أراقب اليوشي مع الباي شان، والقلَم على بُعد إصبعٍ من الورق، ونظراته ضائعة في نقطةٍ ما بين الحبر والهواء؛ كأنه ما زال يعالج ما قالته ليان هوا ولم يتأكد بعدُ إن كان عليه تدوينه. يبدأ صبري مع ذلك المحقّق في النفاد، لكن ابتسامتي لا تهتزّ.
قلت له بالنبرة العذبة نفسها: "اعذرني مجدداً. دعني أُذكّرك بأنّ عملك هو تسجيل كل ما يُقال في هذا الاجتماع. كل شيء. ليس فقط ما يقوله الزاوهوان، بل وما يقوله فاي يي الخاص بي أيضاً؛ فدقة التقرير هي الضمان لجدواه، أليس كذلك؟"
أغمق يوشي شوان عينيه لحظة، وتنفّس بعمق وبقوة بالكاد يسيطر عليها، ثم فتحهما ليُثبتهما على مرؤوسه الذي لم يُكلف نفسه عناء النظر إليه هذه المرة، واكتفى بالشروع في الكتابة كأنّ حياته تتوقف عليها. لكنني، بعد توقُّفين، ما عُدت أثق به. لذا، ودون التخلي عن الابتسامة ولكن بنبرة ليس فيها في الواقع أيّ براءة، ويميّزها جلُّ الحاضرين في الغرفة لخبرتهم الكافية في التعرف إليها، تحدثت بصوتٍ عالٍ.
قلت لليان هوا بتلك الوداعة المفتعلة: "ليان هوا، أرجوكِ، أسدي لي خدمة صغيرة. اقتربي وتحقّقي من أنّ ما يكتبه كاتِب اليوشيتاي اللطيف يطابق ما يُناقش حقاً في هذا الاجتماع. لا أودّ لمحقّقٍ يحمل كل هذه المسؤوليات أن يرتكب خطأً غير مقصود يُضطرّ إلى جره طوال ما تبقى من مسيرته المهنية".
لم تحتاج ليان هوا إلى إعادة الكلام، وبنظرةٍ فولاذية ظهرت على وجهها بالسرعة نفسها التي تظهر بها الغيوم قبل العاصفة، قطعت الخطوات القليلة التي تفصلها عن المحقّق صاحب الباي شان، ووقفت بجانبه وقفةً لا تترك للفقير المسكين أدنى مجالٍ لقلب اللوح، أو تغطية الورق، أو فعل أيّ حيلة صغيرة قد تكون دارت بخلده. وشرعت تقرأ ما هو مكتوب بتركيزٍ صامت لمن يعرف تماماً عمّن يبحث. يوشي شوان، وأمام ذلك المشهد الصغير، اتخذ خطوة إلى الأمام أخيراً.
لقد صَلُبت نظراته تماماً، وحين تكلّم، فعل ذلك بصوتٍ ما عاد فيه شيءٌ من الاعتدال.
قال لي بنبرة عتابٍ واضحة: "زاوهوان، أَتُشكّك في هذه اللحظة في مهنية اليوشيتاي؟"
فخُّ السؤال واضحٌ إلى حدٍّ ما؛ فإن أنا رددتُ بالإيجاب، أكون أهنت مؤسسة إمبراطورية بأسرها. لكنّ الفخ، فضلاً عن وضوحه، ساذجٌ بعض الشيء؛ فرَدِّي كان مُعدّاً قبل وقتٍ طويل من صياغته.
أجبت والابتسامة الودود لا تزال ثابتة في مكانها: "قطعا، يوشي شوان. لا أشكّ أبداً في مهنية اليوشيتاي، فهي مؤسسة تستحق كل احترامٍ من أيّ رعيةٍ في الإمبراطورية".
توقفت قليلاً كي تجد العبارة التالية مساحتها.
تابعت مع السماح للنبرة بأن تصبح أشدّ قسوةً بعض الشيء، دون التخلي عن الوداعة ولكن بتحكُّمٍ مدروس: "ما أشكّ فيه هو أمرٌ آخر. وهو مهنيةُ رجالٍ مُعيَّنين قرروا الظهور دون سابق إنذار في استشارةٍ طبية لاستجواب فتاةٍ في الحادية عشرة من عمرها وحدها، عوضاً عن فعل ذلك بحضور والدتها كما ينبغي أن يكون الأمر، وبشكلٍ أكثر لياقةً وأدباً، وقبل كل شيء، بما يتماشى أكثر مع البروتوكول المعتاد لليوشيتاي نفسه".
وحينها، دون انتظار ردّ، نظرتُ إلى المحقّق صاحب الباي شان الذي أصبحت ليان هوا الآن تقف بجانبه كالسيف المُسلَّط، وأهديته أودّ ابتساماتي.
قلت له بالعذوبة المُعسلة نفسها التي سبقت: "أرجوك، دوّن كل ذلك أيضاً. ولا سيما الجزء المتعلق بالفتاة ذات الحادية عشرة والأم الغائبة، نظراً لأهمية ذلك في سلامة التقرير".
محقق الباي شان، وتلك اللحظة وليان هوا تتنفس فوق كتفه، لم يجرؤ على التوقف ولو لثانيةٍ واحدة، وكتب بسرعةٍ توحي بأنه سيحتاج إلى عدة أوراقٍ أُخرى قبل أن ينتهي هذا الاجتماع. ضغط يوشي شوان على شفتيه. إنها إشارة صغيرة، لكنها كافية لكي أفهم أن سهمي قد بلغ حيث قُصد له أن يبلغ.
استأنف بصوتٍ أشدّ توتراً وبمحاولة واضحة لاستعادة السيطرة على الاستجواب: "زاوهوان، سؤالٌ آخر إن سمحتَ. ما هو السبب وراء تأخر حراس المدينة -عوضاً عن التوجه فوراً إلى مكان الحادث- وقتاً أطول بكثير ممّا كان يجب في طارئٍ بهذا الحجم؟"
هذا السؤال باغتني تماماً حقاً. ليس لأنه سؤال معقد بحد ذاته، بل لأنه، حتى صاغه يوشي شوان، لم أتوقف للتفكير فيه. فبين الذهول تحت الأنقاض، وإلحاح إخراج ليان هوا، وظهور صاحب السيف وكل ما تلا ذلك، لم أجلس أبداً لأحسب كم قضيتُ من الوقت فاقداً للوعي، ولا كم استغرقت للخروج، أو في أيّ لحظةٍ بالذات وصل الحراس. ومع ذلك، تدبرت أمري بحيث لا يُظهر تعبيري أيّ مفاجأة، وخرج هادئاً تماماً كالعهد به.
أجبتُ باحنية خفيفة من الرأس: "يوشي شوان. ستدرك أن هذا السؤال هو أمرٌ سيتعين عليك توجيهه إلى حراس المدينة أنفسهم، إذ لا أظنك ظننت حقاً أن فتاةً في الحادية عشرة ستعرف بالتفصيل بروتوكولات العمل الداخلية للحراس، أو متوسط أسباب استجابتها للطوارئ، أو الأسباب المحددة التي قد تؤدي إلى التأخير في يومٍ ما".
توقفت ومضيت أضيف بنبرةٍ أكثر براءةً ممّا ينبغي: "أنا، ببساطة، كنت تحت الأنقاض وبالكاد أملك فكرة عن الوقت الذي قضيته هناك بالأسفل. رغم أنه، بالطبع، لو توصلت تحقيقات اليوشيتاي بشأن حراس المدينة إلى أيّ نتيجةٍ مثيرة للاهتمام، فسأكون مسروراً بمعرفتها متى أصبحت تلك المعلومات متاحة للعامة".
ومن هناك، يدخل الاستجواب فيما كنتُ لأسَمّيه، في حقبةٍ أخرى وحياةٍ أخرى، جلسة إدلاءٍ عدائية. يحاول يوشي شوان، مع كل سؤال، وضعِي في موقفٍ غير مريح. لماذا كنت أرتدي تلك الثياب، ولماذا ذهبتُ بمثل هذا الحدّ الأدنى من المرافقين، ولماذا غامرت بالتوغل هكذا داخل المدينة، وللماذا مررت عبر ذلك الشارع، ولماذا وثقت باولئك المرافقين بالذات في نزهةٍ غير مألوفة كهذه. وأنا، مقابل كل سؤال، أردّ عليه بإجابة صحيحة تقنياً، بل ومستحيلة تماماً من منظور سياسي لاحقاً دون أن تكون النتيجة أسوأ على من أراد استخدامها مقارنةً بي.
تخرج كل إجابة خفيفة، وودودة، ومهذبة تماماً، ومنيعة تماماً. وكل إجابة، علاوة على ذلك، تجلب لي من يوشي شوان نظرةً أشدّ حدةً من سابقتها، بينما تواصل ليان هوا، في موقعها إلى جوار الباي شان، التحقق باجتهادٍ من كل حرفٍ يخطه الكاتِب المسكين على الورق. وبينما يحدث كل هذا، فإن الريئي جونينغ، غير الآبهة بالمعركة اللفظية الصغيرة أو بالأحرى المتغاضية عنها عمداً، تواصل العمل على ساقيَّ بالتركيز المهني نفسه الذي بدأت به.
تنهي فحص الساق اليمنى، وتضع مرهمًا ذا أريج مرّ خفيف يترك وخزًا باردًا على الجلد، وتلفُّ ضمادة نظيفة بلفات دقيقة، وتفكُّ ضمادة الساق اليسرى، وتُعيد الفحص، وتُعيد المرهم، وتُعيد الضمادة. وحين يستعد يوشي شوان ليطرح ما أظنُّ أنه سؤاله الخبيث التالي، تنهض الريئي جونينغ، وتنفض مئزرها بنفصتين كفؤتين، وتبتسم لي.
قالت لي: "انتهى الأمر يا زاوهوان. لقد فرغت".
ممتاز. ألتفت ببطء نحو يوشي شوان وأترك الابتسامة الودود -ولا تزال ثابتة في مكانها- تستعيد نبرتها الأولى.
قلت له بصوتٍ هادئ: "يوشي شوان. كما أخبرتك في البداية، كنت سأُبدي اللطف وأجيب عن أسئلتك طوال المدة التي تستغرقها فحوص ساقيَّ. والآن بعد أن انتهت الريئي جونينغ، تنتهي هذه المحادثة أيضاً".
أوقفت الكلام برهة قصيرة، بالقدر الذي يكفي لجعل التباين في النبرة واضحاً.
تابعت: "إن كانت لديك أسئلة إضافية لتطرحها، فأنت حرّ في القدوم والبحث عني في جناح عطر الغيوم. وهناك، بحضور والدتي، سأجيب بكل سرور عن كل ما تحتاج إلى سؤاله. لكن حتى ذلك الحين، ومع أسفي الشديد، هذا كل ما سأجيب عنه".
يتردد يوشي شوان، وليس تردداً طويلاً، ولا ملحوظاً لمن لا ينتبه، لكنه تردد لا يُخطئه البصر. حينها أدركُ أنني لست الوحيد الذي ينتظر رداً. تَنظر إليه الريئي جونينغ بقطبةٍ في حاجبيها، مستعدةً بوضوح، إن لزم الأمر، لتذكيره بأيِّ غرفةِ دراسةٍ يتواجد. وينظر إليه الني وي الخمسة الذين دخلوا معنا بتلك الملامح الثابتة التي تخفي -دون مواربة كبيرة- مقدار العنف بالضبط الذي يستعدون لممارسته إن تطلبت الوضعية ذلك.
وحتى ليان هوا، من موقعها المجاور للباي شان، رفعت بصرها عن الورق وتنظر إلى يوشي شوان بتلك السحنة المهنية التي، إن عرف المرء ما يكمن خلفها، تبدو أقل مهنية بكثير وأقرب إلى مقدمة لشيءٍ غير لطيف. يوشي شوان، وأمام حديقة نظرات النساء المصوبة نحوه، يُطلق تنهيدة يحاول ألا يجعلها تبدو مهزومة للغاية، ويدور نحو رجاله.
أمرهم بصوت مشدود: "اجمعوا كل شيء. نحن راحلون".
لم ينتظر محقق الباي شان نصف ثانية. أحكم غطاء الدواة، ونظف القلم بخرقة صغيرة، وجمع الأوراق التي كتبها وحفظها بعناية في أحد الجيوب الجانبية، وطوى اللوح لصدره ووقف مستعداً للمغادرة بسرعة تفضح من الارتياح ما يفترض بموظف إمبراطوري في أداء مهامه تَماماً ألا يظهره على الأرجح. ينحني الأربعة، في تشكيل صحيح تماماً بروتوكوليّاً، وإن بدا مستعجلاً بوضوح لمن في الحرفة، ويدورون متوجهين نحو الباب.
لكن قبل أن يعبر الأخير العتبة، أقرر أن هذا العرض الصغير لا يمكن أن ينتهي دون ملاحظة أخيرة من طرفي.
قلت رافعاً صوتي قليلاً لأتأكد من سماعه: "يوشي شوان، آمل، من أجل المؤسسة التي تنتمي إليها، أن يُسلم التقرير المكتوب هنا اليوم بلا مشكلات إلى أرشيف اليوشيتاي. سأرسل قريباً من يؤكد أن الأمر قد جرى كذلك".
لم يكلف يوشي شوان نفسه عناء الالتفاف للرد، واكتفى بالمضي قدماً وظهره مستقيم، وغادر قاعة الدراسة برفقة رفاقه الثلاثة في صمت مشحون. ينغلق الباب خلفهم بصوت مكتوم جاف يقول أشياء أكثر بكثير مما ربما وُدَّ ليوشي شوان. وحينها، بعد ذلك التوتر الصغير، يحلّ بغرفة الدراسة صمت يكفي تماماً لكي نتنفس جميعاً في اللحظة ذاتها. أتتنفس ببطء، دافعاً بكتفيّ اللذين طال تيبسهما للاسترخاء، بينما تعود ليان هوا لمكانها بجانبي بكفاءة صامتة كعهدها، ويستعيد الني وي هيئتهم المعتادة، الأقل توتراً بقليل من دقيقة خلت، وتُبدي الريئي جونينغ، التي لا تزال واقفة إلى جواري ويداهما متشابكتان فوق مئزرها، ابتسامة خفيفة أخيرة.
أبادلها الابتسامة، وأمنحها ثواني معدودة للاستمتاع بالرضا الصغير لرؤية مسؤول رفيع في اليوشيتاي يغادر غرفتها بهيئة تقل عما دخل بها، ومن ثم أركز على ما كان يجدر بي أن أنشغل به طوال هذا الوقت.
قلت لها بنبرة أسترخى فيها الكثير مما لازم الاستجواب: "الريئي جونينغ، وبالانتقال إلى أمورٍ أهم من الزيارة الصغيرة التي تلقيناها للتو، كيف تبدو ساقاي؟"
تُطلق الريئي جونينغ ضحكة صغيرة مكتومة، تلك التي يطلقها أهل المهنة حين يغير المريض مجرى الحديث بغتة، ودون تعليق إضافي، تعود لطورها الطبي.
أجابت: "ساقاك بخير تام يا زاوهوان. لم يتبقَّ سوى بعض الخدوش السطحية التي، وبفضل حبة تجديد الدماء التي أُعطيت لك، دخلت في مرحلة متقدمة جداً من الالتئام".
توقفت برهة، كأنها تمنحني وقتاً لاستيعاب الخبر، وتابعت: "لو رغب الزاوهوان في تناول حبة أُخرى لتجديد الدماء، لانتهت الخدوش من الانغلاق قبل نهاية اليوم، ولصارت ساقاك صباح الغد كأنه لم يحدث شيء. لكن، حسب رأيي المهني، سيكون ذلك هدراً بالنسبة لما تبقى من خدوش. وإذا أتركهما تلتئمان طبيعياً، فلن يتبقَّ لهما أي أثر في غضون ثلاثة أو أربعة أيام كحد أقصى".
أومأت برأسي ببطء وأنا أقوم بالحسابات الذهنية. ثلاثة أو أربعة أيام بلا حبة مقابل ليلة واحدة بحبة. فضلاً عن أنني لا أظن أن الحبة رخيصة بالقدر الذي يوحى به تقديمها لكسيا بلا نقاش يذكر، وكما تقول الريئي جونينغ بحق، فالخدوش مجرد خدوش.
قلت لها: "إذن سأنتظر. وبما أنها لا تزعجني والتوقع لأيام معدومة، فلا أرى سبباً لإهدار حبة قد تكون أجدى لمريض آخر".
تحني الريئي جونينغ رأسها بابتسامة استحسان مهني خفيفة.
وقالت لي: "إنه قرار حصيف يا زاوهوان".
وحين استقر ذلك، انتقلت إلى السؤال الأهم بين ما أردت طرحه عليها.
قلت لها: "أمرٌ أخير. بخصوص حبة تجديد العظام التي ستُعطى لها، متى ستتعافى وصيفتي تماماً؟"
رأيت الريئي جونينغ تأخذ لحظة للرد، وأظنها لأجل حساب الأمر بالدقة التي يستحقها السؤال.
أجابت أخيراً: "الفتاة لم تفتح بوابة الطبيعة بعد ولم تنهِ صقل العظام والأوتار بعد. وهذا يعني أن جسدها يستفيد من الحبة ببطء أكبر مقارنة بمن يملك زراعة أقدم. ومع ذلك، في حالتها الخاصة، أقدر أنها في غضون يومين، أو ثلاثة كحد أقصى، ستتعافي تماماً وكأن عظامها لم تُكسر قط".
أطلقت تنهيدة ارتياح عند سماعها. رغم أن ثلاثة أيام تبدو كثيرة، لا سيما إذا تذكرنا أن ليان هوا تعافت في يوم واحد، ففي حياتي السابقة كانت فتاة صغيرة بعدة عظام مكسورة مثل كسيا ستقضي أسابيع في فراش المستشفى، ثم أشهرا في جلسات التأهيل، وإن سارت الأمور جيداً لخرجت بعاهات طفيفة ومتابعة طبية لسنوات. هذا إن حالفها الحظ بقدرتها على الدفع. وإن لا، فستبقى العاهات طوال حياتها وتعتاد عليها.
وهنا، في هذا العالم العبثي حيث يمكن جبر العظام بحبة واحدة، ستكون كسيا بخير تام خلال تلك الأيام الثلاثة. لذا أبتلعت أي شكوى قد أضمرها حيال ذلك الوقت واستبدلت بها ابتسامة صادقة، إحدى القليلات اللواتي ارتسمتن على وجهي طوال هذا الوقت.
قلت لها: "شكراً جزيلاً لك يا ريئي جونينغ. أنا ممتن للغاية لصبرك، وتكتُمك، والأهم من ذلك مهنيتك طوال الصباح. ليس كل يوم ينال المرء رفاهية مواصلة العمل مع مريض بينما يُعرض في الغرفة استعراض مسرحي صغير لليوشيتاي".
أطلقت الريئي جونينغ ضحكة أُخرى أصغر، بدت هذه المرة مسترخية بعض الشيء، وانحنت برسمية ما عاد فيها شيء من البروتوكول وبدت أقرب بكثير للتواطؤ.
أجابتني: "إنه لشرفٌ لي خدمة الزاوهوان. وإن سمحتم لي بالقول، لقد كان سسراً صغيراً أيضاً رؤية كيف تعاملتم مع الأمر".
أرددت إحناءة الرأس، ومضيت أمّن ذهنياً على وجود شخص يبدو لائقاً في هذا الركن الصغير من القصر الإمبراطوري، وأدرت رأسي نحو ليان هوا.
قلت لها: "ليان هوا، حان وقت العودة إلى الجناح".
ليان هوا، التي كانت تنتظر تلك العبارة طوال هذا الوقت بصبرها المعتاد، اقتربت من الكرسي وانحنت قليلاً.
قالت لي: "كما تأمر يا زاوهوان وين".
وحين أججلستني ثانية على كرسيي أضفت بنبرة تمتزج فيها السخرية بالتعب.
قلت لها: "لدينا أمران لنفعله فور وصولنا. الأول، ترتيب إيصال الدفع للريئي جونينغ قبل نهاية اليوم كما وعدتِ".
توقفت برهة وجيزة وأطلقت الجزء الثاني بلا مواربة في التنهيدة.
وتابعت: "والثاني، إخبار والدتي بكمين اليوشيتاي الصغير الذي نصبوه لنا للتو. إذ ليست لدي أدنى شك في أن أحدهم سيظهر عاجلاً أو آجلاً في الجناح بقائمة أسئلة مختلفة وأكثر معقولية".
انحنت ليان هوا برأسها بالكاد، في إيماءة كانت لتعد ابتسامة لو صدرت عن غيرها، وبدت الأقرب لابتسامة تسمح لنفسها بها في حضرة الريئي جونينغ.
فأجابتني: "إذن يا زاوهوان وين، لا دعنا نُبقي المعلمة الكريمة شيان تنتظر".
وبهذا، دفعت كرسيي نحو باب الدراسة لمغادرة تاي يي يوان.