داو اللغة الفصل 11

اقرأ داو اللغة الفصل 11 باللغة العربية على مانجا تايم.

ينتشر ضوء الفجر برقة عبر نوافذ غرفتي، ناثراً حبيبات ذهبية فوق الطاولة والكتاب الماثل أمامي. على الرغم من مجريات الحكاية، لا أستطيع التركيز إلا بصعوبة بالغة. وحتى الآن، ما زال مشهد المحاكمة في الأيام الماضية وقبل كل شيء وضع أخي غير الشقيق يملآن عقلي وعدداً ليس قليلاً من أحلامي، إذ راودتني كوابيس أشرع فيها بممارسة تنقية الجلد الشهيرة وألقى مصير أخي غير الشقيق. أدرك أن الأمر لا ينطوي على ذلك القدر من الخطورة، نظراً لأن كل من حولنا قد أتمه ولا يحتاج المرء إلا إلى تأمل روعة بشراتهم، لكنني عاجزة عن دفع مخاوفي بعيداً في غياب معلومات وافية عن برمجة الارتقاء برمتها.

أعتقد أن أفلاطون هو من قال إن أكثر ما نخافه هو ما نجهله، أو على الأقل شيئاً يحوم حول هذا المعنى. بينما أحاول قراءة الكتاب أمامي رغم تشويش أفكاري، يفتح باب غرفتي بصريفه الخافت، وحين أرفع نظري أرى والدتي مرتدية زياً مطرزاً من الحرير يشير بوضوح إلى أنها مغادرة للجناح، ومعها ليانروا المرتدية هي الأخرى ثياباً تناسب مناسبة ما.

بدأت والدتي قائلة بصوتها العذب كالمعتاد: "صويحبتي الصغيرة صن ون، لدي أخبار مهمة لك".

ثم أردفت: "قرر ابن السماء أن الوقت قد حان لتبدئي دراستك الرسمية. لقد خصص لك معلماً، وهو بانتظارنا في المكتبة الإمبراطورية".

يثير ذكر المكتبة الإمبراطورية وميضاً من الحماس في داخلي. إن تسنى لي بلوغها، فلن أجد ما أسلّي به نفسي فحسب، بل سأتمكن من البحث عن إجابات لكل تساؤلاتي. غير أنني أتذكر بعد ذلك حالة ساقي فأطلق تنهيدة أسى، إذ سأضطر للاعتماد على رغبة شخص آخر في جلب الكتب التي أبغيها. تقوم والدتي بإشارة فتتقدم خادمتان كانتا تقفان عند الباب وتشرعان في إلباسي. وقبل أن تبدئا، أخبرهما برغبتي في استخدام المرحاض قبل مغادرتنا، فحالة الإهانة الناجمة عن الحاجة الدائمة لشخص يساعدني في الحمام ليست شيئاً أود اختباره خارج منزلنا.

وما إن أنتهي من حاجتي حتى تحملني ليانروا بين ذراعيها، ومرافقة لوالدتي، نغادر الجناح في رعاية فرقة من الحرس الداخلي. نتجه نحو باحة من القصر لم يسبق لي زيارتها، وما هي إلا لحظات حتى نقترب من مبنى يرتفع بهيبة أمامنا. تزين تماثيل التنين المتشابكة أبوابه البرونزية العظيمة، وباتت سقوفه المقوسة كأنها تداعب السماء. تبدو الحدائق المحيطة بما أظنه المكتبة مرتبطة بعناية فائقة، مع تفجر ألوان الأقحوان والفاوانيا بانفجار من البهاء.

وعند بلوغ المدخل يستقبلنا الحرس الإمبراطوري، ليسمحوا لنا بالدخول بانحناءة احترام، فاتحين الطريق نحو قلب المعرفة الإمبراطورية. يبدو جوف المكتبة الإمبراطورية أكثر إبهاراً من واجهتها. تملأ رفوف الخشب الداكن، المنحوتة بمشاهد لما أظنه تاريخاً وأساطير، الطوابق الثلاثة الظاهرة عبر فتحة الفناء المركزي للمبنى. تصطف لفافات الحرير، والكتب، والرقوق القديمة كجنود في صفوف منتظمة، حارسة للمعرفة التي جمعها الإمبراطورية عبر القرون، بينما يبدو عدد من الأشخاص، أمناء مكتبات على ما أظن، مشغولين بمراجعة كل شيء، رغم إلقائهم نظرات خاطفة باتجاهنا عند دخولنا.

وهناك، في وسط معبد المعرفة هذا، ينتظرنا رجل قصير وبدين يرتدي لباساً أزرق وأبيض يبدو كنوع من الزي الرسمي. إنه جالس إلى إحدى الطوابق التي تعلوها كومة من الكتب ويقرأ فيها، لكنه ينهض ما أن يرى دخولنا مقدماً نفسه بانحناءة.

يقول بابتسامة دافئة: "أنا شوشي وينشوي، وقد عُينت من قِبل الأكاديمية الإمبراطورية معلماً للأميرة الصغيرة".

تجيب والدتي: "أنا الحرمة شيانغ، أيها الشوشي وينشوي المُبجل. وهذه الطفلة هي تشاوهوان وين، تلميذتك".

ثم تشير بيديها نحو ليانروا وتتابع قائلة: "وهذه خادمة القصر ليانروا. ستبقى برفقتها طوال فترة وجودها هنا، لتلبية أي احتياجات قد تنشأ بسبب وضعها الخاص".

يلوح الشوشي وينشوي بيده باستهانة قائلاً: "ما دامت لا تزعجني ولا تلميذتي، فلتبقَ بالمدة التي تشاءها".

ثم يشير نحو طاولة قريبة لم ألاحظها، وأُذهل عندما أرى أن كلاً منها والكرسي المجاور لها قد صُمِّما بما يتناسب مع قامتي وحالتي، فيقول: "منذ وقت قصير أحضر بعض الخدم هذا الأثاث، مشيرين إلى أنه مخصص لدراسات تشاوهوان وين. وإن تمكنت خادمة القصر ليانروا من إجلائها على الكرسي، فيمكننا البدء. أود أولاً تقييم مدى تقدم قدرتها على القراءة".

بعد هذه الكلمات، تساعدني ليانروا على الاستقرار في الكرسي عند الطاولة، ويضع الشوشي وينشوي كتاباً أمامي.

يخاطبني بلطف: "حاولي قירأتّه، يا تشاوهوان، وحينها سنناقش ما استوعبته وما تعذرت عليك قراءته".

أقلّب صفحات الكتاب، الذي يبدو نسخة هذا العالم من نص تشيانزي وين، وهو نص يُستخدم تقليدياً لتعليم المفردات لأطفال المدارس في الصين، بينما أصيخ السمع لحديث يدور بين العالم ووالدتي وليانروا حول قدرتي المبكرة على القراءة.

تتساءل والدتي بصوت تملؤه الفخر والفضول: "هل من الطبيعي لمن باركتهم السماء أن يتعلموا القراءة في سن مبكرة هكذا؟".

يطلق العالم ضحكة خفيفة قبل أن يجيب: "إنه لأمر لافت حقاً، لكنه لا يعد شيئاً مقارنة ببعض المباركين من السماء يا حرمة. فعلى سبيل المثال، وقبل نحو مئتي عام، بدأ مبارك من السماء يُدعى لونغ تشين في الكلام وعمره ستة أشهر، وفي القراءة بحلول عامه الأول، وذلك في إحدى الإمبراطوريات المجاورة. لدرجة أن إمبراطور تلك البقعة دعا عائلة الطفل لكي يُربى بوصفه مسؤولاً مستقبلياً في حكومته".

تضربني كلماته كصاعقة. التكلم في ستة أشهر؟ والقراءة في عام واحد؟ تصيبني الصدمة بالخرس. طوال هذا الوقت كنت أتظاهر بكوني طفلة مبكرة النضج بعض الشيء خوفاً من أن يظنوا أنني متبوعة بروح شريرة فيقتلوني أو ما شابه، بينما الواقع كان ليكون عكس ذلك تماماً. لو علمت بهذا مسبقاً، لتكلمت أبكر بكثير ولما شعرت بالملل القاتل وأنا أهدر عامين من حياتي. أدع رأسي يسقط على الكتاب بينما أشكك في وجودي بأسره، وحينها ألاحظ أن شخصاً ما قد توقف بجانبي.

يستفسر الشوشي وينشوي بعدما اقترب دون أن أنتبه بينما كنت غارقة في بؤسي: "أكل شيء على ما يرام، أيتها تشاوهوان المُبجلة؟".

أجيب مخفية إحراج ضبطي بتلك الحالة: "نعم، أيها الشوشي وينشوي. كنت أستريح للحظة فحسب قبل المتابعة".

ويخبرني قبل أن يعود للجلوس على الكرسي الذي كان فيه عند دخولنا ليواصل قراءة كتابه: "حين تنتهين من قراءة الكتاب، أَعلميني لنقيم مستوى قراءتك".

بالتفتيش حول المكتبة، أرى أن ليانروا قد اتخذت مكاناً لها في أحد جوانب الغرفة، منتظرة إن ناديتها، وقد غادرت والدتي بالفعل. أعيد بصري نحو الشوشي وينشوي حاجبة حاجبيه بريبة، متساءلة عن أي معلم غير جدير أرسله لي أبي، معلماَ يبدو مهتماً بقراءة كتبه أكثر من مساعدة تلميذته، قبل أن ألتفت إلى كتابي الخاص وأشرع في القراءة لكي أدهش الجميع بمدى وضوح مباركتي السماوية التي سأتحلى بها منذ هذه اللحظة فصاعداً.

بعزم أكيد، أشرع في قراءة النص الماثل أمامي، ومستعينة بكل معارفي أبدل جهدي لتحليله. لا يدعي أحد إذن أن دراساتي في اللغويات التاريخية وشتى درجات الماجستير قد ذهبت سدى. بينما أغوص أكثر في النص ألاحظ تركيزي يتضاعف، وخلال دهشتي أدخل في حالة من التدفق الذهني. لم يحدث لي هذا سوى مرات معدودات من قبل، لكن عقلي في تلك المناسبات لم يكن بمثل هذا الصفاء قط. أشرع في قراءة الرموز بسرعة، وحين يعترضني رمز مجهول، أبدأ بتفكيكه إلى جذوره واستنباط معناه بمقارنته مع رموز أخرى تشاركه تلك الجذور ومع رموز الماندرين الصينية التي تبدو متشاركة معه في الجذر.

دون أن أنتبه لمرور الوقت، أواصل الاستمتاع بتحليل وفك طلاسم النص، وهو أمر لم يختبر لي من قبل إلا حين كنت في مكتبي أحاول ترجمة أجزاء من النصوص القديمة المستخرجة من الحفريات حول العالم. ولكن تماماً بينما كنت أستمتع باللحظة أشد الاستمتاع، أتوقف بغتة حين أدرك أنني أنجزت النص ولم يبقَ ما أفعله. وما إن أطرف جفني وأنظر إلى الكتاب أمامي، حتى يداهمني استيعاب ما قمت به للتو.

ما فعلته يعد مستحيلاً. فلتحقيق الأمر ذاته في عالمي القديم كنت لأحتاج قواميس متعددة على مدى أيام من البحث وتدوين الملاحظات، أو حتى برنامجا حاسوبيا متخصصا لتلك المهمة. لكنني الآن أنجزته بمفردي، من الذاكرة، وبافتراض أن أحداً لم يقاطعني لاستغراقي وقتاً طويلاً، في غضون ساعات معدودة فقط. علاوة على ذلك، فبمجرد لحظة تفكير واحدة، كل ما قرأته في النص يترسخ في ذاكرتي بوضوح تام.

لا يبدو الأمر كالذاكرة الصورية المثيرة للجدل بل أشبه بشيء أقرب للذاكرة المفرطة. والأغرب من كل ذلك أنني متأكدة من أنني لم أكن أمتلكها قبل الشروع في تحليل الكتاب. لا أستطيع منع نفسي من التفكير في كل ما عرفته عن المباركين من السماء، وفيما حدث لي للتو، وفي كل ما لاحظته أثناء تعلم اللغة المحكية وكنت أتغاضى عنه ظانة أنه يعود ببساطة لمعرفتي المسبقة بالصينية. بات جلياً أن أمراً ما يحصل معي وأنني قد أكون حقاً من المباركين، بغض النظر عن تذكري لحياتي السابقة.

بغض النظر عن كون موضوع المباركين برُمته يبدو أخطر من مجرد كوني عبقرية، لكن في غياب مراجع أخرى أقارن بها، لا يمكنني الوصول إلى استنتاج قاطع. رافعة عينيّ عن الكتاب، ألقي نظرة حذرة حولي لأرى أن معلمي غير الموثوق ما زال جالساً يقرأ كتاباً، بينما تركت ليانروا نفسها تنجرف مع الأجواء ووجدت شيئاً تقرؤه بينما تنتظر في حال احتججت لأي شيء.

بينما أفكر فيما إذا كان يجدر بي مناداة معلمي أم لا نظراً لسرعة انتهائي، أتذكر الحوار السابق حول ذلك المدعو لونغ تشين، وبعزم أنظر إليه وأقول: "أيها الشوشي وينشوي، لقد انتهيت من قراءة الكتاب".

يرفع الشوشي وينشوي بصره عن كتابه ويرمقني، مطرفاً جفنيه بضع مرات كمن يستغرب الأمر: "بهذه السرعة، أيتها تشاوهوان المُبجلة؟ ربما كان أفضل لو راجعت النص مرة أخرى لعلّك تستوعبين رموزاً إضافية".

أجيب بيقين: "أيها الشوشي وينشوي، أعني أنني انتهيت من قراءة النص بأسره".

أرى نظرة دهشة تعبر وجهه، وحين يضع الكتاب الذي يقرؤه على الطاولة، يتحرك بسرعة ليقف إلى جانبي.

يسألني وهو يلتقط الكتاب من الطاولة: "إن لم يكن لديك مانع، أيتها تشاوهوان المُبجلة، أيمكنني طرح بعض الأسئلة حول النص للتحقق من عمق استيعابك؟".

أجيب: "بالتأكيد، أيها الشوشي وينشوي".

يبدأ بطرح الأسئلة حول النص وأجيب بيقين. في البداية تبدو أسئلته سهلة، لكنها تزداد صعوبة بمرور الوقت مستهدفة أندر الرموز في الكتاب. وبفضل ذاكرتي المكتشفة حديثاً أستطيع الإجابة عن كل أسئلته بكل سهولة، وكلما فعلت، كلما فاض وجهه بدهشة متزايدة. وعندما ينتهي، يغلق الكتاب بتنهيدة وينظر إليّ مطولاً.

يقول لي ناقلاً بكلماته ثقلاً استثنائياً: "يا تشاوهوان، يؤسفني إخبارك بأننا انتهينا لهذا اليوم. كانت خطة الدراسة التي أعددتها تفترض أن تستغرقي عدة أيام للانتهاء من استيعاب هذا الكتاب، لكن عبقريتك فاقتني. عليّ التفكير في كيفية المضي قدماً من هنا ومنحك تعليماً يليق ببركتك".

أنظر إليه مطرفة جفنيّ بضع مرات، ومتقمصة ألطف نظرات التوسل أتساءل: "أيمكنني أخذ كتاب إلى البيت لأقرأه حتى الغد؟".

يجيب: "بالتأكيد يا تشاوهوان، طالما أنك أنتِ من يطلب. لكن ينبغي أن تعلمي أن العقوبات إن حدث شيء لكتاب من المكتبة تكون قاسية".

ترد ليانروا فجأة على معلمي، بعدما اقتربت دون أن أنتبه: "لا تقلق، أيها الشوشي وينشوي. سأكون إلى جانبها طوال الوقت للتأكد من عدم أصابة الكتاب بسوء".

يرد معلمي ملتفتاً إليّ: "ممتاز. أي نوع من الكتب ترغبين في أخذه، يا تشاوهوان؟".

أتساءل مستهدفة بوضوح نوعاً من المعاجم: "هل هناك كتاب يضم كلمات كثيرة ويخبرني بمعانيها؟".

يمسح ذقنه مفكراً، وبعد لحظة يردف قائلاً: "انتظري ثانية واحدة، يا تشاوهوان. سأذهب لأبحث عما تطلبينه".

يختفي بين رفوف المكتبة وبعد لحظة يعود حاملاً كتاباً كبير الحجم يناوله لليانروا: "هذا يكفي لجعلها تقرأ لبعض الوقت. وما إن أنتهي من إعداد خطة دراستها الجديدة، فسأرسل خبراً إلى جناحك لتتمكن من العودة".

مومئة برأسها، تأخذ ليانروا الكتاب بذراع وتحملني بالذراع الأخرى في ما اعتبره عملاً من أعمال البهلوانية والقوة التي ينبغي أن تكون مستحيلة، لكنني رأيت واختبرت من الأمور الغريبة ما يكفي لألا أُفاجأ بشيء كهذا الآن. الشيء الوحيد الذي يمكنني التفكير فيه أثناء مغادرتنا المكتبة هو أنني ما إن أضع مخالبي على ذلك الكتاب، حتى أنوي وضع بركتي المزعومة هذه موضع الاختبار لنرى إلى أي مدى يمكنها أن تأخذني.