أمدّ ذراعيَّ إلى الجانبين بينما تخضعني أمي للمرة الثالثة خلال أقلّ من ربع ساعة لتدقيق شامل. تقف أمامي مباشرة وتتفحص هندامي بملء بصرها كأنها تتوقع أن تكتشف فيه عيباً خفياً يبرر إلغاء النزهة. هي المرة الأولى طوال هذه الحياة التي أرتدي فيها لباساً بهذه البساطة. فهو، وفقاً لما أوضحته لي ليانحوا، بالضبط ما ترتديه ابنة عائلة من التجار ذات مكانة معينة بلا تطلعات؛ شخصية ميسورة الحال بالقدر الكافي للخروج في نزهة في الشارع الرئيسي ومغمورة بالقدر الكافي لئلا يلتفت أحد لرؤيتها وهي تمر.
تسير إلى جانبي شيا بزيّ شبيه بزيّي، بينما ترتدى ليانحوا التي أحمل بين ذراعيها في هذه اللحظة أبسط الأزيية الثلاثة بلون بني داكن، وتبدو بغرابة الوحيدة بين الثلاثة التي يبدو لباسها كأنها ارتدته طوال حياتها.
قالت لي أمي وهي تمد يدها لتملس تجاعيد غير موجودة على ياقة ثوبي: "وين، ذكّريني مرة أخرى أين ستتجوّلين؟".
أستجمع كل الصبر المتاح وأرد عليها بالصبر ذاته الذي استخدمته منذ المرة الأولى التي سألتني فيها السؤال نفسه قبل مدة ليست بالقليلة.
أردّ: "على طول الشارع الرئيسي يا أمي. سنمضي بمحاذاته نحو حي الترفيه وهناك سنقضي بقية اليوم، وإذا جعنا فسناكل في إحدى البسطات أو المطاعم في المنطقة".
تابعت كأنها لم تسمعني وكانت ببساطة تشطب نقاطاً من قائمة ذهنية: "وتحت أي ظرف لا تنفصلين عن ليانحوا، ولا عن الحراس الذين سيرافقونك".
كررت لها بشكل آلي: "تحت أي ظرف".
تابعت: "ولا شوارع فرعية لا تكون مضاءة تماماً ومزدحمة، ولا أزقة، وبالتأكيد لا تقتربين من الأحياء السفلى القريبة من السوار الغربي".
أجبته بلطف: "لم أكن أنوي فعل ذلك أيضاً يا أمي. إذا أردت الوقوع في المشاكل فأؤكد لك أنني لن أعلها في أول نزهة متخفية في حياتي".
تسمح أمي لنفسها بتنهيدة صغيرة عند سماعي، إحدى تلك التنهيدات التي تحمل لمسة تسلية، ثم تتراجع خطوة لتنظر إليّ من قمة رأسي إلى أخمص قدمي باهتمام بدأ يشبه أقل فأقل اهتمام أم وأكثر اهتمام جنرال يستعرض تشكيلة قبل القتال.
أضافت: "وإذا نشب أي مشكلة مهما صغرت، ليانحوا هي من تقرر لا أنتِ. هي من تقرر".
احتججت: "أمي، لا داعي لتكرار ذلك أيضاً. لقد ناقشنا الأمر ثلاثة مرات بالفعل".
أجابت بلكنة الحزم القاطع التي تخصّها للمناسبات النادرة حين يُغلق التفاوض رسمياً: "وسنقناشه للمرة الرابعة إذا لزم الأمر. إذا طلبت منك ليانحوا التوقف، فتوقفين. وإذا أشارت بأن تغيري الشارع، فافعلي. وإذا قررت أن النزهة قد انتهت، فتعودين. أواضح ذلك؟".
أردّ بلا جدال لأني أعرف متى أدرك أنه من الأفضل عدم خوض معركة: "واضح تماماً. ليانحوا تقرر كل شيء".
تومئ أمي برأسها مجدداً، لكن القلق الذي يرافقها منذ بدأنا الاستعداد للخروج لا يغادر وجهها، وتمرر يدها على صدغها كأنها ترتب عقلياً النقاط التي لا زال عليها تغطيتها قبل السماح لنا بالرحيل. وحين أشرع في الظن بأننا انتهينا للتو من ترسانة التحذيرات، ترفع أمي يدها نحو لباسها، وبحركة مفاجئة تخرج شيئاً صغيراً وتُمْسِكه في كفّ يدها لأتمكن من رؤيته. إنه ختم محفور من اليشم بلون أخضر داكن لدرجة أنه في عتمة غرفة الدراسة يبدو أسود تقريباً، بمقبض يعلوه شكل طائر فينيق جثا بأجنحة مطوية وقاعدة ملساء يغطيها غلاف من الحرير الأحمر مغلق في هذه اللحظة بعقدة صغيرة.
ولست بحاجة لمن يخبرني بما هو، فرغم أني لم أره قط، أتعرف عليه فوراً.
شرعت في القول: "أمي"، لكنها رفعت يدها لتسكتني قبل أن أسترسل.
قالت وهي تسلمه لي بالحزم ذاته الذي كررت به التعليمات: "خذيه. إنه ختمك الرسمي لظاوهوان. يجب ألا تتمكني من حيازته حتى بلوغ سن الرشد، لذا أمنحك إياه للاحتياط فقط، وآمل مخلصتاً ألا تضطري لاستخدامه".
تقبلت الختم بكلتا يديّ كما ينبغي، وتفاجأت للحظة بمدى ثقله قياساً بحجمه. اليشم بارد وأملس تحت أصابعّي، والوزن يبدو غريباً لي، ليس بحد ذاته بل لكل ما يمثله.
تابعت أمي وهي تراقبني: "بهذا الختم، وبالسلطة التي تملكينها كظاوهوان على حراس المدينة، يمكنك تولي قيادة أي دورية والأمر منها بما تحتاجينه. لا أود تخويفكي يا وين، لكن لسبب ما، مهما كان غير مرجح، إذا ساءت الأمور، فمن الأفضل أن تملكي وسيلة لطلب مساعدة رسمية عبر إظهار هويتك".
أخفض نظري نحو الختم، وأسمح لنفسي لثوان معدودة بوزنه في يدي بينما أفكر في كل ما يعنيه مجرد قرار أمي بمنحه لي. إنه لفتة تتجاوز بكثير التحذيرات الروتينية وتخبرني، بلا حاجة لكلمات، بمدى قلقها المستمر من السماح لنا بالخروج.
أجبته أحيراً وأنا أضع الختم في كيس صغير أحمله: "لا تقلقي يا أمي. يجب أن تسوء الأمور كثيراً لأضطر للجوء إلى هذا. أذكرك بأنني أنوي البقاء في الشارع الرئيسي والشوارع المجاورة، ولست بصدد الهيام في أوساخ الأحياء الأكثر بؤساً في المدينة".
أجابت، ومن طريقة قولها أدرك أنها لا تحاول إقناعي أنا تحديداً: "أعلم ذلك. لكني لا أستطيع منع نفسي من القلق".
وبينما تنطق بتلك الكلمات تمد يديها مجدداً وتنهي تعديل ثنيات لا تحتاج بوضوح للمزيد من التعديل، ورغم وجودي بين ذراعي ليانحوا وكون مدى وصول أمي لمثل هذا الفعل محدوداً في هذه الوضعية، إلا أنها تنجح في تفقد ياقة الثياب، والطوق، والكمين، وأخيراً العقدة التي تغلق الكيس الصغير الذي أحمله متقاطعاً كحمالة صدرية وحيث أودعت الختم للتو. وحين تنتهي، تتراجع بالكاد خطوة وتطلق تنهيدة أخيرة وهي تبتعد كلياً.
قالت بمزيج من الحزم والاستسلام: "من الأفضل أن ترحلا قبل أن أغير رأي وأجبركم على البقاء".
أومأت برأسي وأخبرها بما انتظرت قوله لنصف ساعة تقريباً: "إذن حان وقت الانطلاق".
لكن ليانحوا لا تحرك ساكناً بعد. قبل أن تلتفت نحو الباب، تنظر إلى أمي وتخاطبها بالنبرة التي تحتفظ بها للشؤون المهنية.
قالت: "غويفي شيانغ. إن سمحتِ لي، أردت أن أضيف أن كلا من جين وي وني وي اللذين سيرافقاننا هما مخضرمان نفذا مهام حراسة أثناء التخفي أكثر من معظم زملائهما مجتمعين. اتباعاً لإرشاداتك، ستكون النزهة هادئة".
تنظر إليها أمي للحظة ثم تومئ برأسها بحركة صغيرة تكاد تبدو غير محسوسة، والتي تبدو مع ذلك كأنها تفك شيئاً من التوتر الذي تراكم في كتفيها منذ بدء الصباح.
أجابت ببساطة: "حسناً جداً".
ترد ليانحوا الإيماءة بأخرى مثيلتها وصغيرة بالقدر ذاته، ووحدها حينئذ تلتفت وبي بين ذراعيها. تندفع شيا إلى جانبنا بصمت وتغادر الثلاثة الجناح عبر باب جانبي صغير يؤدي، لا إلى الفناء الرئيسي للجناح كما هو معتاد، بل إلى سلسلة ممرات ضيقة تجري بمحاذاة الأجزاء الخلفية لمباني القصر الإمبراطوري والمخصصة لطاقم الصيانة. هذه الممرات مختلفة تماماً عن تلك التي اعتدت ارتيادها، فهي أقل زخرفة بكثير ويتبين من حالتها أنها أقل أولوية بكثير من الممرات الواسعة والمناطق التي يرتادها المسؤولون والنبلاء.
نتقدم بصمت بينما تمشي ليانحوا بخطوة حازمة لكن حصيفة، وشيا التي كانت ستكون الأولى كالعادة في التعليق على أي شيء تراه، تبدو كأنها فهمت بلا حاجة للتنبيه بأن هذا ليس وقتاً للكلام بصوت عال. نصادف على طول الطريق بضعة أشخاص، كلهم بوضوح من طاقم الخدمة، يجوبون الممرات على عجالة حاملين سلالاً أو طروداً أو أدوات شتى. بالكاد يمنحوننا نظرة أثناء مرورهم، وتلك التي يمنحونها إيانا عابرة وغير مبالية.
أظن أن تلك النظرة مرجعها رؤية فتيات في منطقة لا يُرين فيها عادة أكثر من كونهن عرفنني، لكن أياً منهم لا يمنحنا نظرة ثانية، وبعد تقاطعي ممرات نتوقف عن مصادفة أحد. بعد عدة انعطافات تبدأ الممرات بالميل طفيفاً نحو الأسفل وتنفتح أحيراً على منطقة أوسع، أشبه بساحة ملتصقة بقاعدة السوار الخارجي للقصر الإمبراطوري، وفي وسط الس ساحة، ينتظرنا رجل وامرأة في منتصف العمر. يرتدي اثنان أزياء شبيهة جداً بأزيائنا، بألوان ترابية وبقصة عملية، بلا شيء يوحي بانتمائهما للجيش ولا سيما لفرق الحراسة الشخصية للعائلة الإمبراطورية.
لو رأيتهما في الشارع لما منحتهما نظرة ثانية، وأظن أن هذه هي الغاية تماماً. الرجل طويل ومقمل، بوجه ملسوع وعيون منتبهة تتحرك فاحصة بتبصر نقاط الوصول إلى الدهليز حتى وهو ينتظر، والمرأة، أقصر قامة نوعاً ما، تتمتع بتلك الوضعية المسترخية ظاهرياً التي يبدو أن كل الحراس يمتلكونها بغض النظر عن العالم الذي ينحدرون منه. فور رؤيتنا نصل، يحييان ليانحوا بانحناءة.
قالت ليانحوا وهي تلتفت قليلا لأتمكن من رؤية الحارسين جيداً: "ظاوهوان وين، لينغ شيا. أسمح لي بأن أقدم لكما جيان يي وشين تشينغوان. هما الحارسان اللذان سيرافقاننا أثناء الجولة عبر العاصمة الإمبراطورية".
ينحني الاثنان مجدداً، هذه المرة نحوي، ويفعلان ذلك برسمية لا تقبل الخطأ، تلك المرتبطة بأعضاء العائلة الإمبراطورية، والتي تتصادم بشكل كوميدي خاص مع الأزياء الشعبية التي يرتديانها.
قال جيان يي بصوت محتوًّ لكنه واضح: "إنه لشرف لي أن أكون في خدمتك، يا ظاوهوان".
أضافت شين تشينغوان: "سنؤدي مهمتنا بكل اجتهاد، يا ظاوهوان".
وعند سماعهما، أزن باختصار ما يفعلانه ولا أستطيع منع ابتسامة صغيرة من الإفلات مني، لأنه إذا كان هدفنا هو المرور بلا لفت للانتباه بتاتاً عبر العاصمة، فهذا عكس ما نحتاجه تماماً.
أجبتهما بابتسامة: "أشكركما على الرسمية. لكن إن كنا سنمر كعائلة طبيعية تتنزه في المدينة، فآخر ما نحتاج إليه هو أن تشيرا إليّ بشكل رسمي كلما اضطررتما لقول شيء لي. طالما نحن بالخارج، يكفي أن تدعوني وين. أي طريقة أخرى للإشارة إليّ ستكون غريبة جداً بالنظر إلى الوضع".
يرفع الحارسان نظرهما نحوي بعد الإنصات إليّ، وللحظة، تتخذ وجوهاهما، اللتان كانتا حتى تلك اللحظة وجوه المخضرمين المهنية والهادئة، تلك التعبيرات الخاصة التي يرتديها البشر حين لا يدركون تماماً ما إذا كان ما سمعوه للتو أمراً، أم اقتراحاً، أم طرفة صغيرة لا يستوعبانها تماماً. خلفي، أسمع كيف تطلق ليانحوا تنهيدة ضئيلة، تلك التنهيدة القصيرة والمهنية التي باتت مألوفة لدي وهي الأقرب للاحتجاج التي تسمح لنفسها به حين نكون بحضور غرباء.
لكن لا أحد ينطق بكلمة، لا الحراس، ولا ليانحوا، ولا شيا التي ظلت متأخرة خطوة تراقب المشهد بمزيج من الاهتمام والحذر غير المعتادين منها على الإطلاق.
تابعت مقررة إسقاط الموضوع قبل أن يمتد الصمت أطول مما ينبغي: "إن كان كل شيء واضحاً، أيمكننا الذهاب؟".
أجاب جيان يي بعد هنيهة: "نعم، كل شيء جاهز. إن تفضلتن باتباعنا".
يستدير الحارسان ويهدياننا نحو أحد طرفي الدهليز، حيث ينقطع السوار عند مستوى الأرض ويظهر ممر ضيق، بالكاد يتسع لشخصين يسيران جنباً إلى جنب، مغلق بباب معدني ثقيل ومقوى يبدو بأكمله مصمماً لمقاومة أي محاولة لخلعه. يلتقط جيان يي مفتاحاً من داخل لباسه، مفتاحاً كبيراً وصلباً بلا أي نوع من الزخرفة، ويدخله في القفل، وبعده يذعن الباب بنقرة معدنية فاتحاً نحو داخل الممر. بمجرد انفتاحه، نعبر نحن الخمسة بالترتيب، وفور عبور الأخير، يغلق جيان يي الباب خلفنا ويدير المفتاح مجدداً.
الممر، ما إن يُعبر الباب، يتبين أنه أطول مما بدا من الجانب الآخر. الجدران من حجر غير مصقول، والسقف منخفض، والإضاءة تأتي من بضع قناديل وضعت بفواصل محسوبة، ما يكفي ليرى المرء أين يذهب وليس بالقدر الذي يجعل المكان يبدو مرحباً. نتقدم بصمت حتى نبلغ باباً معدنياً ثانياً، مطاملاً للأول في المظهر، ويكرر جيان يي العملية ذاتها لنعبر إلى الجانب الآخر. ومع ذلك، يستمر الممر إلى ما بعد ذلك.
نجتاز الممر حتى ينتهي أحيراً في درجات سلم ضيقة تصعد نحو باب صغير. يصعد جيان يي أولاً، ويفتح الباب بحذر، وينصت للححظة، ووحدها حينئذ يطلق إشارة للأسفل لنتبعه بقية المجموعة. الصعود وليانحوا تحملني بين ذراعيها عملية شاقة نوعاً ما مقارنة بالآخرين بسبب ضيق السلم، لكنها تنجح وبعد هنيهة نكون جميعا في غرفة صغيرة خافتة الإضاءة ترتص جدرانها بأرفف محملة بطرود ملفوفة بورق، وحزم أقمشة، وصناديق مكدسة.
إنه بوضوح مستودع، ومن الترتيب والغبار المتراكم في مناطق دون أخرى، يتضح أنه مستودع يعمل ككذلك وفي الوقت ذاته غطاء للممر الذي تركناه للتو. نغادر المستودع عبر باب يفضي إلى مؤخرة ما يتبين أنه دكان، أحد تلك المحال التي تبدو كأنها تبيع أي شيء يمكن تخيله، من أقمشة وأدوات مطبخ مروراً بتماثيل زينة. في مؤخرة المتجر، بجانب المنضدة، يخدم رجل مسنّ زبيناً، وفور رؤيته توجه إليه شين تشينغوان إيماءة موافقة قصيرة وصامتة.
يرد الرجل إيماءة أخرى مقتضبة بالقدر ذاته ويوجه انتباهه مجدداً للزبون أمامه بلا أن يمنحنا لا كلمة ولا نظرة ثانية، وهو ما يؤكد بلا حاجة لشروح أن هذا روتيني تماماً، وليس شيئاً مرتجلاً لأجلنا. نغادر المتجر ويضربني نور صباح العاصمة بملئه لأول مرة في حياتي بلا ترشيح من ستائر عربة. الشارع الذي نحن فيه لا أتعرف عليه البتة، وهذا لا يفاجئني أيضاً إذ بجمع كل جولاتي في السنوات الماضية سأكون بالكاد رأيت أربعة أو خمسة شوارع مختلفة ودائماً من داخل عربة متحركة.
مستغلة حقيقة أن ليانحوا توقفت للحظة ليتفحص الحارسان المحيط، أدير رأسي قليلاً لأرمقها.
قلت بصوت يرتفع بالكاد فوق المعدل الطبيعي: "ليانحوا، ما الأول؟".
أجابت بلا تردد: "سنذهب أولاً إلى الشارع الرئيسي لنلقي نظرة على المحال الموجودة فيه. ومع تقدمنا سنقترب من حي الترفيه، حيث يمكننا قضاء بقية اليوم كما خططنا".
أومأت برأسها ممتنة، ثم وجهت رأسي نحو شيا التي تمشي إلى جانبي بمزيج الفضول والانضباط الذي تحاول الحفاظ عليه.
سألتها: "ما رأيك في الخطة يا شيا؟ في النهاية، إنها نزهتك".
ترمش شيا مرتين، متفاجئة بوضوح لطلبي رأيها، ثم يضيء وجهها بذلك الحماس المحتوي الذي ترتديه حين يتحمس لها شيء حقاً.
أجابت: "تبدو مثالية لي يا وين. أتطلع لرؤية أنواع العروض الموجودة في العاصمة الإمبراطورية".
وبهذا الرد ننطلق. يمشي جيان يي وشين تشينغوان مبتعدين عنا قليلاً، بمسافة قصيرة بما يكفي للتدخل في لحظة وبدوكمجموعة من خمسة أشخاص، مع الحفاظ على مسافة كافية لمنحنا بعض الخصوصية. للوهلة الأولى، أظن أننا نبدو كعائلة ميسورة تتنزه، مع خادمة تحمل إحدى الفتيات بين ذراعيها، والأخت بجانبها، والوالدان يتبعانهما بخطوات للخلف. حي المتاجر، ما إن نصل إلى الشارع الرئيسي، يتبين أنه كل ما تذكرته من جولاتي بالعربة مضافاً إليه الفرق الذي يصنعه المشي بين البشر بدلاً من المرور فوقهم.
تختلط الروائح، والضجيج ثابت، والباعة يعلنون عن بضائعهم بلا توقف، والناس يشترون، ويساومون، ويتبادلون الحديث بتلك الطاقة الخاصة بسوق يعمل بشكل جيد. ندخل أنا وشيا عدة متاجر مع تقدمنا. في متجر أقمشة، تفتتن شيا ببعض الأشرطة الملونة التي تكلفة بضع عملات معدنية وننتهي بشرائها ثلاثة. في متجر آخر لأغراض خشبية منحوتة صغيرة، أعثر على مشط بسيط بنقرة طائر محفورة على المقبر تعجبني بالقدر الكافي لأشتريها لنفسي.
ليست أي من المشتريات باهظة، ولا تجذب الانتباه، لكن الأهم من ذلك، نقوم بها ببساطة لأنني أرغب في ذلك. يظهر حي الترفيه بعد قليل من انعطافة في الشارع الرئيسي، وسرعان ما نرى مجموعة من عارضي خيال الظل يؤدون قصة أتذكر قراءتها عن كقر و صياد، وبعدها مسرحية صغيرة مرتجلة على ناصية مع ممثلين يضحكان الجمهور بحوار عبثي بين قاض وفلاح، ثم عازفو شوارع بآلات مختلفة. وهنا لا أستطيع منع نفسي من إيلاء اهتمام معين لوجود جزء صغير مني كان يأمل سماع، في إحدى تلك البسطات، النغمات التي لا تخطئ للقطعة التي عزفتها في عيد ميلادي.
لكن أياً من العازفين لم يبدو أنه قرر الجرأة بذلك الإيقاع، وهو ما يولد مني خيبة أمل داخلية صغيرة أهدئها سريعاً بتذكير نفسي بأن عيد ميلاد أبي لم يأت بعد، وبعده، من يدري، لعل المرة القادمة التي يخرج فيها أحدهم للشارع للعزف يجرؤ على تقديم شيء سمعه الإمبراطور حتى. لكننا نواصل النزهة ونرى مدربي حيوانات يعرضون مخلوقاتهم المدربة، قروداً صغيرة تقوم بشبه شقلبة، كلباً يميز الألوان، وزوجاً من الطيور يلتقط الأرض ويوضعه في سلة صغيرة.
تفتتن شيا بهم جميعاً وأدع نفسي أجرف بحماسها أكثر مما أعترف به بصوت عال. بين عرض وعرض، نتوقف للأكل في بسطة صغيرة في الهواء الطلق تبيع أطباق شعيرية بالمرق ووجبات مقلية صغيرة تفوح منها رائحة أفضل بكثير مما يتوقع المرء من بسطة شارع. تنجح ليانحوا، التي لا زالت تحملني بين ذراعيها، في إطعامي جالسة على مقعد بجوار البسطة بينما تتناول شيا وعاءها بنهمها المعتاد ويأكل جيان يي وشين تشينغوان على الطاولة المجاورة لطاولتنا بلا أن يفقدانا من البصر في أي لحظة.
الطعام بسيط ولذيذ، لدرجة أنني حين أنتهي من الوعاء أخبر ليانحوا، بلا تفكير كثير، أنني أريد وجبة ثانية، مما يدفع شيا، لسبب ما، للنظر إلي بتعبير انتصار مطلق. وهكذا، بين موسيقى وعروض وطعام ومشتريات طفيفة، تنقضي الظهيرة بلا أن أدرك تقريباً، حتى تبدأ اللحظة التي يكتسب فيها النور ذلك الدفء المسبق للغروب، وأسمع بجانبي كيف تنحني ليانحوا قليلاً وتخاطبني بصوت خافت.
قالت: "فوْرِن. حان وقت العودة".
أتنهد لسماعها، رغم أن الحقيقة هي أنني كنت أستشعر منذ برهة قرب تلك اللحظة، ولا أستطيع منع نفسي من إضافة تعليق يخص شيا ونفسي معاً.
قلت: "إنه لأمر مؤسف. وقبل كل شيء خسارة ألا نتمكن غالباً من فعل هذا مجدداً".
أضافت شيا بجانبي بنبرة أخفض من تلك التي حافظت عليها طوال الظهيرة: "هذا صحيح".
أمنح نظرة أخيرة حولي، للعروض التي لا زال بالإمكان رؤيتها من بعيد، للبسطات التي تبدأ بلملمة بعض المواد سريعة التلف، للناس الماشين بتمهل مستمتعين بنهاية الظهيرة، ثم التفت مجدداً نحو ليانحوا.
قلت بابتسامة صغيرة: "أظن أن مرة واحدة تكفي. حان وقت العودة للبيت".
ومع ذلك، تنطلق المجموعة في طريق العودة. تمشي شيا بجانبنا متأخرة خطوتين، بذلك التردد الطفيف الخاص بمن يعلم أن المرح قد انتهى، وأدع نفسي أحمل بين ذراعي ليانحوا بينما أحاول نقش كل التفاصيل الممكنة لهذه الظهيرة في الذاكرة، عالمة باحتمال أن تكون الوحيدة التي أعيشها هكذا. لكنا كنا على وشك انعطافة الزاوية المؤدية للشارع الرئيسي حين دوى صوت انفجار في أرجاء المنطقة بأسرها، بصوت عال ومفاجئ لدرجة أنه بدا لي، لثانية، وكأنه أصابني جسدياً.
ولم أكد أملك الوقت الكافي لإدراك صدور الصوت من المبنى الذي كنا نمر بجانبه، بالكاد لحظة لألتفت برأسي، بالكاد ثانية لأتأمل، متسمرة من الرعب، كيف ينهار ذلك المبنى فوقنا.