخ فنغ"، يجيب صون هاو بالمجاملة الرسمية ذاتها.
"أشكرك لحضورك".
لا يرد الشيخ فنغ على تلك العبارة الأخيرة، يستدير ببساطة بالبطء نفسه الذي دخل به، يقطع الخطوات القليلة التي تفصله عن الباب ويترك الغرفة بلا التفات للوراء، تاركاً الباب موارباً خلفه بلا مبالاة تبدو متعمدة تقريباً. حين تضيع خطوات الشيخ في المرّار، يبقى صون هاو وحيداً في الغرفة وتستقر عيناه مرة أخرى على النموذج، مسافرتين فوق الكُثبان المصغرة، الأطلال المتناثرة، وأخيراً، الهرم الصغير من الحجر الشاحب الذي يرتفع وحيداً فوق الصحراء.
لكن الابتسامة من قبل لا تعود، في مكانها، يستقر تعبير أكثر تأملاً على وجه إمبراطور إمبراطورية تيانجين بينما عقده، بلا أن يستطيع تجنبه تماماً، يبدأ في حساب المرشحين المحتملين لاستبدال وانغ ليانروا، وفوق كل شيء، أفضل طريقة ممكنة لإخبار ابنته بأن الشخص الوحيد الذي يفهمها تماماً سيوخذ من جانبها يوم ينفتح مدخل الفتات السماويّ مجدداً.