داو اللغة — الفصل 115

اقرأ داو اللغة — الفصل 115 باللغة العربية على مانجا تايم.

تتطاير حبيبات الغبار والرمال من حولي بينما يبتعد الجندي، تاركاً إيّاي منحنياً قرب عجلة السيارة الرباعية الدفع، وطعم المرارة يعلق في حلقي، ووهم البندقية يضغط على كفّي رغم غيابها. تبدأ السماء الصحراوية الشاحبة من الحرارة بفقدان ملامحها، وتتلاشى خطوط القافلة كأنّ أحدهم يمحو المشهد بقطعة قماش مبللة، وفي ومضة عابرة تماماً، ينتابني شعور ساطع بأنّ هذا غير حقيقي وبأنّه أمر حدث بالفعل.

ثمّ أفتح عيني لأتأمّل سقف غرفتي المُلفَع بظلّ خفيف يكاد يخترقه ضوء يتسلّل من شقّ في الستائر. ولاثوانٍ معدودات لا أتحرّك، بل أتنفس ببطء فقط، بينما تتفكك بقايا المشهد الأخير في ذهني. ومع تلااشيها، يستقرّ في صدري مزيج مزعج من الدهشة والتعرّف، إذ مضى وقت طويل حقّاً منذ أن حلمت بذلك. وقت طويل حقّاً. أمضيت أعواماً طوالاً دون أن أحلم بتلك الظهيرة، وبالغبار، وبالصوت المميز لقاذفة القنابل، وبتلك الجسدين الساقطين على نحو لم تمثله أيّ شاشة من قبل، حتى إنني نجحت بالكذا في إقناع نفسي، بتلك السذاجة البشرية التي نتحلى بها أحياناً، بأنّ كلّ ذلك بات جزءاً من فصل استطعت طويه.

لكن، من الواضح، لم يكن الأمر كذلك. أتنفس بعمق، أملأ رئتاي قدر المستطاع، وأزفر ببطء، عادّاً الثواني في ذهني كما علّمني ذلك الطبيب النفسي الذي تقاضى أجراً باهظاً مقابل الجلسات في غرفة استشارة مطلّة على النهر في حياتي الأخرى، وأشهق مرة أخرى، وأزفير مرة أخرى، وفي المرة الثالثة يبدأ الضغط في صدري بالتراجع بما يكفي لأتمكّن من التفكير بما يشبه الوضوح. من الطبيعي، أقول لنفسي محاولاً أن أكون عقلانياً، أن يكون لكلّ ما حدث بالأمس ثمنه، وفي حياتي السابقة لم يكن يلزم سوى أقلّ من ذلك بكثير لكي يحتاج شخص له تاريخي إلى زوج إضافي من الجلسات.

ولأبقى عقلانياً، أقول لنفسي أيضاً إنّ هذا ليس انتكاسة. إنّ حلماً منعزلاً، مهما كان حادّاً، بعد حادثة كهذه، لا يعادل ثلاثة أشهر من الكوابيس المتتالية وما يرافقها من نوبات هلع عند الاستيقاظ. إنّ هذا، ببساطة، هو الثمن النفسي لرؤية فنائي الخاص عن قرب مجدداً بعد أعوام طويلة من غيابه عن حاضري. أو هكذا أتمنى، أصحح لنفسي فوراً بابتسامة مريرة صغيرة تلامس شفتي. لأنّه، بالطبع، ليس بمقدوري هذه المرة التقاط الهاتف لطلب موعد مع طبيب نفسي يعدّل أدويتي، أو يطرح عليّ بضع أسئلة لطيفة ليؤكد لي أنني لست في خضم انتكاسة لاضطراب ما بعد الصدمة.

هنا، أقرب ما يُوجد هو طبيب بلاط قد يصف لي على الأرجح غسول أعشاب لتهدئة الروح، أو في أسوأ الأحوال، حبة خيميائية مشكوكاً في محتواها تتركني نائماً لثلاثة أيام متتالية. لذا سيتعين عليّ التدبير برأسي وحدي، كما كنت أفعل في الواقع منذ اليوم الذي فتحت فيه عينيّ في هذا الجسد. ولا يعدو الأمر كونه جديداً أيضاً. أبقى مسمّراً ناظريّ نحو السقف لفترة أطول، محاولاً ترك تنفسي ينهي تنظيم نفسه ومنتبهاً إلى جسدي تحسباً لوجود عرض آخر ينبغي لي القلق بشأنه.

لكن ما عدا تعباً بليداً في عضلاتي، وهو أمر طبيعي تماماً بعد الأمس، وضيقاً خفيفاً في ساقيَّ المضمّدتين، وهو أمر طبيعي أيضاً، لا أجد شيئاً يشير إلى أن عقيلي يخطّط لإلقاء ما هو أسوأ في المدى القريب. وبينما أنا هكذا، غارق في تمرين الجرد الداخلي، تفتح باب الغرفة. ألتفت برأسي انعكاسياً، والتحية لليانهوا تتشكل بالفعل على شفتي بعفوية شخص يكرر المشهد ذاته كل صباح لأعوام، لكن الكلمات تبقى هناك، حبيسة، حين لا يكون الداخل عبر الباب طيف ليانهوا المألوف بل شخصاً آخر مختلفاً تماماً.

الداخلة وصيفة أتبيّنها ببهتان لرؤيتها في مناسبات مختلفة بممرات الجناح، لكنني أعجز عن استحضار اسمها حتى في أحسن أيامي. إنّها شابة، ذات هيئة منضبطة وتنظر مباشرة إلى الأمام بتلك الصرامة المصطنعة قليلاً لمن تعرف أنها تقوم بعمل لا يخصّها عادة ولا تريد إفساده. وحينها، لدى رؤيتها، تعيد أحداث نهاية الأمس ترتيب نفسها دفعة واحدة في رأسي وأتذكر، بوضوح مزعج، سبب غياب ليانهوا عن الداخلة.

أتذكر أنني ليلة أمس، حين نجحت أخيراً في الإفلات من الحديث مع والدتي والسقوط في هذا السرير منهكاً من التعب، كانت ليانهوا لا تزال تحت رعاية الأطباء، شأنها شأن شيا وحارسين إمبراطوريين كانا يرافقاننا. أتذكر تماماً المحفّات المغادرة عدواً بمواكبة الناي وي، وأتذكر الدم الذي كان تحت ملابس ليانهوا في تلك الحفرة المظلمة، وأتذكر، قبل كل شيء، أنني حين خلدت للنوم لم أملك أيّ خبر واضح عن الحالة الحقيقية لأي من الأربعة.

وعند تذكر ذلك، يستقر في معدتي وخز من القلق أسوأ بكثير من المذاق المتخلف للحلم. تقترب الوصفة، غير الواعية البتة بالعاصفة التي تحتدم داخل رأسي، بخطوات محسوبة حتى تقف على مسافة محترمة من السرير وتنحني برسمية.

تخاطبني قائلة بصوت محتوى لشخص يتلو رسالة محفوظة: "تشاوهوان. أرسلت الغويفي شيان هذه الخادمة لتُبلغكم بأنها تنتظركم لتناول الفطور في أقرب وقت ممكن".

أُطلق تنهيدة بالكاد تُلحظ لدى سماعها، فالعبارة، في مجاملتها الظاهرة، لا تترك لي مجالاً كبيراً. إن أرسلت والدتي في طلبي رسمياً عبر الوصيفة التي أرسلتها لاستبدال ليانهوا، فذلك لأنها تريد التأكد من ظهوري، ويعني ذلك أن العذر السهل الذي استخدمته بالأمس عن التعب لن ينفعني هذا الصباح. رغم أنني، إن تفكّرت في الأمر، لست متأكداً تماماً من رغبتي في الهرب أيضاً. كانت والدتي ليلة أمس في حالة لم أعهدها قط، على حافة الهاوية تماماً بين الخالص الراحة لاستعادتي حياً والرعب البارد لتخيل احتمال عدم عودتي قط، وتُرجم كلّ ذلك إلى محادثة يبدو لي طابعها، على ضوء الصباح البارد، كأنها كانت على وشك تحميلِي مسؤولية ما جدر في لحظة ما، رغم علمها هي نفسها تماماً باستحالة ذلك.

لم تكن والدتي هي المتحدثة تلك الليلة، بل الخوف الذي يسكن والدتي، والخوف، على لسان أيّ كان، يتفوه بأشياء لا يقولها في ظروف أخرى. لكن ليلة قد مضت، ومع قسط كافٍ من النوم والمسافة، يتراجع مستوى الهلع عادة، لذا أُفترض أنني أجد هذا الصباح والدتي التي أعرفها، لا نسختها التي استقبلتني بالأمس بعيون شديدة الإشراق ويدين مشدودتين بإحكام. أومئ برأسي قليلاً للوصيفة التي تظل منحنية في انتظار ردي.

أقول لها محاولاً تلطيف صوتي كي لا تلحظ التعب الذي لا أزال أجره معي: "أرجوكِ، ساعديني في ارتداء ملابسي".

تجيبني بانحناءة ثانية قبل أن تتجه نحو خزانة الملابس: "حاضر، تشاوهوان".

بينما أراقبها تفتح أبواب الخزانة بذلك التردد الحذر لمن لا تدرك تماماً مكان كل شيء، أُهيّئ نفسي عقلياً لما هو آتٍ، إذ أُخمن أن هذه ستكون تجربة مختلفة تماماً عن المعتاد. إذ لست مخطئاً. ما يلي هو أطول عشرين دقيقة استغرقتها في ارتداء ملابسي طوال حياتي، فالوصيفة، وواضح خلوّها من الممارسة في هذه المهمة المحددة وقبل كل شيء، خلوّها من الممارسة في فعل ذلك مع شخص في حالتي، تفعل كلّ ما بوسعها بأفضل النوايا، لكنّ كل حركة تفضح كونها تتعلم أثناء السير.

أستمر في إعطائها التعليمات بكلّ الصبر الذي أستطيعه، وبينما أقودها خلال كل خطوة من العملية، يبدأ رأسي، الذي يملك كالعادة فراغاً كبيراً، بالتجوال. لأنّ ما ألاحظه، مع كل حركة خرقاء من هذه الفتاة، هو الفارق الهائل بين شخص يفعل ذلك للمرة الأولى وبين شخص مثل ليانهوا، القادرة بعد كل هذا الوقت على إلباسي بالكامل وبشكل عملي وعيناها مغلقتان، متوقعة كل حركة مني قبل أن أعلم أنا أنني سأقوم بها.

وعند تفكيري في الأمر، يستقر انزعاج صغير لكن واضح في زاوية ما من وعيي. لأنني أُدرك، بذلك الوضوح المحرج قليلاً الذي تتسم به الإدراك البادية، أنني قضيت أعواماً أعتبر ليانهوا أمراً مسلّماً به. أعتبر مسلّماً به أنها ستكون هنا كل صباح، أنها ستلبسني، أنها ستمشط شعري، أنها ستدفع كسي, أنها ستملئني بين ذراعيها عند الضرورة، أنها ستردّ تحيتي بهذا الصوت الحيادي والدقيق الذي يعزيني دون أن أُدرك أنه يعزيني.

لقد بنيت روتيني اليومي بأسره حول حضورها، إلى الحد الذي يجعل النظام بأسره، حين يغيب ذلك الحضور كما هو هذا الصباح، يتباطأ ويتعطل ويبدأ بالفشل. وهو ما يعني أنني صرتُ معتمداً على غيري. الأمر الذي، لكي أكون صادقاً، لا يعدو مفاجأة تماماً، لكنها المرة الأولى منذ وقت طويل التي أراه مكشوفاً بهذه الفجاجة، دون طبقات الاعتياد المعتادة التي تخفيه عادة. وحينها، بسخرية داخلية، أجبر نفسي على تذكر الوجه الآخر للعملة أيضاً.

لأنني نعم، معتمد على ليانهوا. نعم، كان بإمكاني محاولة فعل المزيد من الأشياء بمفردي. لكن الصحيح أيضاً، والحرص على عدم نسيانه واجب، أنه في حالتي وفي عالم حيث أقرب ما يوجد لمنحدر كرسي متحرك هو خادم يحمل الكرسي نفسه، ليس الأمر وكأنني أملك ألف خيار مختلف لتدبير الحياة اليومية. هنا مفهوم إمكانية الوصول غير موجود، ومفهوم التكيف غير موجود، ولا أيّ شيء يشبهه، وفي خضم تلك الواقعة، الحقيقة الصرفة والقاسية هي أنه بدون شخص مثل ليانهوا يقوم بما تقوم به، لكان يومي أسوأ بكثير جوهرياً.

لا يعني ذلك أن الوضع يبدو لي مقبولاً على المدى الطويل، لكنّه على الأقل يتيح لي النظر إليه دون الشعور بسوء شديد حيال نفسي. وعلاوة على ذلك، ليس وكأنني لا أملك حلاً بالفعل، حتى وإن كان بنصف طريق. لأنّ تقنية آلاف الأيادي تنتظرني لليوم الذي أنجح فيه في فتح بوابتي الأولى، ورغم أن ذلك اليوم لا يزال يبدو بعيداً جداً، فأنا أعلم تماماً أنه حين يحلّ سأكون قادراً على فعل الكثير من الأشياء بمفردي والتي تبدو مستحيلة عليّ الآن.

ارتداء الملابس، تمشيط الشعر، بلوغ الأشياء عن الرفوف العالية، التعامل مع أشياء صغيرة دون الحاجة لطلب إحضارها لي من أحد. سيكون ذلك، في البداية على الأقل، أمراً ينبغي لي استخدامه بحذر جمّ، ويُفضل حصراً حين أكون بمفردي تماماً، لكن الأفق هناك.

أقول للوصيفة بإيماءة صغيرة حين تنتهي من إلباسي: "شكراً لكِ. الآن ساعديني على الجلوس في الكرسي وادفعيني إلى قاعة الطعام".

ترد بسرعة: "حاضر، تشاوهوان"، لتعقب ذلك بحملي بين ذراعيها وإجلوسي في الكرسي بطريقة، رغم بعض الخرق فيها، لا تصل إلى حدّ الإزعاج.

تبدو الرحلة عبر ممرات الجناح صامتة بشكل غريب. إنها الساعة التي يشهد فيها المكان عادة ذهاباً وإياباً مستمراً للوصيفات والمساعدين في المهام، ورغم خلوّه تماماً، إلا أنني ألاحظ أن الإيقاع أهدأ من المعتاد، كأنّ الطاقم بأكمله يتحرك بهدوء أكبر عمداً. أُفترض، دون حاجة للسؤال، أن شائعات ما حدث بالأمس قد جابت الجناح بالسرعة التي لا تستطيع الشائعات وحدها التحرك بها في مكان مغلق، وأن الجميع يفعل ما بوسعهم لعدم إضافة أي ضجيج غير ممرّر لهذا اليوم.

نصل إلى القاعة التي نتناول فيها الفطور عادة، وما إن تدفع الوصيفة الكرسي عبر العتبة حتى أرى والدتي ولينغشي جالستين إلى المائدة في انتظاري. ترفع والدتي نظرها لسماع العجلات، وألاحظ كيف ترتخي تعابير وجهها لجزء من الثانية لدى رؤيتي أخلُ قبل إعادة تركيبها في هيئتها المعتادة.

تقول بصوت يحاول الإيحاء بالهدوء: "وين. صباح الخير. أرجو أن تكون..."

أقاطعها قبل أن تتم التحية الرسمية، لأنّ هناك أموراً لا تحتمل التأجيل لدقيقة أخرى: "أمي، كيف حال ليانهوا وشيا والمرافقين الاثنين؟"

تُترك والدتي والعبارة نصف مكتملة، وللحظة، تبدو وكأنها تزن أمر توبيخي على المقاطعة أم لا، لكنها تطلق أخيراً تنهيدة صغيرة وبتلويحة يد تشير للوصيفة بالانصراف. تنحني الوصيفة وتغادر بصمت مغلقة الباب خلفها، وحينها فقط ترد والدتي.

تقول بالوتيرة المحسوبة ذاتها التي تستخدمها حين تقدم تقريراً مهماً: "ليانهوا والمرافقان بخير. بفضل حبوب الشفاء التي مُنحت لهما فور وصولهما للقصر، وقبل كل شيء، لم تكن جروحهما بالغة الخطورة بفضل مستوى زراعتهما. من المرجح جداً أن يتمكن الثلاثة من استئناف نشاطاتهم اليوم".

أُطلق الهواء الذي لم أدرك أنني كنت أحبسه، لكن الراحة لا تدوم طويلًا إذ تستطرد والدتي.

تقول وألاحظ انخفاض صوتها نصف نبرة، ذلك التغيير الصغير الذي تستخدمه حين تعلم أن ما ستليها لن يسرني: "المشكلة هي شيا. رغم نجاح الناي وي في تغطيتها بجسدها وهو ما أنقذ حياتها، لم تفتمام شيا بعد تليين العظام والأوتار، لذا فهي مصابة بكسور عديدة. استشفائها سيستغرق وقتاً أطول بكثير من البقية".

وهذا هو الخبر الذي كنت أتوقعه رغم رفضي الاعتراف به. أشدّ على يديّ تحت المائدة حيث لا يمكن رؤيتهما، وأُطلق تنهيدة أطول بكثير مما قصدت. كنت أعلم، عقلانياً، أن شيا كانت الأكثر عرضة للخطر بين كلّ من كانوا تحت ذلك الركام، وكنت أعلم أن زراعتها كانت الأدنى وأن جسدها كان الأقل استعداداً لتحمل ضربة كهذه، لكن معرفة ذلك نظرياً وسماعه مؤكداً بصوت عالٍ أمران مختلفان تماماً.

تراقبني والدتي لبضع ثوانٍ صامتة، مانحة إياي المساحة التي أعلم أنها تمنحني إياها عن قصد، ثمّ وبتعبير يتغير قليلاً، تفعل ما لم أكن أترقبه.

تقول بنبرة أنعم من سابقتها: "وين. أردت الاعتذار لك أيضاً".

أرفع رأسي فوراً، متفاجئاً، وأنظر إليها برمشة تفضح حيرتي.

أسألها: "على ماذا، أمي؟"

تحول والدتي نظرها للحظة نحو نقطة مبهمة على المائدة قبل إعادته إلي، وحين تفعل، يحمل صوتها صراحة ليست معتادة فيها.

تقول: "على تصرفي ليلة أمس. كنت أعلم تماماً، حتى في اللحظة التي كنت أقول فيها ما قلته، استحالة أن يكون ما حدث خطأك، واستحالة أن تكون قادراً على فعل أي شيء لمنعه. لكن بين الأخبار، وحالة عدم اليقين السابقة، وصورتك وأنت تدخل القصر مضمداً... فقدتُ منظور الأمور للحظة وتفوّهت بأشياء أعلم أنني ما كان لي قولها على هذا النحو".

أنظر إليها وهي تتحدث، وللحظة أجد صعوبة في إيجاد الرد المناسب، ليس انزعاجاً بل لوجود صدق في كلماتها لم أكن أنتظره هذا صباحاً. لكنني أجده فوراً، ويخرج الرد مصحوباً بابتسامة صغيرة لكنها صادقة.

أقول لها: "أمي، لا يوجد ما يُعتذر عنه البتة. ما فعلته ليلة أمس هو تماماً ما كانت لتفعله أي أم في العالم مكانك، وغالباً بأناقة أقلّ وصراخ أكثر بكثير. إنه أمر طبيعي تماماً".

تحافظ والدتي على نظرتي صامتة لبضع ثوانٍ أُخرى، ثمّ ودون قول شيء، تردّ لي ابتسامة صغيرة، مجرد إشارة لطرف الشفتين، لكنها تبقيها هناك لوقت كافٍ لتُلاحظ. بعد ذلك، تدع صمتاً مريحاً يخيم على المائدة، وأنا، رغم أن خبر شيا لم يترك لي شهية تذكر، أجبر نفسي على التقاط العيدان والبدء بتناول الفطور. إن كنت سأحتمل اليوم الذي ينتظرني، ومن القليل الذي أستنتجه عنه أُخمّن أنه سيكون طويلاً، فأقل ما يناسبني هو معدة فارغة.

أمضغ اللقمة الأولى انضباطاً أكثر منه رغبة، وحين أفعل، أقرر كسر الصمت قبل تحوله إلى مزعج والاستفادة للانتقال إلى موضوع كنت أحتفظ به.

أقول لها بعد البلع: "أمي، أتعرفين شيئاً عن المطبعة؟ عيد ميلاد الإمبراطور بعد أيام قليلة، ما لم يكن قد تقرر تعليق الاحتفال بما حدث بالأمس في العاصمة".

تُطلق والدتي شخيرًا صغيرًا يعدّ، لمن يعرفها، بمثابة ضحكة.

ترد علي بمزيج من الصبر والتسلية: "وين. شيء مثل ما حدث بالأمس ليس بالخطورة الكافية لتعليق احتفال كعيد ميلاد الإمبراطور. الحفلة مستمرة تماماً كما خُطط لها، فلو عُلّقت الأحداث الإمبراطورية كلما حدث اضطراب في العاصمة، لما احتفلنا بشيء أيّ عام".

أومئ دون تفاجؤ حقيقي، إذ هي الإجابة التي توقعتها في عمق الأمر.

تستطرد قائلة: "أما عن الكتاب، فقد انتهت المطبعة بالفعل من ثلاث نسخ مختلفة، كلها مصنوعة من الصفر. بما أنهم علموا أنه سُيقدم كهدية للإامبراطور، فقد قرروا صنع عدة نسخ ثم اختيار الأفضل ليكون النتيجة النهائية جديرة قدر الإمكان".

أومئ ببطء بينما أستوعب ما تخبرني به، ثمّ يجعلني شيء ما أوقف العيدان في منتصف المسافة بين الطبق وفمي.

أقول واضعاً العيدان على المائدة بعناية: "أمي، هذا يبدو مثالياً. لكن أخبري العاملين في المطبعة بأنه، فور اختيارهم النسخة النهائية، عليهم إتلاف جميع النسخ الأخرى".

ترفع والدتي حاجبها لسماعي.

أشرح لها قبل أن تتمكن من السؤال: "حين أسلم الكتاب لوالدي أنوي القول إنه أول كتاب مطبوع وُجد. إن وُجِدت نسخة أخرى هائمة في زاوية ما واكتشفها أحد، فقد تتحول في مرحلة ما إلى سلاح سياسي لشخص ما، لذا أفضل ألا يبقى أثر للنسخ المستبعدة".

تومئ والدتي ببطء وهي تستوعب كلامي، وأراها تقوم بتلك الحركة الدقيقة جداً بالعينين التي تستخدمها حين تعترف داخلياً بأن ما فعلته للتو هو الصواب.

تخاطبني بإيماءة أشدّ حزماً: "لا تقلق، وين. سأتكفل شخصياً بنقل الأمر والتأكد من تنفيذه. وحين يحلّ يوم الاحتفال، لن توجد سوى النسخة المسلمة للإامبراطور، لا شيء غيرها".

أقول براحة صادقة: "شكراً لكِ، أمي"، وألتقط العيدان مجدداً لمواصلة الفطور.

أوشك على إحضار اللقمة التالية لفمي حين يُفتح باب القاعة بغتة. أرفع بصري بدافع العطالة متوقعاً أن تكون الوصيفة العائدة لأخذ شيء ما، لكن ما ألقاه يتركني والعيدان في المنتصف، فالداخلة عبر الباب هي ليانهوا. تمشي بهيئتها المعتادة، بتلك الصرامة الهادئة التي تبدو مستحيلة التغيير، ورغم مراقبتي لها بكل التفاصيل الممكنة في الثانية التي استغرقها للاستجابة، أعجز عن رؤية أبسط أثر لجروح الأمس فيها.

ترتدي زيها نظيفاً، شعرها مجمعاً كالمعتاد وتعليقها الحيادي لأي صباح آخر.

أنفجر قائلة دون تفكير حتى في طريقة كلامي بحق الجحيم: "ما الذي تفعلينه هنا بحق الجحيم؟"

تنحني ليانهوا قليلاً عند الوصول إلي، دون أن تتأثر البتة بسؤالي.

ترد بنبرتها الشبيهة بالتقارير: "تشاوهوان وين. نظراً لتعافي، جئت لاستئناف مهامي".

أغمض عيني للحظة وأضع يدي على وجهي في إشارة واضحة للاستياء.

أقول لها أخيراً بتنهيدة وأنا أنظر إليها مجدداً: "ليانهوا. لم يكن ليحدث أيّ شيء على الإطلاق لو أخذت يوماً أو يومين للراحة. أو عدة أيام، إن لزم الأمر".

لا ترمش ليانهوا حتى أمام كلماتي.

ترد بتلك المنطقية التي يستحيل مجابهتها: "قضاء وقت أطول في الراحة، بعد التعافي، لن يجعلني أفضل".

أضغط شفتي معاً، مستعداً لإطلاق الحجة المضادة التي أعددتها، لكن لإدراكي أن كل ما أقوله سترده عليّ، أختار الاستراتيجية الوحيدة المتبقية وأدير رأسي نحو والدتي بأكثر نظرة توسل قادراً على اصطناعها. تحافظ والدتي، التي كانت تتأمل المشهد ومرفقاها مستندان على المائدة وفنجان شاي بين يديها، على نظرتي لبضع ثوانٍ ثمّ، بابتسامة تواطؤ صغيرة تفضحها، تققوم بإيماءة صغيرة ضئيلة بالنفي برأسها، كأنها تقول لي ألا أفكر حتى في النظر إليها لأنني خسرت تلك المعركة سلفاً.

أُطلق تنهيدة هزيمة وألتفت مجدداً نحو ليانهوا.

أقول مستسلمًا بالكرامة التي أستطيع حشدها: "حسناً جداً. بما أنك مصرّة لهذا الحد، يمكنك العودة لمهامك. لكني أرجوك، إن لاحظت في أي لحظة من اليوم أن شيئاً ما ليس على ما يرام، فأخبريني واستريحي".

ترد بانحناءة: "كما تأمر، تشاوهوان وين".

ودون أي انتقال، تقترب من المائدة وتبدأ بتقديم باقي الفطور بانسيابية من يقوم بهذه الحركة كل صباح لأعوام. أنا، الذي كنت قد بدأت أخدم نفسي بنفسي تماماً منذ فترة لا بأس بها دون أن ينهار العالم بسبب ذلك، أتأمل الحركة بسخرية داخلية أمتلك حكمة عدم التلفظ بها، وأتركها تفعل. وبينما تفعل، بينما تضع الطبق التالي أمامي وتسكب لي المزيد من الشاي دون سكب قطرة، لا أستطيع إلا أن أنظر إليها من طرف عيني وأتعجب، مجدداً، من الأشياء التي يقدر هذا العالم على فعلها.

لأن جروح ليانهوا بالأمس لم تكن أمراً بسيطاً. كمية الدم التي لاحظتها تحت ملابسها في تلك الحفرة المظلمة كانت مقلقة، وقال الأطباء إنها في حالة خطرة لكن مستقرة حين أخذوها على المحفة، وها هي هنا، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، على قدميها وتعمل كأن شيئاً لم يكن. في عالمي السابق، كان شخص بجروحها سيحتاج، بحد أدنى، لأسابيع من الاستشفاء، وربما جراحة، وتأهيل، ومتابعة طبية لأشهر.

هنا، حبة شفاء، وفتح بوابة الطبيعة، وليلة راحة تجعل هذا الشخص قادراً على العودة للخدمة اليوم التالي دون تعقيد إضافي. ناهيك عن جروحي أنا، التي لا تؤلمني الآن حتى وأنا متأكد تماماً، بفضل الحبة التي جعلني طبيب الناي وي أبتلعها بالأمس، أنها مالت للشفاء عملياً، رغم عدم تمكني من تأكيد ذلك بصرياً نظراً لاستمرار تضميد ساقي. غارقاً في هذه التأملات، أنهي ما تبقى من الفطور دون أن أدرك تقريباً، وحين أعود للواقع، أكتشف أن الفنجان فارغ، والطبق أيضاً، وأن ليانهوا تنتظر واقفة على أحد الجانبين بتلك الصبر اللانهائي الذي تملكه لكل ما لا يتضمن أخذ يوم راحة.

أرفع بصري نحوها بينما أنظف شفتي.

أقول لها: "ليانهوا، بدلاً من إحضار الطبيب إلى هنا لفحصي، أفضّل أن نذهب لنرى حال شيا، وبما أننا هناك، ليتولى الأطباء إلقاء نظرة عليّ هناك فوراً".

ترد ليانهوا بانحناءتها المعتادة، ودون مقدمات إضافية، تتموضع خلف الكرسي وتضع يديها على المقابض: "كما تأمر، تشاوهوان وين".

ألتفت نحو والدتي، التي تابعت المتبادلة صامتة وهي تنهي شايها الخاص.

أقول لها بإمالة رأس صغيرة من الكرسي: "أمي، أستأذنك".

ترد بتلويحة يد ناعمة: "بالتأكيد، وين".

أومئ بينما تبدأ ليانهوا بدفع الكرسي نحو الباب، وبينما نغادر القاعة باتجاه المكان الذي توجد فيه شيا، أقول لنفسي إنه بغض النظر عن سوء نهاية الأمس، لا يجب أن أنسى أيضاً أن باقي اليوم كان أحد أفضل أيام حياتي، وألاّ أسمح بتلطيخ ذلك بما حدث.