في أعماق القصر الإمبراطورِيّ المهيب لإمبراطورية تيانجينغ، كان الإمبراطور سُن هاو منغمسًا في ارتقائه. بدت قاعة تأمله، على عكس صالونات القصر الفاخرة، مساحة تقشفية لا يزينها سوى دائرة من الرموز الغريبة والأحجار المثبتة في الأرض، لتخلق هالة من الغموض والقوة السحيقة. جلس الإمبراطور في وسط هذه الدائرة متربعاً، وبدت ملابسه البسيطة تناقضاً صارخاً مع زيّه الإمبراطوريّ المعتاد.
اهتز الهواء في القاعة بطاقات خفية، لتتجمع طاقة التشِي داخل حدود الدائرة. بالنسبة لأعين أي ملاحظ يملك القدرة على الرؤية لما وراء المألوف، لبدت طاقة التشِي في الغرفة كأنها تتكثف بحدة ملحوظة داخل محيط الدائرة، مانحة مشهداً فاتناً. قطع طَرْق خفيف على الباب الخشبي سَكينة الجلسة. فتح سُن هاو الباب بإشارة من يده من دون أن يفتح عينيه، ليكشف عن طيف الخصي لي مينغ، أحد أكثر خُدّامه وفاءً، وهو يدخل بخطوات مدروسة ومحترمة.
قال الخصي لي مينغ مطاطئاً رأسه تحيةً واحتراماً: "يا إهتمام الإمبراطور، أرجو المعذرة على مقاطعة ارتقائك".
سأل سُن هاو فاتحاً عينيه ومسمراً نظراته على يده اليمنى: "أي أمر طارئ جعلك تقاطع جلسة ارتقائنا، أيها الخصي لي مينغ؟"
أبلغ الخصي لي مينغ بنبرة جادة: "يا مولاي، اعترضنا طريق دخيل حاول التسلل إلى جناح عَبَق السحاب. نعتقد أن نيته كانت اغتيال ژاوحوان وِن".
تصلبت ملامح سُن هاو قليلاً وسأل: "هل اكتشفتم من أرسل هذا القاتل؟"
أجاب لي مينغ وقد أقلقه ما تعنيه هكذا قدرة: "كلا، يا جلالة الملك. لكن الدخيل كان يملك بوابتين مفتوحتين".
عبرت ومضة من الغضب والفهم نظرات الإمبراطور حين سمع هذا، وقال: "إذن فهو شخص من الطائفة، وغالباً أنه مرسل من أبينا. إنه مهووس بالتخلص من حفيدته التي يراها عاراً على سمعة عائلتنا بسبب وضعها الجسدي".
سأل الخصي لي مينغ مستعداً لتنفيذ أي أمر: "ما الذي تأمرنا بفعله، يا إمبراطور؟"
أجاب سُن هاو: "اترك أمر أبينا بين أيدينا. لكن أمن ابنتنا يجب أن يُحسَّن. ما هي حالة الارتقاء الحالية ليوشي وانغ ليانحوا؟"
أجاب لي مينغ رداً على السؤال المفاجئ: "لديها بوابة واحدة مفتوحة، ولكن بما أنها فتحتها قبل أن تعلم بأمر تعيينها، فقد فتحت بوابة اليانغ كما تفعل أغلب النساء".
تابع سُن هاو: "أمرها بالتركيز على بوابة اليين. فهي الوحيدة التي تستطيع تحسين قدرتها على الحماية الآن. والآن، أخبرنا، كيف حال ابنتنا؟ أحيح أنها بدأت تتعلم القراءة؟"
أكد الخصي لي مينغ بينما كان يتنهد في باطنه راجياً ألا يدفع هذا الإمبراطور إلى نوبة جنون أخرى: "نعم، يا جلالة الملك. تُبدي الأميرة استعداداً وحماسة كبيرين تجاه الكتب التي وُفِّرت لها".
أعلن الإمبراطور بنبرة تملاها العزم الراسخ: "حسنٌ. احرص على تعيين معلم كفء لها. نريدها أن تتلقى أفضل تعليم ممكن".
سأل الخصي لي مينغ: "معلم شخصي؟ ألن نرسلها إلى الغوتسيزيان مثل بقية الأمراء؟"
أجاب الإمبراطور: "كلا. مشاكل حركتها تجعل الأمر غير مستحب، إذ سيضطر شخص ما لحملها إلى كل مكان. علاوة على ذلك، سيكون المكان مكشوفاً أكثر من اللازم في حال حدثت محاولة اغتيال أخرى. نحن نمنح الإذن لمعلم ابنتنا لاستخدام المكتبة الإمبراطورية من أجل دروسها".
أجاب الخصي لي مينغ منحنيًا بعمق قبل أن ينسحب من القاعة: "كما تأمر، يا ابن السماء".
أغلق سُن هاو الباب خلف خادمه بإشارة من يده. عاد الإمبراطور ليحول انتباهه إلى دائرة الارتقاء ومستانفاً تأمله، رغم أن عقله كان منقسماً الآن بين درب الارتقاء والقلق على ابنتته.
في هيكل إمبراطورية تيانجين المعقد والمهيب، انعكست دراسة الخصي لي مينغ، اليد اليمنى للملِك، على شخصية صاحبها، فكانت منظمة بدقة وتتقشف. ضمت رفوف الخشب الداكن لفائف النصوص القانونية ورسائل في فن الحرب والكثير منها عن الاستراتيجية السياسية. سيطر مكتب أبنوس كبير على الغرفة، ووضع عليه محبرة من اليشم وعدة أوراق مصطفة بانتظام تام. تزينة الجدران خرائط الإمبراطورية وبورتريهات الوزراء السابقين، وأنارها ضوء ناعم من مصباح زيت برونزي ألقى ظلالاً راقصة على الجدران مع حلول المساء.
وما إن بدأت الشمس تغيب تحت الأفق، حتى دُقّ بخفة على باب الدراسة الخشبي.
قال الخصي لي مينغ بصوت حازم: "ادخل".
انفتح الباب ليكشف عن رجل في نحو الخمسين، ذي لحية بيضاء طويلة ومظهر نموذجي لعالم كونفوشيوسي. ارتدى رداءً من الحرير الأزرق وقبعة عالية، وانعكس على جبينه عمر كرسه للدراسة والتأمل. كان هو الجيجيُو تشانغ تشيهاو، مدير الأكاديمية الإمبراطورية العريقة غووزيجيان.
بدأ الجيجيُو تشانغ بانحناءة احترام: "تحياتي، الخصي لي مينغ. تلقيت استدعاءً عاجلاً لمناقشة أمور تخص الإمبراطورية".
نظر الخصي لي مينغ في عين الرجل العجوز مباشرة وقال له: "جيجيُو تشانغ، شكراً لحضورك الفوري. لقد استدعيتك لأن الملِك أمر بأن تتلقى زاوحوان وين تعليماً مخصصاً. ستُعطى دروسها في المكتبة الإمبراطورية".
احتج الجيجيُو تشانغ، وبدت عليه اضطرابات واضحة بسبب خرق التقاليد: "لكن هذا أمر غير مسبوق! لم يحدث قط أن تلقى أحد أفراد العائلة الإمبراطورية تعليماً خارج شكليات غووزيجيان".
قاطع الخصي لي مينغ بصرامة، وجعل نبرته توضح أنه لا مجال للنقاش: "إن كانت لديك اعتراضات، فيمكنك التعبير عنها للملِك مباشرة. أتقول إنك لن تمتثل لأوامر جلالته؟"
وسمع هذا، فصمت الجيجيُو تشانغ، وانعكس على وجهه ثقل الموقف.
وختم الخصي لي مينغ مشيراً نحو الباب: "هذه أوامر الملِك المباشرة. يمكنك الانصراف الآن".
أدى الجيجيُو تشانغ انحناءة وقد ملأ السخط تعبير وجهه، وغادر الدراسة متجهاً نحو غووزيجيان. وبعد مغادرة الجيجيُو تشانغ، ظل الخصي لي مينغ شارداً لبرهة وهو يطيل النظرة إلى الباب، وبدا وكأنه توصل إلى قرار ما، إذ خرج من تأمله وبدأ يكتب شيئاً على ورقة وضعها في مظروف.
ثم استدعى أحد رجاله الموثوقين وناوله إياه: "سلّم هذا إلى الأمير الثالث، ولكن كن شديد الحرص في كتمان الأمر".
فأجابه الرجل: "كما تأمر، أيها الخصي".
أخذ المظروف وغادر الدراسة، تاركاً الخصي لي مينغ غارقاً في أفكاره مرة أخرى.
كانت غووزيجيان الواقعة في قلب الإمبراطورية مجمعاً من المباني المهيبة تحيط بها حدائق معتنى بها بدقة. وتوزعت الفصول الدراسية والمهاجع حول فناء مركزي كبير يمارس فيه الطلاب الخط العربي ويتناقشون في النصوص الكلاسيكية. وتقع دراسة الجيجيُو تشانغ في المبنى الرئيسي، ومزينة برايات تحمل شعار الأكاديمية.
وعند وصوله، مر الجيجيُو تشانغ بعدة أمناء وأمرهم بصوت حازم: "اعثروا على كل معلم متاح وأخبروهم أن عليهم التجمع في قاعة الهيئة التدريسية خلال نصف فترة".
وبعد نصف فترة، دخل الجيجيُو تشانغ قاعة الهيئة التدريسية حيث انتظره نحو عشرين عالماً، وقد ملأت وجوههم الحيرة والقلق بسبب مفاجأة الاستدعاء.
فبدأ خاطفاً انتباه الجميع: "أيها الزملاء، لقد أمر الملِك بأن تتلقى ابنته زاوحوان وين تعليماً فردياً. أنا بحاجة إلى متطوع ليتحمل هذا الشرف".
وحل صمت مذهل على الغرفة. وبعد لحظات قليلة، بدأت الأعذار تظهر بين العلماء.
قال أحدهم متجنباً نظرات الجيجيُو تشانغ: "أنا... أنا مسؤول عن الإشراف على أطروحة تخرج هذا الفصل".
وادعى آخر سعالاً خفيفاً ليؤكد نقطته: "صحيحتي لا تسمح لي بتكريس الوقت اللازم للأميرة".
وبينما قدم الأساتذة أسبابهم المختلفة لعدم قدرتهم على تولي المهمة، مسح الجيجيُو تشانغ الغرفة بنظره، وأظلم تعبير وجهه حين فهم السبب الحقيقي وراء أعذارهم. وأخيراً استقرت نظراته على زاوية جلس فيها رجل قصير وبدين يعرف باسم الشويشي وينشُو، مندمجاً في كتاب ويبدو غافلاً عن الجلبة.
فنادى الجيجيُو تشانغ: "الشويشي وينشُو".
فرفع الرجل بصراحه رافعاً حاجبًا باستفسار.
فقال له الجيجيُو تشانغ بحزم: "ستكون المعلم الخاص لزاوحوان وين".
فأجاب العالم المسمى بالشويشي وينشُو: "أنا آسف يا جيجيُو تشانغ، لكنني في الوقت الحالي وسط بحث هام لا يمكنني تنحيته جانباً".
فأجاب الجيجيُو تشانغ: "إنه أمر شخصي من الملِك. علاوة على ذلك، فقد أمر بأن تُعطى دروسها في المكتبة الإمبراطورية".
وعند ذكر المكتبة الإمبراطورية، أشرق وجه الشويشي وينشُو.
وأجاب بحماسة وقد أثار احتمال الوصول إلى المكتبة اهتمامه بوضوح: "سأنفذ أوامر الملِك بسرور بالغ".
وهكذا، بهدف جديد ومسؤولية توجيه قائدة الإمبراطورية المستقبلية، نهض الشويشي وينشُو ليواجه مهمته الجديدة والرفيعة، والتي لم يكن لها أي صلة على الإطلاق بحقيقة أنها تمنحه حق الوصول إلى المكتبة الإمبراطورية، وهو أمر طالما حلم به. وفي هذه الأثناء، راقبه الجيجيُو تشانغ وهو يمضي، داعياً ألا تكلفه تداعيات هذا القرار رأسه.